page 785, entry [199]Open original source
أحمدُ في الحُسَين بن الحَسَن بن عبد الصَّمَد، أبو الطَّيِّب الجُعْفِىُّ الكُوْفيُّ الشَّاعِر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي (¬١) وقيل: هو أحْمَد بن الحُسَيْن بن مُرَّة بن عَبْد الجَبَّار، وكان والده الحُسَين يُعْرَفُ بعِيْدَان السَّقَّاء. وكان أبو الطَّيِّب شَاعِرًا مَشْهُورًا مَذْكُورًا، مَحْظُوظًا من المُلُوك والكُبَرَاء الّذين عَاصرَهم، والجَيِّدُ من شِعْره لا يُجَارَى فيه ولا يُلْحَق، والرَّدِيء منه في نِهَايَة الرَّدَاءَة والسُّقُوط (¬٢)، وكان يَتَعَظَّم في نفسه ويترفَّعُ. وقيل: إنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةفي حَدَاثَته فَلُقِّبَ بالمُتَنَبِّي لذلك، وكان عَارِفًا باللُّغَة قَيِّمًا بها. قَدِمَ الشَّامَ في صِبَاه وجَالَ في أقْطَارها، وصَعِدَ بعد ذلك إلى الدِّيَار المِصْرِيّة، وكان بها في سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة (¬١)، ثمّ قَدِمَ حَلَب وَافِدًا على الأَمِير سَيْف الدَّولَة أبي الحَسَن عليّ بن عبد الله بن حَمْدَان، ومَادِحًا له، فأكْرَمه ونَفَق عليه، وصار خَصِيْصًا به، مُلَازمًا حَضَرًا وسَفَرًا، إلى أنْ خَرَجَ من حَلَب غَضْبانَ بسبَب كلام وقَعَ بينه وبين أبي عبد الله بن خَالَوَيْه في مَجْلِس سَيْف الدَّوْلَة، فضَرَبهُ ابنُ خَالَوَيْه بمِفْتاح. وكان دُخُوله إلى حَلَب سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة، وخُرُوجه منها إلى مِصْر الدّفْعَة الثَّانيَة في سَنَة ستٍّ وأرْبعين وثَلاثِمائة، وكان نُزُوله بحَلَب في مَحَلَّتنا المَعْرُوفة بآدر بَنِي كِسْرَى. قال لي والدي: وكانت دارهُ دارًا هي الآن خَانكَاه سَعْد الدِّين كُمُشْتُكِيْن مُلَاصقَة لدَارِي. وكان ابن خَالَوَيْه مُؤَدِّبَ وَلدَيْ الأَمِير سَيْف الدِّين: أبي المَكارِم، وأبي المَعَالِي، فظَفِرْتُ بجُزءٍ بخَطّ ابن خَالَوَيْه ذَكَرَ فيه ما يَحْفظه الأمِيْران المذْكُوران، فذكَرَ أنْواعًا من الفِقْه، والأَدَب، وأشْعَار العَرَب، وقال في جُمْلَتها: ويحفَظان من شِعْر الشَّاعر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي كَذَا وكَذَا قَصِيدَةً، وعَيَّنَها، ولم يَذْكر أنَّهُما يَحْفظان لغيره من العَصْريِّين شيئًا. وهذا يَدُلُّ على عِظَمِ قَدْره وجَلَالَة أمْره في ذلك الزَّمان. رَوَى عن أبي الطَّيِّب: القَاضِي أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بنِ القَاسِم المَحَامِلِيّ، وأبو الفَتْح عُثْمان بن جِنِّي النَّحْوِيُّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن عليّ بن الصَّقْرالكَاتِبُ، وأبو الحَسَن عليُّ بن أَيُّوبَ بن الحُسَين بن السَّارْبَان الكَاتِب، والأُسْتَاذُ أبو عليٍّ أحْمَد بن مُحَمَّد مَسْكَوَيْه (a)، وأبو عبْد الله بن بَاكُوَيْه الشِّيْرَازيّ، وأبو الحَسَن عليَّ بن عِيسَى الرَّبَعِيُّ، وأبو القَاسِم بن حَسَن الحِمْصِيُّ، وعَبد الصَّمَد بن زُهَيْر بن هارُون بن أبي جَرَادَةَ، ومُحَمَّدُ بن عبد الله بن سَعْدٍ النَّحْوِيُّ الحَلَبِيَّان، وعَبْد الله بن عُبَيْد الله الصُّفْرِيّ الشَّاعر الحَلَبِيّ، وعُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الجُوْع الوَرَّاق (b) المِصْرِيّ، وأبو إسْحَاق إبْراهيمُ بن عبد الله بن المَغْرِبيّ، وأبو بَكْر الطَّائيّ، وأبو القَاسِم النِّيْلَبُخْتِيُّ (c)، وأبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عُمَر بن إبْراهيم، وأبو العبَّاس بن الحَوْت (d)، وجَمَاعَةٌ سواهم. أنْبَأنا تاجُ الأُمَناء أحْمَد بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬١)، عَمِّي، قال: قال لنا هِبَةُ الله بن عبْد الله بن أحْمَد الوَاسِطِيّ: قال لنا أبو بَكْر الخَطيبُ (¬٢): عِيْدَان بكَسْر العَيْن وبالياء المُعْجَمة باثنتَيْن من تحتها، هو والدُ أبي الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَيْن المُتَنَبِّي، كان يُعْرَفُ بعِيْدَان السَّقَّاءِ. أخْبَرَني صَدِيقُنا أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبد الله الرُّوميّ، مَوْلَى الحَمَوِيّ البَغْدَاديُّ، قال: رَأيتُ دِيْوَانَ أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن عِيسَى الرَّبَعِيِّ، قال في أوَّلهِ (¬٣): الّذي أعْرفهُ من نَسَب أبي الطَّيِّب أنَّهُ: أحْمَدُ بن الحُسَين بن مُرَّة بن عَبْد الجبَّار الجُعْفِيّ، وكان يَكْتُم نَسَبَهُ، وسَألتُه عن سَبَب طَيِّهِذلك؟ فقال: إنِّي أنْزل دَائمًا بعَشَائِر وقَبَائِل من العَرَب، ولا أحبُّ أنْ يَعْرفُوني؛ خِيْفَةَ أنْ يكون لهم في قَوْمي تِرَّةٌ. وهذا الّذي صَحَّ عندي من نَسَبِه. قال: واجْتَزْتُ أنا وأبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن عُبَيْد الله السَّلَامِيِّ الشَّاعر على الجِسْر ببَغْدَاد، وعليه من جُمْلَةِ السُّؤَّالِ رَجُل مَكْفُوفٌ، فقال لي السَّلَامِيّ: هذا المكْفُوفُ أخو المُتَنَبِّي، فدنَوتُ منه، فسَألتُه عن ذلك، فصَدَّقَهُ، وانْتَسَبَ هذا النَّسَب، وقال: من هَاهُنا انْقَطَعَ نسَبُنا. وكانَ مَوْلدُهُ بالكُوفَة في كِنْدَةَ سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وأرْضَعتْهُ امرأةٌ عَلَوِيَّة من آل عُبَيْد اللهِ. قال الرَّبَعِيُّ: وقال لي المُتَنَبِّي: كُنْتُ أُحبُّ البَطَالَة وصُحْبَةَ البَادِيَة، وكان يَذُمُّ أهل الكُوفَة؛ لأنَّهم يُضَيِّقُونَ على أنْفُسهم في كُلِّ شيء، حتَّى في الأسْماء فيتَدَاعَوْنَ بالألْقَابِ، ولَمَّا لُقِّبْتُ المُتَنَبِّي ثَقُلَ ذلك عليَّ زَمانًا، ثمّ ألِفْتُهُ. وقال الرَّبَعِيُّ: رأيتُ عنده بشِيْرَاز جُزءًا من شِعْره بخَطِّ ابن أبي الجُوْعِ الوَرَّاق المِصْرِيّ، وعليه بخَطّ آخر: المُتَنَبِّي السُّلَميُّ البَغْدَاديُّ، فقال: ما كفاه أنْ عَزَاني إلى غير بَلَدِي، حتَّى نَسَبني إلى غير أبي! قال: وما أظُنُّ أنَّ أحدًا صَدَقَ في رِوَايَةِ هذا الدِّيْوَان صِدْقي؛ فإنَّنى كنتُ أُكاثرهُ ونحنُ بشِيْرَازَ، ورُبَّما أخذَ عنِّي من كَلَام أبي عليّ النَّحْوِيّ، وسَمِعْتُ شِعْرَهُ يُقْرَأُ عليه دَفْعَاتٍ، ولم أقرأ عليه بلَفْظي إلَّا العَضُديَّات والعَمِيْديَّات، فإنِّي قَرأتُها تَكْرِمة لمَنْ قيلَتْ فيهِ، ونَقَلْتُها بخَطِّي من مُدْرَج بخَطِّه كان معَهُ. هذا آخر كلام الرَّبَعِيِّ. أخْبَرَنا أبو اليُمْنِ زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِىِّ، فيما أَذِنَ لنَا فيهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: قال لنا أبو بَكْر الخَطيْبُ (¬١): أحْمَد بنالحُسَين بن الحَسَن بن عبد الصَّمَد، أبو الطَّيِّب الجُعْفِيّ الشَّاعِر المَعْرُوف بالمُتَنَبِّي، بَلَغَني أنَّهُ وُلِد بالكُوفَة في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، ونَشَأ بالشَّام، وأكْثرَ المُقام بالبَادِيَةِ، وطلبَ الأدَب وعِلْم العَرَبِيَّةِ، ونَظَر في أيَّام النَّاس، وتَعاطَى قَوْلَ الشِّعْر من حَدَاثَته، حتَّى بلَغَ فيهِ الغايَة الّتي فَاقَ أهْلَ عَصْره، وعَلَا شُعَرَاء وَقْتِهِ. واتَّصَلَ بالأَمِير أبي الحَسَن بن حَمْدَان المَعْرُوف بسَيْف الدَّوْلَةِ، وانْقَطَع إليهِ، وأكْثَرَ القَوْلَ في مَدِيحِهِ. ثمّ مضَي إلى مِصْرَ، فمَدَحَ بها كَافُورَ الخادِم، وأقامَ هُناكَ مُدَّةً، ثمّ خَرَجَ من مِصْر وورَدَ العِرَاق، ودَخَلَ بَغْدَادَ، وجَالَسَ بها أهل الأدَب، وقُرئَ عليهِ دِيْوَانهُ. فحَدَّثَني أحْمَدُ بن أبي جَعْفَر القَطِيْعِيِّ، عن أبي أحْمَدَ عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أبي مُسْلِم الفَرَضِيّ، قال: لمَّا ورَدَ المُتَنَبِّي بَغْدَاد سَكَنَ في رَبَض حُمَيْدٍ، فمضَيْتُ إلى المَوضِع الّذي نَزَلَ فيه لأسْمَعَ منهُ شَيئًا من شِعْره، فلم أُصَادِفهُ، فجلَسْتُ أنْتَظرهُ، وأبْطأَ عليَّ، فانصرفْتُ من غير أنْ ألْقَاهُ، ولم أعُد إليهِ بعد ذلك. وقد كان القَاضِي أبو الحُسَين مُحَمَّد بن أحْمَد بن القَاسم المَحَامِلِيّ سَمِعَ منه دِيْوَانه ورَوَاهُ عنه. قال الخَطِيبُ (¬١): أخْبَرَنا عليّ بنُ المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، عن أَبِيهِ، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن مُحَمَّد بن يَحْيَى العَلَويّ الزَّيْدِيّ قال: كان المُتَنَبِّي، وهو صَبيٌّ، ينزلُ في جِوَاري بالكُوفَة، وكان يُعرف أبوه بعِيْدَان (a) السَّقَّاء، يَسْتَقي (b) لنا ولأهْلِ المَحَلَّة. ونَشَأ هو مُحبًّا للعِلْم والأدَب، فطَلَبَهُ، وصَحِبَ الأعْرَابَ في البَادِيَة، فجاءَنا بعد سِنينَ (c) بَدَويًّا قُحًّا، وقد كان تَعلَّم الكِتَابَةَ والقرَاءةَ، فلَزِمَ أهْلَ العِلْم والأدَب،وأكثَرَ من مُلَازَمة الوَرَّاقين، فكانَ عِلْمُهُ من دَفاتِرهم؛ فأخْبرَني ورَّاقٌ كانَ يَجْلِسُ إليهِ يَوْمًا، قال لي: ما رأيْتُ أحفَظَ من هذا الفَتَى ابن عِيْدَان قَطّ! فقُلتُ لَهُ: كيفَ؟ فقال: كان اليَوْم عندي، وقَدْ أحضَر رَجُلٌ كِتَابًا من كُتب الأصْمَعِيِّ، سمَّاهُ الوَرَّاقُ، وأُنْسِيَهُ أبو الحَسَنِ، يكُونُ نحو ثلاثين ورَقة ليَبِيْعَهُ، قال: فأخَذَ ينظرُ فيه طَويْلًا، فقال له الرَّجُلُ: يا هذا، أُريدُ بَيْعَهُ، وقد قطَعْتَنِي عن ذلك، فإنْ كُنْتَ تُريد حِفْظَهُ، فهذا إنْ شَاءَ اللهُ يكونُ بعدَ شَهْر! قال: فقال له ابنُ عِيْدَان: فإنْ كُنتُ قَدْ حَفظْتهُ في هذه المُدَّة، فما لي عليك؟ قال: أَهَبُ لكَ الكتابَ. قال: فأخَذْتُ الدَّفْتَر من يَده. فأَقْبَلَ يتلُوه عَلَيَّ إلى آخِره، ثمّ اسْتَلَبَهُ (a) فجعَلَهُ في كُمِّه وقام، فعَلِقَ به صَاحبُه وطالبَهُ بالثَّمَنِ، فقال: ما إلى ذلك سَبِيلٌ، قد وَهبْتَهُ لي، قال: فمَنَعْنَاهُ منه، وقُلنا له: أنتَ شَرطْتَ على نَفْسكَ هذا للغُلَام! فتَركهُ عليه. وقال أبو الحَسَن: كان عِيْدَانُ والدُ المُتَنَبِّي يَذْكرُ أنَّهُ من جُعْفِيّ، وكانت جَدَّةُ المُتَنَبِّي هَمْدَانيَّةً صَحِيْحَة النَّسَبِ لا أشُكّ فيها، وكانت جَارتَنا، وكانت من صُلَحَاءِ النِّسَاء الكُوْفيَّات. قال التَّنُوخِيّ (¬١): قال أبي: فاتَّفَقَ مَجيءُ المُتَنَبِّى بعد سنين إلى الأهْوَاز مُنْصَرفًا من فارِس، فذاكرتُهُ بأبي الحَسَن، فقال: تِرْبي وصَدِيقي وجَارِي باِلكُوفَة، وأطْراهُ ووصَفَهُ. وسألتُ المُتَنَبِّي عن نَسَبهِ، فما اعْتَرفَ لي به، وقال: أنا رجُل أَخْبِطُ القَبَائِل وأطْوِي البَوَادِي وحْدِي، ومتى انْتَسَبْتُ لم آمَنْ أنْ يأخُذَني بعضُ العَرَب بطَائلةٍ بينها وبينَ القَبِيلَة الّتي انْتَسِبُ إليها، وما دُمْتُ غير مُنْتَسِبٍ إلى أحدٍ فأنا أُسَلِّم (b) على جَمِيْعِهم، ويَخافونَ لِسَاني.