page 923, entry [280]Open original source
أحمدُ بن سَلْمَان بن أحْمَد بن سَلْمَان بن أبي شَرِيك، أبو العبَّاسِ الحَرْبِيُّ (¬٣) المُلَقَّب بالسُّكَّر، لقَّبَهُ أبوه بذلكَ في حَال صِغَره، فاسْتَمَرَّ اللَّقَبُ عليهِ.كان عَالِمًا بعُلُوم القُرْآن من التَّفْسِير والقِرَاءَات وغيره، وكان رَجُلًا صَالِحًا، سَافَرَ إلى البِلاد في طَلَب الحَدِيْث، وقَدِمَ حَلَب في رِحْلَته. وذَكَرَ لي الفَقِيهُ عِزّ الدِّين عُمَر بن دَهْجَان البَصْرِيّ المالِكِيّ أنَّ أحْمَد بن سَلْمَان الحَرْبِيّ وُلد سَنَة أرْبعين وخَمْسِمائَة، قال لِيِ: وقَرأ القُرْآن بالرِّوَايَات، وسَافَرَ إلى وَاسِط، فقَرَأ بها بالقِرَاءَاتِ العَشْر حتَّى مَهَرَ في ذلك، وصَنَّف وأَقْرأَ، وكان عَالمًا بتَفْسِيْر القُرْآن وأسْباب نُزُولهِ وتأويله. وكان كُلّ يَوْم إذا صَلَّى الفَرْض بآياتِ، يقعُد في المَسْجِد ويُفَسِّرُ لهمِ تلكَ الآيات، وكان يقُول: واللّه إنِّي لأعْلَم تفسِير الآيةِ وتأويلها وسبَبَ نُزُولها ووَقْتَهُ وفيمَن نَزلتْ، فأيْشٍ يذهَبُ عليَّ بعد ذلك من القُرْآن، أو ما هذا معناهُ. قال: وكان كَثِيْرَ التِّلَاوَة للقُرْآن، طَويْلَ القُنُوتِ، كان يُصَلِّي التَّرَاوِيح كُلّ ليلَةٍ بعَشَرة أجْزاء من القُرْآن، فإذا كان النِّصْف من رَمَضَان صَلَّى كُلِّ لَيْلَةِ بنصْف الخَتْمة، وكان يَنْصَرف من صَلاةِ التَّرَاوِيح وقد صَعِدَ المُسَحِّرُون المنَارات، وكان خَشن العَيْش يأكلُ من كَسْب يديْهِ، وانْقَطَعَ إلى العِلْم. قال: وكان عَفيْفًا، لطيفَ الأخْلَاق، كَتَبَ الكَثيْر بخَطِّه، وكان خَطُّه رَدِيئًا، وكان مُفيدَ النَّاس في زَمَانِهِ، يقرأُ لهم، وينْقُل السَّمَاعات، ويَدُلُّهم عِلىِ الشُّيُوخ، وسافَرَ في طَلَب العِلْم والحَدِيْث إلى البِلادِ، ودَخَلَ حَلَبَ ودِمَشْقَ وغيرَهمُا، وعاد إلى بَغْدَادَ، فتُوفِّي بالحَرْبيِّةِ في جُمَادَى من سَنَة ستِّمائة، ودُفِنَ بمَقْبَرَة أحْمَد ﵄. أنْبَأنَا الحافِظ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْمِ بن عَبْد القَوِيّ قال في كتاب التَّكْمِلِة لوَفَيَات النَّقَلَة (¬١)، في ذِكْر مَنْ مات في سنَة إحْدَى وسِتّمائة: وفي لَيْلَة العاشر منصَفَر تُوفِّي الشَّيْخ المُفِيدُ أبو العبَّاس أحْمَد بن سَلْمَان بن أحمَد بن سَلمان بن أبي شَرِيك البَغْدَاديُّ الحَرْبِيُّ المُقْرِئ المَعْرُوف بالسُّكَّر ببَغْدَاد، ودُفِنَ من الغَدِ ببَاب حَرْب، ومَوْلدُه سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين أو سَنَة أرْبعين وخَمْسِمائَة. قرأ القُران الكريمِ ببَغْدَاد بالقِرَاءَات الكَثِيْرة على أبي الفَضْل أحْمَد بن مُحَد بن شُنَيْف، وأبي مُحَمَّد يَعْقُوب بن يُوسُف المُقْرِئ، وبوَاسِط (a) على القَاضِي أبي الفَتْح نَصْر اللّه بن عليّ بن الكَيَّال، وأبي بَكْر عبد اللّه بن منْصُور بن البَاقِلَّانِيّ، وسَمِعَ الكَثِيْر من أبي القَاسِم سَعيد بن أحْمَد بن البَنَّاء، وأبي الفَتْح مُحَمَّد بن عَبْد البَاقي بن أحمد، وأبي السَّعَادَات ظَافِر بن مُعاوِيَة الحَرْبيّ، وخَلْق كَثِيْر، وسَمِعَ بمَكَّة شَرَّفَها اللّهُ تعالَى، وبدِمَشْق والقُدْس وغيرها. وأَقْرأ وحدَّثَ ببَغْدَاد والشَّام، وكان مُفِيْدًا لأصْحَاب الحَدِيْث، كَثِيْر الخَيْر، كَثِيْر التِّلَاوة للقُرْآن الكريم، كَثِيْر القيام به، ويُكرِّرُ (b) قيامه به في رَكْعَة أو رَكْعَتين. وعُرف بالسُّكَّر لأنَّ أباهُ كان وهو صَغِيرٌ يُحبّه مَحَبَّة كبيرة، وإذا أقْبَل عليه وهو بين جَمَاعةٍ أخَذَهُ وضمَّهُ إليه وقبَّلَهُ، وكان قَوْمٌ يلومُونَه على إفْراط مَحبَّته له، فيقول: إنَّهُ أحْلَى في قَلْبي منَ السُّكَّر، وتكرَّر ذلك منه، فَلُقِّبَ بالسُّكَّر، وغَلَبَ عليه حتَّى كان لا يُعْرَف إلَّا بهِ.