Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أحمدُ بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد بن سُلَيمان بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد بن المُطَهَّر

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 1032, entry [338]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: أحمدُ بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد بن سُلَيمان بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد بن المُطَهَّر
page 1032, entry [338]Open original source
أحمدُ بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد بن سُلَيمان بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد بن المُطَهَّر بن زِيَاد بن رَبيْعَة بن الحَارِث بن رَبيْعَة بن أنْوَر بن أرْقَم بن أسحَم -وقيل: أنوَر بن أسحَمِ- ابن النُّعمان، وهو السَّاطع بن عَدِيّ بن عَبْد غَطَفَان بن عمرو بن بَريح بن جَذِيْمَة بن تَيم اللَّات -وهو مجتَمع تَنُوخ- ابن أسَد بن وبرة بن تَغْلِب بن حلْوَان بن عِمْران بن الْحاَف بن قُضاعَة بن مَالِك بن عمْرو بن مُرَّة بن زَيْد بن مَالِك بن حِمْيَر -وهو العَرَنْجج (a) - بن سَبأ بن يشجُب بن يعرب بن قحطَان بن عَابَر، وهو هود ﵇، أبو العَلَاءَ بن أبي مُحَمد التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ (¬١) قرأ النَّحو واللُّغَةَ على أبيهِ أبي مُحَمد عَبْد اللّه بمَعَرَّة النُّعْمَان، ومُحَمد بن عبد اللّه بن سَعْد النَّحْوِيّ بحَلَب.وحَدَّثَ عن أَبيه أبي مُحَمد عبد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد [بن سُليمان] (a) بن محمد، وجَدّه سليمان بن محمد، وأبي الفتح محمَّد بن الحسن بن روح، ويحيى بن مِسْعَر أبي زكَرِيَّاء وأخوَيْهِ أبي المَجد مُحَّمد وأبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحد ابني عَبْد الله، وأبي الفَرَج عبد الصَّمَد بن أحْمَد بن عبد الصَّمَد الفَقيه الضَّرِيْر الحْمِصيّ، وأبي عبد اللّهِ محمد بن يوسف الرَّقِّيّ المعروف بابنِ كَرَاكير، وأبي بكر محمد بن عبد الرَّحْمن بن عمْرو بن عبد الرَّحيم الرَّحبيّ، والقَاضي أبي عمْرو عُثْمان بن عبد اللّه الطَّرَسُوسيِّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وجَدّته أمّ سَلمة بنت الحَسَن بن إسحاق بن بُلْبُل. ورَحلِ إِلى بَغْدَاد سَنَة ثمان وتِسعِين وثَلاثمائة، ودَخلها سَنَةَ تسعٍ وتِسعِين وثَلاثِمائة، وسمع بها أبا الحَسَن عليّ بن عِيسَى الرَّبَعيِّ، وأبا أحْمَد عَبْد السَّلام بن الحُسَين البَصْرِيّ المَعْرُوف بالوَاجْكا. وقرأ عليه ببَغْدَاد أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ، وابن فُوْرَجَة، ورَوَى عنهُ أبو زكَرِيَّاءيَحْيَى بن عليّ الخَطِيب التبِرْيزيّ، وأقام مُدّة بالمَعَرَّهَ يقرأ عليه، وأبو المكارِم عبد الوارِث بن محمد بن عبد المنعِم الأبْهَرِيّ، وأبو محمد الحسن بن علي بن عُمَرَ المعرُوف بقَحْف العِلْم، وابن أخيهِ القَاضِي أبو مُحَمد عبد اللّه بن مُحَمَّد قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، وابنُهُ أبو المجد مُحَمد بن عبد اللّهِ بن مُحَمد، والشَّيْخ أبو الحُسَين عليِّ بن مُحَمد بن عَبْد اللَّطِيْف بن زُرَيْق المَعَرِّيّ، وابنُهُ أبو الفَضْل أحْمَد بن عليّ، روَى عنهُ سَبْعة أجْزاءٍ من حديث أبي العَلَاءَ عن شُيُوخه، وأبو الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن عَبْد اللَّطِيْف بن زُرَيق، وجَدُّ جَدِّي أبو الفَضْل هِبَةُ اللّه بن أحْمَد بن يَحْيَى بن أبي جَرَادَة، وأبو مُحَمَّد عبدُ اللّه بن مُحَمد بن سَعيد بن سنَان الخفاجِيّ الحَلَبِيَّان، والقَاضِي أبو الفَتْح ابن أحْمَد بن أبي الرُّوْس السَّرُوجِيَّ، والخلَيل بن عَبْد الجبَّار بن عبد اللّه التمِّيْمِيّ القُرَّائيّ، وعُثْمان بن أبي بَكْر السَّفَاقُسِيّ المغرِبيّ، وأبو التّمَّام غَالِبُ بن عِيسَى بن أبي يُوسُف الأنْصَاريُّ الأنْدَلُسِيُّ، وأبو الخَطَّاب العَلَاءُ بن حَزْم الأندَلُسِيّ، وأبو الحَسَن عليّ ابن أخيهِ أبي المجد بن عبد اللّه بن سُلَيمان، وزَيْد ابن أخيهِ أبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحد، وأبو غَالبِ هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن المُهَذَّب، وأبو صالح مُحَمَّد بن المُهَذَّب بن عليّ بن المُهَذَّب، وأبو اليَقْظَان أحْمَد بن مُحَمد بن أبي الحَوَارِيّ، وأبو العبَّاس أحْمَدُ بن خلَف المُمْتع، وابن أُخْته إبْراهيم بن الحَسَن البَليغْ، ومُحَمد بن الخَضِر المَعْرُوف بالسَّابِق بن أبي مهزُول، وأبو الفَضْل بن صالح المَعَرِّيُّون، والقَاضِي أبو القَاسِم المحسِّن بن عَمْرو التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ، وأبو القَاسِم عُبَيْدُ اللّه بن عليّ بن عبد اللّهِ الرَّقِّيّ الأدِيب، وأبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللّهُ، وأبو نَصْر مُحَمد بن مُحَمد بن هُمَيْماه السَّالَار، وأبو الحَسَن الدُّلَفيّ الشَّاعرُ المِصِّيْصيُّ، وأبو سَعْد إسْمَاعِيْل بن عليّ السَّمَّانُ، وأبو الوَلِيد الدَّربندِيُّ، وأبو طَاهِر مُحمَّدُ بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر الأنْبارِيّ، وأبو عَبْد اللّه مُحَمد بن مُحَمد بن عبد اللّهِ الأصبَهَانيّ، وأبو الفَرَج مُحَمدُ بن أحْمَد بن الحَسَن التَبِرْيزيّ، وأبو المُظَفَّر إبْراهيم بن أحْمَد بن اللَّيْث الأذْرِيّ.وكُتَّابه الّذين كانوا يَكْتُبون مُصنَّفاته وما يُمليه: أبو الحَسَن عليّ بن عُبَيْد اللّه بن أبي هاشِم، وابنه أبو الفَتْح مُحَمد بن عليّ، وجَعْفَر بن أحْمَد بن صالح، وأبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن إبراهيم الخَطِيبُ القَارِئ. وكان خَشن العَيْش، قَنُوعاً من الدُّنْيا بمِلْكٍ ورثَهُ من أبيهِ، والنَّاس فيه مُخْتلفُونَ على مَذْهَبين؛ منهِم مَنْ يقُول إنَّهُ كان زِنْدِيقاً مُلْحِداً، ويَحْكُون عنه أشياء تَدُلُّ علِى كُفْره، ومنهم منْ يقُول إنَّهُ كان على غايةٍ من الدِّين والزُّهْد، وأنّه كان يأخذ نفسَه بالرِّيَاضَة والخشُونَة وظَلَف العَيْش، وأنَّهُ كان مُقْتَنِعاً بالقليل، غير رَاغِب في الدُّنْيا، وسأُوْرد من قَوْل كُلّ فَريق ما فيهِ كِفَايَة ومَقْنع. وقد أفْرَدْتُ كتاباً جَامِعًا في ذكْره، وشَرَحْتُ فيه أحْوَاله، وتبيَّنتُ وَجْه الصَّوَاب في أَمره، وَسمْتُه بدَفع الظُّلْم والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ (¬١)، فَمن أرادَ مَعْرفَة حَقِيْقَة حالِه فليَنْظر في ذلك الكتاب، فإنَّ فيه غُنْيَة في بيان أمره، وتَحْقيق صحَّة اعْتقاده، وعُلو قَدْره إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. أخبَرَنا أبو عَبْد اللّهِ مُحَمد بن أبي المَعَالِي بن البنَّاءِ البَغْدَاديّ بدمَشْق، وأبو سَعْد ثَابِتُ بن مُشَرَّف بن أبي سَعْد البنَاءُ البَغْدَاديّ بحَلَب، قالا: أخبَرَنا أبو بَكْر مُحَمدُ بن عُبَيْد اللّه بن نَصْر بن الزَّاغُونِيّ، قال: حدَّثَنَا أبو طَاهِر مُحَمد بن أحْمَد بن أبي الصَّقْر الخطِيبُ الأنْبارِيُّ (¬٢)، من لفظه، قال: أخبَرَنا أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد اللّهِ بن سُلَيمان التَّنُوخِيّ، بقراءتي عليهِ في دَاره بمَعَرَّة النُّعْمَان، قال: حدَّثني أبو زَكَريَّاء يَحْيَى بن مسْعَر التَّنُوخيّ المَعَرِّيّ، قال: حدَّثنَا أبو عَروبَة بن أبي مَعْشر الحرانيّ، قال: حدَّثَنَا هَوْبَر، قال: حَدَّثَنَا مَخْلَد بن عِيسى الخيَّاط، عن أبي الزَّنَادِ،عن أنَس بن مالِك، عن النبَّي ﷺ أنّهُ كان يقُول: إنَّ الحَسَد ليأكُل الحَسَنات، كما تَأكُل النَّار الحَطَبَ، وإنَّ الصَّدَقَة تُطْفِئ الخطيئَةَ، كما يُطْفِىُء الماءُ النَّار، فالصَّلاةُ نُور المُؤْمِن، والصِّيَامُ جُنَّة من النَّار. قَرأتُ بخَطِّ أحْمد بن عليّ بن عَبْد اللَّطِيْف المَعَرِّيّ: ووُلد -يعني أبا العَلَاء- يَوْم الجُمُعَة عند غروب الشَّمْس لثلاثة أيَّامٍ مَضَتْ من شهر رَبيع الأوَّل سنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة. وقَرأتُ في تاريخ جَمَعهُ أبو غَالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جَعْفَر بن عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ التَّنُوخيّ (¬١)، قال: سنَة ثَلاث وستِّين وثَلاثِمائة، فيها وُلد الشَّيْخِ أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد اللّه بن سُلَيمان المَعَرِّيّ التَّنُوخيّ، يَوْم الجُمعَة لثلاث بَقِين من شهر رَبيع الأول. وسَيَّرَ إليَّ قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك بن سُلَيمان جُزْءاً بخَطِّه، يتَضَمَّن أخْبَار بني سُليْمان، نقلَهُ من نسخةٍ عندَهُ، فقال في ذكْر أبي العَلَاء (¬٢): وُلد يَوْم الجُمعَة قبل مَغِيْب الشَّمس لسَبع وعشرين ليلَة خلتْ منِ شهر رَبيع الأوَّل سنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وِثَلاثِمائة، واعْتَلَّ علَّة الجُدَرِيّ الًّتي ذَهَبَ بصرُه فيها في جُماَدَى الأُوْلَى من سَنَة سبعٍ وستِّين وثَلاثِمائة. أنبأنَا أبو اليمنْ الكندِيُّ قال: أخبَرَنا أبو مَنْصور بن زُريْق، قال: أخبَرَنا أبو بكْر الخَطِيبُ (¬٣)، قال: حدَّثني أبو الخَطَّاب العَلَاءُ بن حزْم الأنْدَلُسِيّ، قال: ذكَرَ لي أبو العَلَاء المَعَرِّىّ أنَّهُ وُلد في يَوم الجُمعَة لثلاثٍ بَقِين من شهَر رَبيع الأوَّل سَنَة ئَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة. أخبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر أحْمَد بن عليّ، وأبو المحامِد إسماعِيْل بنحَامِد بن عبد الرَّحْمنِ القُوصِيّ، قالا: أخبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن المُؤيَّد بن أبي اليَقظَان أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَوَاري التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ -قال أبو الحَسَن: إجَازَةٌ- قال: أخبَرَني جَدِّي أبو اليقظَان، قال: كانَ مَوْلدُ الشَّيْخ أبي العَلَاء بن سُلَيمان المَعَرّيِّ، ﵀، بمَعَرَّة النُّعْمَان يَوْم الجُمُعَة مَغِيْب الشَّمْس لثَلاثٍ بَقِينَ من شَهر ربيع الأوَّل سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وثَلاثِمائة، وجُدِّرَ في أوَّل سَنَة سَبع وسِتِّين وثَلاثِمائهَ فعَمِيَ من الجُدَرِيّ، وغَشِيَ يُمنَى حدقتَيهِ بياضًا، وأذْهَبَ اليُسْرى جُمْلَةً. ورَحَل إلى بَغْدَاد سَنَة ثمانٍ وتِسعِين، ودخلها سَنَة تِسعٍ وتِسعِين، وأقامِ بها سَنَةً وسَبْعَةَ أشْهُر، ولَزِمَ مَنزِله عند مُنْصَرَفه من بَغْدَاد مُدَّة سَنَة أرْبعمائة، وسَمَّى نفسَهُ رَهِيْنَ المحبَسَيْن للزُومِهِ مَنزِلَهُ ولذَهَابِ عَيْنَيْه. وتُوفِّيَ بين صَلاتي العشَاءين ليلَة الجُمُعَة الثَّالث من شهر رَبيع الأوَّل سَنَة تِسْعٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة، فكانَ عمرُهُ ستًّا وثمانين سَنَةً إلَّا أربَعةً وعشرين يَوْمًا، ولم يَأكُل اللَّحمِ من عُمره خَمْسًا وأرْبعين سَنةً، وقال الشِّعْر وهو ابنُ إحدَى عَشْرة سنَةً أو اثْنَتي عشْرة سنةً، رَحْمَةُ اللّه عليه. أخبَرَنا أبو القَاسم الحُسَين بن عبد اللّه بن رَوَاحة الحَمَوِيّ، عن أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمد السّلَفِيّ (¬١)، قال: سمِعْتُه -يعني أبا مُحَمَّد عبد اللّه بن الوَلِيد في غَرِيب الإيَادِيّ المَعَرِّىّ -يقول: دَخَلتُ على أبي العَلَاءِ وأنا صَبيٌّ معِ عَمِّي أبي طَاهِر نَزورُه، فرأيته قَاعِدًا علِى سجَّادَة لِبْدٍ وهو يُسَبّحُ، فدَعا لي، ومسح على رأسي، وكأنِّي أنْظُر إليه السَّاعةَ، وإلى عَيْنَيه إحداهُما بادرَةٌ والأخرى غَائرةٌ جدًّا، وهو مُجَدَّرُ الوَجْه نَحِيْف الجِسْمِ. أخبَرَني والِدي، ﵀، يَأْثرهُ عن شُيُوخ الحلبِيِّيْن أنَّهُ بَلَغَهُم أنَّ أبا العَلَاء بن سُلَيمان قال: أُحقِّقُ من الألْوَان لونَ الحُمرةِ، وذلكَ أنَّني لمَّا جُدِّرْتُألبسَتْني أُمّيِ قَمِيْصًا أحْمَر، فأنا أذُكُر ذلك اللَّوْن وأحقِّقُه قبل العَمَى. وقَرَأتُ فيما سَيَّره القَاضِي أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك قاضيِ المَعَرَّة من أخْبَار بنيِ سُليْمان، قال: ولمَّا قَدِمَ من بَغْدَاد -يعنى أبا العَلَاء- عزمَ على العُزْلَةِ والانْقِضَاب (a) من العالَم فكَتَبَ إلى أهْلِ مَعَرَّة النّعْمَان (¬١): ﷽ هذا كتابٌ إلى السَّكنِ المُقِيمِ بالمَعَرَّة، شَملَهُم اللّهُ بالسَّعَادَهَ، من أحْمَد بن عبد اللهِ بن سُلَيمان، خَصَّ به منْ عَرَفَهُ ودَانَاهُ، سَلَّم اللّهُ الجَمَاعَةَ ولا أَسْلَمَها، وَلَمَّ شعَثَها ولا آلَمَها. أمَّا الآن؛ فهذه مُنَاجَاتي بعدَ مُنْصَرفي (b) عن العِرَاق، مجُتَمعِ أهْلِ الجَدَل، ومَوْطن (c) بَقيَّة السَّلَف، بعد أنْ قضَيْتُ الحَدَاثَة فانْقَضَتْ، وودَّعْتُ الشَّبِيْبَةْ فَضَمتْ، وحَلبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ، وخَبَرْتُ (d) خَيْرهُ وشَرَّهُ، فوَجَدْتُ أقْوَى (e) ما أَصْنَعُه أيَّام الحَيَاة أنْ اخْتَرتُ (f) عُزْلَةً تَجْعَلُني من النَّاس كَبَارِح الأرْوَى من سَانح النّعَامِ، وما أَلَوْتُ نَصِيْحةً لنَفْسي، ولا قَصَّرْتُ في اجْتذاب المَنْفَعَةِ إلى حَيِّزِىِ، فأجْمَعْتُ على ذلك، واسْتَخَرْتُ اللّه فيهِ بعد جَلائه عن (g) نَفَرٍ يُوثَقُ بخَصَائِلهم، فكُلُّهم رآهُ حَزْمًا، وعَدَّهُ -إذا تمَّ- رُشْدًا، وهو أمْرٌ أُسْرِي عليهِ بلَيْلٍ قَضَى سِنه (h)، وخبَتْ به النَّعامَةُ، ليسَ بنَسْج (i) السَّاعَة، ولا رَبِيْب الشَّهْروالسَّنَة، ولكنَّهُ غَذِيُّ الحِقَب المُتقادِمَة، وسَلِيْل الفِكْر الطَّويل. وبادَرْتُ إعْلَامَهُم ذلك، مَخافَة أنْ يتفَضَّل منهم مُتَفَضِّلٌ بالنُّهُوض إلى المَنْزل الجَارِيَة عادَتي بسُكْنَاهُ ليلْقَاني فيه، فيَتَعذَّر ذلك عليه، فأكُونُ قد جَمَعْتُ بين سَمْجين: سُوءَ الأدَبِ، وسُوءِ القَطِيْعَة، ورُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ له. والمثَل السَّائرُ: خَلّ أمرأً وما اخْتَار، وما أَسْمَحَت القُرُون الإيَابَ (a) حتَّى وعَدْتُها أشياءَ ثلاثةً: نبْذةً كنَبْذة فَتِيْق النُّجُوم، وانْقِضَابًا من العَالَم كانْقِضَاب القَائِبَة (b) من القُوْبِ، وثَبَاتًا في البَلَدِ أنْ جَالَ (c) أهلُه من خَوْف الرُّوم، فإنْ أبَى مَنْ يُشْفِقُ عليَّ أو يُظْهِرُ الشَّفق إلَّا النَّفْرَة مع السَّوَادِ، كانت نَفْرةَ الأعْضَب (d) والأَدْمَاءَ. وأَحْلِفُ: ما سَافَرتُ اسْتَكْثرُ من النَّشَبِ، ولا أتكثَّرُ بلقاء الرِّجَال، ولكن آثرْتُ الإقامةَ بدار العِلْم، فشَاهَدْتُ أنْفَسَ ما كان (e) لم يُسْعف الزَّمَن بإقامِتي فيه، والجاهِلُ مُغالبُ القَدَر، فلَهِيْتُ عمَّا اسْتَأثَر به الزَّمانُ، واللّهُ يَجْعَلُهُم أحْلَاسَ الأوْطَان لا أحْلَاسَ الخَيْل والرِّكَاب، ويُسْبِغُ عليهم النِّعْمَة سُبُوْغَ القَمْراءَ الطَّلْقة على الظَّبْي الغَرير، ويُحْسنُ جزاءَ البَغْدَاديّينَ، فلقَدْ وصَفُوني بما لا أسْتَحقّ، وشهدُوا لي بالفَضيْلَة على غير عِلْم، وعَرَضُوا عليَّ أمْوالَهم عَرْضَ الجِدِّ، فصادفُوني غير جَذِلٍ بالصِّفَاتِ، ولا هَشّ إلى مَعْرُوف الأقْوَام. ورَحَلْتُ وهُمْ لرِحْلَتي كارهُونَ، وحَسْبي اللّهُ وعليه فليَتوكَّل المُتَوَكّلِونَ (¬١). قال (¬٢): وإنَّما قيل له رَهْن المَحْبسَين للزُومِهِ مَنْزِله، وكفّ بَصره، وأقاممُدَّةً طَوِيلَةً في مَنْزِله مُحْتَجبًا لا يَدْخُل عليه أحَدِّ، ثمّ إنَّ النَّاسَ تَسَبَّبُوا إليه حتَّى دخَلُوا عليه، فكتَبَ الشَّيْخُ أبو صالحِ مُحَمَّد بن المُهَذَّب إلى أخيه أبي الهَيْثَم عَبْد الوَاحِد بن عبد اللّه بن سُلَيمان رحِمهما اللّهُ في ذلك: [من الطويل] بشَمْسِ زَرُودٍ لا ببَدْرِ مَعَانِ … أَلمَّا وإنْ كانَ الجَمِيْعُ شَجَاني يقول فيها: أبا الهَيْثَمِ اسمَعْ ما أقُوْلُ فإنَّما … يُعيْن علىِ ما قُلْتُ خَيْر مُعَانِ قَرِيْضي هجَاءٌ إنْ حرَمْت مَدِيْحَهُ … لأرْوَعَ وضَّاحَ الجَبِيْن هَجَانِ أطَلَّ على بَغْدَادَ كالغَيْثِ جَاءَهَا … بأَسْعدِ نَجْمٍ في أَجَلِّ أوَانِ نَضَاهَا ثيابَ المَحْل وَهْيَ لِباسُها … وبَدَّلَها من شِدَّة بلِيَانِ فيا طيْبَ بَغْدَاد وقد أَرَجَتْ بهِ … على بُعْدِها الأطْرافُ من أرَجَانِ غَدَا بكُمُ المَجْدُ المُضِيءُ وإنَّهُ … ليُقْمَرُ من أضْوَائهِ القَمَرانِ مُسِرِّ المَعَالِي دُوْنَنا هل يُسِرُّها … بُطُونَ وهَاد أو ظُهُورَ رعَانِ نَأَى ما نأى والمَوْتُ دونَ فِرَاقهِ … فما عُذْرُهُ في النَّأي إذ هُوَ دَانِ فكُن حَاملًا منِّي إليه رِسَالةً … تُبَيّنُ ليْنًا في هضَابِ أبَانِ فإنْ قال: أَخْشَى من فُلَانٍ تَشَبُّهًا … فقُل: ما فُلَانٌ عندنا كَفُلَانِ هُوَ الخِلُّ ما فيه اخْتِلالُ مَوَدَّةٍ … فلا تَخْشَ منهُ زلَّةً بضَمَانِ فإنْ خُنْتُ عَهْدًا أو أسَأْتُ خليْقةً … ولم يَكُ شَأني في المَوَدَّةِ شَاني فلَا أَحْسَنَتْ في الحَرْب إمْسَاكَ مَقْبضي … يَميني ولا يُسْراي حفْظَ عنَاني لعَلَّ حَياتي أنْ تَعُودَ نَضِيرَةً … لديهِ كما كانتَ وطيب زَماني قُلتُ: وكان أبو صالح بن المُهَذَّب (a) قائل هذا الشِّعْر (b) ابنَ عَمَّة أبي العَلَاء.وكان أبو العَلَاءَ مُفْرِط الذَّكَاء والحِفْظ، وأخْبَرَني والِدي ﵀ فيما يَأْثِرهُ عن أسْلَافه أنَّهُ قيل لأبي العَلَاءِ: بِمَ بلغْتَ هذه الرُّتْبَة في العِلْم؟ فقال: ما سَمِعْتُ شيئًا إلَّا حَفِظتُه، وما حَفظْتُ شيئًا فَنَسِيتُه. وحَكَى لي أيضًا وِالدي فيما يَأْثِرهُ عنِ سَلَفه (¬١)، قال: سارَ أبو العَلَاء من المَعَرَّة إلى بَغْدَاد، فاتَّفَقَ عند وُصُوله إليها مَوْت الشَّريف أبي أحْمَد الحُسَين والد المُرْتَضَى والرَّضِيّ، فدخَلِ إلى عزيَّته، والنَّاس مُجْتَمعُون، فَتَخطَّى النَّاس في المَجْلِس، فقال له بعضُهُم ولم يَعْرفه: إلى أَينَ يا كَلْب؟ فقال: الكَلْب مَنْ لم يَعْرف للكَلْب كَذَا وكَذَا اسْمًا، ثمّ جلسَ في أُخْرَيَات النَّاس إلى أنْ أنشَدَ الشُّعَراء، فقام وأنْشَد قَصْيدَته الفائيَّة الّتي أوَّلها: [من الكامل] أودَى فليْتَ الحادِثَاتِ كَفَافِ … مَالُ المُسيْفِ وعَنْبَرُ المُسْتَافِ (¬٢) يَرْثِي بها الشَّريف المُتَوفَّى، فلمَّا سَمِعها الرَّضِيّ والمُرْتَضَى قاما إليه ورفَعا مَجْلسَه إليهما، وقالا له: لعلَّكَ أبو العَلَاء المَعَرِّيّ؟ فقال: نعم، فأكْرَماهُ واحْترَماهُ، وطَلَب أنْ تُعْرضَ عليه الكُتُب الّتي في خَزَائن بَغْدَاد، فأدْخِل إليها وجَعَل لا يُعْرض عليه كتَاب إلَّا وهو على خَاطِره، فعَجبُوا من حِفْظه. وزَادني غير والدي أنَّه لمَّا أنْشَد: [من الكامل] أودَى فليْتَ الحادِثَاتِ كَفَافِ قيل له: كِفَاف، فأعادَها: كَفَاف، فتأمَّلوا ذلك وعرفُوا أنَّ الصَّوَاب ما قال. أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو عليّ المُظَفَّرُ بن الفَضْل بن يَحْيَى العَلَويّ الإسْحَاقِيّ، إجَازَةً كَتَبَها لي ببَغْدَاد وأنا بها، وقد اجْتَمَعْتُ به بحَلَب وعَلَّقتُ عنهفَوَائِد (¬١)، قال: حَدَّثَني والدي ﵁ وأرْضَاهُ يَرْفعُه إلى ابن مُنْقِذ، قال: كان بأنْطَاكِيَة خِزَانَهَ كُتُب، وكان الخَازِن بها رَجُلًا عَلَويًّا، فجلَسْتُ يَوْمًا إليه، فقال: قد خَبَّأتُ لك غَريبهً طَرِيفَةً لم يُسْمَع بمثْلها في تاريخ ولا كتاب مَنْسُوخ، قُلتُ: وما هي؟ قال: صَبِيُّ دُونَ البُلُوغ ضَرِيْرٌ يتردَّدُ إليَّ، وقد حَفَّظْتُه في أيَّام قَلائل عدَّة كُتُب، وذاكَ أنَّني أقرأ عليه الكُرَّاسَة والكُرَّاسَتَيْن مرَّةً وَاحدَةً فلا يَسْتَعيْد إلَّا ما يَشُكُّ فيه، ثمّ يَتْلُو عليَّ ما قد سَمِعَهُ كأنَّهُ قد كان مَحْفُوظَهُ، قُلتُ: فلعَلَّهُ يكُون يحفَظُ ذلك، قال: سُبْحَان اللّه كُلّ كتاب في الدُّنْيا يكونُ مَحْفُوظًا له! وإنْ كان ذلكَ كذَلكَ فهو أعْظَمُ. ثمّ حَضَر المُشَار إليه، وهو صَبيٌّ دَمِيْمِ الخِلْقَة، مَجْدُور الوَجْهِ، على عَيْنَيهِ بياضٌ من أثَر الجُدَرِيّ كأنَّهُ ينظرُ بإحْدى عَيْنيه قَليلًا، وهو يتَوَقَّد ذَكَاء، يقُوْدُهُ رَجُلٌ طُوَالٌ من الرِّجَال أحْسِبُهُ يقْربُ من نسَبهِ، فقال له الخَازِنُ: يا ولدي، هذا السَّيِّد رَجُل كبيرُ القَدْر، وقد وَصفْتُكَ عندَهُ، وهو يُحبُّ أنْ تَحْفَظ اليَوْمَ ما يَخْتارهُ لكَ، فقال: سَمْعًا وطاعةً؛ فليَخْتَر ما يُريد. قال ابن مُنْقِذ: فاخْتَرتُ شيئًا وقرأتُه على الصَّبِيّ، وهو يَمُوْج ويَسْتَزيدُ، فإذا مرَّ بهِ شيءٌ يحتاجُ إلى تَقْريره في خَاطِره يقول: أَعِدْ هذا، فأُرَدِّدُهُ عليه مرَّةً وَاحدَةً حتَّى انْتَهَيْتُ إلى ما يَزِيدُ على كُرَّاسَةٍ، ثمّ قلتُ له: يُقْنِع هذا من قِبَل نَفْسي، قال: أَجَلِ حَرَسكَ اللّهُ، قُلتَ: كذَا وكذَا وتلا عليَّ ما أمليْتُه عليه وأنا أعارضُه بالكتاب حَرْفًا حَرْفًا حتَّى انتهَى إلى حيثُ وقَفْتُ عليه، فكادَ عَقْلي يذهَبُ لِمَا رأيتُ منه، وعَلِمْتُ أنْ ليسَ في العالَم مَنْ يَقدر على ذلك إلَّا أنْيَشاءَ اللّه، وسألتُ عنه فقيل لي: هذا أبو العَلَاءِ التَّنُوخِيّ من بَيْت العِلْم والقَضَاءِ والثَّرْوَة والغَنَاء (a). قُلتُ: ذِكْرهُ لهذه الحِكايَة أنَّها كانتْ بأنْطَاكِيَةَ لا يَصِحُّ، فإنَّ أنْطَاكِيَة اسْتَوْلَى عليها الرُّومُ وانْتَزعُوها من أيْدي المُسْلمِيْن في ذِي الحِجَّة سنَة ثمانٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، ووُلِدَ أبو العَلَاءِ بعدَ ذلك بأرْبَع سِنِين وثلاثة أشْهُر، وبقيَتْ أنْطَاكِيَةُ في أيْدي الرُّوم إلى أنْ ماتَ أبو العَلَاء بن سُلَيمان في سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة وبعده إلى أنْ فَتَحها سُليْمانُ بن قُطَلْمش في سَنَة سَبعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فكيف يُتَصَوَّر أنْ يكونَ بها خِزَانَة كُتُبٍ وخَازِن عَلَويّ وهي في أيْدِي الرُّوم، ويُشْبه أنْ تكون هذه الوَاقِعَةُ بكَفَرْ طَاب أو بغيرها، وقد يتصحَّف كَفَرْ طَاب بأنْطَاكِيَة، وابن مُنْقِذ أبو المُتَوَّج مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ كان من أقْرَان أبي العَلَاء، وكانت له كَفَرْ طَاب فيُحْتمل أنْ يكون ذلك كان معه، واللّهُ أعْلَمُ. وقَرَأتُ في كتاب جِنَان الجِنَان، ورباض الأذْهَان، لابن الزُّبَيْر المِصْرِيّ ما يُناسب هذه الحِكايَة، قال ابنُ الزُّبَيْر (¬١): حَدَّثَني القَاضِي أبو الفَتْح مَحْمُود ابن القَاضِي إسْمَاعِيْل بن حُمَيْد الدِّمْياطِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَني هِبَةُ اللّه بن مُوسَى المُؤيَّد في الدِّين، وكانتْ بينَهُ وبينَ أبي العَلَاء صَدَاقَةٌ ومُرَاسلَةٌ، قال: كُنْتُ أسْمَعُ من أخْبَار أبي العَلَاء وما أُوتيَهُ من البَسْطة في عِلْم اللِّسَان ما يَكْثُر تَعَجُّبي منهُ، فلمَّا وصَلْتُ المَعَرَّة قَاصِدًا للدِّيَار المِصْرِيّةِ لم أقَدِّم شيئًا على لقائهِ، فحضَرتُ إليه، واتَّفَق حضُور أخي معي، وكُنتُ بصَدَد أشْغَالٍ يحتاجُ إليها المُسَافِر فلم أسْمَح بمُفَارقته والاشْتغال بها، فتحدَّثَ معي أخي حَدِيثًا باللِّسَان الفَارِسِيِّ، فأرشَدْتُه إلى ما يَعْمله فيها، ثمّ عُدْتُ إلى مُذَاكَرَة أبي العَلَاء، فتجارينا الحَدِيْثَإلى أنْ ذَكَرْتُ ما وُصِفَ به من سُرْعَة الحِفْظ، وسَألتُه أنْ يُريَني من ذلك ما أحْكِيه عنه، فقال: خُذ كِتَابًا من هذه الخِزَانَة -لخِزَانَة قريبةٍ منه- واذْكُر أوَّلَهُ، فإنِّي أُوْردُهُ عليك حِفْظًا، فقُلتُ: كتَابُكَ ليس بغَرِيْب إنْ حَفِظْته، قال: قد دار بَيْنَك وبين أخيْك كلام بالفَارِسِيَّةِ إنْ شئتَ أعدتُه، قُلتُ: أَعِدْهُ، فأعادَهُ ما أخَلَّ والله منهُ بحَرْفٍ! ولم يكُن يَعْرفُ اللُّغَةَ الفَارِسِيَّةَ. أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفضل إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ (¬١)، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال، وذَكَرَ أبا العَلَاء بن سُلَيمان: وحَكى تِلْمِيْذُه أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ أنَّهُ كان قَاعِدًا في مَسْجِده بمَعَرَّة النُّعْمَان بين يَدَيْهِ يَقْرأُ عليه شَيئًا من تَصَانِيْفه، قال: وكنتُ قد أتْمَمْتُ عندَهُ سَنَتَيْن ولم أرَ أحدًا من بَلَدِي، فدَخَل مُغَافَصَةً (a) المَسْجِدَ بعضُ جِيْرَاننا للصَّلَاة، فرأيتُه وعَرَفْتُه، وتغيَّرتُ من الفَرَح، فقال لي أبو العَلَاء: ما أصابكَ، فحكيتُ له أنِّي رأيتُ جارًا لي بعد أنْ لَم ألْقَ أحدًا من بَلَدِي منذُ سِنِين، فقال لي: قُم وكَلِّمه، فقُلتُ: حتَّى أُتَمِّم السَّبَق، فقال: قُم أنا أنتظرُكَ، فقُمْتُ وكَلَّمْتُهُ بالأذَرْبَيجِيَّةِ (b) شيئًا كَثيرًا، إلى أنْ سألتُ عن كُلِّ ما أردْتُ، فلمَّا عُدْتُ وقَعَدْتُ بينَ يَدَيْهِ، قال لي: أيُّ لِسَان هذا؟ قُلتُ: هذا لسَانُ أهل أَذْرَبِيْجَان. فقال: ما عرفْتُ اللِّسَانَ ولا فهمتُه غير أنِّي حَفِظتُ ما قُلْتُما، ثمّ أعاد لفْظَنا بلفْظِ ما قُلْنا، فجَعَل جاري يتعجَّب غاية العَجَب، ويقول: كيف حَفِظ شيئًا لم يَفْهَمْهُ. وأخْبَرَني عنه بمثل هذه الحِكايَة والدي، ﵀، يَأْثُرهُ عن أسْلَافه، قال (¬٢): كان لأبي العَلَاء جَارٌ أعْجَميّ، فاتَّفَقَ أنّهُ غابَ عن مَعَرَّة النُّعْمَان، فحضَررَجُلٌ أعْجَميٌّ يطلبُهُ قد قَدِمَ من بلَده فوَجدَهُ غائبًا، ولم يمُكنهُ المقام، فأشَار إليهِ أبو العَلَاء أنْ يَذْكر حاجتَهُ إليه، فجعَل ذلك الرَّجُل يتكلَّم بالفَارِسِيَّة وأبو العَلَاء يُصْغي إليه إلى أنْ فَرغ من كلامهِ، ولم يكُن أبو العَلَاء يَعْرف باللِّسَان الفَارِسِيّ، ومَضَى الرَّجُل، وقَدِمَ جَاره الغائبُ، وحَضَر عند أبي العَلَاء، فذَكَر له حال الرَّجُل، وجَعَلَ يَذْكرُ لهُ بالفَارِسِيَّةِ ما قال، والرَّجُل يَبْكي ويَسْتَغِيث ويَلطم، إلى أنْ فَرِغ من حديثِهِ، وسُئل عن حالهِ، فأخْبرهم أنَّهُ أخْبَر بمَوْتِ أبيهِ وإخْوَته وجَمَاعة من أهله. قال لي والدي (¬١): وممَّا بلَغَني من ذكائهِ أنَّ جارًا سَمَّانًا كان له، وبينَهُ وبين رَجُل من أهل المَعَرَّة مُعَاملة، فجاءه ذلك الرَّجُل وحَاسَبه برِقَاع كان يَسْتدعي فيها ما يأخُذ منه عند دعْو حَاجته إليهِ، وكان أبو العَلَاء في غُرْفَة له يسمَعُ مُحاسبَتَهما. قال: فسَمِعَ أبو العَلَاءِ السَّمَّان المَذْكُور بعد مُدَّة يتأوَّهُ ويتمَلْمَلُ، فسَأله عن حَالهِ، فقال: كنتُ حاسَبْتُ فُلَانًا برِقَاعٍ كانت لهُ عندي، وقد عَدمتُها ولا يَحْضرُني حِسَابه، فقال له: ما عليكَ من بأسٍ، تعال إليَّ فأنا أُمْلي عليك حِسَابَهُ، وجَعَل يُمْلِي مُعَاملته جميعها رُقْعَةً رُقْعَةً، والسَّمَّان يكتُبُها إلى أنْ فَرغ وقام، فما مَضَت إلَّا أيَّام يَسِيْرةٌ ووَجَد السَّمَّان الرِّقَاع وقد جَذَبَها الفأرُ إلى زَاوِيَة في الدُّكَّان، فقابَلَ بها ما أمْلاهُ عليه أبو العَلَاء، فلم تخرم حَرْفًا واحدًا. أخْبَرَني القَاضِي أبو المَعَالِي أحْمَد بن مُدْرِك بن سَعيد بن مُدْرِك بن عليّ بن سُلَيمان قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان (¬٢)، قال: أخْبَرَني جَمَاعَةٌ من سَلَفنا أنَّ بعضَ أُمَرَاءِ حَلَب قيل له: إنَّ اللُّغَة الّتي ينقلُها أبو العَلَاء إنَّما هي من الجَمْهَرَة، وعندَهُ نُسْخة من الجَمْهَرَة ليسَ في الدُّنْيا مِثْلُها، وحَسَّنوا له طَلَبها منه قَصْدًا لأذاهُ، فسَيَّر أميرحَلَب إليه مَنْ يطلبها منهُ، فقال للرَّسُول: سَمْعًا وطاعةً للأمِيْر، تُقِيم عندنا هذه الأيَّام حتَّى نَقْضِي شُغْلك، ثمّ أمرَ مَنْ يَقْرأ عليه كتاب الجَمْهَرَة، فقُرئت عليه حتَّى فرغت، ثمّ دَفَعَها إلى الرَّسُول، وقال: ما قصَدْتُ بذلك إلَّا بأنْ أُمرهَا على خَاطِري خَوْفًا من أنْ يكُون قد شَذَّ منها شيء عن خاطِري، فعادَ الرَّسُول بها وأخْبَر أمير حَلَب بذلك، فقال: مَنْ يكون هذا حاله لا يجوز أنْ يُؤْخَذَ منه هذا الكتاب، وأمَرَ برَدِّهِ إليه. قُلْتُ: وكان أبو العَلَاء قد سَمِعَ الجَمْهَرَة من أبيهِ أبي مُحَمَّد عبد اللهِ، وسَمِعَها أبوه من أبي عبد الله الحُسَين بن خَالَوَيْه ورَوَاها أبو عَبْد الله عن ابن دُرَيْد الأزْدِيّ. وسَمِعْتُ أبا المَعَالِي قاضي المَعَرَّة يقول (¬١): سَمِعْتُ جَمَاعَةً من أهلنا يقُولونَ: كان الشَّيْخ أبو العَلَاء مُتَوَقِّد الخَاطِر على غايةٍ من الذَّكَاء من صِغَره، وتحدَّث النَّاسُ عنه بذلك، وهو إذ ذاكَ صَبيٌّ صغيرٌ، فكان النَّاس يأتُونَ إليه ليُشَاهدوا منه ذلك، فخرَجَ جَمَاعَة من أهل حَلَب إلى نَاحِيَةِ مَعَرَّة النُّعْمَان وقصَدُوا أنْ يُشَاهدُوا أبا العَلَاء، فدخلُوا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان وسألُوا عنه، فقيل لهم: هو يلعَبُ مع الصِّبْيَان، فجاءوا إليه وسَلَّمُوا عليه، فرَدَّ ﵈، فقيل له: إنَّ هؤلاء جَمَاعَةٌ من أكَابِر حَلَب جاءُوا ليَنْظرُوك ويَمْتحنُوك، فقال لهم: هل لكم في المُقَافَاة؟ فقالوا: نعم، فجَعَل كُلّ واحدٍ منهم يُنْشد بَيْتًا وهو يُقافيهِ حتَّى فرغ مَحْفُوظهُم بأجْمَعهم وقَهَرَهُم، فقال لهم: أعَجِزْتُم أنْ يَعْمَل كُلّ واحدٍ منكم بَيْتًا يُقَافي به عند الحاجَة؟ فقالوا له: فافْعَل أنتَ ذلك، فجَعَل يُجِيبُ كُلّ واحدٍ منهم من نَظْمه في مُقَابلة ما أنْشَده حتَّى قهَرَهُم، فعجبُوا منه وانْصَرَفُوا.ومن أعْجَب ما بلغَني من ذَكَائهِ، ما حَدَّثَني به والدي، ﵀، قال: بَلَغَني أنَّهُ لمَّا سافَرَ أبو العَلَاء إلى بَغْدَاد، وأقام بها المُدَّةَ الّتي أقامهَا، اجْتازَ في طَريقه وهو مُتَوَجِّهٌ بشَجَرَة، وهو رَاكِبٌ على جَمَلٍ، فقيل له: طَأْطِئ رَأْسَك لئلا تَلْحقك الشَّجَرة، ففَعَلَ ذلك، فلمَّا عاد من بَغْدَاد ووصَلَ إلى ذلك المَوضِع، وكانت الشَّجَرة قد قُطِعَتْ، طَأْطَأ رأسَهُ، فقيل له في ذلك، فقال: ها هنا شَجَرَة، فقال له: ما ها هنا شَجَرَة، فقال: بَلَى، فحَفَرُوا في ذلك المَوضِع، فوجَدُوا أصْلَها، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَني بعضُ أهل المَعَرَّة بها، قال (¬١): كان أبو العَلَاء المَعَرِّيّ يَشْربُ الماء من بئر بالمَعَرَّة يقال له بئر القَرَامِيْد، وكان يَسْتَطيب ماءَهُ، فلمَّا رَحَل إلى بَغْدَاد، سيَّرتْ له والدتُه من مَاءِ بئر القَرَامِيْد شيئًا، فلمَّا وَصَل الماء لم يُعْلِمُوه به، وسَقوه منه، فلمَّا شَرِبه قال: لا إله إلَّا الله! ما أشْبَهَ هذا الماءَ بماءِ بئر القَرَامِيْدِ!. وأخْبَرَني الوَزِيرُ الفَاضِل مُؤيَّد الدِّين أبو طَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن العَلْقَمِيّ ببَغْدَاد، قال: سَمِعْتُ شَيْخي في النَّحو ابن أَيُّوب يقولُ: كان ببَغْدَاد رَجُل من أهْل العِلْم يقال له: أبو القَاسِم، وكان أَدِيْبًا، وبينه وبين أبي العَلَاء بن سُلَيمان مُكَاتَبات قد تكرَّرت، ولم يكونا اجْتَمَعا، فاتَّفَقَ أنَّ أبا القَاسِم المَذْكُور قَدِمَ الشَّامَ، ودخَل على أبي العَلَاء، ولم يكن رآهُ قبل ذلك، فسلَّم عليه فقال له: أبو القَاسِم؟ فقال: نعم، فقيل له: كيف عرفتَ أنَّهُ أبو القَاسِم؟ فقال: أخذْتُ اسْمَهُ من كَلَامهِ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: سَمِعْتُه - يعني أبا الزَّاكِي حَامِد بن بَخْتِيار خَطِيب الشَّمْسَانيَّة - يقول: سَمِعْتُ عَبْد المُنْعِم - يعني أبا المُهَذَّب بن أحْمَد بن أبي الرُّوْس - يقول: سَمعْتُ أخي - يعني أبا الفَتْح - يقول: دَخَل أبو العَلَاء المَعَرِّيّ يَوْمًا على عَمِّه القَاضِي أَبي مُحَمَّد التَّنُوخِيّ، فلمَّا رآه من بعيدٍ يَقْصدُهُ، قاللجَارِيَةِ لهم: قُومي إلى سَيِّدك وخُذِي بيده، فقامَت وأخَذَت بيَده، فلمَّا قام أشار إليها أيْضًا، فأخَذَت بيده لتوصلَهُ إلى حُجْرته، فلمَّا أخَذَ يدها الْتَفَتَ إلى عَمِّه وقال: دَخَلْتُ وهذه الجَارِيَة بِكْر، والآن فهي ثَيِّب، فقال: ومن أين تَعْلم، أَيُوحُى إليك؟ فقال: حاشَى وكَلَّا، قد انْقَطع الوَحْي بعد المُصْطَفَى مُحَمَّد ﵇، ولكنِّي لمَّا دَخَلتُ مَسَسْتُ يدها وعَصَب الزَّند كالأوْتَار المَشْدُودة، فعلمتُ أنَّها بِكْر، والآن فقد ارْتَخت، فعلمتُ أنَّ البكوريَّة زالَتْ، فبحث القَاضِي أبو مُحَمَّد وإذا ابن له قد دَخَلَ بها في تلك السَّاعَة. وهذا القَاضِي أبو مُحَمَّد هو ابن أخي أبي العَلَاء، وأبو العَلَاء عَمّه، ولعلَّ بعض رُواة هذا الخَبَر نَقَلهُ من حِفْظه، فاشْتَبه عليه أي الرَّجُلين عَمّ صَاحبه، فوَهِمَ، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف (a) بن مَحْمُود بن الحُسَين السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، عن الحافِظ أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن بَرَكات بن مَنْصُور التَّاجر الرَّحبِيّ بالذَّنَبَةِ من مُضَافَاتِ دِمَشْق يقول: سَمِعْتُ أبا عِمْرَان المَعَرِّيّ يقول: عُرِضَ على أبي العَلَاء التَّنُوخِيّ الكَفِيْف كَفٌّ من اللُّوْبيَاء، فأخَذَ منها واحدةً ولَمَسَها بيده، ثمّ قال: ما أدْري ما هي إلَّا أنِّي أُشَبِّهُه بالكلُيَةِ، فتَعَجَّبُوا من فِطْنَتِهِ وإصَابَةِ حَدْسِهِ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحَة، عن الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، ح. وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، قال: سَمِعْتُأحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ يقول: سَألتُ أبا زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ، إمام عَصْره في اللُّغَة ببَغْدَاد، وقُلتُ له: قد رأيتَ أبا العَلَاء بالمَعَرَّة، وعَالِي بن عُثْمان بن جِنِّي المَوْصِلِيّ بِصُوْر، والقَصَبَانِيّ بالبَصْرَة، وابن بَرْهَان ببَغْدَاد، وغيرهم من الأُدَبَاءِ، فَمن المُفَضَّلُ من بينهم؟ فقال: هؤلاء أئمَّة لا يُقال لهم أُدَبَاء، وأفْضَل مَنْ رأيتُه ممَّن قرأتُ عليه أبو العَلَاء. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي عليّ الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّب سَعيد بن إبْراهيم بن سَعيد الطَّلَبِيْريَّ الطَّبِيْبَ بالثَّغْرِ، يقول: سَمِعْتُ عبدَ الحَلِيم بن عَبْد الوَاحِد السُّوْسِيّ بسَفَاقُس، يقول: سُئلَ الحَسَن بن رَشِيْق عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ: هل هو أشْعَر أم أنْتَ؟ فقال: قد أَلَّفْتُ أنا كِتَابًا وهو كِتَابًا في مَعْناهُ، فالفَرقُ ما بيننا كالفَرْق ما بين التَّرْجَمتين، سمَّى هو كتابَهُ زَجْرَ النَّابِح (¬١)، وسَمَّيْتُ أنا كتابي سَاجُور الكَلْب؛ يُشِيرُ إلى أنَّ أبا العَلَاء أفْضَل وألْطَف، وأهْدَى إلى المَعَاني وأعْرَف. أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن أبي عليّ الحَمَوِيّ، عن أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد، وكَتَبَ إليَّ أبو القَاسِم عِيسَى بن عبد الله بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيِّ (¬٢)، قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله مُحَمَّد بن الحَسَن بن زُرَارَة (a) اللُّغَويّ، يقُول: كان بالمَشْرِق لُغَويّ، وبالمَغْرب لُغَويّ في عَصْرٍ واحدٍ، لم يكُن لهما ثالثٌ، وهُما ضَرِيْرَان، فالمَشْرِقيّ أبو العَلَاء التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّة، والمَغْرِبيّ ابن سِيْدَه الأنْدَلُسِيّ. وابن سِيْدَه أعْلَم من المَعَرِّيّ، أمْلَى من صَدْره كتاب المُحْكَم ثلاثين مُجَلَّدًا، وما في كُتُب اللُّغَة أحْسَن منْهُ.قُلتُ: وهذا غير مُسَلّم لابن زُرَارَة؛ فإنّ ابن سِيْدَه إنْ كان أمْلَى المُحْكَم في اللُّغَة، فأبو العَلَاء قد أمْلَى من خَاطِره نَثْرًا: كالأَيْك والغُصُون، والفُصُول والغَايَات، والسَّجْع السُّلْطانيّ، وغير ذلك مما يَتَضَمَّن اللُّغَة وغيرها من الألْفَاظ البَلِيْغة، والكَلِمَات الوَجِيزَة، ونَظْمًا مثل: اسْتَغفِر واسْتَغْفري، ولُزوم ما لا يَلْزم، وجَامِع الأوْزَان، يَزِيدُ على المُحْكَم في المِقْدَار أضْعَافًا مُضَاعفة، وكُتُبه مَحْصُورة ولولا خوْف الإطاله بذِكْرها لذَكَرتُ أسْماءها، وبَيان حَجْم كُلّ مُصَنَّف منها، وقد اسْتَوْعَبْتُ ذلك في كتاب دَفْع الظُّلْم والتَّجَرِّي عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ (¬١). أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬٢)، قال: أحْمَدُ بن عبد الله بن سُليْمان أبو العَلَاءِ التَّنُوخِيُّ الشَّاعر، من أهل مَعَرَّة النُّعْمَان، كان حَسَنَ الشِّعْر، جَزْلَ الكَلَام، فَصِيح اللِّسَان، غَزِيرَ الأدَب، عَالِمًا باللُّغَة، حَافِظًا لها. وذَكَرَ لي القَاضِي أبو القَاسِم التَّنُوخِيّ أنَّهُ ورَدَ بَغْدَاد في سَنَة تِسْعٍ وتِسْعِين وثَلاثِمائة، وأنَّهُ قرأ عليه دِيْوان شِعْره ببَغْدَاد. قال الخَطِيبُ (¬٣): وكان أبو العَلَاء ضَرِيْرًا، عَمِيَ في صِبَاه، وعَاد من بَغْدَاد إلى بَلَده مَعَرَّة النُّعْمَان، فأقامَ به إلى حين وفاتهِ، وكان يتزهَّدُ ولا يَأكُل اللَّحْمَ، ويَلْبس خَشن الثِّيَاب، وصَنَّفَ كُتُبًا في اللُّغَة، وعارَض سُورًا من القُرْآن، وحُكي عنه حكايات مُخْتَلفَة في اعْتقادِه، حتَّى رَمَاهُ بعضُ النَّاسِ بالإلْحَادِ. أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي عليّ الرُّمَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّدالسِّلَفِيّ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز الأنْدَلُسِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن مُحَمَّد، قال: يُحْكى عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ في الكتاب الّذي أمْلَاهُ وتَرْجَمهُ بالفُصُول والغَايَات وكأنَّهُ مُعَارضَةٌ منه للسُّوَر والآياتِ، فقيل له: أين هذا من القُرْآن؟ فقال: لم تصْقُله المحاريبُ أرْبعمائة سَنَة. وسَمِعْتُ والدي يقول: قيل إنَّ أبا العَلَاء عارَضَ القُرْآن العَزِيز، فقيل له: ما هذا إلَّا مَلِيح إلَّا أنَّه ليسَ عليه طلاوة القُرْآن، فقال: حتَّى تَصْقُله الألْسُن أربَعمائة سَنَة وعند ذلك انْظروا كيف يكون. وقَرأتُ بخَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن سَعيد بن سِنَان الخَفَاجِيّ الحَلَبِيّ، في كتابٍ له تتبَّع الكَلَام فيه على الصّرْفَةِ، ونَصَر فيهِ مَذْهَب المُعْتَزِلة في أنَّ القُرْآن ليسَ بمُعْجزٍ في نَفْسه، لكنَّ العَرَب صُرفوا عن مُعَارضَته، فقال فيه: وقد حَمَلَ جَمَاعَةً من الأُدَبَاء قول أرْبَاب الفَصَاحَة أنَّهُ لا يتمكَّن أحدٌ من المُعارضَةِ بعد زَمان التَّحَدِّي على أنْ نظَمُوا على أُسْلُوب القُرْآن، وأظْهَر ذلك قَوْمٌ وأخْفاهُ آخرُون. وممَّا ظَهَر منه قَوْل أبي العَلَاء في بعض كَلامِهِ (¬١): أُقْسِمُ بخَالق الخَيْل، والرِّيح الهابَّةِ بلَيْل، بين الشَّرَطِ ومطَالِعِ سُهَيْل، إنَّ الكَافِر لطَويلُ الوَيْل، وإنَّ العُمُرَ لمَكْفُوفُ الذَّيل، اتَّق (a) مَدَارِجَ السَّيْل، وطالِع (b) التَّوْبَةَ من قُبَيْل تَنْجُ وما أخالُكَ بنَاجٍ. وقَوْله (¬٢): أذلَّت العائدَةُ (c) أباهَا، وأضَاءَت الوَهْدَةُ ورُبَاها (d)، واللهُ بكَرَمهِ احْتَبَاها (e)، أوْلَاهَا الشَّرَفَ بما حَبَاهَا، أرْسَل الشَّمَالَ وصَبَاهَا، ولا يَخافُ عُقْباهَا. وهذا الكَلَام الّذي أوْرَدهُ ابن سِنَان هو في كتاب الفُصُول والغَايَات فيتَمْجِيد الله تعالى والعِظَات، وهو كتاب إذا تأمَّلَهُ العَاقِل المُنْصِف عَلِم أنَّهُ بعيدٌ عن المُعَارَضَة، وهو بمَعْزِل عن التَّشَبُّه بنَظْم القُرْآن العَزيز والمُنَاقَضَة، فإنَّهُ كتابٌ وَضَعَهُ على حُرُوف المُعْجَم، ففي كُلِّ حَرْفٍ فُصُول وغَايَات، فالغاية مثل قَوْله: بنَاج، والفَصْل ما يُقَدِّم الغاية، فيَذْكر فَصْلًا يَتَضَمَّن التَّمْجِيد أو المَوْعِظَة ويَخْتمه بالغايةِ على الحَرْف من حُرُوف المُعْجَم، مثل تاج، ورَاج، وحَاج، كالمُخمَّسات والمُوشَّحات في الشِّعْر. ولهُ كتابٌ آخر كبير نحو ستِّين مُجَلَّدًا على هذا الوَضْع أيضًا، سمَّاهُ: الأيْكَ والغُصُون، وسمَّاهُ: الهَمْزَة والرّدْف، يَتَضَمَّن أيضًا تَمْجيد الله تعالَى والثَّنَاء عليه والمَوَاعِظ، ولم ينسبُوه فيه إلى مُعارضَة القُرْآن العزيز، وإنَّما نَسَبُوه في الفُصُول والغَايَات لا غير. وقد كان له جَمَاعَة يَحْسدونه على فَضْله ومكانَته من أبناء زَمانه، تصدُّوا لأذَاهُ، وتتبَّعُوا كَلامهُ، وحَملوه على غير المقصَد الّذي قصَدَهُ، كما هو عَادَة أبْناء كُلّ زَمان في افْتِرَاء الكَذِب واخْتلَاق البُهْتَان، ووَقَفْتُ على كتاب وضعَهُ في الرَّدِّ على مَنْ نَسَبَهُ إلى مُعَارَضَة القُرْآن، والجَوَاب عن أبيات اسْتَخرجُوها من نَظْمه، رَمُوه بسَبَبها بالكُفْر والطُّغْيَان، سَمَّى الكتاب بزَجْر النَّابح، وردَّ فيه على الطَّاعن في دِيْنه والقَادِح. قَرأتُ بخَطِّ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ في رِسَالَةٍ كَتَبَها أبو المُظَفَّر إبْراهيم بن أحْمَد بن اللَّيْث الأذرِيّ إلى الكِيَا أبي الفَتْح الأصْبَهَانِيّ قال: ومنها - يعني من قِنَّسْرِيْن - أدْلَجتُ مُتَوجِّهًا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، والسَّوْق إلى أبي العَلَاء أحْمَد بن عَبْد الله بن سُليمان التَّنُوخِيّ، أَسْعَده الله، يَحْدُو رِكَابي، والحَنِيْن إلى لقائهِ يَحُثُّ أصْحَابي، وبلغْتُ المَعَرَّة ضُحيَّة فلَم أُطِق صَبْرًا حتَّى دَخَلتُ إلى الشَّيْخ أبي العَلَاء أَسْعَدَهُ الله، فشَاهَدْتُ منه بَحْرًا لا يُدْرك غَوره، وقَلِيبَ ماءٍ لا يُدْركُ قَعْره، فأمَّا اللُّغَةُضِمْن قَلْبهِ، والنَّحو حَشْو ثَوْبهِ، والتَّصْرِيْف نشر بيْتهِ، والعَرُوض مِلْك يَده، والشِّعْر طَوْع طَبْعِهِ، والتَّرَسُّل بين أمْره ونَهْيهِ، ورأيتُ أسْبَابَهُ كُلّها أسْبَابَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ العَيْشَ تَعْليل، وأنَّ المقام فيها قليل. قال فيها: ورأيتُ من كُتُبه كتاب الفُصُول والغَايَات، وكتاب لُزُوم ما لا يَلْزَم، وكتاب زَجْر النَّابِح؛ وسبَبَ تَصْنِيفه هذا الكتاب أنَّ قَوْمًا من حُسَّادِهِ فَكُّوا من مَقَاطيْع له في كتاب لُزُوم ما لا يَلْزَم أبْيَاتًا كفَّروه فيها، وشَهِدُوا عليه باسْتحالة مَعَانيها، ومقاصد الشَّيْخ أبي العَلَاء فيها غير مقاصدِهم، ومَغَايصُهُ في مَعَانيها غير مَغَايصهم، فمن ذلك قولهُ (¬١): [من الخفيف] إنَّما هذه المَذَاهِبُ أسْبَا … بٌ لجَذْبِ الدُّنْيا إلى الرُّؤَسَاءِ غَرَضُ القَوْم [مُتْعةٌ] (a) لا يَرِقُّو … نَ لدَمْعِ الشَّمَّاءِ والخَنْسَاءِ كالّذي قامَ يجمَعُ الزَّنْجَ بالبَصْـ … ـرَة والقِرْمِطِيَّ بالأَحْسَاءِ وأوَّلُ الأبْيَات: يا مُلُوكَ البِلَادِ فُزْتُم بنَسْءِ الـ … ـعُمْر والجَوْرُ شَأنَكُمُ في النِّسَاءِ ما لكم لا تَرَونَ طرقَ المَعَالِي … قَدْ يَزُورُ الهَيْجَاءَ زيُّ (b) النِّسَاءِ يَرْتَجي النَّاسُ أنْ يَقُومِ إمامٌ … نَاطِقٌ في الكَتِيْبَة الخَرْسَاءِ كَذَبَ الظَّنُّ لا إمَام سِوَى الـ … ـعَقْل مُشِيْرًا في صُبْحِهِ والمَسَاء فإذا ما أطَعْتَهُ جَلَبَ الـ … ـرَّحْمَة عندَ المَسِير والإرْسَاءِ ثُمَّ يقُول: إنَّما هذه المَذَاهِبُ الأبْيَات الثَّلاثة، فأيُّ بأسٍ بهذا الشِّعْر، وهَلْ أتي القَوْمُ إلَّا من ضَعْفِ النَّحِيْزَ [ة] (¬٢) وسُوءِ الفِكْر.قَرأتُ بخَطِّ الإمَام أبي طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ: سَمِعْتُ الشَّيْخ أبا الطَّيِّب سَعيدَ بن إبْراهيم بن سَعيد الأنْدَلُسِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عبد الحَلِيم بن عَبْد الوَاحِد بسَفَاقُس يقول: قَدِمَ بعضُ أهْلِ الأدَب من المَشْرِق إلى إفْرِيقِيَّة، فسَألهُ الحَسَنُ بن رَشِيْق عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ، وقال: أنْشِدني شَيئًا من شِعْره، فأنْشَدَهُ القَصِيدَةَ الّتي أوَّلُها (¬١): [من البسيط] منْكَ الصُّدُودُ ومنِّي بالصُّدُودِ رِضَى … مَنْ ذا عليَّ بهذا في هَوَاكِ قَضَى فلَمْ يَرتَضِ هذا المَذْهَب من الشِّعْر، واسْتَلَانَهُ، وعَزَم على هجائِه، فهَجَاهُ، ثُمَّ أنْشَدهُ بعْدُ بعضُ أحد الأُدَبَاء ممَّن جاء من المَشْرِق أيضًا (¬٢): [من البسيط] هَاتِ الحَدِيْثَ عن الزَّوْرَاء أو هِيْتَا … ومُوْقدِ النَّارِ لا تَكْرَى بتَكْرِيْتَا فقَطَّع ما عَمِلَ فيه من الهَجْو، وقال: لو أخْرج أبو العَلَاء يَدَهُ من المَعَرَّة وصَكَّ ابن رَشِيْقٍ صَكَّةً لردَّهُ إلى الزَّابِ من حيثُ جاءَ، وكان رَشِيْق أبوهُ مَمْلُوكًا رَبِيَ بالزَّابِ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الله بن عَبْد الجَبَّار بن عبدِ الله العُثْمانيّ في كتابهِ، قال: سَمِعْتُ الشَّيْخ الإمَام الحافِظ السِّلَفِيّ، ﵀، إمْلاءً من لَفْظه ومن كتابهِ، قال: سَمِعْتُ أبا المَكَارِم عَبْد الوَارِث بن مُحَمَّد بن عَبْد المُنْعِم الأسَدِيّ رئيس أَبْهَر بأَبْهَر، وكان من أفْراد الزَّمان، يقُول: سَمِعْتُ رَشَاء بن نَظِيف بن مَا شَاءَ اللهُ المُقْرِئ الفَاضِل الكَبير بدِمَشْق يقُول: ما حَمَلَت الأرْضُ مثْل أبي العَلَاءِ المَعَرِّيّ في فَنِّه؛ وكان يَتَغالَى فيه، وكان قَدْ رَآهُ وقرأ عليهِ.﷽ وَبِهِ تَوْفِيْقِي أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين بن عبد الله، وعِيسَى بن عَبْد العَزِيْز الأنْدَلُسِيّ، قراءةً على الأوَّل، وكتابةً من الثَّاني، قالا: أخْبَرَنا الحافِظ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ - قال عَبْدُ الله: إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا - قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أحْمَد التَّنُوخِيّ يقُول: سَمِعْتُ عَبْد البَاقِي بن عليّ المَعَرَّيّ يقول: كان أبو نَصْر المَنَازِيّ أحَدُ وُزَرَاءِ نَصْر الدَّولَة ابن مَرْوَان بديَار بَكْر، فأرْسَلَهُ إلى مصْر رَسُولًا، فوصَل إلى المَعَرَّة، ودخَل إلى أبي العَلَاء مُسَلِّمًا، فتَناشَدُوا وانْبسَط أَحدُهما إلى الآخر، فذَكَرَ أبو العَلَاء ما يُقاسِي من النَّاسِ وكَلَامهم فيه، فقال له أبو نَصْر: ماذا يُريدُون منك وقد تَرَكْتَ لهم الدُّنْيا والآخرة. فقال: والآخرة أيضًا، والآخرة أيضًا! وأطْرَقَ ولم يُكلِّمه إلى أنْ قام. وهذا عَبْد البَاقِي هو أبو المَنَاقِب عَبْد البَاقِي بن عليّ من أهل مَعَرَّة النُّعْمَان، وكان قد أقام بمِصْر وتلقَّب خَرِيطَة النَّايات، وشِعْره شِعْر بَارِدٌ مُتهلهل النَّسْج، والّذي شكَره عن المَنَازِيّ وجدَهُ في تاريخ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ (¬١) - وقَرأتُه فيه - قال: وحَدَّثَني الوَزِير فَخْر الدَّوْلَة أبو نَصر بن جَهِيْر، قال: حَدَّثَني المَنَازِيّ الشَّاعر، قال: اجْتَمَعْتُ بأبي العَلَاء المَعَرِّيّ بمَعَرَّة النُّعْمَان وقُلتُ له: ما هذا الّذي يُرْوَى عنك ويُحْكى؟فقال: حَسَدني قَوْمٌ فكذَبُوا عليَّ وأسَاءُوا إليَّ، فقُلتُ لَهُ: على ماذا حَسَدُوك وقد تَرَكْتَ لهم الدُّنْيا والآخرة؟! فقال: والآخَرةُ أيُّها الشَّيْخ؟ قُلتُ: أيّ واللهِ، ثمّ قُلتُ له: لِمَ تَمْتَنِع من أكل اللَّحْم وتلُوْم مَنْ يَأكُله؟ فقال: رَحْمَة منِّي للحَيَوَان، قُلتُ: لا بل تقول إنَّهُ من شَرِّ النَّاس، فلَعَمْري إنَّهم يجدونَ ما يَأكُلون ويتجزَّونَ به عن اللُّحْمان ويتعَوَّضُون، فما تَقُول في السِّبَاعِ والجَوَارِح الّتي خُلِقتْ لا غِذَاءَ لها غير لُحُوم النَّاس والبَهَائِم والطُّيُور ودِمَائها وعظامها، ولا طَعَام تَعْتاض به عنه ولا تَتَجزَّى به منها، حتَّى لم تخلص من ذلكَ حَشَرات الأرْض، فإنْ كان الخَالِق لها الّذي بقوله نحنُ، فما أنْتَ بأَرْأَفَ منه بخَلْقِه، ولا أحْكَم منه في تَدْبِيره، وإنْ كانت الطَّبَائِع المُحْدِثة لذاكَ على مَذْهَبِكَ، فما أنْتَ بأحْذَق منها، ولا أتْقَن صَنْعَةً، ولا أحْكَمَ عَمَلًا حتَّى تُعَطِّلها ويكون رأيُكَ وعَقْلُكَ أوْفَى منها وأرْجَح، وأنت من إنْجادِهَا غير مَحْسُوس عندها، فأَمْسَكَ. قُلتُ: وهذا يَبْعُد وقُوعه من أبي نَصْر المَنَازِيّ؛ فإنَّهُ كان قَدمَ على أبي العَلَاء وحَكَى ما أخْبَرَنا به أبو القَاسِم بن روَاحَة عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن المُرَجَّى بن نَصْر الكَاتِب يقول: سَمِعْتُ خالي الوَزِير أبا نَصْر أحْمَد بن يُوسُف المَنَازِيّ يقول: بَعَثني نَصْرُ الدَّولَةِ أبو نَصْر أحْمَد بن مَرْوَان سَنَةً من مَيَّافَارقِين إلى مِصْرَ رَسُولًا، فدَخَلتُ مَعَرَّةَ النُّعْمَان، واجْتَمَعْتُ بأبي العَلَاءِ التَّنُوخِيّ، وجَرَتْ بيننا فَوَائِدُ، فقال أصْحَابُهُ فينا قَصَائد، ومن جُمْلتها هذه الأبْيَاتُ (¬١): [من البسيط] تَجَمَّعَ العِلْمُ في شَخْصَيْن فاقْتَسَما … علي البَرِّيَّةِ شَطْرَيه وما عَدَلا جَاءَا أَخْيَري زَمانٍ ما به لهما … مُماثِلٌ وَصَلَ الجِدَّ (a) الَّذي وَصَلاأبو العَلَاء وأبو نَصْر همُا جَمَعَا … عِلْم الوَرَى وهُما للفَضْلِ قد كمَلَا هذا كما قد تَرَاهُ رَامحٌ عَلَمٌ … وذاكَ أعْزَلُ للدُّنْيا قد اعْتَزَلَا هُما هُما قُدْوَةُ الآدَابِ دَانيِةً … طورًا وقَاصِيَةً إنْ مُثِّلَا مَثَلَا لولاهُما لتَفرَّى العِلْمُ عن حَلَم … أو لافْترى صَاحبُ التَّمْويه إنْ سُئِلَا يا طَالِبَ الأدَبِ اسْأَلْ عَنْهُما وَأَهِنْ … إذا رَأَيْتَهما أنْ لا تَرَى الأُوَلَا خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شيئًا سَمِعْتَ بهِ … فطَلْعَةُ البَدْر تُغْنِي أنْ تَرَى زُحَلَا فلو كان المَنَازِيّ واجَه أبا العَلَاء بهذا الكَلَام القَبِيْحِ المسْتَفْظع، لَمَا مَدَح أصْحَابُه أبا نَصْر بما ذَكَرهُ، وكذلك الّذي احْتجّ به في تَرْك اللَّحْم لا يَلِيق أنْ يَصدُر مثْله من أبي نَصْر المَنَازِيّ، وقد كان عَارِفًا بالفِقْه، وشَهِدَ له سُلَيم الرَّازِيّ بأنَّ لَهُ يدًا في الفِقْه واللُّغَة على ما نَذْكره في تَرْجَمَتِهِ (¬١)، ومثْل ما نَقله النّاقِل عنه جَوَابًا عن قَوْله في تَرْك أكْل اللَّحْم أنَّهُ رَحْمَة منه للحَيَوَان لا يحسُن الجَوَاب عنه بما ذكر، والرَّحْمَة للحَيَوَان من الخِصَال المَنْدُوب إليها كما قال ﷺ (¬٢): والشَّاة إنْ رحمْتَها رَحِمكَ [الله] (a). وقد تَرَكَ جَمَاعَةٌ من الزُّهَّاد والعُبَّاد أكْل الشَّهَواتِ والطَّيِّبات تَقَرُّبًا إلى الله تعالَى، وعُدَّ ذلك في مَنَاقِبهم ومَحَاسِنهم، ولم يُنْكَر عليهم، فكيف يُجْعَل الامْتناع من أكْلِ اللَّحْم تَرْكًا للآخرة، وقد اسْتَقصَيْنا الكَلَام على هذا في كتاب دَفْع الظُّلْم والتَّجَرِّي (¬٣). وقد قال أبو نَصْر المَنَازِيّ في أبي العَلَاء أبْيَاتًا خاطَبَهُ بها في مَدْحهِ (¬٤): [البسيط]للّه لُؤْلُؤُ ألْفَاظٍ تُسَاقطُها … لو كُن للغِيْدِ ما اسْتَأنَسْنَ بالعَطَلِ ومن عُيُون مَعَانٍ لو كُحِلْنَ بها … نُجْلُ العُيُون لأغْنَاهَا عن الكَحَلِ سِحْرٌ من اللَّفْظِ (a) لو دَارَتْ سُلَافتُه … على الزَّمانِ تَمَشَّي مَشْيَةَ الثَّمِلِ فمَنْ هذا خطابُهُ لهُ، وذِكْرهُ لِمَا قيل فيهما، كيف يَصِحّ عنه أنَّهُ يُواجهه بهذا الكَلَام الفَاحِش الخارج عن حُسْن الآدَاب، المُجانِب لصِحَّة القَوْل والصَّوَاب؟!. أخْبَرَنا عَبْدُ اللّه بن أبي عليّ الأنْصَاريّ، عن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الحافِظ، قال: ذَكَرَ - يعني أبا الفَضْل هِبَة اللّه بن المُثَنَّى بن إبْراهيم الهِيْتِيَّ - أنَّهُ دَخَلَ المَعَرَّة، وكان أبو العَلَاء يَعِيشُ فيها، فنَهَاه أبو صالح بن شِهَاب عن الدُّخُول عليه. قُلتُ: وهذا أبو صالح هو أبو صالح مُحَمَّد بن المُهَذَّب بن عليّ بن المُهَذَّب بن أبى حَامِد بن هَمَّام بن أبي شِهَابٍ، وكان ابن عَمَّة أبي العَلَاء، وهو الّذي كَتَبَ الأبْيَات النُّونيَّة إلى أبي الهَيْثَم أخي أبي العَلَاء حين احْتَجَب أبو العَلَاء ومَنَعَ النَّاس من الدُّخُول عليه، وأوَّلُها (¬١): [من الطويل] بشَمْس زَرُودٍ لا ببَدْرِ مَعَانِ وقد ذَكَرْناها، وفيها من المَدْح والتَّقْرِيْظ لأبي العَلَاء، والتَّحيُّل في الدُّخُول عليه، ما هو وَاضحٌ، فكيفَ يمنَعُ النَّاس من الدُّخُول عليه ويَنْهاهُم عنه؟ اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كان ذلك وقَعَ في الوَقْت الّذي قَدِمَ أبو العَلَاء من بَغْدَاد، وعَزمَ على العُزْلَة عن النَّاس، وكَتَبَ إلى أهل المَعَرَّة ما كَتَب، وأرادَ أبو الفَضْل الهِيْتِيُّ الدُّخُول عليه، فنَهاهُ أبو صالح عن ذلك مَخَافة أنْ يَمْضي فيَتَعذَّر عليه فيكون كما قال فيرسالته: فأكون قد جَمَعْتُ بن سَمْجَيْن: سُوء الأدَب، وسُوء القَطِيْعَة. ذَكَرَ ابنُ السِّيْد البَطَلْيَوْسِيّ في شَرْحَ سَقْط الزَّنْد لأبي العَلَاء (¬١)، قال: وكان المَعَرِّيّ مُتَدَيِّنًا، كَثِيْر الصِّيَام والصَّدَقَة، يُسْمَعُ له باللَّيْل هَيْنَمَةٌ لا تُفْهَم، وكان لا يَقْرع أحدٌ عليه البابَ حتَّى تطْلعُ الشَّمْس، فإذا سَمِعَ قَرْعَ البابِ عَلِم أنَّ الشَّمْس قد طَلَعَتْ، فقَطَعَ تلك الهَيْنَمَةَ وأذِنَ في الدُّخُول عليه، وكان لا يَرى أكْل اللَّحْم، ولا شُرْبَ المُسْكِر، ولا النِّكَاحَ، وكان ذا عِفَّةٍ ونَزَاهةِ نَفْسٍ، إلَّا أنَّهُ كان مُخالِفًا لِمَا عليه أهْل السُّنَّة. وقَوْل ابن السِّيْد أنَّهُ كان مُخالِفًا لِمَا عليه أهل السُّنَّة! لا أعْلَم بأيّ طَريق وَقَعَت المُخَالَفة، وقد وَصَفه بهذه الصِّفَات المَحْمُودَة، وقد كان شَافِعيّ المَذْهب من أهل السُّنَّة والجَمَاعَة. وقَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ في تَعْلِيقٍ له: سَمِعْتُهُ يقُول - يعني حَامِد بن بَخْتِيار بن جَرْوَان الشَّمْسَانِيّ - سَمِعْتُ عَبْد المُنْعِم يقول: يعنى عَبْد المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّوْس السَّرُوجِيّ - سَمِعْتُ أخي - يعني أبا الفَتْح - يقول: دَخَلَ رَجُلٌ من أهْلِ السَّاحِل على الشَّيْخ أبي العَلَاء التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّهَ ونحنُ عنده، وكان يَعْرفهُ، فقال له: أُريد أنْ يُملي سَيِّدنا عليَّ شَيئًا من غَرِيْب القُرآن، فقال يا هذا، من أين وصَل إليَّ غَريْب القُرْآن وأنا ها هُنا في زَاوِيَة البَيْت؟! فلمَّا خَرَجَ، قال لنا: مَضَى فُلَان؟ فقُلنا: نَعم، فقَال: ضَعُوا ما في أيْديكُم من الكَرَارِيْس وخذُوا سِوَاها ففَعَلْنا، فقال: اكتُبوا غَرِيْب القُرآن، فأمْلَى علينا غَرِيْب القُرآن والكَلَام عليه ثلاثة أسابيع من صَدْره، فقُلنا له بعد ذلك: العِلْم لا يَحلّ مَنْعُه وقد مَنَعْت ذلك الرَّجُل السَّاحِلِيّ، فقال: ما كُنت لأُضِيْع الحِكْمَة مع رَجُل يَسُبّ أصْحَابَ رسُول اللّه ﷺ ويتنقَّصُهم.وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن رَوَاحة، عن أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: قال لي الرَّئِيسُ أبو المَكَارِم - يعني عَبْد الوَارِث بن مُحَمَّد بن عَبْد المُنْعِم الأبْهَرِيّ، وكان من أفْرادِ الزَّمان ثِقَةً، مَالِكيّ المَذْهَب -: لمَّا تُوفِّي أبو العَلَاء اجتَمع على قَبْره ثمانون شَاعِرًا، وخُتِمَ في أسْبُوع واحدٍ عند القَبْر مائتا خَتْمَة، وهذا ما لَمْ يُشَارَك فيهِ. وكانت الفَتَاوَى في بَيْتهم على مَذْهَبِ الشَّافِعيّ من أكثَر من مائتي سَنَةٍ بالمَعَرَّةَ. قُلتُ: ولم يُنْقل أنَّ أبا العَلَاء كان مُبْتَدِعًا، لكن نَسَبُوه إلى ما هو أعْظَم من ذلك. وقَرأتُ في تاريخ غَرْس النِّعْمَة ابن الصَّابِئ (¬١): أبو العَلَاء أحْمَد بهب عبد اللّه بن سُلَيمان التَّنُوخِيّ المَعَرِّيّ الشَّاعر، الأدِيب الضَّرِير، وكان له شِعْرٌ كَثِيْرُ، وفيه أدَبٌ غَزِيرٌ، ويُرمَى بالإلْحَادِ، وأشْعَارُه دَالَّةٌ على ما يُزَن بهِ من ذاكَ. ولم يكُ يَأكُل لُحُومَ الحَيَوَان ولا البَيْض، ولا اللَّبَن، ويَقْتَصر على ما تُنْبتُه الأرْضُ، ويُحَرِّم ايْلَام الحَيَوَان، ويُظْهرُ الصَّوْم زَمانه جميعَهُ، ونحنُ نَذْكُر طَرفًا ممَّا بَلَغنا من شِعْره ليُعْلَم صِحَّة ما يُحْكى عنه من إلْحَادِهِ، ولهُ كتابٌ سمَّاهُ الفُصُول والغَايَات، عارَض به السُّور والآيات، لم يقَع إلينا منهُ شيء فنُورده. وذكَر أشْعَارًا نسبَها إليه، فمنها ما هو من شِعْره في لُزُوم ما لا يَلْزَم وفي اسْتَغْفر واسْتَغْفري، قد أجابَ عنها في كتابه المَعْرُوف بزَجْر النَّابِح والكتاب المَعْرُوف بنَجْر الزَّجْرِ، وإذا تأمَّلها المُنْصِفُ حقَّ التَّأمُّل، لم يَجِد فيها ما يُوْجِب القَدْح في دِيْنهِ، ومنها ما وُضع على لسَانه، وتَعَمَّلَ تَلَامذتُه المُنْحَرِفُونَ وغيرهم من الحَسَدَة نَظْمَها على لِسَانهِ وضَمَّنُوها أقاويل الزَّنَادقة، وفيها من رَكَاكةِ اللَّفْظ والعُدُول عن الفَصَاحَة الّتي هي ظَاهِرة في شِعْره ما يُوجِب نَفْيها عنه وبُعْدهامنه، فممَّا أوْرده وهو مَوْضُوعٌ عليه (¬١): [من الطويل] إذا كان لا يحْظَى برِزْقك عَاقِلٌ … وتَرزقُ مَجْنُونًا وترزقُ أحْمَقَا فلا ذنْبَ يا ربّ السَّماءِ على إمرئٍ … رَأى منْكَ ما لا يَشْتَهِي فتزنْدَقا وهذا شِعْرٌ في غاية السُّقُوط والنُّزُول والهُبُوط، يقضي (a) على ناظمه بالجَهْل والعَمَه، والكُفْر والسَّفَه. وممَّا أَوْرَد (¬٢) من الأشْعَار المَوْضُوعة على لِسَانه، البَعِيْدَة عن فَصَاحَته وبَيَانه (¬٣): [من الكامل] صَرْفُ الزَّمان مُفَرِّقُ الإلفَيْن … فاحْكُم إلَهِي بين ذاكَ وبَيْني أَنهيْتَ عن قَتْلِ النُّفُوسِ تَعمُّدًا … وبعثْتَ أنتَ لقَبضْها (b) مَلَكَين وزَعَمْتَ أنَّ لها معَادًا ثانيًا … ما كان أَغْنَاهَا عن الحالَيْن ولم يَعْزُ غَرْس النِّعْمَة شَيئًا من هذه الأشْعَار المَكْذُوبَة إلى كتاب يُعْتَمد عليه، ولا نَسَب رِوَايتها إلى نَاقِل أسْندها إليه، بل اقْتَصر في ذِكْرها كما ذَكَرَ على البَلَاغ، ولم يتأمَّل أنَّ مثلها ممَّا يُخْتَلق عليهِ زُورًا ويُصَاغ. وقد نَسَجَ أبو يَعْلَى بن الهَبَّارِبَّة على مِنْوَال غَرْس النِّعْمَة من غير فِكْر ولا رَوِيَّة، فقال في كتابه المَوْسُوم بفَلك المَعَاني (¬٤)، المَشْحُون بقول الزُّور فيما ينْقُلهويُعاني: وقد قال أبو العَلَاء أحْمَد بن سُلَيمان (a) مع تَحَذْلُقه ودَعْواه الطَّويلة العَريضَة، وشُهرته نفسَهُ (b) بالحِكْمة ومُظَاهرته (c): [من الكامل] ونهيْتَ عن قَتْل النُّفُوس تعمُّدًا … وبعَثْتَ تَقْبضُهُا مع المَلَكَين وزَعمْتَ أنّكَ في المعَادِ تُعِيْدُها … ما كان أغْنَاهَا عن الحالَيْن (d) قال ابنُ الهَبَّارِيَّة: وهذا كلام مَجْنُون مَعْتُوه يَعْتَقدُ أنَّ القَتْلَ كالمَوْتِ، والمَوْتَ كالقَتْل، فلَيت هذا الجَاهِل الّذي حُرم الشّرعَ وبردَهُ، والحَقّ وحَلَاوتَهُ، والهُدَى ونُورَهُ، واليَقِيْنَ وراحتَهُ، لم يدَّعِ (e) ما هو بريءٌ منه، بعيدٌ عنه، ولم يَقُلْ: [من الطويل] غَدَوْتَ مَرِيْض العَقْل والرَّأي فأْتني … لتُخْبرَ أنباء الأُمُور الصَّحائح حتَّى سَلَّط اللّهُ عليهِ أبا نَصْر بن أبى عِمْران دَاعي الدُّعَاة بمِصْر، فقال: أنا ذلك المَرِيْض رأيًا وعَقْلًا، وقد أتيتُك (f) مُسْتَشْفيًا فاشْفني، وجَرَت بينهما مُكَاتَباتٌ كَثِيْرةٌ، وأمَرَ (g) بإحْضَاره حَلَبَ، ووَعَدَهُ على الإسْلَام خَيْرًا من بَيْت المَال، فلمَّا عَلِم أبو العَلَاء أنَّهُ يُحْمَل للقَتْل أو الإسْلَام سمّ نفسَهُ فماتَ. وابن الهَبَّارِيَّة لا يُعْتَمد على ما ينقُله، وأبو نَصْر بن أبي عِمْران هو هِبَة اللّه بن مُوسَى المُؤيَّد في الدِّين، وكان اجْتمع بأبي العَلَاء بمَعَرَّة النُّعْمَان، وذَكَرنا فيما نَقَلَهُ ابنُ الزُّبَيْر بإسْنَاده أنَّهُ كانتْ بينَهُ وبين أبي العَلَاء صَدَاقَة ومُرَاسلَة، وذَكَرَ حكايته معَهُ. وأمَّا الرَّسَائِل الّتي جَرَت بينَه وبين أبي العَلَاء؛ فإنَّني وَقَفتُ عليها،ومَلكتُ بها نُسْخة، والمُؤيَّد في الدِّين ابْتدأه وقال: بلغَني عن سَيِّدنا الشَّيْخ بَيْتًا، وذَكَرَ البَيْت المَذْكُور، وقال: أنا ذلك المَرِيْض عَقْلًا ورأيًا، وقد أتَيتُك مُسْتَشْفِيًا، لِمَ امْتَنعت عن أكل اللَّحْم؟ فأجابه أبو العَلَاء أنَّ ذلك لرِقَّةٍ تأخُذه على الحَيَوَان، وأنَّ الّذي يَحْصل له من مِلْكه لا يَقُوم بسَعَة النَّفَقَة. فأجابه بجَواب حَسَن، وقال بإنَّهُ قد تقدَّم إلى الوَالي بحَلَب أنْ يَحْمل إليهِ ما يقُوم بكِفَايَته، لا كما ذَكَرَ ابن الهَبَّارِيَّة بأنْ يُحْمل إلى حَلَب، وأنَّهُ وعدَ على الإسْلَام خَيْرًا من بَيْت المَال، فامْتَنع أبو العَلَاء عن قَبُول ما بَذَلَهُ له، وأجابَهُ عن كتابهِ بجَوابٍ حَسَن، فوَرَدَ جَواب المُؤيَّد في الدِّين يتضَمَّن الاعْتِذَار إليه عن تَكْليفه المُكَاتَبة في المَعْنَى المَذْكُور، وشَغل خاطِره، لا كما ذَكَرَ ابن الهَبَّارِيَّة. وكذلك قَوْل ابن الهَبَّارِيَّة أنَّ أبا العَلَاء سمّ نفسَهُ فمات (¬١)، خطأٌ فَاحِشٌ من القَوْل؛ فإنَّ أبا العَلَاء ماتَ حَتْفَ أنفْه بمرضٍ أصَابَهُ، وَسَنَذْكُر ذلك إنْ شَاءَ اللّهُ في ذِكْر وَفاتِهِ. قَرأتُ بخَطِّ أبي اليُسْر شَاكِر بن عبد اللّهِ بِن مُحَمَّد بن سُلَيمان، أو بخَطِّ أبيهِ أبي مُحَمَّد عبد اللّه، فإنَّ خَطَّيهما مُتَشابهان، في وَرقَة وَقَعَتْ إليَّ، ذكَرَ فيها شَيئًا من أحْوَال أبي العَلَاء، وقال فيها: إنَّ المُسْتَنْصِر باللّهِ صَاحب مِصْر بَذَل لهُ ما لبَيْت المَالِ بمَعَرَّة النُّعْمَان من الحَلَال، فلم يَقْبَل منه شيئًا، وقال (¬٢): [من السريع] كأنَّما غانَةُ لي من غنىً … فعَدِّ عن مَعْدِنِ أُسْوَانِ سِرْتُ برَغْمِي عن زَمانِ الصِّبي … يعْجلُني وقْتي وأكْوَاني ضدّ (a) أبي الطَّيِّب لمَّا غدا … مُنْصَرفًا عن شعْب بَوَّانِوقال (¬١): [من مجزوء الكامل] لا أطْلُبُ الأرْزَاقَ والـ …واللّهُ سَلَّم بعْدَما … حَشَدَ العُدَاةُ ونَفَّرُوا وَسَعَوْا إلى الأُمَرَاءَ عَـ … ـليَ في المَجَالِ أُفَرْفَرُ (a) وتَرَاسَلُوا وتَألَّبُوا … وسَكتُّ لمَّا اسْحَنْفَرُوا خَالُوْنِيَ الصَّيْدَ الأخِيْـ … ـذَ سَطَا عليه غَضَنْفَرُ واللّهُ يَعْلَمُ أيُّنا … أطْغَى وأيٌّ أكْفَرُ قال: وكان يدفَعُ اللهُ سُبْحَانَهُ عنه مَكَائِدَ الأعْدَاءِ، ويقوم له مِنَ المُقَدَّميْنَ مَنْ ينتَخِي له، ويَذُبُّ عنه، فقال في ذلك ﵁: [من السريع] ضَعُفْتُ عن كيدِهِمُ غيرَ أنَّ (م) … اللّهَ بالحِكْمَة قَوَّاني أعَانني مِن عِزِّ سُلْطَانِهِ … فلَمْ أبَلْ قِلَّةَ أعْوَاني وزَيَّنُوا هُلْكِي بعُدْوانِهِم … لكُلِّ ذي جوْرٍ وعُدْوَانِ ومُدَّ في القَصْرِ حَدِيْثي وكم … ذُممْتُ في قَصْرٍ (b) وإِيْوَانِ كفانيَ الصِّدْقَ ورَبٌّ رأى … تعْظيمَهُ مُعْظَمَ دِيْوَاني فما رَمَوا سَهْمًا لهم بالَغُوا … في سَمِّهِ إلَّا وأَشْوَاني يا دَائبًا في عَنَتِي جَاهِدًا … إبليْسُ في وُدِّكَ أغْوَاني خَالٍ من الضِّغْنِ وخَالٍ حجًى … إنِّي وإيَّاكَ لخِلْوَانِ كأنَّ طرْحِي في لَظَى مالكٍ … يُدْخِلُه جَنَّةَ رِضْوَانِ قال (¬١): ولم يَكُن من شأنهِ أنْ يَلتَمِسَ من أحَدٍ من خَلْق اللهِ شيئًا، وكان كَثِيْرَ الأمْرَاض فقال: [من السريع] لا أطْلُبُ السَّيْبَ من النَّاسِ بَلْ … أَطْلُبُهُ من خَالِقِ السَّيْبِويَشْهَدُ الأوَّلُ أنِّي أمرُؤٌ … لي جَسَدٌ يَغْرَقُ في عَيْبي تضْربُ أضْرَاسِي وَطبيّ بها الـ … ـتَعْطِيُس بالكُنْدُسِ في جَيْبي وَيْليَ ممَّا أنا فيهِ وجَلَّ (م) … الأمْرُ عن وَيْحٍ وعن وَيْبِ لو أنَّ أعْمَاليَ مَحْمُودةٌ … لقُلْتُ: حُوْطِيْ بيَ وَاعْنَى بي قال: وأبانَ عن تَعْظيم اللهِ سُبْحَانَهُ، واعْتِقَاده الصَّحيح فيه، فقال: [من السريع] تَرْتاحُ في الصَّيْفِ إلى أشْهُر الـ … ـقُرِّ وفي مَشْتاكَ للصَّيْفِ فخفْت إلهًا عزّ سُلْطَانهُ … وجَلَّ عن أيْنٍ وعن كَيْفِ وعَلَّم النَّاس مَحَاسِن الأخْلَاق، فقال: والرِّزْق مَقْسُومٌ فياسِرْ ولا … تَطْلُبْهُ بالرُّمْح وبالسَّيْفِ وكُن لِمَا تَمْلُكُهُ باذلًا … ولا تَهَاوَنْ بقِرَى الضَّيْفِ فَاز امرُؤٌ أنْصَفَ في دَهْرِهِ … وخَابَ مَنْ مَالَ إلى الحَيْفِ سَمِعْتُ العِمَاد سَاطِع بن عَبد الرَّزَّاق بن المُحَسِّن بن أبي حَصِيْن المَعَرِّيّ يقول: بَلَغَني أنَّ النَّاسَ لمَّا أكْثَرُوا القَوْل في الشَّيْخ أبي العَلَاء بن سُلَيمان، ورمَوْه بما رمَوه به من الإلْحَاد، سَيَّر صَاحِب حَلَب قَصْدًا لأذَاهُ، فلمَّا جاءه الرَّسُول، باتَ على عَزْم أنْ يأخُذَهُ بُكْرة اليَوْم الآتي، فباتَ الشَّيْخ أبو العَلَاء تلك اللَّيْلة في مِحْرَابه يدعُو الله ويَذْكره، ويَسْأله أنْ يكفيَهُ شَرَّهُ، وقال لبعض أصْحَابهِ: أرْقُب النَّجْم الفُلَانيّ، فما زَال يَرْقبُه إلى أنْ أخبرَهُ بأنَّهُ غَابَ، والشَّيْخُ يَدْعُو مُسْتَقبلًا (a) القِبْلَةِ. فلمَّا أصْبَح جاءَهُ الرَّسُولُ، فقال له أبو العَلَاء: امْض فقد قُضِيَ الأمْرُ، فقال: وما ذاكَ؟ قال: إنَّ صاحبَكَ مات، قال: تَرَكتُهُ وهو في عَافِيَةٍ! قال: إنَّهُ قدْماتَ اللَّيْلة، فعادَ فوجَدَ الأمْرَ كما ذَكَر، وذاكَ أنَّه سَقَطَ بيت كان به، وتقصَّفَت الأخْشَاب فمات، هذا معنى ما ذكَرَهُ لي أو قَريبٌ منه. وقَرأتُ بخَطِّ الشَّريف إِدْرِيس بن الحَسَن بن عليّ بن عِيسَى بن عليّ الإِدْرِيسِيّ الحَسَنيّ، قال: أخْبَرَني الشَّريفُ النَّقِيْبُ نِظَام الدِّين أبو العبَّاس بنُ أبي الجِنّ الحُسَيْنيّ، قال: حَدَّثَني ابنُ أُخْت أمِيْن الدَّولَة الشَّريفُ القَاضِي الأفْطَسِيُّ، قال: كان الشَّريفُ أبو إبْراهيم مُحَمَّد يحضُر مَجْلِسَ مُعِزّ الدَّولَة ثِمَال بن صالح بن مِرْدَاس الكِلابِيّ صَاحب حَلَب، ويَحْضُره المِحْبَرَة العبَّاسيُّ من وَلد إسْمَاعِيْل بن صالح، وكُلّ واحدٍ منهما فَقِيْه نَبِيْل في المَذْهَب الّذي عُرِفَ به، وكان المِحْبَرَةُ يدُقُّ على أبي العَلَاء بن سُلَيمان، ويُكفِّرهُ، ويَحُضُّ مُعِزّ الدَّولَةِ على قَتْله، فكان مُعِزّ الدَّولَةِ يَسْتَطلِع رأيَ الشَّريف أبي إبْراهيم فيه، فيقول فيه بخِلَاف ما يَقُول المِحْبَرَة، ويُقَرِّظُه عندَ مُعِزّ الدَّولَةِ، ويُرغِّبُه في إبقائهِ، ويُنْشدُهُ من أشْعَارِه الّتي لا يُلمّ فيها بأمر مُنْكَرٍ. فجَمَع المِحْبَرَةُ جَمَاعَةً من الفُقَهَاءِ وغيرهم من أهل السُّنَّة، وصَعدَ إلى مُعِزّ الدَّولَة، وألْجَأَهُ إلى أنْ يَبْعَث إليه فيُحْضره إلى حَلَب، ويُعْقَدُ له مَجْلِسٌ يُخاطَبُ فيه على ما شَاع له من الشِّعْر والتَّصَانِيْف الّتي صَنَّفها، فندبَ لإحْضَاره رَسُولًا من خاصَّتِهِ، فيُقال: إنَّ أبا العَلَاء بن سُلَيمان صَعِدَ في اللَّيْلة الّتي ورَدَ فيها الرَّسُول لإحْضَارِهِ، وبَسَطَ مِنْدِيلًا عليه رَمادٌ، فوَضَعَ عليه خَدَّهُ، ودعَا اللهَ ﷿ بدُعَاءِ الفَرَج طُول لَيْلَتهِ، فلم يَنْزل إلَّا ورَسُولٌ ثان من مُعِزّ الدَّولَة يقول للأوَّل: لا تُزْعِج الرَّجُلَ واتْرُكْهُ، فعادَ، فاتَّفَق في تلك اللَّيْلة أنْ سقَط المِحْبَرَة من سُطُوح دَاره فمات. وغَبَر على ذلك مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، وأبو إبْراهيم مُحَمَّد يَنْتَظر الثَّوَابَ من أبي العَلَاء على ما كانَ منه إليه، وكان أبو العَلَاء لا يمدَحُ أحدًا تَرَفُّعًا، وضنًّا بنَفْسِهِوشِعْره، إلَّا ما كان من مَدْحهِ لنَفْسهِ أو أحد من أهل بَيْتهِ كالقَاضِي التَّنُوخِيّ، والفُصَيْصِيّ، وما اضْطُرَّ إليه، فابتَدأهُ الشَّريفُ أبو إبْراهيم بالقَصِيدَة النُّونيَّة الّتي أوَّلُها: [من الخفيف] غيرُ مُسْتَحْسَنٍ وصَالُ الغَوَاني … بعدَ ستِّينَ حِجَّةً وثَمَانِ فأجابَهُ عنها بالقَصِيدَة المَكْتُوبَة في سَقْط الزَّنْد (¬١): [من الخفيف] عَلِّلَاني فإنَّ بيْضَ الأمَانِي … فَنِيَتْ والظَّلَام (a) ليسَ بفَانِ قُلتُ: والشَّريفُ المِحْبَرَة هو أبو عليّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هارُون الهاشِميُّ الحَلَبِيُّ، وكان قد تَصَدَّى للسَّعْي بأبي العَلَاء، والتَّألْيب عليه، وكان من أكَابِر الحَلَبِيّينَ وفُقَهائهم، ولم يَسْقُط من سَطْح داره، لكنَّ مُعِزّ الدَّولَة ثِمَال بن صالح اعْتقله بقَلْعَة حَلَب سَنَة أرْبَعين وأرْبَعِمائة مع جَمَاعَةٍ من أكَابِر حَلَب، عندما طَرَق ناصِرُ الدَّوْلَة ابن حَمْدَان الشَّام، ثمّ قَتَلَهُ دونَهُم بسعَايةِ عليّ بن أحْمَد بن الأَيْسَر في سَنَة إحْدى أو اثْنَتَيْن وأرْبَعين، ولم يكُن الشَّريف أبو إبْراهيم مُحَمَّد بن أحْمَد ناظِم النُّونيَّة موْجُودًا، ولا أدْركَ زَمان ثِمَال فإنَّهُ تُوفِّي قبل الأرْبعمائة (¬٢)، ويُحْتَمل أنَّ أبا إبْراهيم المَذْكُور الّذي كان يُقَرِّظ أبا العَلَاء عند مُعِزّ الدَّولَة هو أبو إبْراهيم مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي إبْراهيم، فإنَّهُ كان جَلِيْل القَدْر، محُتَرمًا عند صالح بن مِرْدَاس وثِمَال بن صالح، لكن الشِّعْر الّذي ذَكَرهُ لجدِّه أبي إبْراهيم الأكْبَر، واللهُ أعْلَمُ. أنْبَأنَا الشَّريفُ أبو عليّ المُظَفَّر بن الفَضْل بن يَحْيَى العَلَويّ، قال: قَرأتُ بخَطِّ ابن سِنَان الخَفَاجِيّ في ذِكْر أبي العَلَاء بن سُلَيمان أنَّهُ تركَ أكل اللَّحْمتَزَهُّدًا، وكان مع ذلك يَصُوم أكْثَر زَمانه، ويُفْطِر على الخَلِّ والبَقْل، ويقُول: إنَّ في هذا لخيرًا كَثيرًا. أخْبَرَنا عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد إجَازَةً، عن أبي الفَضْل بن نَاصِر، قال: حَدَّثَنَا أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيُّ، قال: كان المَعَرِّيّ يُجْري رِزْقًا على جَمَاعَةٍ ممَّنَ كان يَقْرأ عليه، ويَتردَّد لأجْل الأدَب إليه، ولم يَقْبل لأحد هَدِيَّةً ولا صِلَةً، وكان له أربعَةُ رجالٍ من الكُتَّاب المُجَوِّدِين في خِزانَته وجَارِيهِ (a) يَكْتُبون عنه ما يَرْتَجله ويُمْليهِ. أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أنْبَأنَا هِبَةُ الله بن عليّ العَلَويّ الشَّجَرِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ، قال: ما أعْرفُ أنَّ العَرَب نَطقت بكلمة ولم يَعْرفها المَعَرِّيّ، ولقد اتَّفَق قَوْمٌ ممَّن كان يَقْرأ عليه، ووضَعوا حُرُوفًا وألَّفُوها كَلِمَات، وأضَافوا إليها من غَرِيْب اللُّغَة ووَحْشِيِّها كَلِمَات أُخْرى، وسَألُوه عن الجميع على سَبيل الامْتِحان، فكان كُلّما وصَلُوا إلى كلمة ممَّا ألَّفُوهُ يَنْزعجُ لها، ويُنْكرها، ويَسْتَعيدُها مِرَارًا، ثمّ يقُول: دعُوا هذه، والألْفَاظ اللُّغَويّة يَشْرحُها ويَسْتَشهدُ عليها حتَّى انْتَهت الكَلِمَاتُ، ثمّ أطْرَقَ ساعةً مُفَكِّرًا، ورَفَع رأسَهُ، وقال: كأنِّي بكم وقد وضَعْتُم هذه الكَلِمَات لتَمْتَحنُوا بها مَعْرفتي وثِقَتي في روايتي، والله لئن لم تَكْشفُوا لي الحال وتَدَعُوا المُحَال، وإلَّا هذا فِرَاق ما بيني وبينكم، فقالوا له: واللهِ الأمْر كما قُلْتَ، وما عدوتَ ما قَصَدْناهُ، فقال: سُبْحَان اللهِ، والله ما أقُول إلَّا ما قالَتْهُ العَرَبُ، وما أظُنُّ أنَّها نَطَقَتْ بشيءٍ لم أعْرِفهُ. قَرَأتُ في كتاب تَتِمَّة اليَتِيْمة لأبي مَنْصُور الثَّعالبِيّ (¬١)، وذكَرَ فيها أبا العَلَاء المَعَرِّيّ فقال: وكان حَدَّثَني أَبو الحَسَن الدُّلَفيّ المِصِّيْصيّ الشَّاعر، وهو ممَّن لقيْتُهُ قَديْمًا وحَدِيثًا في مُدَّة ثلاثين سَنَةً، قال: لقيتُ بمَعَرَّة النُّعْمَان عَجبًا من العَجَب؛رأيتُ أعْمَى شَاعِرًا طَرِيفًا (a) يلْعب بالشِّطْرَنْج والنَّرْد، ويَدْخُل في كُلِّ فَنٍّ من الجدِّ والهَزْل، يُكْنَى أبا العَلَاء. وسَمِعْتُه يقول: أنا أحْمَد الله على العَمَى كما يَحْمدُه غيري على البَصَر، فقد صنعَ لي وأحسَن بي إذ كفاني رُؤيةَ الثُّقَلَاء والبُغَضَاء. قال: وحَضَرتُه يَوْمًا وهو يُمْلي في جَواب كتابٍ ورَدَ من بعض الرُّؤَسَاءِ إليه (¬١): [من الكامل] وافَى الكتابُ فأوْجَبَ الشُّكْرا … فضمَمْتُه ولثَمْتُهُ عَشْرا وفَضِضْتُهُ وقَرأتُهُ فإذا … أحْلَى (b) كتابٍ في الوَرَى يُقْرَا فمَحَاهُ دَمْعِي من تحدُّرِه … شَوْقًا إليكَ فلَم يَدَعْ سَطْرَا فتحفَّظْتُها واسْتَعْملتُها في مُكَاتَبات الإخْوَان. قُلتُ: وهذا الّذي حَكاهُ الدُّلَفيّ لم أسمَعْهُ في كتاب غير تَتِمَّة اليَتِيْمَة، ولم يَنْقل أحدٌ من المَعَرِّيّين وغيرهم عن أبي العَلَاء اشْتِغَالا بشِطْرَنْج أو نَرْد، أو دُخُولًا في فَنٍّ من فُنُون الهَزْل، ولم تَزَل أوْقَاته منذ نَشأ مَصْروفة إلى الاشْتِغَال بالعِلْم، كيف وهو أنَّ مَنْصِبَ أبيهِ ومَنْصِبَ أخيه لا يقتَضي تَمْكينه من شيء من ذلك، فقد كانا من العُلَمَاء الفُضَلَاء، وكان أبو العَلَاء يَزِيدُ عليهما. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عبد الله، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الطَّرَسُوسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبَو الفَضْل مُحَمَّد بنُ طَاهِر المَقْدِسِيّ إجَازَةً - قُلتُ: ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ المَقْدِسِيّ - قال: سَمِعْتُ الرَّئِيس أبا نَصْر أحْمَد بن أحْمَد بن عُبْدُوْس الوَفْرَاوَنْدِيّ بها، يقُول: سألتُ شَيْخ الإسْلَام أبا الحَسَنِ عليّ بن أحْمَد بن يُوسُف الهَكَّارِيّ عن أبي العَلَاء المَعَرِّيّ - وكان قد رَآهُ - فقال: رجُلٌ من المُسْلمِيْن.أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبد الله بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحَة قراءةً عليه، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، ح. وكَتَبَ إلينا أبو القَاسِم عِيسَىَ بن عَبْد العَزِيْز اللَّخْمِيّ من الإسْكَنْدَرِيَّة، قال: سَمِعْتُ أبا طَاهِر السِّلَفِيّ، يقول: سَمِعْتُ أبا الزَّاكِي حَامِد بن بَخْتِيار بن جَرْوَان النُّمَيْرِيّ الخَطِيب بالشَّمْسَانيَّة - مَدِيْنَة بالخَابُور - يقول: سَمِعْتُ القَاضِيَ أبا المُهَذَّب عَبْدَ المُنْعِم بن أحْمَد بن أبي الرُّوْس السَّرُوجِيّ، يقول: سَمِعْتُ أخي القَاضِي أبا الفَتْح، يقول: دَخَلْتُ على الشَّيْخ أبي العَلَاء التَّنُوخِيّ بالمَعَرَّة ذات يَوْم في وَقْتِ خَلْوة بغَير عِلْم منهُ، وكُنْتُ أتردَّدُ إليهِ وأقرأ عليه، فسَمِعْتُه وهو يُنْشد من قِيْلِهِ (¬١): [مخلع البسيط] كم غُوْدرَتْ (a) غَادةٌ كَعَابٌ … وعُمِّرَتْ أمُّها العَجُوْزُ أحْرَزَهَا الوالدَان خَوْفًا … والقَبْرُ حرْزٌ لها حَرِيْزُ يَجُوزُ أنْ تُبْطِئَ المَنَايا … والخُلْدُ في الدَّهْر لا يَجُوْزُ ثُمَّ تأوَّه مَرَّاتٍ، وتلا قولَهُ تعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (¬٢)، ثمّ صَاح وبَكى بُكَاءً شَدِيْدًا، وطَرَحَ وجْهَهُ على الأرْض زَمانًا، ثمّ رفَع رأسَهُ، ومسَحَ وجْهَهُ، وقال: سُبْحَان مَنْ تكَلَّم بهذا في القِدَم، سُبْحَان مَنْ هذا كلَامُه! وسَكَت وسَكَن. فصَبَرْتُ ساعةً، ثمّ سلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ عليَّ وقال: يا أبا الفَتْح، متى أتَيْتَ؟ فقُلتُ: السَّاعَةَ، فأمَرَني بالجُلُوس، فجَلَسْتُ، وقُلتُ: يا سَيِّدَنا، أرَى في وَجْهكَأثَر غَيْظٍ، فقال: لا يا أبا الفَتْح، بل أنشَدْتُ شَيئًا من كَلَا م المَخْلُوق، وتَلَوْتُ شَيئًا من كَلام الخاَلِق، فلَحقَني ما تَرى، فتحقَّقْتُ صِحَّةَ دينِهِ، وقوَّة يَقِيْنه. أخْبَرَنا أبو القَاسِم الأنْصَاريّ، عن الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأنْبَأنَا أبو القَاسِم اللَّخَمِيّ، قال: وسَمِعْتُ أبا طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد يقول: وقد كان شَيْخَانا أبو زَكَرِيَّاء التَّبرْيِزيّ ببَغْدَاد، وأبو المَكَارِم الأبْهَرِيّ بأَبْهَر، وهما همُا، ولا يَخْفَى من العِلْم مَحلُّهُما، يُبَالغانِ في الثَّنَاء عليه، ويَصِفانه بالزُّهْدِ والدِّين القَوِيّ، والعَقِيْدَة الصَّحيحة القَوِيَّة، والخَوْف من اللّهِ تعالَى، وأَنًّ كُلّ ما يُذْكَرُ من شِعْره إنَّما كان يَذْكرهُ على ما جَرَتْ به عادَةُ أهلِ الأدَب، كما فعَلَهُ أبو الحُسَين بن فارس في فُتْيَا فَقِيْه العَرَب، وقَبْله أبو بَكْر بن دُرَيْد في المَلَاحنِ، وعُدَّ ذلك منهما في جُمْلَةِ المَنَاقِبِ والمَحَاسِن، وهذان الإمَامانِ فمن أجلَّاءَ مَنْ رأيتُهُ من أهل الأدَب، والمتُبَحِّرين في عُلُوم العَرَب، وإلى أبي العَلَاء انْتماؤُهما، وفي العَرَبِيِةِ اعْتِزَاؤُهما، وقد أقاما عندَهُ بُرْهَةً من الدَّهْر للقِرَاءة والأخْذ عنهُ والاسْتِفَادَة. أخْبَرَنا القَاضِي أبو المَعَالِي أحْمَدُ بن مُدْرِك بن سَعيد بن سُلَيمان قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان، قال: بلَغَني من شُيُوخِ المَعَرَّة أنَّ جَمَاعَةً من أهل حَلَب خرجُوا إلى نَاحِيَةِ المَعَرَّة، فقالُوا: نُريد أنْ نجتَمع بالشَّيْخ أبي العَلَاء، فقال واحدُ منهم يُقال لهُ ابن الطَّرَسُوسِيِّ: أيّ حاجةٍ بنا أنْ نمْضِيَ إلى ذلك الأعْمَى الأصْطِيْل؟ فقالوا: لا بُدَّ لنا من المُضِي إليه، فَمضَوا حتَّى وصلُوا إلى بابهِ، ودَقُّوا الباب، واسْتَأذَنُوا عليه، فقال: يُؤْذَن للجَمَاعَةِ كُلّهم ما خَلا فُلَان؛ فلا حاجَهً له إلى أنْ يَجْتَمعَ بالأعْمَى الأصْطِيل، فدَخَلُوا وسَألُوه الإذنَ له، فأذِنَ له، وعجَبُوا من ذلك. قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَرَج مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن الكَاتِب الوَزِير في رُوزِنَامج أنْشَأهُ لولده الحَسَن يَذْكر فيه رِحْلَتَهُ إلى الحَجِّ من أَذْرَبِيْجَان، وعُبُوره بحَلَب ومَعَرَّة النُّعْمَان في سَنَة ثمانٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وكان رَجُلًا جَلِيْلًا فَاضِلًا، وَسَنَذْكُرتَرْجَمَتهُ في مَوضِعها إنْ شاءَ اللهُ (¬١)، ذِكْر مَعَرَّة النُّعْمَان، ثمّ قال: وحَسَنَتُها وغُرَّتُها ودِيْبَاجَتُها وعَالِمُها ورَاويتُها وعَلَّامتُها ونَسَّابَتُها الشَّيْخُ الجلَيْل العالَم أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد الله بن سُلَيمان المَعْرُوف برَهْن المَحْبَسَين، وهو العَالَمِ المَقْصُودُ، والبَحْر من الأدَب المَوْرُود، والإمَام المَوْجود، والأدِيْبُ الّذي يشْهَدُ بفَضْله الحَسُودُ، والزَّاهِدُ الّذي لو أَحَلَّ الدِّينُ السُّجُودَ لوجبَ له السُّجُود، والفَاضِل الّذي تُنْضَى إليه الرَّكاَئب، وتُرْكب إلى الاقْتِباسِ منْهُ الطَّريق المُوَعَّرُ واللَّاحب، ويُهْجَرُ لمُوَاصَلَتِهِ المُنَاسبُ والمُصَاحِبُ، وتُطوَى إليه البِلاد، ويُخالَفُ للاكْتحال به الرُّقاد ويُحَالف السُّهَاد، ليُؤْخَذَ منهُ العِلْمُ المَحْضُ والسَّدَاد، ويُسْتَفاد من مُجَالسَته العِلْمُ المَطْلُوب والرَّشَادُ، يفقَدُ لديهِ الزَّيْغُ والإلْحَاد، والفُضُول في الدِّين والعِنَاد. الفَهْمُ مِلْءُ إهَابِه، والفَضْلُ حَشْوُ ثيابِه، شَخْصُ الأدَبِ مَاثِلًا، ولِسَان البَلَاغَةِ قَائلًا، جَمَال الأيَّام، وزِيْنَةُ خَوَاصِّ الأنامِ، وفارس الكَلَام، والمُقَدَّم في النِّثَارِ والنِّظَام. قد لَزِمَ بيتَهُ فما يُرَى مُتَبَرزًا، وألفَ دارَهُ وأصْبَحَ فيها مُعْتَمدًا مُتَعزِّزًا، لا يُؤْنسهُ عن الوَحْشَة إلَّا الدَّفَاتِر، ولا يصْحَبُه في الوَحْدَة إلَّا المَحَابِر، قد اقْتَصَر من دُنْياهُ على الزَّاويَة، وأَنِسَ بالاعْتِزَال والعَافِيَة، وقَصَرَ هِمَّتَهُ على أدَبِ يُفِيْدُهُ، وتَصْنِيف يُجِيْدُهُ، وقَرِيْض يَنْظمُه، ونَثْر يَنْثرُه فيُحْكمه، ومُتَعَلِّم يَفضلُ عليه، ومُسْتَرْفد صُعْلُوك يُحْسِنُ إليه، فهو عَذْبُ المَشْرَبِ، عَفُّ المطْلَب، نقِيَّ السَّاحَةِ من المآثم، بَرِيء الذّمَّة من الجَرَائمِ، يَرْجعُ إلى نفسٍ أمَّارة بالخيرِ، بعيدَة من الشَّرِّ، قد كُفَّ عنِ زُخْرِف الدُّنْيا ونضْرتها، وغُضَّ طَرْفُه عن مَتَاعها وزَهْرَتها، ونقى جَيْبَهُ، فَأمن النَّاسُ عَيْبَه، قد اسْتَوَى في النَّزَاهَة نَهَارُهُ وليلُه، فلم يتدَنَّسْ بفَاحِشَةٍ قَطَّ ذَيْلُه،وعاد لإصْلَاح المَعادِ بإعْدَادِ الزَّادِ، واعْتَزَلَ هذه الغَدَّارة، وأفرجَ عن المُرَاد. ولهُ دارٌ حَسَنَةٌ يأويْها، ومَعَاشٌ يَكفيهِ ويَمُونهُ، وأولاد أخٍ باقٍ يَخْدمُونَهُ، ويقرَأونَ بينَ يَدَيْهِ، ويَدْرسُونَ عليه، وبَكْتُبُونَ له، وورَّاق برَسْمِهِ مُسْتَأجَر، ثُمَّ يُنْفِقُ على نفسِه من دَخْل مَعَاشِه نففةً طَفِيْفَة، وما يَفْضُلُ عنهُ يُفَرِّقُهُ على أخيهِ وأوْلادِهِ واللائذِيْنَ به والفُقَرَاءَ والقَاصدين له من الغُرَبَاء، ولا يقبلُ لأحدٍ دَقيقًا ولا جلِيْلًا، فقد اسْتَعْمَل قول النَّبيِّ ﷺ (¬١) أنَّ رَجُلًا أتاهُ فقال: يا رسُول اللهِ، أيّ النَّاس أفْضَل؟ قال: رَجُل يُجَاهِد في سَبيْل الله بماله ونَفْسه. قال ثمّ مَنْ؟ قال: مُؤْمِن في شِعْب من الشِّعَاب يَعْبُدُ اللهَ، ويَدَع النَّاسَ من شَرِّه. وما رُوي أنَّ عُقْبَة بن عَامِر قال (¬٢): يا رسُول الله، ما النَّجَاةُ؟ قال: أمْلِكْ عليكَ لسَانَكَ، وليَسَعكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئَتكَ، فقد اتَّخذ الله تعالَى ذِكْرهُ صَاحِبًا. وترَكَ النَّاسَ جَانِبًا. فَمَضَيْتُ إليه مُسَلِّمًا، وللاسْتِسْعَادِ به مُغْتَنِمًا، فرأيتُ شَيْخًا حَكَمْتُ بأنَّهُ مَولُودٌ في طَالع الكَمَالِ، وأنَّهُ جُمْلَة الجالِ (a) ، شَمْسُ عَصْرِه، وزِيْنَة مِصْره، وعَلَم الفَضْل المَطْلُوب، ووَاسطَةُ عقْد الأدَب المَحْبُوب، يَزِيدُ على العُلَمَاء زِيَادَةَ النُّور على الظَّلَام، والكِرَام على اللِّئَام، ويَنيْفُ عليهم إنافَة صَفْحَة الشَّمْس على كُرَة الأرْض، ويَشَأُهم كما يَشْأَى السَّابِق يَوْمَ الامْتِحان والعَرْض. وذكَرَ قصائد سَمِعَها منهُ من شِعْره، وقال في آخِرها: يا وَلدِي، أبْقَاكَالله، هذا ما عَلَّقْتُه عن هذا الشَّيْخ المَذْكُور، في زَوْرَةٍ كانتْ أقْصَرَ من إبْهَام الضَّبِّ، وعتَاب الصَّبِّ، وحُسْوَة الطَّائرِ، وهجْعَة السَّائرِ، وسَالفَة الذُّبَاب، ودَوْلة الخضَاب، ثمّ عَرَضْتُ عليه ما أَسْأَرتْهُ النَّوَائِبُ من حالي، وتخَطَّتْهُ الحَوَادِثُ من نفَقَتي ومالي، فأبَى عن القَبُول وامْتَنع، وتَلَكَّأ عليَّ ودَفَع، فلمَّا عَرَفْتُ مَذْهَبَهُ، وظَلَفَ نَفْسهِ، جئْتُه من البابِ الّذي اقْتَرَنَ بمُرَادِهِ وأُنْسهِ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، في رِسَالَةٍ كَتَبَها الكِيَا أبو الفَتْح الحَسَن بن عبد الله بن صالح الأصْبَهَانِيّ إلى أبي المُظَفَّر اللَّيْثِيّ الأذْرِيّ، وقد سَأله عن حاله في سَفْرَةٍ سَافرَها إلى الشَّام وغيرها، قال فيها: وهل أدرك أبا العَلَاء المَعَرِّيّ المَحْجُوب، حَجَبَ اللهُ عنه السُّوءَ، وهو أديْبُهم الرَّاجِحِ، وعَالِمُهم الفَاضِل، وشَاعِرُهم البارعُ، وعَهْدي به راجعًا من بَغْدَاد، ولم يصحّ بجانبي ليله النَّهَار، ولم يقَع على شَبابهِ لوقائع الدَّهْر غُبَار، وهو يقول ما شاهدْت بالعِرَاق مَنْ احْتَجتُ إلى عِلْمهِ، ووجبت (a) عليّ رحلَة للاقْتباسِ من أجْله، فرأيتُ العَوْدَ إلى وَطَني أرْبَحَ، والمقام بين أهْلي وعَشائري أرْوَح، ولقد رأيتُهُ مِعَنًّا مِفَنًّا، يَتَنفَّس في كُل جَوّ، ويَقْتَبس من كُل ضَوّ، فتَذَكَّرتُ قَوْل عبد الله بن العَبَّاس (¬١): [من البسيط] إنْ يَسْلُب اللهُ مِنْ عَيْنيَّ نورَهمُا … ففي لِسَانِي وقَلْبي منهما نُورُ قلبي ذَكيٌّ ورَأيِي حَازم يَقُط … وفي فمي صَارِمٌ كالسَّيْفِ مأثُورُ وقَرأتُ بخَطِّ السِّلَفيّ، في رسالةٍ كتَبَها إلى الدِّهْخُذا أبي الفَرَج مُحَمَّد بنأحْمَد، قال فيها: والشَّيْخ أبو العَلَاء المَعَرِّيّ فإنِّي وجَدتُهُ كما قال أبو الطَّيِّب (¬١): [من الكامل] عَلَّامَة العُلَمَاء واللُّجُّ الّذي … لا يَنْتَهي ولكُلّ لُجّ سَاحِلُ ولم يَكُن الْتقائي به في دَفْعَتين إلَّا قَدْر قبْسَة العَجْلَان، وخَفْقة النَّعْسَان. أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيم بن أبي اليُسْر شَاكِر بن عبد اللهِ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيمان (¬٢)، قال: أخْبَرَني أبي أبو اليُسْر، قال: أخْبَرَني جَدِّي أبو المَجْدِ مُحَمَّد بن عبد الله، قال: كان ظَهَر بمَعَرَّة النُّعْمَان مُنْكَرٌ في زَمن صالح بن مِرْدَاسٍ، فعَمَدَ شُيُوخُ البَلَدِ إلى إنْكَار ذلك المُنْكَر، فأفْضَى إلى أنْ قتَلُوا الضَّامن بها، وأهْرقُوا الخَمْرَ، وخافُوا، فَجَمَعَهُم إلى حَلَب واعْتَقلهُم بها، وكان فيهم بعضُ بني سُليْمان، فجاء الجَمَاعَةُ إلى الشَّيْخ أبي العَلَاء، وقالوا له: إنَّ الأمرَ قد عَظُمَ وليس له غيرُكَ. فسار إلى حَلَبَ ليشْفَع فيهم، فدَخَل إلى بين يَدي صالح، ولم يَعْرِفْهُ صالح، ثمّ قال له: السَّلام عَليْكَ أيُّها الأَمِيرُ. الأَمِيرُ أبْقَاهُ اللهُ كالسَّيْف القَاطع، لأن وسَطُهُ، وخَشُنَ جَانِباه، وكالنَّهَار الماتِعِ، قاظَ وَسَطُهُ، وطَابَ جَانباهُ، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (¬٣)، فقال له: أنتَ أبو العَلَاء؟ فقال: أنا ذاكَ. فرفعَهُ إلى جانبهِ، وقضَى شُغْلَهُ، وأطْلَقَ له مَنْ كان من المُحَبَّسيْنَ من أهْل المَعَرَّة، فعَمِل فيه، قال لي: قال لي أبي: قال لي جَدِّي: وأنْشَدَنيها لنفسِهِ (¬٤): [من المتقارب] ولمَّا مَضَى العُمْرُ إلَّا الأقَلَّ … وحَانَ (a) لرُوْحِي فِرَاق الجَسَدْبُعِثْتُ رَسُولًا (a) إلى صالح … وذاكَ من القَوْم رَأْيُ فَسَدْ فيَسْمَعُ منِّي هَدِيْلَ (b) الحَمَام … وأسْمَعُ منهُ زَئيْرَ الأسَدْ فلا يُعْجبنِّي هذا النِّفَاقُ … فكَمْ مِحْنَةٍ نَفَّقَتْ ما كَسَدْ وقرأتُ هذه الحِكايَة في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬١)، وذَكَرَ أنَّ اجْتِمَاع أبي العَلَاء بصالح كان بِظَاهِر مَعَرَّة النُّعْمَان، قال: سنَة سَبعْ عَشْرة وأرْبَعمائة فيها: صَاحَت امرأةُ في الجَامع يَوْم الجُمُعَة، وذكرَتْ أنَّ صاحبَ المَاخُور أرادَ أَنْ يَغْصِبَهَا نفسَها، فنَفَرِ كُلُّ مَنْ في الجَامع إلَّا القَاضِي والمَشَايخ، وهَدَمُوا المَاخُور، وأخَذُوا خشَبَهُ ونهبُوهُ، وكان أسَدُ الدَّوْلةَ صالح في نَوَاحِي صَيْدَا. ثم قال: سنَة ثماني عَشْرة وأرْبَعِمائة فيها: وصَل الأميرُ أسَدُ الدَّولَة صالِح بن مِرْدَاسٍ إلى حَلَبَ، وأمَرَ بِاعْتِقَال مَشَايخ المَعَرَّة وأمَاثِلها، فاعْتُقِلَ سبْعُونَ رجُلًا في مَجْلِسِ الحِصْن سَبْعِين يوْمًا، وذلك بعد عيْدِ الفِطْر بأيَّام، وكان أسَدُ الدَّوْلَة غير مُؤثر لذلك، وإنَّما غَلَبَ تَاذَرُس (¬٢) على رأيهِ، وكان يُوهمُهُ أنَّهُ يُقيم عليهم الهَيْبَة، ولقد بلغَنا أنّهُ خاطَبَهُ في ذلك فقال له: أَقْتُلُ المُهَذَّب أو أبا المَجْد بسبَب مَاخُور؟ ما أفْعَل. وقد بَلَغَني أنَّهُ دُعِي لهم في آمِد ومَيَّافَارقِين، وقِطَعَ عليهم ألف دِيْنارٍ، واسْتَدْعي الشَّيْخ أبا العَلَاء بن عبدِ الله بن سُلَيمان، ﵀، بِظَاهِر مَعَرَّة النُّعْمَان، فلمَّا حصَل عندَه في المَجْلِسِ، قال له الشَّيْخُ أبو العَلَاء: مَوْلَانا السَّيِّد الأجَلّ، أسَدُ الدَّوْلَة ومُقَدَّمُها ونَاصِحها، كالنَّهَارِ المَاتِع، اشْتَدَّ هجيرُهُ وطابَ أبْرَدَاهُ، وكالسَّيْف القاطع، لانَ صفْحُه وخَشُنَ حَدَّاهُ، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْبِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (¬١)، فقال صالح: قد وَهَبتهم لك أيُّها الشَّيْخُ. ولم يَعْلَم الشَّيْخُ أبو العَلَاء أنَّ المال قد قُطع عليهم وإلَّا كان قد سَأل فيهِ، ثمّ قال الشَّيْخُ أبو العَلَاء بعد ذلك شِعْرًا (¬٢): [من المتقارب] تغيَّبْتُ في مَنْزِلي بُرْهَةً … سَتِيرَ العُيُون (a) فقيْدَ الحَسَدْ فلمَّا مَضَى العُمْرُ إلَّا الأقَلَّ … وحُمَّ لرُوْحِي فِرَاقُ الجَسَدْ بُعِثْتُ شَفِيْعًا إلى صالحٍ … وذاكَ من القَوْمِ رأيُ فَسَدْ فيَسْمَعُ منِّي سَجع الحَمَام … وأسْمَعُ منهُ زئيْرَ الأسَدْ فلا يُعجِبَنِّيَ هذا النِّفَاقُ … فكم نفَّقتْ مِحْنَةُ ما كَسَدْ قُلتُ: وبلَغَني في غير هذه الرِّوَايَة أنَّهُ قال بَيْتَيْن حين أطْلَقَ صالح أهْلَ المَعَرَّة (¬٣): [من الكامل] نجَّى المَعَرَّةَ (b) من بَرَاثن صالحٍ … رَبّ يُدَاوِي كُلَّ داءٍ (c) مُعْضِلِ ما كانَ لي فيها جَناحُ بَعُوضَةٍ … اللهُ ألْحَفَهُم (d) جَناحَ تَفَضُّلِ نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ، قال: وحَدَّثني أبي، قال: حَدَّثني أبو المُعَافَى بن المُهَذَّبِ، قال: عَمِلَ الشَّيْخُ أبو العَلَاء في بَغْدَاد (¬٤):منْكَ الصُّدُود ومنِّي بالصُّدُود رِضَى وهي قَصِيدَةٌ مَلِيْحَةٌ، فلمَّا ظَهَرَتْ غُنِّي بها. فهو ليلَةً قاعدٌ في بَيْتهِ، إذ سَمِعَ في جُوَاره غِنَاءً من القَصِيدَة (¬١): [من البسيط] بي مِنْكَ ما لو بَدَا (a) بالشَّمْس ما طَلَعَتْ … والغُصْن ما مَاسَ أو بالبَرْق (b) ما وَمَضَا قال: فلَطَمَ وبَكَى، واسْتَغْفَر اللهَ من ذلك، وقال: واللهِ لو عَلَمْتُ أنَّهُ يُغَنَّى بشِعْري لَمَا نَطَقْت بهِ. أنشَدنا ضِيَاء الدِّين الحَسَن بن عَمْرو بن دُهْن الحَصَا، بقراءتي عليه بحَلَب، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل خَطِيبُ المَوْصِل، قال: أنْشَدَنا أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بن عليّ التَّبْرْيزِيّ، ح. وأنْشَدَنا الخَطِيبُ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن حَرْب خَطِيبُ قَلْعَة حَلَب، والشَّريف أبو المَحَاسِن عبدُ الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الهاشمِيّ الحَلَبِيَّان بها، والقَاضِي شِهَاب الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن مُدْرِك بن سَعيد بن سُلَيمان المَعَرِّيّ بها، وشِهَابُ الدِّين أبو المحامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ بدِمَشْقَ، قالوا: أنْشَدَنا القَاضِي المُؤيَّد أبو جَعفَر مُحَمَّد بن مُؤيَّد بهن أحْمَد بن حَوَاري، قال: أنْشَدَنِي جَدِّي أبو اليَقْظَان أحْمَد بن مُحَمَّد بن حَوَاري، قالا: أنْشَدَنا أبو العَلَاء أحْمَدُ بن عبد اللهِ بن سُلَيمان المَعَرِّيّ لنفسِه، وهي أبي الرِّضَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد اللهِ الفُصَيْصِيّ الكَاتِب (¬٢): [من البسيط] يا سَاهِرَ البَرْق أَيْقِظ راقدَ السَّمُرِ … لَعَلَّ بالجزْع أعْوانًا على السَّفَر (c)وإنْ بَخِلَتْ عن الأحْيَاءِ كُلِّهِم … فاسْقِ المَواطِر حَيًّا من بني مَطَر ويا أَسِيْرة حِجْلَها أرَى سَفَهًا … حَمْلُ الحُلّي بمَن أعْيَا عن النَّظَر ما سِرْتُ إِلَّا وطَيْفٌ منك يَصْحَبُني … سُرىً أمامي وتأويْيًا على أثَري لو حَطّ رحْلي فَوْق النَّجم رَافعُهُ … ألْفَيْتُ ثَمَّ خيالًا منكِ مُنْتظِري يَودُّ أنَّ ظَلَامَ اللَّيْل دامَ له … وزِيْد فيه سَوَادُ القَلْبِ والبَصَر لو اخْتصَرتُم من الإحْسان زُرْتكُمُ … والعَذْبُ يُهْجَرُ للإفْرَاطِ في الخَصَر أبَعْدَ حَوْلٍ تُنَاجِي الشَّوْقَ نَاجِيَةٌ … هلَّا ونحنُ على عَشْرٍ من العُشَر قال فيها في المَدْح: يا رَوَّعَ اللهُ سَوْطي كم أرُوْعُ بهِ … فُؤَادَ وجْنَاء مِثْل الطَّائِر الحَذِر باهتْ بمَهْرَة عَدْنَانًا فقلتُ لها: … لولا الفُصَيْمِيِّ كانَ المجدُ في مُضَر وقَدْ تبيَّنَ قَدْرِي أنَّ مَعْرفتي … مَنْ تَعْلَمِين ستُرضِيْني عن القَدَر القَاتِلُ المَحْل إذ تَبْدُو السَّماءُ … لنا كأنَّها من نَجيع الجَدْب في أُزُر وقَاسِم الجُوْد في عالٍ ومُنْخَفضٍ … كقِسْمَة الغَيْث بين النَّبْت والشَّجَر قد أخَذَ قَوْمٌ على أبي العَلَاء قولَهُ: لولا الفُصَيْصِيُّ كان المَجْدُ في مُضَر وجعلُوا هذا القَوْل دَليْلًا على سُوءَ اعْتِقَاده، لأنَّهُ يُشْعِر بتفْضِيْل الفُصَيْصِيّ على النَّبِيّ ﷺ، لأنَّ المَجْد