قال (¬١): واجْتمعتُ بعد مَوتِ المُتَنَبِّي بسِنين مع القَاضِي أبي الحَسَن ابن أُمِّ شَيْبَان الهاشِميِّ (a) الكُوْفيِّ، وجَرَى ذِكْر المُتَنَبِّي، فقال: كُنتُ أعْرفُ أباهُ بالكُوفَة شَيْخًا يُسَمَّى عِيْدَان، يَسْقِي على بَعِيْر له، وكان جُعْفِيًّا صَحيْحَ النَّسَب. قال: وقد كان المُتَنَبِّي لمَّا خَرَجَ إلى كَلْب وأقام فيهم، ادَّعَى أنَّهُ عَلَوِيٌّ حَسَنيٌّ (b)، ثمّ ادَّعَى بعد ذلك النُّبُوَّة، ثمّ عاد يَدَّعِي أنَّهُ عَلَويٌّ، إلى أنْ أُشْهِدَ (c) عليهِ بالشَّام بالكَذِب في الدَّعْوَتَيْن، وحُبِسَ دَهْرًا طَويلًا، وأشْرَف على القَتْل، ثمّ اسْتُتِيْبَ وأُشْهِدَ عليه بالتَّوْبَةِ وأُطْلِقَ. قَرأتُ بخَطِّ عُبَيْد الله بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي الجُوْعِ الوَرَّاق المِصْرِيّ: سألتُ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي أحْمَد بن الحُسَين بن الحَسَن عن مَوْلدِه ومَنْشَئهِ، فقال: وُلدتُ بالكُوفَة سنَة ثَلاثٍ وثلاثِمائة في كِنْدَة، ونَشَأتُ بها، ودَخَلْتُ مَدِيْنَة السَّلام، ودُرْتُ الشَّام كُلَّه سَهْلَهُ وجَبَلَهُ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ العَزِيْز بن مَحْمُود بن الأخْضَر البَغْدَاديُّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن عليّ بن نَصْر بن سَعيد البَصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَاتِ مُحَمَّد بن عبد اللهِ بن يَحْيَى الوَكِيل، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أَيُّوب بن الحُسَين بن السَّارْبَان، قال: وُلد أبو الطَّيِّب أحْمَدُ بن الحُسَين بن الحَسَن المُتَنَبِّي بالكُوفَة في مَحَلَّةِ كِنْدَة، سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وقال الشِّعْرَ وهو صَبيٌّ في المَكْتَب. وقَرَأتُ في بَعْض النُّسَخ من شِعْره أنَّ مولدَهُ قيل على التَّقْريب لا على التَّحقِيق.وقَرَأتُ في تاريخ أبي عبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ الحَلَبيِّ (¬١)، وأخْبَرَنَا به المُؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوْسيُّ إجَازَةً عنه، قيل إنَّهُ ولد -يعني المُتَنَبِّي- سَنَة إحْدَى وثَلاثِمائة، والأوَّل أصَحّ، واللهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبْد الله الحَمَوِيّ (¬٢)، قال: ذَكَرَ أبو الرَّيْحان مُحَمَّدُ بن أحْمَد البَيْرُونيّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه: أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا ذَكَرَ في القَصِيدَة الّتي أوَّلها: [من الكامل] كُفِّي أرَاني وَيْكِ لَوْمَكِ أَلْوَمَا (¬٣) النُّور الّذي يُظَاهِر لاهوتيّته في ممدُوحه، وقال: [من الكامل] أنا مُبْصِرٌ وأظُنُّ أنّي حَالمٌ (¬٤) ودارَ على الأَلْسن، قالوا: قد تَجَلَّى لأبي الطَّيِّب رَبُّه، وبهذا وقَعَ في السِّجْن والوثَاق الّذي ذَكَرهُ في شِعْره: [من المتقارب] أيا خَدَّدَ اللهُ وَردَ الخُدُودِ (¬٥) ولم يَذْكُر سَبَبَ لَقَبهِ -على صِدْقه- وإنَّما وَجَّهَ له وَجْهًا ما، كما حَكَى عنهُأبو الفَتْح عُثْمان بن جِنِّي أنَّ سَبَبَهُ هو قَوْله (¬١): [من الخفيف] أنَا في أُمَّةٍ تَدَرَاكَها اللّـ … ـهُ، غَرِيبٌ كصَالِحٍ في ثَمُودِ وإنَّما هو أنَّ الخُيُوط في رأسهِ كانت تُدِيرُهُ وتُزْعجه، فتحيَّن غَيْبَةَ سَيْف الدَّوْلَة في بعض غَزَواته، وقصَدَ أعْرَابَ الشَّام، واسْتَغْوَى مِقْدَار ألف رَجُل منهم، واتَّصَلَ خَبَرُه بسَيْف الدَّوْلَةِ، فَكَرَّ راجعًا وعاجَلَهُ، فتفَرَّق عنه أصْحَابُهُ، وجيءَ بهِ أَسِيْرًا، فقال له: أنتَ النَّبِيُّ؟ قال: بل أنا المُتَنَبِّي حتَّى تُطْعمُوني وتَسْقُوني، فإذا فَعَلْتُم ذلك، فأنا أحْمَدُ بن الحُسَين، فأُعْجِب بثَبات جَأْشهِ وجُرْأَته في جَوابهِ، وحقَنَ دَمَهُ، وألْقَاهُ في السِّجْن بحمْصَ، إلى أنْ قُرِّر عندَهُ فَضْلُه، فأطلقَهُ واسْتَخَصَّهُ. ولمَّا أكثروا ذكرهُ بالتَّنَبِّي تَلَقَّبَ به كَيْلا يَصِير ذَمًّا إذا احْتَشَم أُخْفِي عنه، وشَتمًا لا يُشَافَهُ به. واسْتمرَّ الأمرُ على ما تَوَلَّى التَّقلُّبِ (a) به. قُلتُ: قَوْل أبي الرَّيْحان: إنَّهُ تحيَّن غَيْبَةَ سَيْف الدَّوْلَة في بَعْض غَزَواته، إلى آخر ما ذَكَرهُ، ليسَ بصَحيح، فإنَّ أهل الشَّام وغيرَهُم من الرُّوَاة لم يَنْقُلُوا أنَّ المُتَنَبِّي ظهرَ منه شيء من ذلك في أيَّام سَيْف الدَّوْلَة ومَمْلَكَته بحَلَب والشَّام، ولا أنَّهُ حَبَسَهُ منذُ اتَّصَلَ به، وإنَّما كان ذلكَ في أيَّام لُؤْلُؤٍ الإخْشِيْذِيّ أمير حِمْصَ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن البَغْدَاديّ كتابةً، قال أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬٢)، قال: وأخْبَرَنَا عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَني أبو عليّ بن أبي حَامِد، قال: سَمِعْتُ خَلْقًا بحَلَب يَحْكُون، وأبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي بها إذ ذاكَ، أنّه تَنَبَّأ في بَادِيَة السَّمَاوَة ونَوَاحيها، إلى أنْ خَرَجَ إليهِ لُؤْلُؤٌ أمير حِمْصَ من قِبَل الإخْشِيْذِيّةِ، فقاتلَهُ وأسرَهُ، وشرَّدَمَنْ كان اجْتَمع إليهِ من كَلْبٍ وكِلَابٍ وغيرهما من قَبَائِل العَرَب، وحَبَسَهُ في السِّجْن دَهْرًا طَويلًا، فَاعْتَلَّ وكاد أن يَتْلَفَ، حتَّى سُئِل في أَمره فاسْتَتَابَهُ، وكَتب عليه وَثِيْقةً أَشْهَدَ عليه فيها ببُطْلان ما ادَّعَاهُ ورجُوعه إلى الإسْلَام، وأنَّهُ تائب منهُ، ولا يُعاوِدُ مثلَهُ، وأطْلَقَهُ. قال (¬١): وكان قَدْ تَلَا على البَوَادِي كَلَامًا ذَكَرَ أنَّهُ قُرآنٌ أُنْزل عليه، وكانوا يَحْكُونَ له سُوَرًا كَثِيْرةً، نَسَخْتُ منها سُورةً ضاعَتْ وبقي أوَّلُها في حِفْظِي وهو: والنَّجْم السَّيَّار، والفَلك الدَّوَّار، واللَّيْل والنَّهَار، إنَّ الكَافِر لفي أخْطَار، أمْض على سَنَنِك (a)، واقْفُ أثَرَ مَنْ كان قَبْلك من المُرْسَليْن، فإنَّ الله قامعٌ بكَ زيْغَ من أَلْحَدَ في دينهِ، وضَلَّ عن سَبيلهِ. قال: وهي طَويلةٌ لم يَبْقَ في حِفْظِي منها غير هذا. قال: وكان المُتَنَبِّي إذا شُوْغِبَ في مَجْلس سَيْفِ الدَّوْلَة، ونحنُ إذ ذاكَ بحَلَبَ، يُذْكَر لهُ هذا القُرْآن وأمْثاله ممَّا كان يُحْكى عنه، فيُنْكِرَهُ ويَجْحَده. قال: وقال له ابن خَالَوَيْه النَّحْوِيّ يَوْمًا في مَجْلِس سَيْف الدَّوْلَة: لولا أنَّ الآخرَ جاهِلٌ لَمَا رضي أنْ يُدْعَى بالمُتَنَبِّي، لأنَّ مُتَنبّي مَعْناه: كاذبٌ، ومَنْ رَضِي أنْ يُدْعَى بالكَذِب فهو جَاهِل، فقال له: أنا لسْتُ أرْضَى أنْ أُدْعَى بهذا، وإنَّما يَدْعُوني به مَنْ يريد الغَضَّ منِّي، ولَسْتُ أقْدِرُ على الامْتناع. قال الخَطِيبُ (¬٢): قال لنا التَّنُوخِيّ: قال لي أبي: فأمَّا أنا فإنّي سألتُهُ بالأهْوَاز في سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، عند اجْتيَازه بها إلى فَارِس، في حَديثٍ طَويْل جَرَى بيننا، عن مَعْنى المُتَنَبِّي، لأنّي أرَدْتُ أنْ أسْمَعَ منه هل تَنَبَّى أم لا؟فأجابني بجوابٍ مُغَالِطٍ لي، وهو أنْ قال: هذا شيء كان في الحَدَاثَة أوْجَبتهُ الصُّورةُ، فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أسْتَقْصِيَ عليه وأمسَكْتُ. وقال لي أبو عليّ بن أبي حَامِد: قال لي أبي ونحنُ بحَلَب، وقد سَمِعَ قَوْمًا يحكُونَ عن أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي هذه السُّورة، الّتي قَدَّمْنا ذِكْرَها: لولا جَهْلُهُ، أينَ قولهُ: امْضِ على سَنَنِكَ إلى آخر الكَلَام من قَوْل اللهِ تعالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (¬١) إلى آخر القِصَّة، وهل نتقاربُ الفَصَاحَةُ فيهما أو يَشْتَبه الكَلَامان؟! (¬٢). قَرَأتُ في نُسْخَة وَقَعَتْ إلىَّ من شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ذُكِرَ فيها عند قَوْله (¬٣): [من الوافر] أبا عَبْد الإِلَهِ مُعَاذُ، إنّى … خَفِيٌّ عَنكَ في الهَيْجَا مَقامِي ذكَرْتَ جَسِيمَ ما طَلَبي، وأَنَّا … نُخاطِرُ فيهِ بالمُهَجِ الجِسَامِ أَمِثْلِى تَأْخُذُ النَّكَباتُ مِنهُ … ويَجْزَعُ من مُلاقاةِ الحِمَامِ ولَو برَزَ الزَّمانُ إليَّ شَخْصًا … لَخَضَّبَ شَعْرَ مَفْرِقهِ حُسَامي وما بَلَغَتْ مَشِيَّتَها اللَّيالِي … ولا سَارَتْ، وفي يَدِها زِمامي إذا امْتَلأَتْ عُيُونُ الخَيْلِ مِنِّي … فَوَيْلٌ للتَّيَقُّظِ والمَنَامِ وقال: قال أبو عَبدِ الله مُعَاذُ بن إسْمَاعِيل اللَّاذِقِيُّ: قَدِمَ المُتَنَبِّي اللَّاذقِيَّةَ في سَنة نَيّف وعِشْرين وثَلاثِمائة، وهو كما عَذَّرَ (a)، ولهُ وفرَةٌ إلى شَحمتي أذُنِه، وَضَوَى إليَّ فأكرمْتُهُ وعَظَّمْتُهُ، لِمَا رأيْتُ من فصَاحَتهِ وحُسْنِ سَمْتِهِ، فلمَّا تمكَّن الأُنْسُبيني وبينَهُ، وخَلَوْتُ معهُ في المَنْزل اغْتنامًا لمُشَاهَدَته، واقْتباسًا من أَدَبِه، وأعْجَبَني ما رأيتُ، قُلتُ: واللهِ إنَّكَ لشَابٌّ خَطيرٌ، تَصْلُح لمُنادمَة مَلِك كبير. فقال لي: وَيحَك! أتَدْري ما تَقُول؟ أنا نَبيٌّ مُرْسَلٌ! فظَنَنْتُ أنَّهُ يَهْزُلُ، ثمّ فكَّرتُ (a) أنّي لم أُحَصِّلْ عليه كلمة هَزْلٍ منذُ عرَفْتُهُ، فقلتُ له: ما تقول؟ فقال: أنا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، قلتُ له: مُرْسَلٌ إلى مَنْ؟ قال: إلى هذه الأُمَّةِ الضَّالَةِ المُضِلَّة. قُلتُ: تَفْعَل ماذا؟ قال: أمْلَأُها عَدْلًا كما مُلئَتْ جَوْرًا. قُلتُ: بماذا؟ قال: بإدْرَار الأرْزَاق والثَّوَابِ العَاجِل والآجلِ لمَنْ أطَاعَ وأَتَى، وضَرْبِ الأعْنَاق وقَطْع الأرْزَاق لمَن عصَى وأَبَي. فقلتُ له: إنَّ هذا أمرٌ عظيمٌ أخَافُ منهُ عليك أنْ يَظْهَر، وعَذَلْتُه على قَوْلِه ذلك، فقال بَدِيْهًا (¬١): [من الوافر] أبا عَبْدِ الإله مُعَاذُ، إنّى … خَفِيٌّ عَنْكَ في الهَيْجَا مَقَامِي الأبيات. فقلتُ له: لِمَ ذَكَرتَ (b) أنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلى هذه الأُمَّةِ، أَفَيُوْحَى إليكَ؟ قال: نعم، قُلتُ: فَاتْلُ علىَّ شَيئًا من الوَحْي إليكَ، فأَتَاني بكلامٍ ما مَرَّ بسَمْعي أحسَنُ منهُ، فقُلتُ: وكم أُوْحِيَ إليكَ من هذا؟ فقال: مائة عِبْرةٍ وأرْبَع عَشْرةَ عِبْرةً، قُلتُ: وكم العِبْرَة؟ فأَتَى بمِقْدَارٍ أكَبرِ (c) الآي من كتاب الله. قُلتُ: ففي كم مُدَّة أُوحِي (d) إليك، قال: جُمْلَةً واحدةً، قُلت: فاسْمَعُ في هذه العِبَرَ أنَّ لكَ طاعةً في السَّماءِ، فما هي؟ قال: أَحْبِسُ المدْرَارَ لقَطْع أرْزَاقِ العُصَاةِ والفُجَّار، قُلتُ: أتَحْبسُ من السَّماءِ مَطَرَها؟ قال: إي، والّذي فَطَرَها! أفما هي مُعْجِزَةٌ؟ قُلتُ: بَلى واللهِ. قال: فإن حَبَسْتُ عن مكانٍ تَنْظُر إليهِ ولا تشُكّ فيه، هل تُؤمنُ بيّ،وتُصَدِّقُني على ما أُتيْتُ به من رَبِّي؟ قُلتُ: إِي واللهِ. قال: سَأفْعَلُ، فلا تَسألْني عن شيءٍ بعدَها حتَّى آتيَكَ بهذه المُعْجِزَةِ، ولا تُظْهِرْ شَيئًا من هذا الأمر حتَّى يَظْهرَ، وانتظرْ ما وُعِدْتَهُ من غير أنْ تَسْألَهُ. فقال لي بعدَ أيَّامٍ: أَتُحِبُّ أنْ تَنْظُرَ إلى المُعْجِزَة الّتي جَرَى ذِكْرُها؟ قُلتُ: بلَى والله، فقال لي: إذا أرْسَلْتُ إليكَ أحدَ العَبِيْد فارْكَبْ مَعَهُ ولا تَأَخَّرْ، ولا يَخْرُج معك أحَدٌ، قُلتُ: نعم. فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، تَغَيَّمَتِ السَّماءُ في يَوْم من أيَّامِ الشّتَاء، وإذا عَبْدُهُ قد أقْبَل، فقال: يقُول لكَ مَوْلايَ: اركبْ للوَعْدِ، فبادَرْتُ بالرُّكُوبِ معَهُ، وقُلتُ: أينَ رَكِبَ مولَاكَ؟ فقال: إلى الصَّحْرَاءِ، ولم يَخْرج معه أحدٌ غيري، واشْتَدَّ وقعُ المَطَر، فقال: بادر بنا حتَّى نَسْتَكِنَّ معه من هذا المَطَر، فإنَّهُ ينتَظرُنا بأعْلَى تَلٍّ لا يُصِيْبُه فيه المَطَرُ، قُلتُ: وكيفَ عَمِلَ؟ قال: أقبَلَ ينظُرُ إلى السَّماءِ أوَّل ما بدا السَّحاب الأسْوَد وهو يتكلَّم بما لا أفْهَم، ثمّ أَخَذَ السَّوْطَ فأدَار به في مَوضعٍ ستَنْظُر إليهِ من التَّلِّ، وهو يُهَمْهِم، والمَطَرُ ممَّا يليهِ، ولا قَطْرَة منهُ عليه، فبادَرتُ معَهُ حتَّى نظرْتُ إليهِ، وإذا هو على تلٍّ على نصف فرسَخٍ من البلدِ. فأتيتُهُ وإذا هو عليه قائمٌ، ما عليهِ من ذلك المَطَر قَطْرَةٌ واحدةٌ، وقد خُضْتُ في الماءِ إلى ركْبَتَي الفَرَس، والمطَرُ في أشَدِّ ما يكونُ، ونظَرتُ إلى نحو مائتي ذِرَاع في مثلها من ذلك التَّلِّ: يابسٌ، ما فيه نَدًى ولا قَطْرَة مَطَر، فسَلَّمتُ عليه، فرَدَّ عليَّ، وقال لي: ما تَرى؟ فقُلتُ: ابْسُطْ يدَكَ، فإنِّي أشْهَدُ أنَّك رسُول الله، فبسَطَ يدَهُ فبايَعْتُهُ بَيْعَةَ الإقْرار بنُبُوَّتِه، ثمّ قال لي: ما قال هذا الخَبِيثُ لمَّا دَعَا بِكَ -يعني عبدَهُ-؟ فشرَحْتُ له ما قال لي في الطَّريق لمَّا استَخْبرتَهُ، فقَتَل العَبْدَ، وقال (¬١): [من مجزوء الرجز]أيَّ مَحَلٍّ أَرْتَقي؟ … أيَّ عَظيمٍ أتَّقي؟ وكُلُّ ما قَدْ خَلَقَ اللَّـ … ـهُ ومَا لَمْ يَخْلُقِ مُحْتقرٌ في هِمَّتي … كشَعْرَةٍ في مَفْرِقي وأخَذتُ بيعَتَهُ لأهلي، ثمّ صحَّ بعدَ ذلك أنَّ البَيْعَةَ عَمَّتْ كُلَّ مَدِيْنَةٍ بالشَّام، وذلك بأصْغَر حيلةٍ تعَلَّمها من بعض العَرَب، وهي صَدْحَةُ المَطَر؛ يَصْرفُه بها عن أيّ مكانٍ أحبَّ بعد أنْ يَحْوِيَ عليه بَعَصًا وَيَنْفُثُ بالصَّدْحَة الّتي لهم. وقد رأيْتُ كَثِيْرًا منهم بالسَّكُون وحَضْرَمَوْتَ والسَّكاسِك من اليَمَن يَفْعلُون هذا ولا يَتَعاظَمُونَهُ، حتَّى إنَّ أحَدَهُم يَصْدَح عن غَنَمه وإبلِهِ وبَقَرِهِ، وعن القَرْيَةِ من القُرَى فلا يُصِيبُها من المَطَر قَطْرَةٌ، ويكون المَطَر ممَّا يلي الصَّدْحَةَ. وهو ضرْبٌ من السِّحْر، ورأيتُ لهم من السِّحْر ما هو أعظَمُ من هذا. وسألتُ المُتَنَبِّي بعدَ ذلك: هل دَخَلْتَ السَّكُونَ؟ قال: نعم، ووالدِي منها، أمَّا سمِعْتَ قَوْلي (¬١): [من الوافر] أَمُنسِيَّ السَّكُونَ (a) وحَضْرَمَوْتا … ووالِدَتي وكِنْدَة والسَّبِيْعَا فقُلتُ: مِنْ ثَمَّ اسْتفادَ (b) ما جَوَّزَهُ على طَغَامِ أهلِ الشَّام (¬٢). وجَرَتْ له أشياءُ بعدَ ذلك من الحُرُوب والحَبْس، والانْتقالِ من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ، حتَّى حصَل عند سَيْفِ الدَّوْلَة وعَلَا شَأنُهُ. قُلتُ: والصَّدْحَة الّتي أشار إلى أنَّها تَمْنَع المَطَر مَعْرُوفةٌ إلى زَماننا هذا، وأخْبَرني غير واحد ممَّن أثِق به من أهل اليَمَن أنَّهم يَصْرفُون المَطَرَ عن الإِبِلوالغَنَم وعن زَرْعِ عدُوّه، وأنَّ رِعَاءَ الإِبِل والغَنَم ببلادهم يَسْتعملون ذلك، وهو نوعٌ من السِّحْر. وذَكَر أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن فُوْرَجَة (a)، في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنِّي، قال: أخْبرَني أبو العَلَاء أحْمَدُ بن سُلَيمان المَعَرِّيُّ (¬١) عمَّن أخْبَرَهُ من الكُتَّابِ، قال: كُنْتُ بالدِّيْوَان في بعض بلادِ الشَّام، فأسرَعْتِ المُدْيَةُ في إصْبَع بعضِ الكُتَّاب، وهو يَبْري قَلَمَه، وأبو الطَّيِّب حاضرٌ، فقام إليهِ وتَفَل عليه، وأمْسَكها ساعةً بيده، ثمّ أرسلَهَا وقد اندملَتْ بدَمها، فجَعَل يعْجَبُ من ذلك، ويُري مَنْ حضَرَ أنَّ ذلك من مُعْجزَاته. قال: وممَّا كان يُمَخْرِقُ (¬٢) به على أبيات البَادِيَة أنَّهُ كان مَشَّاءً قَوِيًّا على السَّير سَيْرًا لا غايةَ بعده، وكان عارفًا بالفَلَواتِ، ومواقع المياهِ، ومَحَالِّ العَرَبِ بها، فكان يَسيرُ من حِلَّةٍ إلى حِلَّةٍ بالبَادِيَة في لَيْلَةٍ، وبينهُما مسيرَةُ ثلاثٍ، فيأتي ماءً ويَغْسِل يدَيْهِ ووَجْهَه ورجْلَهُ، ثمّ يأتي أهْل تلكَ الحِلَّة فيُخْبرها عن الحِلَّةِ الّتي فَارَقَها، ويُريهم أنَّ الأرضَ طُويَتْ له، فلمَّا عَلَتْ سِنُّهُ رَغِبَ عن ذلك وزَهِدَ فيه، وأقْبَلَ على الشِّعْر وقد وُسِمَ بتلك السِّمَةِ. أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عبْد العَزِيز بن مَحْمُود بن الأخْضَر، قال: أخبَرَنَا الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن علىّ بن نَصْر بن سَعيد، قال: أخبَرَنا أبو البرَكَاتِ محمَّدُ بنعَبْد اللهِ بن يَحْيَى، قال: أخبَرَنا عليّ بن أَيُّوب بن الحُسَين، قال: أنشَدَنا أبو الطَّيِّب المتنَبِّي لنَفْسِه، وكان قَوْمٌ في صِبَاهُ وَشَوْا به إلى السُّلْطان، وتكذَّبُوا عليه، وقالوا له: قد انْقَاد له خلْقٌ من العَرَب، وقد عَزَم على أخْذِ بَلَدِكَ! حتَّى أوْحَشُوهُ منهُ، فاعْتَقَلَهُ وضَيَّقَ عليه، فكَتَبَ إليهِ يَمْدَحُهُ (¬١): [من المتقارب] أيا خَدَّد اللهُ وَرْدَ الخُدُودِ … وقَدَّ قُدُودَ الحسَان القُدُودِ فهُنَّ أسَلْنَ دَمًا مُقْلَتي … وعَذَّبْنَ قَلْبي بطُولِ الصُّدُودِ قال فيها في ذِكْر المَمْدُوح (¬٢): رمَي حَلَبًا بنَوَاصِي الخُيُول … وسُمْرٍ يَرِقْنَ دَمًا في الصَّعيدِ وبيضٍ مُسَافرةٍ ما يُقِمْـ … ـنَ لا في الرِّقابِ ولا في الغُمُودِ يَقُدْنَ الفَنَاءَ غَدَاةَ اللِّقاءِ … إلى كُلِّ جَيْشٍ كَثِيْرِ العَدِيدِ فَوَلَّي بأشْيَاعهِ الخَرْشَنِيُّ … كِشَاءٍ أَحَسَّ بزَأْرِ الأُسُودِ يُرَوْنَ من الذُّعْرِ صَوْتَ الرِّيَاح … صَهيْل الجِيَادِ وخَفْقَ البُنُودِ فمَن كالأَمِير ابنِ بنْتِ الأميـ … ـرِ أَمْ (a) مَن كآبائهِ والجُدُودِ سَعَوْا للمَعَالي وهُمْ صِبْيَةٌ … وسَادُوا وجَادُوا وهُم في المُهُودِ أمَالِكَ رِقِّي، ومَنْ شَأنُهُ … هِبَاتُ اللُّجَيْنِ وعِتْقُ العَبِيْدِ دَعَوْتُك عند انْقِطَاع الرَّجَا … ءِ والمَوْتُ منِّي كحَبْلِ الوَرِيْدِ دَعَوْتُكَ لمَّا بَرَاني البِلَى … وأوْهَنَ رِجْلَيَّ ثِقْلُ الحَدِيدِ وقد كانَ مَشْيُهُما في النِّعَالِ … فقد صَار مَشْيُهُمَا في القُيُودِ وكنتُ مِنَ النَّاسِ في مَحْفِلٍ … فها أنا في مَحْفِلٍ من قُرُودِتُعَجَّلُ فيَّ وُجُوبُ الحُدُود … وحَدِّيَ قَبْلَ وُجُوبِ السُّجُودِ وقيل عدَوْتَ على العَالمـ … ـين بين وِلَادِي وبينَ القُعُودِ فما لكَ تَقْبَلُ زُورَ الكَلامِ … وقدْرُ الشَّهادَةِ قَدْرُ الشُّهُودِ فلا تَسْمَعَنَّ من الكاذبيْنَ (a) … ولا تعْبَأَنَّ بمَحْكِ اليَهُودِ وكُنْ فارقًا بين دَعْوَى: أرَدْتَ … ودَعْوَى: فعَلْتَ بشَأْوٍ بَعِيْدِ وفي جُودِ كفَّيكَ ما جُدْتَ لي … بنَفْسِي ولو كُنْتُ أشْقَى ثَمُودِ وذكَر أبو مَنْصُور الثَّعالِبِيّ في اليَتِيْمَة (¬١) عن ابن جِنِّي أنَّهُ قال: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّب يقولُ: إنَّما لُقِّبْتُ بالمُتَنَبِّي لقَوْلي: [من الخفيف] أنا في أُمَّةٍ تَدَاركها اللـ … ـهُ غَرِيبٌ كَصَالحٍ في ثَمُودِ ما مُقَامي بِدَارِ (b) نَحْلَة إلَّا … كمُقَام المَسِيْحِ بينَ اليَهُودِ أخْبَرَنا أبو هاشِم عبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: أنشَدَنا عُمَرُ بن مُحمَّد السَّرْخَسيُّ، قال: أنْشدَنا الحسَنُ بن عليّ الحافظُ، قال أنشَدنا الأُسْتَاذ أبو عليّ أحْمَدُ بن مُحَمَّد المَعْرُوف بمَسْكَوَيْه قال: أنشدنا المُتَنَبِّي (¬٢): [من الطّويل] ومِنْ نَكَدِ الدُّنْيا على الحُرِّ أنْ يَرَى … عَدُوًّا لَهُ ما مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ قال: قيل للمتَنَبِّي: على مَنْ تَنَبَّأتَ؟ قال: على الشُّعَراءِ، فقيل: لكُلِّ نَبِيّ مُعْجِزَةٌ، فما مُعْجزَتُكَ؟ قال: هذا البيتُ.وقَرَأتُ في رسالةِ علىّ بن منْصُور الحَلَبِيّ، المعْرُوف بدَوْخَلَةَ، وهي الّتي كَتَبها إلى أبي العَلَاء بن سُلَيمان، وأجابه عنها برسَالة الغُفْران، وذَمّ فيها أبا الطَّيِّب المتنَبِّي، وقال (¬١): وذَكَر ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيُّ في التَّاريخ الّذي اجتَمَعا على تَصْنِيفه، أنَّ الوَزِير عليّ بن عِيسَى أحْضَره إلى مَجْلسه، فقال له: أنت أحْمَدُ المُتَنَبِّي؟ فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيَّ، ولي علامَةٌ في بَطْني؛ خاتَم النُّبُوَّة، وأراهُمْ شبيهًا بالسَّلْعَة على بَطْنه، فأمرَ الوَزِير بصَفعه فصُفِعَ وقُيِّد، وأمرَ بحَبْسه في المُطْبَق. ثمّ طالعْتُ التَّاريخ المُشَار إليهِ، فقَرَأتُ فيه في حَوَادِث سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثِمائة، قال: وفيها جَلَسَ الوَزِيرُ عليّ بنُ عِيسَى للنَّظَر في المَظَالِم، وأحْضَر مَجْلسَهُ المُتَنَبِّي وكان مَحْبُوسًا ليُخلي سَبيله، فناظرَهُ بحَضْرَة القُضَاةِ والفُقَهَاء، فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيّ، ولي علامةٌ في بَطْنِي، خاتَم النُّبُوَّة، وكشَفَ عن بَطْنه وأراهُم شَبيهًا بالسَّلْعَة على بَطْنِه، فأمرَ الوَزِير بصَفْعه فصُفِعَ مائة صفْعَة، وضَرَبه وقَيَّده، وأمَرَ بحَبْسهِ في المُطْبَق. فبانَ لي أنَّ أبا الحَسَن عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيّ، رأى في تاريخ ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ ذِكْر أحْمَد المُتَنَبِّي فظَنَّهُ أبا الطَّيِّبِ أحْمَد بن الحُسَين، فوقَع في الغَلَط الفَاحِش لجَهْله بالتَّاريخ، فإنَّ هذه الوَاقِعَة مَذْكُورَة في هذا التَّاريخ في سَنَة اثْنَتَين وثَلاثِمائة، ولم يكُن المُتَنَبِّي وُلد بَعْدُ، فإنَّ مَولده على الصَّحيح في سَنَة ثَلاثٍ وثَلاثِمائة، وقيل إنَّ مَولده سَنَة إحْدَى وثَلاثِمائة، فيكون له من العُمْر سَنَة واحدة. وأبو مُحَمَّد عَبْد اللهِ بن الحُسَين الكَاتِب القُطْرُبُّلِيّ، ومُحَمَّد بن أبي الأزْهَر ماتا جميعًا قبل أنْ يَتَرعرع المُتَنَبِّي ويُعْرَف. وهذا المُتَنَبِّي الّذي أحْضرَهُ عليُّ بن عِيسَى هو رَجُل من أهل أصْبَهَان تنبَّأ فيأيَّامِ المُقْتَدِر، يُقالُ له: أحْمَد بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ، ووَجَدْتُ ذِكْرَهُ هكذا مَنْسُوبًا في كتاب عُبَيْد الله بن أحْمَد بن طَاهِر الّذي ذَيَّلَ به كتاب أبيه في تاريخ بَغْدَاد. أخْبرَني يَاقُوتُ بن عبد الله الحَمَوِيّ، قال: وَقَعَ لي كتابٌ مُصَنَّفٌ في أخْبارِ أبي الطَّيِّب، صَغِير الحَجْم، تَصْنيف الأُسْتَاذِ أبي القَاسِم عُبَيْدِ الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ (¬١)، وذَكَرَ فيهِ ادِّعَاءَهُ النُّبُوَّةَ، وقال فيه: وقد هَجاهُ الشُّعَراءُ بذلك، فقال الضَّبُّ الضَّرِيْرُ الشَّامِيِّ فيه (¬٢): [من الطّويل] أطْلَلْتَ، يا أيُّها الشَّقِيُّ، دَمَكْ … لا رَحِمَ اللهُ رُوْحَ مَنْ رَحَمكْ (a) أَقْسَمْتُ لو أَقْسَمَ الأَمِيرُ على … قَتْلِكَ قتلَ العِشَارِ ما ظَلَمَكْ ويُروَى: قَبْل العشَاء. فأجابَهُ المُتَنَبِّي فقال (¬٣): [من المنسرح] إيْهًا أتَاكَ الحِمَامُ فاخْتَرَمَكْ … غيرُ سَفِيهٍ عَليكَ مَنْ شَتَمَكْ هَمُّكَ في أَمْردٍ تُقَلِّبُ في … عَيْنِ دَوَاةٍ من صُلْبهِ قَلَمَكْ وهِمَّتي في انْتِضَاءِ ذي شُطَبٍ … أقُدُّ يَوْمًا بحَدِّه أَدَمَكْ فاخْسَأ كُلَيْبًا واقْعُدْ على ذَنَبٍ … واطْلِ بما بين إلْيَتَيْكَ فَمَكْقال: وهَجَاهُ شاعرٌ آخر فقال -وقيل: هو الضَّبّ أيضًا (¬١) -: [من الكامل] قَدْ صَحَّ شِعْرُك والنُّبُوَّةُ لم تَصِحْ … والقَوْلُ بالصِّدْقِ المُبيَّن يَتَّضِحْ الْزَم مَقَالَ الشِّعْرِ تَحْظَ برُتْبَةٍ … وعن التَّنَبِّي (a) لا أبا لَكَ فانْتَزِحْ ترْبَحْ دَمًا قد كُنْتَ تُوجِبُ سَفْكهُ … إنَّ المُمَتَّع بالحَياةِ لمَنْ رَبِحْ فأجابَهُ بأياتٍ وهي (¬٢): [من الكامل] نارُ الذّرابةِ (b) من لِساني تُقْتَدحْ … تَغْدُو عليَّ مِن النُّهَى ما لم يُرَحْ بَحْرٌ لو اغْتُرِفَتْ لُطَامةُ مَوْجهِ … بالأرضِ والسَّبْع الطّباق لما نُزِحْ أَمْري إليَّ، فإنْ سَمَحْتُ بمُهْجَةٍ … كَرُمَتْ عليَّ فإنَّ مثْلي مَنْ سَمَحْ أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الله بن الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحَة الحَمَوِيُّ، وأبو يَعْقُوبَ يُوسُف بن محمُود السَّاوِيّ الصُّوْفيّ، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد السِّلَفِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله الحُسَينَ بن عليّ بن هَمَّام الحُسَيْنيّ الطَّالَقَانِيّ ببَغْدَاد يقول: هجَا أبو عبد الله بنُ الحَجَّاج أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي لمَّا دَخَلَ بَغْدَاد بمُقَطَّعاتٍ منها (¬٣): [من المجتث]يا دِيمَةَ الصَّفْعِ هُبّيِ (a) … على قَفَا المُتَنَبِّي ويا قَفاهُ تَقدَّمْ … تَعَالَ واجْلِسْ بجَنْبي (b) ويا يَدِي فاصْفَعيهِ … بالنَّعْلِ حتَّي تَدِبّي إن كان هذا نَبِيٌّ … فالقِرْدُ لا شَكَّ رَبِّي فلمَّا بَلَغ أبا الطَّيِّب قال (¬١): [من السريع] عارَضَني كَلْبُ بَنِي دَارِمٍ … فصُنْتُ منهُ الوَجْهَ والعِرْضَا ولم أُكلِّمهُ احْتقارًا بهِ … مَنْ ذا يعَضُّ الكَلْبَ إنْ عَضَّا كذا رَوَاهُ السِّلَفِيّ: هُبِّي، والمَحْفُوظ: صُبِّي. وقال لي يَاقُوت الحَمَوِيّ: وذَكَرَ الأُسْتَاذُ أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ في أخْبَار أبي الطَّيِّب، قال (¬٢): وقد تَعَلَّق قَوْمٌ ممَّن يَتَعَصَّبُ على المُتَنَبِّي فانْتَزع من شِعْره أبْيَاتًا زعمَ أنَّها تَدُلُّ على فَسَادِ اعْتقادٍ، وقد جَعل لها مَنْ يَتَعَصَّب وجْهًا، منها (¬٣): [من البسيط] هَوِّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ منْظَرهُ … فإنَّما يَقَظَاتُ العَيْنِ كالحُلُمِ قالوا: هذا البَيْتُ من اعْتقادِ السُّوفَسْطَائِيَّة. وقَوْله في أُخْرى (¬٤): [من الوافر] تَمَتَّعْ من سُهَادٍ أو رُقادٍ … ولا تَأْمُلْ كَرىً تحتَ الرِّجَامِفإنَّ لثالِثِ الحالَيْنِ مَعْنًى … سِوي مَعْنَى انِتَباهِكَ والمَنَامِ قالوا: فهذا يُنْبئُ عن اعتقادِ الحَشِيْشِيَّة. وقَوْله في أُخرى (¬١): [من البسيط] تَخَالفَ النَّاس حتَّى لا اتِّفاق لَهُم … إِلَّا على شَجَبٍ، والخُلْفُ في الشَّجَبِ فقيلَ: تَسْلَمُ نَفْسُ المَرْءِ باقيةً (a) … وقيل: تشْرَكُ جِسْمَ المرءِ في العَطَبِ قالوا: فهذا مَذْهَبُ من يقول بالنَّفسِ النَّاطِقَة. وقَوْله في عَضُد الدَّوْلَة (¬٢): [من السريع] نَحنُ بنُو الدُّنْيَا فما بالُنَا … نَعَافُ ما لا بُدَّ من شُرْبِهِ تبخَلُ أَيْدِينَا بأرْواحِنا … على زمانٍ هيَ مِن كَسْبهِ فهذِه الأروَاحُ من جَوِّهِ … وهذه الأجسادُ من تُرْبهِ فهذا مَذْهَبُ الهَوائيَّة وأصحَاب الفَضَاء. وقوله في ابن العَميدِ (¬٣): [من الطّويل] يُعَلّلُنَا هَذا الزّمانُ بذا الوَعْدِ … وَيَخْدَعُ عَمّا في يَدَيْهِ من النّقدِ فإنْ يكُنِ المَهْدِيّ مَن بانَ هَدْيُهُ … فهَذا وَإلَّا فالهُدى ذا فَما المَهْديّ! قالوا: فهذا مَذْهَبُ أهل النُّجُوم (b) .وقال لي يَاقُوتُ الحَمَوِيّ (¬١): نقلت من خط أبي الريحان مُحمَّد بن أحْمَد البَيْرُونِيّ في رسالةٍ له سمَّاها التَّعلل بإجابة (a) الوهم، في مَعَاني نُظُوم أُولي الفضل، قال في أثناء كلام ذكره: ثمّ إن لي من أخلاقهم -يعني: الشُّعَراء- أسوة حسنةٌ ومسْلاة أكيدةٌ، بإمام الشعراء الَّذي طرَّق لهم ولمَن بعده إلى طريقته المخترعة في الشعر، وخَلَّفَهم من معاني كلامه في بُروق تَخْطَفُ أبصارهم وبصائرهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (¬٢): أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، حتَّى إنَّ أفاضلَ أهل زماننا كأحمد بن فارس يحسُده على ما آتاه الله من فضله، ويقول: إنَّهُ مَبْخُوتٌ وإلَّا. . .! قال لي ياقوت: كذا رأيته مُبيَّضًا بخَطِّه. ويقُول: سألتُ أبا الفَضْل بن العميد عن مَعْنى قوله: [من الطّويل] وفاؤُكُما كالرَّبْعِ أشَجْاهُ طَاسِمُه فأجابني بأنَّ المُتَنَبِّي خَرَجَ من الدُّنيا بعد ستين سنة عاشها، ولم يكن وقف على معناهُ. وكان أبو الطّيب، على ضيق عَطَنه، رفيع الهمَّة في صناعته، فاقتصَرَ لها في رحلته بمَدْح عَضُد الدَّوْلَة ووزيره ابن العَمِيد، وراودَهُ الصَّاحبُ إسماعيل بن عبَّاد على التَّزاور رغبةً في مديحه، فأبى الانحطاط إلى الكَتَبَةِ، وهذا ما حَمَلهُ على الخَوض في مساوئ شِعره (¬٣)، وليس يترَفَّع عن حَلِّه ونَثْره في أثناء كتابتِهِ، ومُشاركة الحَاتِمِيّ (¬٤) في إدامَة حَلِّ نَظْمِه في رسَائلِه، بعد مقالته التي عَمِلَها فيهمُحَرِّضًا عليهِ ومُتَنادِرًا به كنَوَادر المُخَنَّثِين، كما حَمَلَ مثلُه أبا مُحمَّد المُهَلَّبِي مُسْتَوْزَرَ بَخْتِيار بن مُعِزّ الدَّولَةِ على إغْرَاءِ سُفَهاءِ بَغْدَاد عليهِ، ومُعاملَته بالسُّخْف الّذي أعْرَض بوَجْههِ عنْهُ وعنهم ولم يَزِدْ في الجَوَاب على الخَسْأ، تَرَفُّعًا وتَنَزُّهًا واكْتفاءً من مُهاجاتِهِم، على ما في خلال شِعْره من مثل قَوْلِه (¬١): [من البسيط] أفَاضِلُ النَّاسِ أعْرَاضٌ (a) لذا الزَّمَنِ … يَخْلُو من الهَمِّ أخْلَاهُم من الفِطَنِ وذكر أبياتًا مثلَهُ. وقال: ثمّ ما يُدْريني هل كان في سبب الفَتك به من الأعرابيِّ نُبَذٌ من ذلك الإغراءِ، فالقَائلُ بالشَّرِّ غيرُ مُبَالٍ أيضًا بفعله، وخاصَّةً عند استِمَاع ما كان حظي به لَدَى المَقْصُودين من القَبُول والإقْبَال، حتَّى إنَّهُ قال عند دخوله إلى شيراز: أنا لا أُنْشد ماثِلًا، فأمر عَضُدُ الدَّوْلَة بكُرسيّ له، فلمّا دَخَلَ ورآهُ، أنشدَهُ قائمًا، فأمره بالجُلُوس، فأبَى وقال: هيبَتُكَ تمنع عن ذلك، فوقع قوله وفعله منه أحسَنَ المَواقِع (¬٢). وكان المُهَلَّبِيّ -مع بَخْتِيارِه- يُنَاكر أنَّ عضُد الدَّوْلَة فعل ذلك حَنَقًا وجَهلًا بالقدر. قال: وممَّا يغيظُنِي حقًّا قومٌ مُتَّسِمُونَ بالفَضْلِ يُكابرُونَ عُقُولَهُم في أمره، ويَرْتكبُون في إطفاءِ نُوره، كشَمْس المَعَالي قَابُوس، فقد كان يقول: ليس للمُتَنَبِّي في ديوانه ما يَسْوَى استماعًا إِلَّا أربَعَة أبيات، ثمّ لم يكن يبتدئ من ذات نفسه بالإشارة إليها، وكان سوءُ خُلقه يَمْنَعُنِي من سُؤالِه عنها، وكأبي الفَتْح البُسِتِيّ في قَوْله (¬٣): [من المتقارب]سُئِلْتُ عن المُتَنَبِّي فقُلْتُ … مقال إمرئٍ [مُنْصِفٍ] (a) ليسَ يَغْلُو لهُ في مَواضِعَ فَصْلُ الخِطَابِ … وسَائرُ ما قَالَه فهو فَسْلُ قال: ولو كان قَلَبَهُ فقال: إنَّ مواضِعَ منه فَسْلٌ، وسائر ما قالَهُ فَصْلُ خِطَابٍ، لكان أبْعدَ عن الإثم، وأقْرَب إلى الصِّدق والصَّواب. وذكر ابن الصَّابِئ في كتاب الوُزَرَاء (¬١): أنَّ ابن العَمِيد كانَ يُجلِسُ المُتَنَبِّي في دَسْتِه، ويقعد بين يديه، فيقرأ عليه الجمهرة لابن دريد، لأن المُتَنَبِّي كان يَحفظُها عن ظَهر قَلْبٍ. وقَرَأتُ في بعض مُطَالَعاتي أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا اجتازَ بالرَّمْلَةِ ومدَحَ طَاهِرَ بن الحَسَن بن طاهر بن يَحْيَى العَلَويَّ، أجْلَسَه طَاهر في الدَّسْتِ، وجَلَس بين يَديهِ حتَّى فرغ من مِدْحَتِه. وقَرَأتُ في كتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِين (¬٢) لأبي الغَنائِم الزَّيديّ، قال: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ أنَّ المُتَنَبِّي لمَّا مدح طاهر بن الحَسَن بن طاهر أجازَهُ ألف دينارٍ. قُلْتُ: والقَصِيدَةُ التي مدحه بها هي القَصِيدة البائيَّة التي أوَّلُها (¬٣): [من الطّويل] أعِيدُوا صبَاحِي فهو عِندَ الكَوَاعِبِ … ورُدُّوا رُقادِي فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ وقال ابنُ فُوْرَجَة في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنّي: حَدَّثَنِي الشّيخ أبو عليّ أحْمَد بن مُحمَّد بن يعقوب مسكَوَيْه بأصْبَهَان، وكان تَربية ابن العَميد ونَدِيمَهُ، قال: حضرتُ مجلس ابن العميد بأرَّجَان وقد دخل عليه أبو الطَّيِّب، وكانيَسْتَعرض سُيوفًا، فلمّا بَصُرَ بأبي الطَّيِّب نَهض من مجلسه، وأجلَسَه في دَستِهِ، ثمّ قال لأبي الطَّيِّب: اختر سيفًا من هذه السُّيوف، فاختار منها واحدًا ثقيل الحَلْي، واختار ابن العميد آخر غيره، فقال كلٌّ منهما: سيفي الَّذي اخترته أجْوَد! ثمّ اصطلحا على أن يُجرِّباهما، فقال ابنُ العميد: فبماذا نجرِّبهما؟ فقال أبو الطَّيِّب: في الدنانير، فيُؤتى بها فيُنَضَّدُ بعضها على بعض، ثمّ تُضرب به، فإن قدَّها، فهو قَاطعٌ، فاستَدعى ابن العميد بعشرين دينارًا، فنُضدت، ثمّ ضربها أبو الطَّيِّب فقَدَّها وتفرَّقت في المَجلس، فقام من مجلسهِ المُفخَّم يلتَقط الدنانير المُتَبدِدة في كُمِّه، فقال ابن العميد: ليَلزم الشّيخُ مجلسه. فإنَّ أحد الخُدَّام يلتقطها ويأتيه بها، فقال: بل صاحب الحاجة أولى بها. قال ابن فُورَجَة: وكان رَجُلًا ذا هيئةٍ، مُرَّ النَّفْس، شجاعًا، حُفَظَةً للآداب، عفيفًا، وكان يَشِيْن ذلك كُلَّهُ ببُخْلِه. قرأتُ على ظَهْر نُسخة قَديمة من شعر المُتَنَبِّي ما صُورتَهُ: وحَكى أبو بَكْر الخُوارِزْمِيّ أنَّ المُتَنَبِّي كان قاعدًا تحتَ قَول الشَّاعر (¬١): [من الطّويل] وإنَّ أحقَّ النَّاس باللَّوْمِ شَاعرٌ … يلُوم على البُخل الرِّجالَ ويَبْخَلُ وإنَّما أعربَ عن طريقَته وعادته بقوله (¬٢): [من الطّويل] وُقُوفَ شَحِيحٍ ضاع في التُّرْبِ خَاتَمُهْ قال: فحضرتُ عندَهْ يومًا وقد أُحْضِرَ مالٌ من صلَاتِ سَيْف الدَّوْلَة،فَصُبَّ بين يديهِ (a) على حَصِيرٍ قد افتَرشَهُ، فوُزِنَ وأُعيدَ في الكِيْس، وتخلَّلَتْ قطعَةٌ -كأصْغَر ما تكُون- خِلَال الحَصِيْر، فأكبَّ عليه بمَجامِعِه يُعَالِجُ لاستنقاذهَا منهُ، ويَشْتَغِلُ [بذلك] (b) عن جُلَسائه، حتَّى توصَّل إلى إظْهارِ بَعضها، وأنْشَدَ قَولَ قيس بن الخَطِيم (¬١): [من الطّويل] تَبَدَّتْ لنا كالشَّمْس بين غمامَةٍ (c) … بَدَا حَاجِبٌ منا وضَنَّتْ بحَاجبِ ثمّ استَخْرجها وأمر بإعادتها إلى مكانها، وقال: إنَّها تُخَضِّرُ (d) المائدة. أنبأنا أحْمَد بن أزهر بن عبد الوهّاب البَغْداديّ في كتابه، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عبد البَاقي الأنصارِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو غالِب بن بِشْرَان إجَازَةً، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن علىّ بن نَصْر الكاتب -قُلْتُ: ونقَلْتُه من خطِّه ببغْدَاد- قال: حَدَّثَنِي أبو الفرج عَبْد الوَاحِد بن نَصْر البَبَّغَاء، قال: كان أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي يأْنَسُ بي، ويَشْكو عندي سَيْفُ الدَّوْلَة، ويأمَنُنِي على غِيبَتِه له، وكانت الحَالُ بيني وبينهُ صافيَةً عَامِرَةً دونَ باقي الشُّعَراء، وكان سَيْفُ الدَّوْلَة يغْتَاظ من عَظَمَته وتَعاطيْهِ (e)، ويَجْفُو عليه إذا كَلَّمَهُ، والمُتَنَبِّي يُجيبُهُ في أكثر الأوقاتِ، ويتَغَاضَى في بعضِها. قال: وأذكُر لَيلَةً وقد اسْتَدعى سَيْفُ الدَّوْلَة بَدْرةً فشَقَّها بسِكِّين الدَّواةِ، فمدَّ أبو عَبْد اللهِ ابن خَالَوَيْه النَّحْوِيُّ جَانِبَ طَيْلَسَانه، وكان صُوفًا أزْرَق، فحَثا فيهِ سَيْفُ الدَّوْلَة صَالِحًا، ومَدَدْتُ ذَيْلَ دُرَّاعَتي، وكانت دِيباجًا، فَحَشي لي فيها،وأبو الطَّيِّب حَاضِرٌ، وسَيْف الدَّوْلَة يَنْتَظر منه أنْ يَفْعل مثل فعلِنَا، أو يَطْلبُ شَيئًا منها، فما فَعَلَ، فغَاظَهُ ذلك، فَنَثَرها كُلَّها، فلمَّا رأى أنها قد فاتَتْهُ، زاحَمَ الغِلْمَان يلتَقط معهم، فغمزَهُم عليه سَيْفُ الدَّوْلَة، فداسُوهُ ورَكبوهُ، وصارَت عِمَامته وطُرْطُورُه في حَلْقِهِ، واستَحْيى، ومضَتْ به لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وانصَرفَ، فَخَاطَبَ أبو عَبْد اللهِ ابنُ خَالَوَيه سَيْفُ الدَّوْلَة في ذلك، فقال: مَنْ يَتَعاظَمُ تلك العَظمة، يَتَّضِعُ إلى مثل هذه المَنْزلةِ، لولا حَمَاقَتُهُ؟! وممَّا يُحْكَي من بُخْلِه وشُحّه ما قرأتُه في تاريخ أبي غَالب هَمَّام بن الفَضل بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬١)، سَيَّرَهُ إلىَّ بعضُ الشِّرَاف بحَلَب، قال: وكان سَيْفُ الدَّوْلَة قد أقْطَعَهُ -يعني المُتَنَبِّي- ضَيْعَةً تُعرفُ ببَصِّف (¬٢)، من ضِيَاع مَعَرَّة النُّعْمَان القِبْليَّة، فكان يترَدَّدُ إليها، وكان يُوْصَف بالبُخْل، فمِمَّا ذُكِرَ عنه ما حَدَّثُوه جَمَاعَةٌ من أهل بَصِّف أنَّ كَلبًا من كِلَاب الضَّيْعة المَعْروفة بصَهْيَان كان يَطْرقُ تِيْنَ بَصِّفَ، فذُكِر ذلك لأبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي، فقال للنَّاطُور: إذا جاء الكَلْبُ فعرِّفني به، فلمّا جاء عَرَّفَهُ، فقال: شُدُّوا على الحِصَان، وخرَجَ إليهِ فطَرَدَهُ أمْيَالًا، ثمّ عاد لا يَعْقِلُ من التَّعَب، وقد عَرِقَ فَرَسهُ، فقال له أهلُ بَصِّف: يا أُستاذُ، كيف جَرَى أمرُ الكَلْب؟ فقال: كأنَّهُ كان فَارِسًا مرَّةً! إنْ جئتُهُ بالطَّعْنَة عن اليَمِيْن عاد إلى الشَّمال، وإن جئْتُه من الشَّمَال عادَ إلى اليَمِين. قال أبو [غَالِب] هَمَّام المَعَرِّيّ: وَحَدَّثُوا عنه أنَّ أبا البهيء بن عَدِيٍّ، شَيْخَ رَفَنِيَّة، كان صَدِيْقًا له، فنَزل عنده ببَصِّف، فسَمِعُوهُ وهو يَقُول له: يا أبا البَهِيء، أَوْجِز في أكْلكَ؛ فإنَّ الشَّمْعَة تَتْوَا. وسَمعُوه يُحاسِبُ وَكِيْلًا له وهو يَقُولُ: والحَبَّان ما فَعَلَتَا؟ يَعْنِي: فضَّةً. أَخْبَرَنِي يَاقُوت بن عَبْد اللهِ مَوْلَى الحَمَوِيِّ، قال: قَرَأتُ في أخْبَار المُتَنَبِّيتَصْنيف أبي القَاسِم عُبَيْد الله بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانيّ (¬١)، قال: وأخبرني أبو الحَسَن (a) الطَّرائفِيّ ببَغْداد أنَّهُ قال: رَأَيْتُ المُتَنَبِّي وقد مَدَح رَجُلًا بقولهِ: [من البسيط] انصُرْ بجُودكَ ألْفَاظًا تَرَكْتَ بها … في الشَّرْقِ والغَرْبِ مَنْ عَادَاكَ مَكْبُوتا. فقَدْ نَظرتُكَ حتَّى حانَ مُرْتَحَلٌ … وذا الوَدَاعُ، فكُنْ أهْلًا لِمَا شِيْتا فأُعْطِي دون الخَمْسة دَراهم وقبِلَها. قال: وأخبرني الطَّرائفِيّ، قال: حَدَّثَنِي المُتَنَبِّي، قال: أوَّل يَوْم وصَلْتُ بالشِّعْر إلى ما أردتُه، أنِّي كُنتُ بدِمَشْقَ، فمدحْتُ أحد بَنِي طُغْج بقَصِيدَتِي الَّتي أَوَّلُها (¬٢): [من الطّويل] أيا (b) لَائِمِي إن كُنْت وقتَ اللَّوَائِمِ … عَلِمْتَ بما بي بَيْنَ تلكَ المَعَالِمِ فأثابني المَمْدُوح بمائةِ دِينارٍ، ثمّ ابيَضَّتْ أيَّامي بعدَها. قال أبو القَاسِم بن عبد الرَّحيم (¬٣): واتَّصل بعدَ هذا بأبي العَشَائر الحُسَيْن بن عليّ بن الحُسَيْن بن حَمْدَان، ونفَق عليه نفاقًا تامًّا، فأجرى ذِكْرَهُ عندَ سَيْفِ الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن حَمْدَان، فأمرَهُ بإحْضَارِه عنده، فاشتَطَّ المُتَنَبِّي عليه، واشْترط أن يُنْشدَهُ جالِسًا (c)، وأنْ لا يُكلَّفَ تَقْبِيل الأرْض بين يديه، فأجابَهُ إلى ذلك، وأنْشَدَهُ، فصَادف من سَيْف الدَّوْلَة رجُلًا قد غُذِيَ بالعِلْم، وحُشِيبالفَهْم، فأعجبَهُ شعرُهُ، واسْتَخْلَصَهُ لنَفْسِه، وأجْزَل عَطاءَهُ، وأكرَمَ مَثْواهُ، ووصلَهُ بصلَاتٍ كَثِيْرة، وسَلَّمَهُ إلى الرَّوَّاضِ فعَلَّمُوه الفُرُوسِيَّة، وصَحِبَ سَيْفَ الدَّوْلَة في عِدَّة غزَواتٍ إلى بلد الرُّوم؛ منها غَزْوةُ الفناء التي لم يَنْجُ منها إِلَّا سَيْف الدَّوْلَة بنَفْسه، وأخذَتْ عليه الرُّوم الطُّرُقَ، فجَرَّد السَّيف وحمل على العَسْكَر، وخَرَقَ الصُّفُوف ونَجَا بنَفْسه. قرأتُ بخطِّ مُحمَّد بن علىّ بن نَصْر الكاتِب في كتابه المَوْسُوم بالمُفَاوضَة (¬١)، وأَخْبَرَنَا به أبو حَفْص عمر بن مُحمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد وغيره، إجَازَةً، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن عبد الباقي الأنصاريّ، قال: أنبأنا أبو غالب بن بِشْرَان، قال: أَخْبَرَنَا ابن نَصْر، قال: حَدَّثَنِي أبو القَاسِم الرَّقِّيّ المُنَجِّم، عن سَيْف الدَّوْلَة: أنَّه انهَزَم في بعض السنين، وقد حُلِّلَت الصَّنَاديقُ عن بِغالِه في بعض دُرُوب الرُّوم، وأنَّها مَلأتِ الدُّرُوب، وكان على فَرَسٍ له يُعْرف بالثُّريَّا، وأنَّهُ حَرَّكَ عليها نحو الفَرْسَخ حتَّى نزل، ولم يَعثُر ولم يتَلَعْثم، وأخْبَرنِي أنَّه بقي في هذه السَّفْرَة في تسَعَة أنْفُسٍ أحدُهم المُتَنَبِّي، وأنَّه كان يُحَدِّث أبا عَبْد الله بن خَالَوَيْه النَّحَوِيّ حديث الهَزِيمَة، وأنَّ المُتَنَبِّي كان يجري بفَرَسه، فاعْتَلَقَتْ بِعِمَامَته طاقَةٌ من الشَّجَر المَعْرُوف بأُمِّ غَيْلَان، فكُلَّما جَرى الفرسُ انتشرت العِمَامَةُ، وتخيَّل المُتَنَبِّي أنَّه قد ظُفِرَ بِه، فكان يَصِيْح: الأمان يا عِلْج! قال: فهَتَفْتُ به وقُلْتُ: أيَّما عِلْج؟ هذه شَجَرَةٌ قد عَلِقَت بعِمَامَتِك، فوَدَّ أنَّ الأرْضَ خاسَتْ (a) به، وما سَمِعْتُه يقول ذلك، فقالله ابنُ خَالَويه: أيُّها الأَمِيرُ، أفلَيْسَ قام مَعك حتَّى بقى في تسعة أنْفُسٍ؟ تكفيه هذه الفَضِيلَةُ!. وقرأتُ في مَجْمُوعٍ بِخَطِّ بعض الفُضَلَاء أنَّه لَمَّا فَعَل ذلك، لَحقَهُ سَيْفُ الدَّوْلَة وضحك منهُ وقال له: يا أبا الطَّيِّب أين قَوْلُك (¬١): [من البسيط] [فـ]ـالخَيْلُ واللَّيلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي … والطَّعْنُ والضَّرْبُ والقِرْطاُس والقَلَمُ ولم يَزَل يَضْحَكُ منه بَقِيَّة يَوْمه في مُنْهَزَمِه. أنبأنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد اللهِ بن المُقَيِّر، عن أبي عليّ الحَسَن بن جَعْفَر بن المُتَوَكِّل البغداديّ، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: حَدَّثَنِي الشّيخ الإمام الفَصِيحِيُّ وقتَ قراءتي عليهِ ديوان أبي الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَيْن المُتَنَبِّي -وهو ابنُ عيدان السَّقَّاء- قال: قَدِمَ بعضُ الأشْرَاف من الكوفة، فدخل إلى مَجْلسٍ فيه المُتَنَبِّي، فنهَضَ النَّاسُ كُلُّهم له سوى المُتَنَبِّي، فجعَل كُلّ واحدٍ من الحاضِرين يسألُه عن الأحْوَالِ بالكُوفَة، وما تجدَّدَ هناك، فقال له المُتَنَبِّي: يا شَرِيف، كيف خلَّفْتَ الأسعار بالكُوفة؟ فقال: كل راوِيةٍ برِطْلَين خُبْز! فأخْجَلَهُ. وقصد الشَّريف أن يُعَرِّض بأنَّ أباه كان سَقَّاءً (¬٢). ذكَرَ ابن فُورَجَة في التَّجَنِّي على ابن جِنّي وقال: وأمّا مَحَلُّهُ -يعني المُتَنَبِّي- في العِلم، فقال الحَسَنُ بن عليّ بن الحلَّاب (a): سمعته يقول: من أراد أنْ يُغْرب عليَّ بَيْتًا لا أعْرِفُه فليفعل، قال: وهذه دَعْوى عظيمة، ولا رَيْب أنَّه صَادِق فيها. وأُخْبِرتُ عن أبي العَلاء بن سُلَيمان المَعَرِّيّ أنَّهُ كان يُسَمِّي المُتَنَبِّي: الشَّاعر، ويُسَمِّي غيره من الشُّعراء باسْمِهِ، وكان يقُول: ليس في شِعْره لَفْظَةٌيُمْكن أن يُغْرمَ عنها ما هو في مَعْناها. وقَرأتُ في بعض كلام أبي العَلَاء: قد عُلِمَ أنَّ أحْمَد بنَ الحُسَين كان شَديد التَّفَقُّد لِمَا يَنْطقُ به من الكَلَام، يُغَيِّرُ الكَلِمَةَ بعد أن تُرْوَى عنهُ، ويفِرُّ من الضَّرورَة وإنْ جَلَبَ إليها الوزنُ. سَمِعْتُ شَيْخَنا ضِيَاءَ الدِّين الحَسَن بن عَمْرو المَوْصِليِّ، المَعْرُوفُ بابنِ دُهْن الحَصَا يقول: كان أبو العَلَاء المَعَرِّيَ يُعَظِّم المُتَنَبِّي ويقُول: إيَّاي عَنَى بقَوْلِه (¬١): [زمن البسيط] أنا الّذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أَدَبي … وأَسْمَعَتْ كَلِمَاتي مَنْ بِهِ صَمَمُ أنْبَأنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن عبد الوهَّاب السَّبَّاكُ، قال: أخْبَرنا أبو بكر مُحَمَّدُ بن عبد البَاقِي الأنْصَاريّ، إجَازَةً، عن أبي علىّ التَّنُوخِيّ، قال: حَدَّثَني أبو عبد الله الحُسَينُ بن مُحَمَّد بن الصَّقْرِ الكَاتِبُ -رَجُلٌ من أهل مَعَلْثَايا (a)، وممَّن نَشَأَ بالمَوْصِل، وكان أبوه عاملًا لسَيْف الدَّوْلَة على أَنْطاكِيَة، وهو من أهل الأدَب- قال: جَرَي ذِكْرُ أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي بين يدي أبي العبَّاس النَّامِيِّ المِصِّيْصيّ، فقال لي النَّاميِّ: كانَ قد بَقيَ من الشِّعْر زاويةٌ دَخَلها المُتَنَبِّي. قال: وقال لي في هذا المَجْلِس: كنتُ أشْتَهي أنْ أكونَ قد سبَقْتهُ إلى مَعْنَيَيْن قالهما ما سُبِقَ إليهما، ولا أعْلم أنَّ أحدًا أخْبَر عنهما (b) قبلَهُ، فقُلتُ: ما هُما؟ قال: أمَّا أحَدُهما فقَوْله (¬٢): [من الوافر] رَمانِي الدَّهْرُ بالَأرْزَاءِ حتَّى … فُؤادِيَ في غِشَاءٍ من نِبَالِوالآخر قولُهُ (¬١): [من الكامل] في جَحْفلٍ سَتَر العُيُونَ غُبَارُهُ … فكأنّمَا يُبْصِرْنَ بالآذَانِ أخبرني ياقُوتُ بن عبد الله الحَمَوِيُّ، قال: حَكَي لي بَعْضُ الفُضَلَاءِ في المُذَاكَرَة، قال: لمَّا وَرَد المُتَنَبِّي إلى شِيْرَاز مَادِحًا لعَضُد الدولة، كان يَجْتازُ على مَجْلس أبي عليّ وقد اجتمع إليه أعيانُ أهل العلم، وكان زيُّ المُتَنَبِّي زِيًّا عجيبًا؛ يلبَسُ طُرْطُورًا طويلًا وقَبَاءً، ويعمل له عَذَبَةً طويلةً تَشَبُّهًا بالأعراب، فكان أبو عليّ يَسْتَثْقلهُ، ويَكْرهُ زِيَّهُ، ويَجِدُ في نفسه نُفُورًا منه، وكان إذا اجتاز عليهم يَقُول أبو علىّ لتَلَامِيْذه: إذا سَلَّمَ عليكُم فأوْجزُوا في الرَّدِّ لئلا يَسْتَأنس فيَجْلِس إلينا، وكان أبو الفَتْح عُثْمانُ بن جِنِّي يُعْجَبُ بشِعْره ويُحِبُّ سَماعَهُ، ولا يَقْدر على مُرَاجَعة شَيْخهِ فيه، فقال أبو عليّ يَوْمًا: هاتُوا بيتًا تُعْربونَهُ، فابْتَدَرَ أبو الفَتْح فأنْشَدَ للمُتَنَبِّي (¬٢): [من الخفيف] حُلْتِ دونَ المَزَار، فاليْوْمَ لو زُرْ … تِ لَحَالَ النُّحُولُ دونَ العنَاقِ فقال أبو عليّ: أَعِد، أَعِد! فأعَادَهُ، فقال: وَيْحَكَ، لمَن هذا الشِّعْر فإنَّهُ غَرِيْبُ المَعْنَى؟ قال: هو للّذي يقُول (¬٣): [من الكامل] أَمْضَى إرادَتَهُ فسَوْفَ لهُ قَدٌ … واسْتَقْرَبَ الأقْصَى فثَمَّ لَهُ هُنَا قال: فازْدَاد أبو علىّ عُجبًا وقال: ما أَعْجبَ هذه المعاني وأغربها، مَنْ قائلُها؟ قال: الّذي يقول (¬٤): [من الطويل] ووضْعُ النَّدَى في مَوضع السَّيْف بالعُلَى … مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْف في مَوضع النَّدَيقال: فاسْتَخفَّ أبا علىّ الطَّرب وقال: وَيْحَك، من قائل هذا؟ قال: الّذي يقول: قال: ونَسِي البَيْت الّذي أنشَدَه - قال: فقال أبو علىّ: أحْسَنَ والله، وأطَلْتَ أنتَ، مَنْ يكون هذا؟ قال: هو صاحبُ الطُّرْطُور الّذي يَمُرّ بكَ فتَسْتَثْقلهُ ولا تُحبّ مُحاضَرتَهُ، قال: وَيْحَك، أهذاكَ يقول هذا؟! فقال: نعم، قال أبو علىّ: والله ما ظَنَنْتُ أنَّ ذلك يأتي بخَيْر أبدًا، إذا كان في الغَد ومَرَّ بنا فاسْأَلُوه أنْ يجلِسَ إلينا لنَسْمَعَ منه، فلمَّا كان في الغَد، ومَرَّ بهم، كلَّمُوهُ وسألُوهُ النُّزُول عندهم ففَعَل، واسْتَنْشَدَهُ أبو عليّ، فملَأ صَدْرَهُ، وأحَبَّهُ وعَجِبَ منه ومن فَصَاحَته وسَعَة عِلْمِهِ، فكَلَّم عَضُدَ الدَّوْلَة فيه حتَّى أحسَنَ إليه وضَاعفَ جائزَتَهُ. قُلتُ: وهذه الحِكايَةُ لا يَقْبلها القَلْب، ولا تكادُ تَثْبتُ؛ فإنَّ أبا عليّ الفارسيِّ كان يعرف المُتَنَبِّي قبل أن يصير بِشيْرَاز حين كانا بحَلَب. وقد حكى أبو الفتح عثمان بن جِنِّي عن أبي عليّ الفَارِسيِّ في كتاب الفَسْر (¬١) ما يشهد بخلاف ما تضمَّنتهُ الحكاية: قال أبو عليّ: خرجتُ بحَلَبَ أُريدُ دار سيف الدَّولة، فلمَّا برزتُ (a) من السُّور، إذا أنا بفَارس مُتَلَثِّم قد أهْوَى نحوي برُمْح طويل (b)، فكِدتُ أطرَحُ نفسي من (c) الدَّابَّةِ فَرَقًا، فلمَّا قَرَّبَ منِّي ثَنَي السِّنَانَ، وحسَرَ لثامَهُ، فإذا المُتَنَبِّي، وأنشدني (¬٢): [من الطويل] نثرت رُؤوسًا بالُأحَيْدِب منهُمُ (b) … كما نُثِرَتْ فَوْق العَرُوس الدَّراهِمُ ثم قال: كيف تَرى هذا القَوْلَ، أحَسَنٌ هُو؟ فقُلتُ: وَيْحَك، قتلْتَني يا رَجُل!.قال ابنُ جِنِّي: فحكيتُ هذه الحكاية بمدينة السَّلام لأبي الطَّيِّب، فعَرَفَها، وضَحِك لها، وذكر أبا علىٍّ بالثَّناء والتَّقْرِيْظ بما يُقال في مثله. وجَرَى للمُتَنَبِّي مع ابن خَالَوَيْه مثل هذه الوَاقِعَة الّتي حَكَاها أبو عليّ؛ فإنَّني نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ الكِنَانِّي المالِكيِّ (¬١) من كتابه المَوْسُوم بالبِدَايَة والنِّهايَة في التَّاريخ، قال فيه: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني -وبَيَّضَ ولم يَذْكر من حدَّث أبَاهُ- قال: حدَّثني ابنُ خَالَوَيْه، وكان نَدِيْمًا ومُجَالسًا لسَيْف الدَّوْلَةِ، قال: خَرَجْتُ في بعض الأيَّام إلى ظاهر حَلَب، فقَعَدْتُ أُطالِعُ في كتاب، وأنْظُر إلى قُوَيْق، فما رَفَعْتُ رأسي إلَّا من وَقْعِ فَرَسٍ، فَنَظرْتُ، فإذا بفَارس مُسَدِّد نَحْوي رُمْحَهُ، فقُلتُ: والله ما أعرفُ بيني وبين أحدٍ من النَّاس ما يُوجب هذا ورأيت الفارس مُتَلثِّمًا، فلمَّا دَنَا حَطّ لثَامَهُ فإذا بأحمد بن الحُسَين المُتَنَبِّي، فسَلَّم علىَّ، فرددتُ السَّلام وجارَيْتُهُ الحديث، فقال: كيف رأيتَ قَصِيْدَتي التي أنْشَدتُها أوَّل أمْس الأمِيرَ سَيْف الدَّوْلَة؟ فقُلتُ: والله إنَّها لمَلِيْحَة، وإنَّ أوَّلها لا يحتاجُ إلى تمامٍ في قَوْلك (¬٢): [من الطويل] على قَدْر أهْل العَزْم تأتي العَزَائم وفيها كَذَا وكذا، فقال: ما رأيتَ إلَّا مليحًا، والّذي فيه ما سبقني إليه من أحسن فيه من ذكر الدَّرَاهِم فإنَّها لا تأتي في شِعْر إلَّا بَرَّدَتْهُ وضَعَّفَتْهُ، إلَّا ما جاءني (¬٣): [من الطويل]نَثَرتَهُمُ فوقَ الأحَيْدِبِ نَثْرةً … کما نُثِرَتْ فوقَ العَرُوس الدَّرَاهِمُ أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن علىّ إذْنًا، عن أبي الفَتْح محمد بن عبد الباقي بن البَطِّيّ، عن أبي نَصْر الحُمَيْدِيّ، قال: أخبرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ مُحَمَّد بن هِلِّل المُحَسِّن بن أبي إسْحاق الصَّابِئ، قال: وحدَّثَني ﵁ -يعني أباهُ هِلِّل بن المُحَسِّن- قال: حَدَّثَني أبو إسْحاق جَدِّي، تَجَاوَزَ اللهُ عنهُ، قال: لمَّا وَرَدَ أبو الطَّيِّب أحْمَدُ بن الحُسَين المُتَنَبِّي إلى بَغْدَاد مُتَوَجِّهًا إلى حضرة المَلِك عَضُد الدَّوْلَة بفارِسَ، أعدَّ له أبو مُحَمَّد عَشرة آلاف دِرْهَم وثيابًا كثيرةً مقطوعةً وصحاحًا، وفرسًا بمركب ليُعْطِيَهُ ذلك عند مَديحهِ له، فأخَّر المُتَنَبِّي من ذاك ما كان مُتوقّعًا منه، وحَضَر مجلس أبي محمد للسَّلام عليه الّذي لم يخلط به غيرَهُ، فغَاظ أبا مُحمَّد فعْله، وخاطَبت المُتَنَبِّي على استِعماله ما استعمل وتأخيره من خدمة الوزير ما أخَّر، فقال: لم تَجْر عادَتي بمدح مَنْ لم يتقدَّم له إليَّ جَمِيلٌ، فقُلتُ: إنَّ الوَزِير شديدُ الشَّغَف بَمْوردِكَ، ومُعْتَقد فيكَ الزِّيادَة بك على أملكَ، والامْتناع من خِدْمته إلَّا بعد الاستسْلَاف لصلته غير مُسْتَحْسن منك بل مُسْتَقْبح لك، فقال: ليس إلى مخالفة عادتي سبيل. واتَّصَلَ ذلك بأبي محمد من غير جِهَتي، فأكَّدَ غَيْظَهُ، وأظْهَر الإمْلَال بهِ، والاطِّرَاح له، وفرَّق ما كان أعدَّهُ على الشُّعراء، وزادَهُم، مُدَّة مقام أبي الطَّيِّب، من الإحْسان والعَطَاءِ، وتَوَجَّه أبو الطَّيِّب إلى شِيْرَاز، ثمّ عاد منها، فكانت وفاتُهُ في الطَّريق بين دَيْر العَاقُول ومَدِيْنَة السَّلام، على ما شُرِحَ في أخْبَاره؛ وقد كان أبو محمد اعْتَقَد أنْ يَقْطَعَهُ بالفَعَال الجَمِيل، والحِبَاء الجَزِيْل عن قصْدِ شيْرَاز، فلمَّا جَرَى أمُرُه على ما جَرَى، تغَيَّرتْ نِيَّتُهُ، واسْتَحالَتْ تلك العزيمة منهُ. قُلتُ: وهذا الوَزِير أبو مُحمَّد هو المُهَلَّبيّ.قال: وحَدَّثَني، قال: حدثني أبو عليّ والدي، قال: حدثني أبو إسحاق والدي، قال: راسلتُ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي في أن يمدحني بقصيدتين، وأعطيتُهُ خَمْسَة آلاف دِرْهَمٍ، ووسَّطتُ بيني وبينَهُ صديقًا له ولي، فأعاد الجواب بأنني ما رأيت بالعراق من يستحق المدح غيرك، ولا مَنْ أوْجب عليَّ حقًّا سواك، وإنْ أنا مدحتُكَ تنكَّر لك الوزير أبو محمد المُهَلَّبيّ لأنَّني لم أمْدَحهُ، وجرى بيننا في ذاك ما قد عرفته، فإنْ كُنتَ لا تُراعي هذه الحال، ولا تُباليها فعلْتُ ولم أرد منك عوضًا من مالٍ. قال: فنبَّهني والله إلى ما كان ذَهَبَ عنِّي، وعلي أنه نصحني، فلم أعاوده.﷽ وبِهِ تَوْفِيقِي وذَكَرَ عليّ بن عِيسَى الرَّبَعيِّ في كتاب التَّنْبِيهِ الّذي ردَّ فيه على ابن جِنِّي في كتاب الفَسْر، قال: كنتُ يومًا عند المُتَنَبِّي بشيْرَاز، فقيل له: أبو عليّ الفارسيِّ بالباب، و كانت بينهما مودَّةٌ، فقال: بادِرُوا إليه فأَنْزِلُوهُ، فدخل عليه أبو عليّ وأنا جالسٌ عندهُ، فقال: يا أبا الحَسَن، خُذ هذا الجُزءَ، وأعطاني جُزءًا من كتاب التَّذْكِرَة، وقال: اكْتُب عن الشَّيْخ البَيْتين اللَّذين ذَاكرتُكَ بهما، وهما (¬١): [من الطويل] سَأَطلُبُ حَقِّي بالقَنَا ومَشَايخٍ … كأنهُمُ من طُولِ ما الْتَثَموا مُرْدُ ثقَالٍ إذا لاقَوا، خِفَافٍ إذا دُعُوا، … كَثِيْرٍ إذا شَدُّوا، قَلِيلٍ إذا عُدُّوا فهما مُثْبَتان في التَّذْكرَة بخَطِّى، قال: وهذا من فعْل الشَّيْخ أبي علىّ الفَارسيِّ عظيمٌ، قال الرَّبَعيُّ، وكان قَصْدُ أبي عليّ الفارِسِيّ نَفْعُهُ لا التَّأدُّب والتَّكثُّرُ، وأيًّا قَصَدَ فهو كَثِيْرٌ. قرأتُ بخطِّ يَحْيَى بن سَلامَةَ بن الحُسَين بن مُحَمَّد الحَصْكَفيِّ في تَعْلِيق له، حُكي أنَّ السَّرِيَّ الرَّفَّاءَ حين قصَدَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ ابن حَمْدَان، ﵀ أنشَدَهُ بَدِيْهًا بَيْتَيْن هُما (¬٢): [من الكامل] إنِّي رأيتُكَ جالسًا في مَجْلِسٍ … قَعَدَ المُلُوكُ به لدَيْكَ وقَامُوا فكأنَّكَ الدَّهْرُ المُحِيْطُ عليهم … وكأنَّهُم من حَوْلكَ الأيَّامُ ثُمَّ أنْشَدَهُ بعد ذلك ما كانَ قال فيهِ منَ الشِّعْر، وبعد يَوْمَيْن أو ثلاثةٍأنْشدَهُ أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي (¬١): [من الوافر] أيَدْري الدَّمْعُ (a) أيَّ دم أرَاقَا إلى أنْ انْتَهى إلى قولهِ (¬٢): وخَصْرٌ تَثْبُتُ (b) الأبْصَارُ فيهِ … كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقَا قال: فقال السَّريُّ هذا والله مَعْنًى ما قَدِرَ عليه المُتَقدّمُون، ثمّ إنَّهُ حُمَّ في الحالِ حَسَدًا، وتَحَامَلَ إلى منزله، فماتَ بعد ثلاثة أيَّامٍ. قُلتُ: هكذا وجدته بخط الحَصْكَفيِّ. والمُتَنَبِّي فارَقَ سَيْفَ الدَّولة في سنة ستٍّ وأربعين وثَلاثِمائة، والسَّرِيّ تُوفِّي بُعَيْدَ سَنة ستِّين وثَلاثِمائةَ ببغداد على ما نَقَلَهُ الخطيبُ في تاريخه (¬٣)، وقيل: سنة اثنتين وستِّين وثلاثِمائة، فعلى هذا لا يكُون لهذه الحكاية صحَّةٌ. وقد نقل أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب السَّقَطِيّ في تاريخه المُسَمَّى بلَوَامع الأُمُور (¬٤) أنَّ السَّرِيّ تُوفِّي سَنَة أرْبَعٍ وأربعين وثلاثمائة، فعلى هذا تكون هذهالحكايةُ محتملة الصحة بشرط أن يكون موتُ السَّرِيّ بالشَّام، ولم يُنْقَل ذلك كيف، وهو أنَّ هذه القَصِيدَة من أوَّلِ شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي في سَيْف الدَّوْلَة واللهُ أعلَمُ. أخْبَرَنا ياقُوت بن عبد الله الحَمَوِيّ، قال: وحدَّثَ أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم الضَّبِّيُّ أنَّ الصَّاحب إسماعيل بن عبَّاد قال بأصبهان، وهو يومئذٍ على الإنشاءِ: بلغني أنَّ هذا الرَّجُلَ -يعني المُتَنَبِّي- قد نزل بأرَّجَانَ مُتَوجِّهًا إلى ابن العميد، ولكن إن جاءني خرجتُ إليه من جميع ما أملكُه، وكان جميعُ ما يملكه لا يبلغ ثلاثمائة دينارٍ، فكنا نَعْجَبُ من بُعْدِ همَّتِهِ وسُمُوِّ نفسه، وبلغ ذلك المُتَنَبِّي، فلم يُعَرِّج عليه، ولا التفت إليه، فحقَدها الصَّاحبُ حتى حمله على إظهار عُيُوبه في كتابٍ ألَّفَهُ (¬١)، لم يصنع فيه شيئًا، لأنَّه أخذ عليه مواضع تَحَمَّل فيها عليه. أخْبَرَني بعضُ أهلِ الأدَب، قال: وجَدتُ في كتاب بَعْض الفُضَلَاء عن أبي القَاسِم عبد الصَّمد بن بَابَك، قال: قال أبو الفتح بن جِنِّي: كنتُ أقرأُ ديوان أبي الطيب عليه، فقرأتُ قوْلَهُ في كافور (¬٢): [من الطويل] أُغَالِبُ فيكَ الشَّوْقَ، والشَّوْقُ أغْلَبُ … وأعجَبُ مِن ذَا الهَجْر، والوَصْل أعْجَبُ حتَّى بلَغْتُ إلى قوله (¬٣): ألَا لَيْتَ شِعْري هَل أَقُولُ قَصِيْدَةً … فلا أَشْتَكِي فيها ولا أتَعَتَّبُ وبي ما يَذُودُ الشِّعْرَ عَنِّي أَقَلُّهُ .... ولكنَّ قَلْبي يا ابنَةَ القَوْم قُلَّبُ فقُلتُ لهُ: يَعزُّ عليَّ! كيف يكونُ هذا الشِّعْرُ في مَمْدُوح غيرِ سَيْفِ الدَّوْلَة؟فقال: حذَّرناهُ وأَنْذَرناهُ فما نفَعَ، ألَسْتُ القائل فيه (¬١): [من الطويل] أخَا الجُود (a) أعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مَالكٌ … ولا تعْطيَنَّ النَّاسَ ما أنا قَائلُ فهو الّذي أعْطاني لكَافُور بسُوء تَدْبِيره وقِلَّة تَمْيزه (¬٢). وأحضَرَ إلىَّ عماد الدِّين أبو القَاسِم عليّ بن القاسم بن عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ، وقد قَدِمَ علينا حلب في رحلته إلى خُرَاسَان، جُزءًا في أخبار سيف الدَّولة ابن حَمْدَان تأليف أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَين الدَّيْلَميِّ الزَّرَّاد (¬٣)، فَنَقَلْتُ منهُ: وكان لسيف الدَّوْلَة مَجْلسٌ يحضُرهُ العُلَمَاءُ كُلّ لَيْلَةٍ فيتكَلَّمُونَ بحضرته، وكان يَحْضُره أبو إبراهيم، وابنُ مائِل القَاضِي، وأبو طَالِب البَغْدَاديّ، وغيرهم، فوقع بين المُتَنَبِّي وبين أبي عبد الله الحُسَين بن خَالَوَيْه کلامٌ، فَوثَبَ ابنُ خَالَوَيْه على المُتَنَبِّي فَضَرَبَ وَجْهَهُ بمفتاحٍ كان معَهُ، ففَتَحَهُ (b)، وخَرَجَ دمُهُ يَسِيْلُ على ثيابهِ وغَضِب، فَمضى إلى مِصْرَ، فامتدح كافورًا الإخْشِيْذيّ. أنْبَأنَا أبو القاسم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد القاضي، عن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن منصور الغَسَّانيِّ، وأبي الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَميِّ، قال: أخبرنا أبو نصر بن طَلَّاب، قال: أمْلَى علينا أبو عبد الله المُحَسِّن بن عليّ ابن كَوْجَك، وأخبرنا أنَّ أباهُ حدَّثَهُ، قال: كُنْتُ بحَضْرَة سَيْف الدَّولة وأبو الطَّيِّب اللُّغَويّوالمُتَنَبِّي وأبو عبد الله بن خَالَوَيْه، وقد جَرَت مسألة في اللَّغة تكلَّم فيها ابن خَالَوَيْه مع أبي الطَّيِّب اللُّغويّ، والمُتَنَبِّي ساكتٌ، فقالَ له الأمير سَيْف الدَّوْلَة: ألَا تتكلَّم يا