في مُضَر كان بهِ ﷺ، فلمَّا جاء الفُصَيْصِيُّ صار المَجْدُ في قَحْطَان. قالوا: وهذا تَفْضيلٌ للفُصَيْصِيّ، نَعوذُ بالله من ذلك. وكُنْتُ أبدًا أسْتَعْظُم معنَى هذا البَيْت، وأُفكِّر له في وَجْهٍ يُحْمَل عليهِ، وتأويلٍ يَصْرفُهُ عن هذا المَعْنَى القَبِيْح الّذي طَعَن به الطَّاعنُ على ناظِمه، فلميَخْطُر لي في تأويلهِ شيءٌ أرْتَضيهِ، ومَضَى لي على ذلك سنونَ، فرأيتُ في مَنامي ليلَةً من ليالي سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين وسِتّمائة، كأنَّني أُذاكِر رَجُلًا بهذا البَيْتِ، وأقول لهُ: إنَّ هذا كُفْرٌ! فقال لي ذلك الرَّجُل: لم يُرد أبو العَلَاء ما ذهَبْتَ إليه من التَّفْضيل، وإنَّما أرادَ أنَّ المَجْدَ كَلَّهُ كان في مُضَر دون غيرها منِ القَبَائِل، فلمَّا جاءَ الفُصَيْصِيُّ صَار لقَحْطَانَ به مَجْدٌ ونَصيْبٌ منهُ. وهذا تأويل حسَنٌ، وتكون الألف واللَّام لاسْتغراقِ الجنْسِ، واللهُ أَعْلَمُ. أنْشَدَنا أبو إسْحاق إبْراهيمُ بن عُثْمان بن يُوسُف بن أَيُّوبَ الكاشْغَرِيّ، قال: أنْشَدنا هِبَةُ الله بن يَحْيَى بن الحَسَن بن البُوْقِيّ الفَقِيه الشَّافِعيّ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن عُمَر قَحْفُ العِلْم، قال: أنْشَدَنا أبو العَلَاء أحْمَد بنُ عبدِ الله بن سُلَيمان المَعَرِّيُّ لنَفْسِه: [من السريع] أَمَا يُفِيْقُ المرءُ من سُكره … مُجْتَهدًا في سَيْره والسُّرَى نِمْتَ عن الأُخْرى فلم تَنْتَبِهْ … وفي سِوَى الدِّين هجرْتَ الكَرَى كم قَائِل رَاحَ إلى معْشَر … أبْطَلَ فيما قالَهُ وافْتَرَى على القَرَا يَحْملُ أثْقَالَهُ … وإنَّما يأمُلُ نَزْرَ القِرَى يَفْتقِرُ الحيُّ ويُثْرى وما … يَصِيْرُ إلَّا حُثْوَةً في الثَّرَى اسمَعُ فهذا هَاتفٌ صَادقٌ … أراكَ عُقْبَاكَ فهَلَّا تَرَى أخْبَرَنا أبو هاشِمٍ بن أبي المَعَالِي الحَلَبِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن أبي بَكْر الإمَام، قال: أنْشَدَتنا أُمُّ سَلَمَة سِتِّيْك بنْت عبد الغَافِر بن إسْمَاعيْل الفَارِسِيّ بنَيْسَابُور، وأبو حَفْصٍ عُمَرُ بن أحْمَد بن مَنْصُور الإمَام بمَرْو، قالا: أَنْشَدَنا أبو نَصْر الرَّامِشِيُّ النَّحْوِيّ الإمَامُ، قال: أنْشَدَني أبو العَلَاء أحْمَد بنُ عبد اللهِ بن سُلَيمان المَعَرِّيّ لنَفْسِه (¬١): [من الطويل]رَغبْتُ إلى الدّنْيا زَمانًا فلم تَجُدْ … بغَير عناءٍ والحَيَاةُ بلاغُ وألْقَى ابنَهُ اليَأسُ المُرِيحُ وبنْتَهُ … لَديَّ فعندِي رَاحَةٌ وفَرَاغُ وزَادَ بلاءَ النَّاس في كُلِّ بلْدَةٍ … أحاديْثُ ممَّا تُفْتَرى وتُصَاغُ تَأمّلتُها عَصْرَ الشَّبَابِ فلم تَسُغْ … وليسَ لها بَعْدَ المَشِيْب مَسَاغُ ومن شَرِّ ما أسرجْتُ في الصُّبْح والدُّجَى … كُمَيْتٌ لها بالرَّاكبين مَرَاغُ أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (¬١)، قال: وبلَغَنا أنَّهُ - يعني أبا العَلَاء - ماتَ في يَوْم الجُمُعَة الثَّالث عَشر من شَهْر رَبِيع الأوَّل سَنَة تِسْعٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة. وقَرأتُ بخَطِّ أبي الفَضْل هِبَةِ الله بن بُطْرُس الحَلَبِيّ النَّصْرانِيّ المَعْرُوف بابنِ شَرَارَة: لَزِمَ أبو العَلَاء مَنْزِلَهُ من سَنَة أرْبَعمائة إلى أنْ تُوفِّي يَوْم الجُمُعَة للَيْلَتَيْن خَلَتا من شَهْر ربيع الأوَّل من سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين بمَعَرَّة النُّعْمَان. وقَرأتُ في الجُزء الّذي سَيَّرهُ لي قاضي المَعَرَّة أبو المَعَالِي بن سُلَيمان، في أخْبَاري سُليْمان، أنّهُ تُوفِّي ﵀ وَقْت صَلَاة العَصْر من يَوْم الجُمُعَة الثَّاني من شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة تَسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، ودُفِنَ في مَقَابِر أهْلِهِ بمَعَرَّة النُّعْمَان، وصَلَّى عليه ابنُ أخيْهِ أبو مُحَمَّد عبدُ الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيمان ﵀. وكذلك قرأتُ وفاتَهُ بخَطِّ مُؤيَّد الدَّوْلَة أبي المُظَفَّر أُسامَةَ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ الكِنَانِيّ. أخْبَرَنا أبو العَرَب بن أبي الشُّكْر بن أبي القَاسِمِ الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنَامُحَمَّد بن المُؤيَّد التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنِي جَدِّي أحْمَدُ بن مُحَمَّد المَعَرِّيّ التَّنُوخِيّ أبو اليَقْظَان، قال: وتُوفِّيَ - يعني أبا العَلَاء - بين صَلَاتي العشَائين لَيْلَة الجُمُعَة الثَّالث من شهر رَبيع الأوَّل سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة. وقَرَأتُ في تاريخِ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل الصَّابِئ (¬١)، في حَوَادِث سَنَة تِسْعٍ وأرْبعين وأرْبَعِمائة، قال: وفي الجُمُعَة الثَّالث عشر من شهر رَبيع الأوَّل تُوفِّي بمَعَرَّة النُّعْمَان من الشَّام أبو العَلَاء أحْمَد بن عبد الله بن سُلَيمان. قال: وأَذْكُر عند ورُود الخَبَر بمَوْتِه، وقد تذاكَرْنا أمْرَهُ، وإظْهاره الإلْحَادَ وكُفْره، ومعَنا غُلَامٌ يُعْرفُ بأبي غَالِب بن نَبْهان، من أهْل الخَيْر والسَّلامَة والعِفَّة والدِّيانَة، فلمَّا كان من غَد يومنا حَكَى لنا وقد مَضى ذلك الحَدِيْثُ بسَمْعه عَرضًا، فقال: أريتُ البَارِحَة في مَنامي رَجُلًا ضَرِيرًا، وعلى عاتِقه أفْعَيان مُتَدلِّيان إلى فَخذيه، وكُلّ منهما يَرْفع فَمه إلى وَجْهِهِ، فيقطعُ منه لَحمًا يزدَردهُ، وهو يَصِيْحُ ويَسْتَغيث، فقلتُ: منْ هذا؟ وقد أفْزعَني ما رأيتُه منهُ، ورَوَّعَني ما شاهدْتُه عليه، فقيل لي: هذا المَعَرِّيّ المُلْحِدُ، فعَجِبْنا من ذلك، واسْتَطْرفناهُ بعقب ما تَفَاوَضْناهُ من أمْره وتجارَيْناه. قُلتُ: خَفِي على غَرْس النِّعْمَة تأويل المَنَام وهو أنَّ الأفْعَيين: هو والّذي كان يُذَاكِرهُ بإلْحَادِ المَعَرِّيّ وكُفْره، فرأى هذا الغُلَام في النَّوْم ما عاينَهُ منهما في اليَقَظَة، قال الله ﷾: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (¬٢)، وأمَّا صياحُهُ واسْتغَاثَتُهُ فإلى الله تعالَى عليهما. ذَكَرَ الوَزِيرُ القَاضِي الأكْرَم أبو الحَسَن عليّ بن يُوسُف الشَّيْبَانِيّ في كتابِ إنْبَاءِ الأَنْبَاه في أَنْباء النُّحَاه (¬٣) قال: قَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن مَوَاهِب بن أسَدالفَارزِيّ (a) الحَلَبِيّ، قال: حَدّثَني الشَّيْخُ أبو عَبْد اللهِ الأصْبَهَانِيّ، قال: لمَّا حَضَرت الشَّيْخَ أبا العَلَاء أحْمَدَ بنَ عبد الله بن سُلَيمان التَّنُوخِيَّ الوَفَاةُ، أتاهُ القَاضِي الأجَلّ أبو مُحَمَّد عبد الله التَّنُوخِيّ (b) بقَدَح شَرَاب، فامْتَنعَ من شُرْبه، فَخَلف القَاضِي أيمانًا مُؤكَّدَةً لا بُدَّ من أنْ يَشْربَ ذلك القدَح، وكان سِكَنْجِبَيْن، فقال أبو العَلَاء مُجيْبًا له عن يَمِيْنهِ: [من الوافر] أَعَبْدَ اللهِ خيرٌ من حَيَاتي … وطُول ذَمَائِها مَوْتٌ صَرِيحُ (c) تُعَلِّلُنِي لتَشْفيَني (d) فذَرْنِي … لعَلِّي أسْتَريح وتَسْتَريحُ وكان مرضُهُ ثلاثة أيَّام، وماتَ في اليَوْم الرَّابِع، ولم يكُن عندَهُ غيرُ بني عَمِّه، فقال لهم في اليَوْم الثالث: اكتُبُوا، فتَناولوا الدُّوِيَّ والأقْلَام، فأمْلَى عليهم غيرَ الصَّوَاب. فقال القَاضِي أبو مُحَمَّد: أحْسَن اللهُ عزاءَكُم في الشَّيْخ؛ فإنَّهُ مَيِّتٌ، فماتَ في غَدَاةِ غَدٍ. وإنَّما أخَذ القَاضِي هذه المَعْرفَة من ابن بُطْلَان، لأنَّ ابن بُطْلَانَ كان يدخُل على أبي العَلَاء، ويَعْرفُ ذَكَاءَهُ وفَضْلَهُ، فقيل له قَبْل مَوْته بأيَّام قَلَائِل: إنَّهُ أمْلَى شيئًا فغلطَ فيه، فقالَ ابنُ بُطْلَان: ماتَ أبو العَلَاء، فقيل: وكيفَ عرفتَ ذلك؟ فقال: هذا رَجُلٌ فَطِنٌ ذَكِيّ ولم تَجْر عادتُهُ بأنْ يَسْتَمِرَّ عليه سَهْوٌ ولا غلَطٌ، فلمَّا أخْبَرتمُوني بأنَّهُ غَلِطَ عَلِمْتُ أنَّ عَقْله قد نَقَصَ، وفِكْرَهُ قد انْفَسَدَ (e)، وآلاته قد اضْطَربتْ، فَحَكَمْتُ عليه عندَ ذلك بالمَوْت، واللهُ أعْلَمُ. قَرأتُ بخَطِّ بعض البَغْدَاديّين: قيل: لمَّا ماتَ أبو العَلَاء المَعَرِّيّ، سَامَحَهُ اللهُ، وقفَ على قَبْره سَبْعون شَاعِرًا من أهْل المَعَرَّة، فأنْشَدَ كُلّ منهم قَصِيدَةًيَرْثِيه بها، فقال بعضُهُم (¬١): [من الكامل] إنْ كنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءَ زَهَادَةً … فلقَدْ أَرَقْتَ اليَوْمَ من عَيْني (a) دَمَا سيَّرتَ ذكَرَكَ في البلادِ كأنَّهُ … مِسْكٌ فسَامعَةً تضَمِّخ (b) أو فَمَا وأرَى (c) الحجيْجَ إذا أَرادُوا لَيْلَةً … ذكراكَ أوجَبَ فِدْيةً مَنْ أحْرَمَا قُلتُ: وهذه الأبْيَاتُ لعليّ بن مُحَمَّد بن هَمَّام التَّنُوخِيّ، وَسَنَذكُرها في تَرْجَمَتِهِ (¬٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. قَرَأتُ في مَجْمُوعٍ بخَطِّ بعض الفُضَلَاء لابن أخي المَعَرِّيّ يَرْثِي عَمّه أبا العَلَاء: [من الكامل] لو كان يَنْفَعُ بَعْدَ مَصْرَعَ مَالكٍ … تَطْوِيليَ الأشْعَارَ والأشْعَارَا لوقفْتُ في سُبُل القَوَافي خَاطِري … ولبسْتُ من شَعري عليكَ شعَارَا قُلتُ: وإيَّاهُ عَنَى أبو مُحَمَّد الخَفَاجِيّ الشَّاعر في قَصِيدته الرَّائِيَّة بقَوْلِه (¬٣): [من الخفيف] ومُقِيْمًا على المَعَرَّة تَطْويـ …وَيا مَنْ بَكَي طَرْفُ المَكَارِم وَحْشَةً … لهُ ولسَانُ الفَضْل والحِلْمِ نَادِبُه ولو نَطَقَتْ كُتبُ العُلُوم إذًا بَكَي … على فَقدِه من كُلِّ عِلْمٍ غَرَائبُه ولو أنَّ هذا اللَّيْل يَعْلَمُ أنَّهُ … قَضَى لقضَى أَلَّا تَزُولَ غيَاهِبُه ولو عَلِمَتْ شُهْبُ الظَّلَام بفَقْدِهِ … إذًا نَدَبتْهُ في الظَّلَام كَوَاكبُه سَقَى قَبْرَهُ السّحْبُ الغزارُ وخصَّهُ … من اللهِ عَفْوٌ لا يزالُ يُصَاحبُه فما زال كُلُّ النَّاسِ ينْهَبُ عِلْمَهُ … إلى أنْ غَدَا صَرْفُ الرَّدَى وهو نَاهِبُه وقد عمَّ أهلَ الأرْض جَمْعًا مُصَابُهُ … كما عمَّهم إحْسَانه ومَوَاهِبُه رَعَى الله قَبْرًا أنتَ يا عَمِّ مُلْحَدٌ … بهِ وسَقَاهُ من حَيا المُزْنِ صَائبُه ولرلا تَوخِّيْك الطَّهَارةَ شِيْمةً … لقُلتُ: سَقَاهُ من دَمِ الدَّمْعِ سَاكبُه وقَرَأتُ فيه لأبي يَعْلَى عَبْد البَاقِي بن أبي حَصِيْن من قَصِيدَة: [من الوافر] نِصَالُ الدَّهْر أقْصَدُ من سِوَاها … وإنْ أَدْمَتْ ولم تُدْمِ النِّصَالُ ألَم تَرَ كيفَ لم يأمَنْ مَنْ شَباهَا … أميْنُ الأرْض والوَرِع البجَالُ وسَار سَريِره فَوْق الهوَادِي … لقد خَفَّتْ مُذِ اليَوْم الجِبَالُ وأُقْبِر في المَعَرَّةَ وهو أَوْلى … بقَبْرٍ في المَجَرَّةِ لا يُطَالُ وَقَرأتُ فيه لأبي الفَتْح الحَسَن بن عبد الله بن أبي حَصِيْنَة (¬١): [من ١٥ الكامل] العِلْمُ بعد أبي العَلَاء مُضَيَّعُّ … والأرْضُ خاليَةُ الجَوَانِبِ بَلْقَعُ لا عَالِمٌ فيها يُبَيّنُ مُشْكلًا … للسَّائلينَ ولا سمَاعٌ يَنْفَعُ وَعظ الأنامَ بما اسْتَطاعَ من الهُدَى … لو كان يعْقلُ جَاهِلٌ أو يَسْمَعُومَضَى (a) وَقَدْ مَلأَ البِلادَ غَرائبًا … تَسْري كما تَسْري النُّجُومُ الطُّلَّعُ ما كنتُ أعْلَمُ وهو يُودَعُ في الثَّرَى … أنَّ الثَّرَى فيه الكَوَاكِبُ تُودَعُ جَبَلٌ ظَنَنْتُ وقد تَزَعْزعَ رُكْنُهُ … أنَّ الجِبَالَ الرَّاسياتِ تَزَعْزعُ وعَجِبتُ أنْ تسَعَ المَعَرَّةُ قَبْرَهُ … ويَضِيْقَ عرْضُ (b) الأرْضِ عنه الأوْسَعُ أسَفي عليه وقد مشَيْتُ وراءَهُ … ومُتالعٌ فَوْق المناكِب تُرْفَعُ والشَّمْسُ كاسفَةُ الضِّيَاءَ كئيبةٌ … والجَوُّ مُسْوَّدُ الجَوَانِب أسْفَعُ والأرْضُ عادمَةُ النَّسيمِ كأنَّما … سَدَّت منافسَهَا الرِّيَاحُ الأرْبعُ لو فَاضَتِ المُهَجَاتُ يَوْم وَفَاتهِ … ما اسْتُكْثِرت فيه فكيفَ الأدْمعُ إنِّي لمُحْتَشِم وقد دَخَل الثَّرَى … ويكُون لي كَبِذٌ ولا تتَقطَّعُ أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ في كتابِه، قال: أجاز لنا أبو عَبُد الله مُحَمَّد نَصْر القَيْسَرَانِيّ، وقال: وكَتَبَها عند قَبْر أبي العَلَاء بَمعَرَّة النُّعْمَان (¬١): [من الوافر] نَزلتُ فزُرْتُ قَبُرَ أبي العَلَاءِ … فلم أرَ من قِرَىً غير البُكَاءِ ألَا يا قَبْرَ أَحْمَدَ كم جَلَالٍ … تَضَمَّنَهُ ثَرَاكَ وكم ذَكَاءِ وزُرْتُ قَبْر أبي العَلَاء في التُّربَةِ الّتي فيها مَقَابِر أهْله داخِل مَعَرَّة النُّعْمَان، بالقُرْبِ من آدر بني سُليْمان، ﵀.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Death Year Ah

    1

    َّارِيَّة. وكذلك قَوْل ابن الهَبَّارِيَّة أنَّ أبا العَلَاء سمّ نفسَهُ فمات (¬١)، خطأٌ فَاحِشٌ من القَوْل؛ فإنَّ أبا العَلَاء ماتَ حَتْفَ أنفْه بمرضٍ أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
237257
Book record
shamela-1160
Source record
134567
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
أحمدُ بن عَبْد اللّه بن سُلَيمان بن مُحَمد بن سُلَيمان بن أحْمَد بن سُلَيمان بن دَاوُد بن المُطَهَّر — shamela-1160 · Hadith Research Library