أبا الطَّيِّب، فتكلم فيها بما قوَّي حُجَّة أبي الطَّيِّب اللُّغويّ، وأضْعَفَ قول ابن خَالَوَيْه، فَحَرِدَ منه وأخرج من كُمِّهِ مِفْتاح حديد لبيته ليَلْكُم به المُتَنَبِّي، فقال له المُتَنَبِّي: اسكت، ويْحَك، فإنَّك عَجَميٌّ، وأصْلُكَ خُوْزِيٌّ، وصَنْعَتُكَ الحِيَاكَة! فما لكَ وللعربيَّة؟. ودفع إلىَّ بَعْضُ الشِّرَاف من أهل حَلَب كتابًا فيه تاريخٌ جَمَعَهُ أبو غَالِب هَمَّامُ بن الفضل بن جعفر بن عليّ بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬١)، قال في حوادث سنة سَبْعٍ وثلاثين وثلاثمائة، وفيها: وصل أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي الشاعر إلى سيف الدولة ومَدَحَهُ بالقَصِيدَة المِيْمِيَّة (¬٢): [من الطويل] وفَاؤكُما كالرَّبْع أشْجَاهُ طَاسِمُهُ بعد انْصرَافه من حِصْن بَرْزَوَيْه. وقال في حوادث سنة ستٍّ وأربعين وثلاثمائة: فيها سار المُتَنَبِّي من الشَّام إلى مصر. ووقع إلىَّ أجْزاء من تاريخ مُخْتَار المُلْك مُحَمَّد بن عُبَيْد الله بن أَحْمَد المُسَبِّحيّ (¬٣)، فقرأتُ فيه قصيدةً لأبي الطَّيِّب يَرْثِي بها أبا بكر بن طُغْج الإخْشِيْذ، ويُعَزِّي ابنه أُونُوجُور بِمصْر في سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وثَلاثِمائة، والقَصِيدَة ليْسَتْ فيديوان شِعره، فقد كان أبو الطَّيِّب صَعِدَ إلى مِصْر مرَّةً أُخرى قبل هذه المَرَّة الّتي ذكرناها، وأول القصيدة (¬١): [من البسيط] هو الزَّمانُ مُشِتٌّ (a) بالّذي جَمَعا … في كُلِّ يَوْم تَرَى من صَرْفِهِ بِدَعَا إنْ شئْتَ مُتْ أَسَفًا أو فابْقَ مُصْطَبرًا (b) … قد حَلَّ ما كُنتَ تَخْشَاه وقد وقعا (c) لو كان مُمْتَنِعٌ تُغْنِيه مَنْعَتُهُ … لم يَصْنَع الدَّهْر بالإخْشِيْذ ما صَنَعَا وهي طويلةٌ. وقرأتُ في كتاب أبي القاسم يحيى بن عليّ الحضرميّ (¬٢)، الّذي ذَيَّل به تاريخ أبي سعيد بن يُونُس، وذكَر فيه مَنْ دخل مِصْر من الغُرَباء، فقال: أحمد بن الحُسَين بن الحَسَن الكُوْفيّ الشَّاعر، أبو الطَّيِّب، يُعرفُ بالمُتَنَبِّي، رَحَلَ من مِصْر سِرًّا من السُّلطان ليلة النَّحْر سنة خمسين وثلاثمائة، ووجَّه الأستاذ كَافُور خَلْفَهُ رَوَاحلَ إلى جهاتٍ شتَّى، فلم يُلْحَق. أنشَدَنا علىّ بنُ أحْمَد المَادَرَائيّ، قال: كَتَبَ إلىَّ أبو الطَّيِّب أحمد بن الحُسَينالمُتَنَبِّي في حَاجَةٍ كانتْ له إلىَّ بالرَّملَة (¬١): [مجزوء الكامل] إنِّى سَأَلتُكَ بالّذي … زَان الإمَامَةَ بالوَصِي وأبانَ في يَوْم الغَدِير … لكُلِّ جَبَّار غَوي فَضْلَ الإمَامِ عليهم … بولاية الرَّبّ العَلِي إلَّا قَصَدْت لحاجَتي … وأعَنْتَ عَبْدَكَ يا عَلِي قال: وكان يَتَشَيَّعُ، وقيل: كان مُلْحِدًا، واللهُ أعْلَمُ. قُلتُ: وَسَنَذْكُر في تَرْجَمَةِ طَاهِر بن الحَسَن بن طَاهِر (¬٢) حِكايَةً عن الخَالِديَّين تَدُلُّ على أنَّ المُتَنَبِّي كان مُخالِفًا للشِّيْعَة. أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْديِّ، عن الشَّيْخ أبي مَنْصُور مَوْهُوب بن أحمد بن الجَوَالِيْقِيِّ، قال: قال عليّ بن حَمْزَة البَصْرِيّ صاحب أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي -أو غيره ممَّن صَحِبَ المُتَنَبِّي، شَكَّ فيه أبو مَنْصُور- قال (¬٣): بَلَوتُ من أبي الطَّيِّب ثلاث خِلَالٍ مَحْمُودة، وتلك: أنَّهُ ما كَذَب، ولا زَنَى، ولا لَاط، وبَلَوتُ منه ثلاث خلالٍ ذَمِيْمَة كُلّ الذَّمّ، وتلك: أنَّهُ ما صَام، ولا صَلَّى، ولا قَرَأ القُرْآن. عفا اللهُ عنَّا وعنه آمين. وذكر ابنُ فُوْرَجَةَ في كتاب التَّجَنِّي على ابن جِنِّي، عن أبي العَلَاءِ أحْمَد بن عَبْد الله بن سُلَيمان المَعَرِّيّ، عن رَجُل من أهل الشام كان يتوكَّل لأبي الطَّيِّب (a) في داره، يُعْرَفُ بأبي سَعْد، قال: وبقى إلى عَهْدنا، قال: دعاني أبو الطَّيِّب يومًا ونحنُ بحَلَب، أظُنُّه قال: ولم أكُن عرفتُ منه المَيْل إلى الَّلْهو معالنِّسَاءِ ولا الغِلْمَان، فقال لي: أرأيْتَ الغلام ذا الأصْداغِ الجالس إلى حَانُوْت كَذَا من السُّوق، وكان غُلَامًا وسيمًا فَحَّاشًا فيما هو بسَبِيْله، فقُلتُ: نعم؛ وأعْرِفُهُ، فقال: امضِ فأتِني به واتَّخِذ دعْوةً وأَنْفِق وأَكْثِر، فقُلتُ: وكم قَدْر ما أُنْفقُه، فلم يزدْني على قَوْلِه: أَنْفق وأَكْثِر، وكُنْتُ أَسْتَطلعُ رأيَهُ في جميع ما أُنْفِقُ، فمضَيْتُ، واتَّخذتُ له ثلاثة ألوان من الأطعمة وصحفات من الحَلْوَاء، واسْتَدْعَيْتُ الغُلَام، فأجاب وأنا مُتَعَجِّبٌ من جميع ما أسمَعُ منه، إذ لم تَجْرِ له عادَةٌ بمثله، فعاد من دار سَيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفُرِغَ من اتِّخَاذ الطعام، فقال: قَدِّم ما يُؤْكل ووَاكِلْ ضَيْفَكَ، فقدمت الطعام فأكلا وأنا ثالثهما، ثم أجَنّ اللَّيلُ، فقدَّمْتُ شمعةً ومرفَع دفاتره، وكانت تلك عادتُهُ كل ليلة، فقال: أحْضِر لضيفِكَ شرابًا واقْعُد إلى جانبه فنادِمْهُ، ففعلْتُ ما أمرني به، كل ذلك وعينه إلى الدَّفْتَر يدْرُس ولا يلتفتُ إلينا إلَّا في الحين بعد الحين، فما شربنا إلَّا قليلًا حتى قال: افرش لضيفك وافرُش لنفسك وبَتْ ثالثنا، ولم أكُن قبل ذلك أُبايتُهُ في بَيْتِه، فَفَعْلتُ وهو يدرسُ حتَّى مضى من الليل أكْثرهُ، ثم آوَى إلى فراشه ونام، فلمَّا أصبحنا قُلتُ له: ما يصنَعُ الضيفُ؟ فقال: احْبُهُ واصْرِفْهُ، فقلتُ له: وكم أُعطيه؟ فأطْرَقَ ساعةً ثم قال: أَنْطِهِ ثلاثمائة دِرْهم، فتعجَّبْتُ من ذلك، ثم جسَّرتُ نَفْسِي فدَنَوتُ إليه وقُلتُ: إنَّهُ ممَّن يُجِيْبُ بالشَّيء اليسير، وأنت لم تَنَلْ منه حظًّا، فقطَّبَ ثم قال: أتظُنُّني من هؤلاء الفسقة، أَنْطِهِ ثلاثمائة درهم ولينصرف راشدًا، قال: ففعَلْتُ ما أمرني به، وصَرَفْتُهُ قال: وهذا من بديع أخباره، ولولا قوَّةُ إسنَادِهِ لما صَدَّقتُ به. أنبأنا أبو الحَسَن بن المُقَيِّر، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، عن أبي نصر الحُمَيْدِيّ، قال: أخبرني غَرْسُ النِّعْمَة أبو الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن بن أبي إسْحاق الصَّابِئ، قال: وحدَّثني ﵁ -يعني والده هِلِّل بن المُحَسِّن- قال: حدَّث الرَّضِيُّ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن الحُسَين المُوْسَويّ، قال: حدثني أبوالقاسِم عبد العزيز بن يوسف جَكَّار (a)، قال: لمَّا وصل أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي إلى حضرة عضد الدولة في أول مجلسٍ شاهدهُ فيه، قال لي عَضُد الدَّوْلَة: أخرج واسْتوقفْهُ واسألْهُ كيف شَاهَد مَجْلسنا، وأين الأُمراءُ الّذين لقيَهُم في نَفْسِه منَّا؟ قال: فامْتثَلتُ ما أمرني به، ولحقْتُه وجَلسْتُ معه وحادَثتُه وطاولته وأطَلتُ معه في المعنى الذي ذكرته، فكان جوابه عن جميع ما سمعهُ مني أن قال: ما خَدَمَتْ عَيْنَايَ قَلْبي كاليَوم! فجاء بالجَوَاب مَوْزُونًا، واسْتَوْفي القول في اختصار من اللَّفظ (¬١). قرأتُ في مجموع صالح بن إبراهيم بن رِشدين بخَطِّه: قال لي أبو نصر بن غِيَاثٍ النَّصْرانيُّ الكَاتِبُ: اعْتَلَّ أبو الطَّيِّب المُتَنَبِّي بمِصْرَ العلَّة التي وصَفَ الحُمَّي في أبْياته من القصيدة المِيْمِيَّة (¬٢)، فكُنْتُ أُواصِل عيادتَهُ وقَضاء حَقِّهِ فيها، فلما توجَّه إلى الصَّلاح وأبَلَّ، أَغْبَبْتُ زيارتَهُ ثِقَةً بصَلاحه، ولشُغْلٍ قطعَنِي عنه، فكَتَبَ إلىَّ: وصلْتَني -وَصَلَكَ اللهُ- مُعْتَلًّا، وقطَعْتَني مُبِلًّا، فإنْ رأيتَ أن لا تُحَبِّب العِلَّة إلىَّ، ولا تُكَدِّر الصِّحَّةَ عليَّ، فعلْتَ إنْ شَاءَ اللهُ (¬٣). ونَقَلْتُ من هذا المَجْمُوع بخَطِّه: ذَكَر لي أبو العبَّاس بن الحَوْت الوَرَّاقُ، ﵀، أنَّ أبا الطَّيِّب المُتَنَبِّي أنْشَدَهُ لنَفْسِه هذين البَيْتَيْن (¬٤): [من الطويل]تضَاحكَ منَّا دَهْرنُا لعتابِنا … وعلَّمنا التَّمْويهَ لو نَتَعَلَّمُ شريفٌ زُغَاوِيٌّ (a) وزَانٍ مُذَكِّرٌ … وأعمَشُ كَحَّالٌ وأعْمي مُنَجِّمُ أنشدنا أبو حفص عمر بن عليّ بن قُشَام الحَلَبِيّ، قراءةً عليهِ بها، قال: أنْشَدَنا الحافِظُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن عليّ بن ياسر الجَيَّانيِّ الحافِظ، قال: أنشدني أبو القاسم زاهر بن طاهر، قال: أخبرنا أبو الحُسَين البَحِيْرِيّ، قال: أنشدنا مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُوسَى السُّلمِيِّ، قال: أنشدني محمد بن الحُسين البغداديُّ، قال: أنشدني المُتَنَبِّي (¬١): [من الطويل] هَنِيْئًا لكَ العيْدُ الّذي أنْتَ عِيْدُهُ … وعيْدٌ لمَنْ سَمَّي وضَحَّي وعَيَّدَا فذَا اليَوْمِ في الأيَّامِ مِثْلُكَ في الوَرَى … كما كُنْتَ فيهم أوْحَدًا كان أوْحَدَا أخْبَرَنا الشَّيْخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن عُلْوَان الأسَديُّ، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الخطيب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد السَّمْعَانيّ، قال: سمعتُ الشَّيْخ أبا الحسن عليّ بن أحمد المدينيّ، قال: سمعتُ أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ، قال: سمعتُ السَّيِّدَ أبا الحَسَن مُحَمَّد بن أبي إسماعيل العَلَويِّ يقول: دخل المُتَنَبِّي على الأُسْتاذ الرئيس أبي الفَضْل مُحَمَّد بن الحُسَين، وبينَ يَدَيْهِ مَجَامِرُ من آسٍ ونَرْجِس، قد أُخْفِي فيها مواضع النَّار، لا تُرَى النَّار، ويُشَمُّ رائحة النَّدِّ، فقال: يا أبا الطَّيِّب، قُل فيهِ شيئًا! فأنْشَأَ يَقُول (¬٢): [من المتقارب] أحَبُّ الّذي حبَّتِ الأنْفُسُ … وأَطْيَبُ ما شَمَّهُ المَعْطِسُ ونَشْرٌ من النَّدِّ لكنَّهُ … مَجَامِرُهُ الآسُ والنَّرْجِسُولَسْتُ أرَى وَهَجًا هَاجَهُ … فهل هَاجَهُ عِزَّكَ الأَقْعَسُ وإنَّ الفِئَامَ (a) الّتي (b) حَوْلَهُ … لتَحْسُد أقدامَهَا الأرْؤسُ أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر البغدادي في كتابه، قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصْر بن سعيد البصريُّ، قال: أخبرنا أبو البركات مُحَمَّد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، قال: أخبرنا عليّ بن أيُّوب بن الحُسَين بن السَّارْبَان، قال (¬١): وخرجَ -يعني المُتَنَبِّي- من شِيْرَاز لثمانٍ خَلَوْنَ من شَعْبان قاصدًا إلى بَغْدَادَ ثمّ إلى الكُوفَة، حتَّى إذا بلغ دَير العَاقُول، وخرج منهُ قدر ميْلَين، خرجَ عليه فُرْسانٌ ورجَّالةٌ من بني أسد وشَيْبَان، فقَاتلَهُم مع غُلَامَيْن من غِلْمَانهِ سَاعةً وقَتلُوه، وقُتِلَ معَهُ أحَدُ الغُلامَيْن وهربَ الآخرُ، وأخَذُوا جَميعَ ما كان معهُ، وتَبعهم ابنُهُ المُحَسَّد طلبًا لكثب أبيه فقتلوهُ أيضًا، وذلك كُلُّه يوم الاثنين لثمانٍ بقين من رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن زُرَيْق، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب (¬٢)، قال: خرج المُتَنَبِّي إلى فارس من بغداد فمدح عضد الدولة، وأقام عنده مدّةً مديدةً (c)، ثم رجع يريد بغداد، فقُتل في الطريق بالقرب من النُّعمانيَّة في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وقرأتُ في تاريخ أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغانيّ (¬٣): لمَّا هرب المُتَنَبِّيالشَّاعرُ من مِصْر وصَار إلى الكُوفَة فأقام بها، وصار إلى ابن العَمِيْد فمدَحَهُ، فقيل إنه صار إليه منه ثلاثون ألف دينار، وقال له: تَمْضي إلى عَضُد الدولة فمضى من عنده إليه، فمدحَهُ ووصَلَهُ بثلاثين ألف دينارٍ، وفارقه على أن يمضي إلى الكُوفَة يحمل عيَالَهُ ويجيءُ معهم إليه، وسار حتى وصل إلى النُّعْمانيَّة بإزاءِ قَرْيَةٍ تَقْرُب منها يُقال لها بَنُورَا (a)، فوجد أثر خيل هناك فَتَنَسَّم خَبَرها فإذا خَيْل قد كمَنَتْ له، فصادفَتْهُ لأنَّهُ قَصَدَها فطُعِنَ طعنَة نُكِّسَ عن فَرَسه، فلمَّا سَقَطَ إلى الأرض نَزَلُوا فاحْتَزُّوا رأسَهُ ذَبْحًا، وأخَذُوا ما كان معه من المال وغيره، وكان مَذْهَبُهُ أنْ يَحْملَ مالَهُ معه أين تَوجَّه، وقُتِلَ ابنُهُ معهُ وغُلَامٌ من جُمْلَةِ خَمْسة (b) غِلْمَة كانوا معهُ، وأنَّ الغُلَام المقتول قاتل حتى قتل، وكان قَتْلُ المُتَنَبِّي يوم الاثنين لخمسٍ بَقِينَ من شَهْر رَمَضَان سَنَة أرْبَعٍ وخَمْسين وثلاثمائة. قال الفَرْغَانيّ: وحُدِّثتُ أنَّهُ لمَّا نَزَلَ المَنْزل الّذي رَحَل منهُ فقُتل، جاءَهُ قَوْمٌ خُفَراءُ فطلَبُوا منه خَمْسينَ دِرْهمًا ليَسِيْرُوا معه فمنعَهُ الشُّحُّ والكِبْر، فأنذروا به، فكان من أمُره ما كان. قال: وقيل بأنَّهُم لمَّا طلبُوا منهُ الخِفَارَةَ اعْتَذَر في ذلك أنْ قال لهم: لا أُكذبُ نَفْسِي في قَوْلي (¬١): [من الوافر] يُذِمُّ لمُهْجَتِي سَيفي (c) ورُمْحِي ففَارقوه على سخْطٍ وأنْذَرُوا به وكان من أمْره ما كان.وقَرأتُ في جُذَاذَة طِرْس مَطْرُوح في النّسْخَة الّتي وَقَعَتْ إليَّ بَسَماعِ جَدِّ جَدِّ أبي القاضي أبي الحَسَن أحمد بن يحيى بن زُهَيْر بن أبي جَرَادَة، من شِعْر المُتَنَبِّي على مُحَمَّد بن عبد الله بن سَعْد النَّحْويِّ الحَلَبيِّ، وفيها مَكْتُوب بغير خَطّ النُّسْخَة: المُتَنَبِّي أبو الطَّيِّب أحمد بن الحُسَين، عاد من شيراز من عند فَنَّاخُسْرُو وابن العَمِيْد وزِيره بأموال جَزِيْلة، فلمَّا صَار بالصَّافِيَةِ من أرْض وَاسِط وقع به جماعة من بني أسد وغيرهم فقتلُوه وخمسة (a) غلمان كانوا معه وولده، وسَلَبُوا المالَ، وذلك في شَوَّال من سنة أربعٍ وخَمْسِين وثلاثمائة، وكان المُتَوَلِّي لقَتْله رَجُل منهم يقال له فاتكُ بن أبي جهل، وهو ابن خَالةِ ضبَّة الّذي هَجَاهُ المُتَنَبِّي، وكان على شَاطئ دِجْلَة (¬١). وسَمِعْتُ والدي ﵀ يقول لي: بلغَني أنَّ المُتَنَبِّي لما خرج عليه قُطَّاع الطَّريق ومعه ابنُهُ وغِلْمَانهُ أراد أن ينَهزم، فقال له ابنُهُ: يا أبَهْ، وأين قَوْلُك (¬٢): [من البسيط] [فـ]ـالخَيْل واللَّيْل والبَيْدَاء تَعْرِفُني … والطَّعْنُ والضَّرْبُ والقِرْطاسُ والقَلَم فقال له: قَتَلْتَني يا ابن اللَّخْنَاءِ، ثُمّ ثَبَتَ وقاتل حتّى قُتِلَ. سَيَّرَ إلىَّ الشَّريفُ الأجَلّ العَالِم تاجُ الشَّرَف شَرَف الدِّين أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحمن بن عليّ الحُسَيْنيّ جُزءًا بخَطِّه في مقتل أبي الطَّيِّب، كتب فيه ما نقلتُه وصُوْرتُه: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن هاشم الخالديّ، أحد الخالديَّين، في آخر النُّسْخَة الّتي بخَطِّه من شِعْر أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ما هذه صُوْرته: ذِكْرُ مقْتله، كُنَّا كتَبْنا إلى أبي نَصْر مُحَمَّد بن المُبارَك الجَبُّليِّ نسألُه شرح ذلك، وهذاالرَّجُل من وُجُوه التُّنَّاءِ (¬١) بهذه النَّاحِيَة وله أَدَبٌ وحُرْمَةٌ، فأجابنا عن كتابنا جَوَابًا طويلًا يقول فيه: وأمَّا ما سألتُما عنه من خَبَرِ مَقْتَل أبي الطَّيِّب المُتَنَبِّي ﵀، فأنا أنسُقُه لكما وأشْرَحُه شَرْحًا بَيِّنًا: اعلَمَا أنَّ مسيرهُ كان من وَاسِط في يَوْم السَّبت لثلاث عَشرة لَيْلَة بَقِيَتْ من شَهْر رَمَضَان سَنَة أربعٍ وخمسين وثلاثمائة، وقُتِلَ ببَيْزَعَ (¬٢)؛ ضَيْعَةً بقُربٍ من دَيْر العَاقُول في يَوْم الأرْبَعَاء للَيْلَتَيْن بَقِيَتا من شَهْر رَمَضَان سَنَة أربعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، والّذي تولّى قَتْلَهُ وقَتْل ابنهِ وغُلَامهِ رَجُل من بني أسدٍ يُقال له فَاتك بن أبي الجَهْل بن فِرَاس بن بَدَادٍ (a)، وكان من قَوْله لمَّا قَتَلَهُ وهو مُنْعَفِرٌ: قُبْحًا لهذه اللّحْيَة يا سَبَّاب، وذلكَ أنَّ فاتكًا هذا قَرابةٌ لوالدة ضَبَّة بن يَزِيد العَيْنِيّ الّذي هَجَاهُ المُتَنَبِّي بقَوْلِه (¬٣): [من المجتث] ما أنْصَفَ القَوْمُ ضَبَّهْ … وأُمَّهُ الطُّرْطُبَّهْ ويقال: إنَّ فَاتِكًا خالُ ضَبَّة، وأنَّ الحَمِيَّة داخَلتْهُ لمَّا سَمع ذِكْرها بالقَبِيْح في الشِّعر. وما للمُتَنَبِّي شِعْر أسْخَفُ من هذا الشِّعر، ولا أوْهَى كَلَامًا، فكان على سَخَافته وركاكَته سبَبَ قَتْله وقَتْل ابْنه وذهَاب ماله. وأمَّا شَرحُ الخَبَر؛ فإنَّ فاتِكًا كان صديقًا لي، وكان كما سُمِّي فاتكًا لسَفْكِه الدِّماءَ، وإقْدَامه على الأهْوَال، فلمَّا سَمَعٍ الشِّعْر الّذي هُجِي به ضَبَّة، أحْظَهُ ذلكواشتدَّ عليه، ورجع على ضَبَّة باللَّوم، وقال له: قد كان يجب أن لا تجعل لشَّاعِرٍ عليك سبيلًا، وأضْمر غير ما أظهر، واتَّصل به انصراف المُتَنَبِّي من بلاد فارس إلى العراق، وأن اجتيازه بجَبُّلَ ودَيْر العَاقُول، فلم يكن ينزل عن فرسه، وجماعة معه من بَنِي عمه رأيُهُم في المُتَنَبِّي مثل رأيه في طلبه واستعلام خبره من كل صادرٍ وواردٍ. وكان فاتك يتَحَرَّق خوفًا أن يَفُوتهُ، وكان كثيرًا ما يَجيئُنِي وينزل عندي، فقلتُ له يومًا -وقد جاءني وهو يسألُ قومًا مُجتازين عنه-: قد أكثَرتَ المسألةَ عن هذا الرّجُل، فأيّ شيء عَزْمُكَ أنْ تفعلهُ به متى لقيتَهُ، قال: ما عزمي إِلَّا الجَميل، وأنْ أعذُلَهُ على ما أفْحَشَ فيه من الهِجَاء، فقُلتُ: هذا الأليَقُ بأخلاقك والأشبه بأفعالكَ، فتَضاحك ثمّ قال: يا أبا نَصْر، والله لئن اكْتَحلت عيني به، أو جَمعتني وإيَّاه بُقعة لأسفكنَّ دَمه ولأمحَقَنَّ حياتهُ إِلَّا أن يُحال بيني وبينَه، فقلتُ له: كُفَّ -عافاك الله- عن هذا القَول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإنَّ الرَّجل شهيرُ الاسم، بعيدُ الصَّوت، وقتلُك إيَّاه في شِعرٍ قالهُ لا يحسُنُ، وقد هَجَت الشُّعراء الملوك في الجاهليّة والخلفاء في الإسلام فما علمنا أن شاعرًا قُتِل بِهجاءٍ، وقد قال الشَّاعِر (¬١): [من الطّويل] هَجوتُ زُهيرًا ثمّ إني مدحتُهُ … ومازالتِ الأشرافُ تُهْجَي وتُمْدَحُ ولم يبلغ جُرْمهُ ما يُوجب قتله، فقال: يَفعلُ الله ما يشاء، وانصرف، فلم يَمض لهذا القول إِلَّا ثلاثة أيَّام حتَّى وافَى المُتَنَبِّي ومعه بِغَال مُوْقَرةٌ بكل شيء من الذَّهب والفضة والثِّياب والطِّيب والجَوهر والآلة، لأنَّه كان إذا سافر لم يُخَلِّف في منزله درهمًا ولا دينارًا ولا ثَوبًا ولا شيئًا يُساوي درهمًا واحدًا فما فوقه، وكان أكثر إشْفَاقه على دَفاتِره لأنَّه كان قد انتَخَبَهَا وأحكمها قِراءَةً وتَصْحيحًا.قال: فتَلقَّيتهُ وأنزلته داري، وسائلتُه عن أخباره وعمَّن لَقي، وكيفَ وَجَدَ مَنْ قَصَدَهُ، فعرَّفني من ذاك ما سُرِرتُ به، وأقبلَ يَصفُ لي ابن العَمِيْد وفضلهُ وأدبَهُ وعِلْمَهُ وكَرَمَهُ، وسَماحة المَلك فَنَّاخُسْرُو ورغبته في الأدب وميله إلى أهله، فلمّا أمْسَينا قُلْتُ له: على أيّ شيءٍ أنتَ مُجْمِعٌ؟ قال: على أن أتَّخذ اللَّيل جَمَلًا، فإنَّ السير فيه يخفُّ علىَّ. قُلْتُ: هذا هو الصواب، رجاء أن يُخْفيه اللَّيْل ولا يُصبح إِلَّا وقد قطع بلدًا بعيدًا، والوجه أن يكون معك من رَجَّالة هذه المَدِينَة الذين يَخْبُرونَ الطَّرِيق، ويعرفون المواضع المَخُوفَةَ فيه، جَمَاعَةٌ يَمشونَ بين يَديكَ إلى بَغْدَاد، فقطَّب وقال: لم قُلْت هذا القول؟ قُلْتُ: تَستأنس بهم، قال: أمَّا والجُرازُ (¬١) في عُنُقي فما بي حاجةٌ إلى مُؤنِسٍ غيره، قلتُ: الأمرُ كما تقول، والرأي في الَّذي أشرتُ به عليك، فقال: تَلويحُكَ هذا يُنبئ عن تَعريضٍ، وتَعريضكَ يُخبر عن تَصريحٍ، فعرِّفني الأمرَ وبيِّن لي الخَطبَ، قُلْتُ: إنَّ هذا الجاهل فاتك الأسديَّ كان عندي منذ ثلاثة أيَّامٍ، وهو مُحْفَظٌ عليك لأنَّك هَجَوتَ ابن أُخته، وقد تكلَّم بأشياء تُوجبُ الاحتِراس والتَّيقُّظ، ومعه أيضًا نحو العشرين فارسًا من بَنِي عمه، قولُهم مثل قوله، قال: وغُلامه -وكان عاقلًا، لَبِيبًا، فَارسًا- يسمعُ كلامَنا، فقال: الصَّواب ما رآه أبو نَصْر، خُذ مَعَكَ عشرين راجِلًا يَسيرُونَ بين يديك إلى بَغْدَاد، فاغتاظَ غيظًا شديدًا، وشَتَم الغُلام شَتْمًا قَبيحًا، وقال: والله لا تُحُدِّث عني أني سِرتُ في خِفَارة أحدٍ غير سَيفي. قُلْتُ: يا هذا، فأنا أُوجِّه قومًا من قِبَلي في حاجةٍ يسيرونَ بِمَسيركَ ويكونونَ في خِفَارتك، قال: والله لا فعلتُ شيئًا من هذا، ثمّ قال لي: يا أبا نَصْر، أَبِخُرُوِّ الطَّير تُخَشِّيْنِي، ومن عَبِيْد العَصَا تَخافُ عليّ، ووالله لو أنَّ مِخْصَرَتِي (¬٢) هذه مُلْقَاةٌعلى شَاطِئ الفُرات وبَنُو أسد مُعْطِشونَ لخمسٍ وقد نَظرُوا إلى الماء كبُطُونِ الحَيَّات ما جَسَر لهم خُفٌّ ولا ظِلفٌ أن يَرِدَهُ، حاشَ للهِ من فكْرٍ أشغَلهُ بهم لَحظة العَين، فقُلتُ له: قل إن شاء الله، فقال: كلمةٌ مقولَةٌ لا تَدفع مَقضِيًّا ولا تَستجلِبُ أَتِيًّا، ثمّ ركب فكان آخر العهد به. قال: ولمَّا صحَّ عندي خبرُ قتلِهِ، وجَّهتُ مَنْ دَفنهُ وابنهُ وغُلَامهُ، وذهبَتْ دماؤُهم هَدرًا (¬١). والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على مُحمَّد النَّبِيّ وعلى أهل بيته الطَّيِّبين الطَّاهرين وسَلِّم تسليمًا. وكتبَ مُحمَّد بن هاشم الخالديّ بالموصل في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وهو يستغفر الله ويَستَقيلهُ من كل ذَنبٍ وخَطيئة عن عَمْد أو خَطَأ. أمَّا قَوله: أَبِخُرُوِّ الطَّير تُخَشِّيِنِي، ومن عَبَيْد العصا تَخاف عليَّ، فإنَّ بَنِي أسد يُلقَّبُون خُرُوءَ الطَّير. قال امرؤ القيس (¬٢): [من مجزوء الكامل] فَرَّتْ بنُو أسَدٍ خُرُو … ءَ (a) الطَّيْر عن أرْبَابِها ويُلقَّبون أيضًا: عَبِيْد العصا، قال الشَّاعِر، ونَظُنُّهُ أمرءَ القَيس أيضًا (¬٣): [من السريع] قُوْلَا لِدُوْدَانَ (b) عِبِيْدِ العصاآخر ما كان بخَطِّ أبي بَكْر الخَالديّ: ما غَرَّكُم بالأسَدِ البَاسِل كذا في الأصل، قد أتمَّ هذا البيت وأظنُّ أنَّه بخط أخيه أبي عُثمان ولا أتحقَّقهُ. أَخْبَرَنَا تاجُ الأُمناء أحْمَدُ بن مُحمَّد بن الحَسَن كتابةً، قال: أَخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم، عن أبي غَالِب شُجاع بن فارس بن الحُسَيْن الذُّهْليّ، قال: أنشدَنِي الحكيم أبو عليّ الحُسَيْن بن عَبْد الرَّحْمَن الثَّقَفِيّ النَّيْسَابُورِيّ لأبي القَاسِم المُظَفَّر الزَّوْزَنِيّ -قُلْتُ: هو المُظَفَّر بن عليّ- الكاتب يَرثي المُتَنَبِّي (¬١): [من الخفيف] لا رَعَى اللهُ سِرْبَ هذا الزَّمان … إذ دهَانَا في مثل ذاك اللِّسان ما رأى النَّاسُ ثانيَ المُتَنَبِّي … أيُّ ثانٍ يُرى لبِكْرِ الزَّمان كان في نفسِهِ الكَبيرة في جَيْـ … ــشٍ وفي كِبرياءِ ذي سُلْطَان كان في لفظه نَبِيًّا ولكن … ظهرتْ مُعجزاتهُ في المَعَاني أنشَدَني نَجِيبُ الدِّين داود بن أحْمَد بن سَعِيد بن خلف بن داود الطِّيبيّ التَّاجر، إملاءً من لفظه بحَلَب، قال: أنشدني شمس الدِّين بن الوالي بالمَوصِل لأُخْت المُتَنَبِّي تَرثي أخَاها المُتَنَبِّي لمَّا قُتِلَ (¬٢): [من البسيط] يا حَازمَ الرأي إلا في تَهَجُّمِهِ … على المَكارهِ غابَ البدرُ في الطَّفَلِ لَنِعْمَ ما عاملَتْكَ المُرْهَفَاتُ بهِ .. . ونِعْمَ ما كُنتَ تُوليها مِنَ العَملِ الأرضُ أُمٌّ أَصَبْناها بواحِدِها … فاسْتَرجَعتهُ وردَّتهُ إلى الحَبَلِ