Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

بابٌ في ذِكْر فَتح حَلَب وقِنَّسْرِيْن، وما تَقَرَّر عليه أحكامُهما

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 711, entry [167]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: بابٌ في ذِكْر فَتح حَلَب وقِنَّسْرِيْن، وما تَقَرَّر عليه أحكامُهما
page 711, entry [167]Open original source
بابٌ في ذِكْر فَتح حَلَب وقِنَّسْرِيْن، وما تَقَرَّر عليه أحكامُهما أَخْبَرَنَا أبو عَليّ حسن بن أحْمَد بن يوسف الأوَقِيّ، قِراءةً عليه بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أَخْبَرَنَا أبو طاهر أحْمَد بن مُحمَّد بن أحْمَد بن مُحمَّد السِّلَفيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن أحْمَد بن مُحمَّد بن الشَّيخ، قال: أَخْبَرَنَا أبو إسْحَاق إبْرَاهِيم بن سَعِيد الحَبَّال، قال: أَخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُنير بن أحْمَد بن الحَسَن بن مُنِير الخَشَّاب، قال: أَخْبَرَنَا علىّ بن أحْمَد بن إسْحَاق البَغْدادِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس الوَلِيد بن حمّاد الرَّمْليّ، قال: أَخْبَرَنَا الحُسَيْن بن زياد، عن أبي إسماعيل مُحمَّد بن عَبْد اللهِ (¬١)، قال: وحَدَّثَنِي الحَسَن بن عَبْد اللهِ (d) أنَّ الأشْتَر قال لأبي عُبَيْدَة: ابعث معي خَيْلًا أتبعُ آثار القوم، وأمْضِي نحو أرضِهم، فإنَّ عندي جَزاءً وغَنَاءً، فقال له أبو عُبَيْدَة: واللهإنَّك لخَليقٌ لكُلِّ خير، فبعثَهُ في ثلاثمائة فَارِس وقال له: لا تَتَبَاعد في الطَّلَب وكُنْ منِّي قريبًا، فَخَرج الأَشْتَر، فكان يَغِير منه على مَسِيرة اليَوْم واليَومين ونحو ذلك. قال: ثمّ إنَّ أبا عُبَيْدَة دعا مَيْسَرة بن مَسْروق فسرَّحَهُ في ألفي فَارِسٍ، فمَرَّ على قِنَّسْريْن، فأخَذَ يَنْظُر إليها في الجَبَل، فقال: ما هذه؟ فسُمِّيَتْ له بالرُّومِيَّة، فقال: إنَّها لكذلك، والله لكأنَّها قِنُّ نَسْرٍ! ثمّ إنَّه مَضَى في أثر القوم حتَّى قَطَع الدُّروب، وبلَغ الأَشْتَر أنَّه قَطَعَ الدُّرُوب، فمَضَى قبلَهُ حتَّى لحقَهُ، وإذا مَيْسَرة مُواقفٌ لِجَمْعٍ من الرُّوم وهم كثيرٌ، وكان مَيْسَرةُ في ألفي فارسٍ من المُسْلِمينَ، وكان أولئكَ أكثر من ثلاثين ألفًا من الرُّوم، وكان مَيْسَرة قد أشْفَق على مَنْ معه وخاف على نَفْسه وعلى أصحابه الهَلاك. فإنَّهم لكذلك، إذ طلَعَ عليهم الأَشْتَر في ثلاثمائة فارس من النَّخَع، فلمّا رآهُم أصحاب مَيْسَرة كَبَّرُوا، وكَبَّرَ الأَشْتَر وأصْحابه، وأنَّ الأَشْتَر حَمل من مكانه ذلك عليهم، وحَمل مَيْسَرة عليهم فهزمُوهم، وركب بعضهم بعضًا، فهزمُوهُم، وركبُوا رؤُوسَهُم واتَّبَعَتهم خيل المُسْلِمين يقتلونَهُم حتَّى انْتَهَوا إلى موضعٍ مرتفعٍ من الأرض فَعَلَوا فوقه، ونزلت رَجَّالَةٌ منهم إلى خَيل المُسْلِمين فرمَوْهُم، فوقف المُسْلِمُون حين رمتْهُم رَجَّالَةُ الرُّوم، فقال بعض المُسْلِمين لبعضٍ: دعوهم فإنَّهم قد انهزَمُوا، وأخذت الرُّوم على وجوههم (a)، وأقْبَل عظيمٌ من عُظمائهم مع رَجَّالَة كَثِيْرة من رجَّالتهم فجَعلُوا يرمونَ خَيْل المُسْلِمين وهُم على مكان مُشْرف. قال: فإنَّ خَيْل المُسْلِمين لمُوَافقَتهم، إذْ نزل إلى المُسْلِمين رَجُلٌ من الرُّوم، أحمر عَظيم جَسيم، فتعرَّض للمُسْلِمينَ ليخرج إليهِ رَجُل منهم، قال: فوالله ما خَرَجَ إليهِ رَجُل منهم. فقال لهم الأَشْتَر: فما منكم من أحَدٍ يخرجُ إلى هذا العِلْج؟ فلميتكلَّم أحدٌ، قال: فنَزَل الأَشْتَر ثمّ خَرَجَ إليهِ، فمشَى كُلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبهِ وعلى الأَشْتَر الدِّرْع والمِغْفَر، وعلى الرُّوميّ مثل ذلك، فلمّا دَنَا كُلُّ واحدٍ منهما من صاحبهِ شَدَّ عليه الأَشْتَر فاضْطَرَبا بِسَيْفيهما، فوقَع سَيْفُ الرُّومي على هَامة الأَشْتَر فَقطع المِغْفَر وأسرع السَّيْف في رَأسه حتَّى كاد يَنْشَبُ في العَظْم، ووَقَعت ضَرْبةُ الأَشْتَر على عاتق الرُّوميّ فلم يَقْطَع سيفهُ شَيئًا من الرُّوميّ، إِلَّا أنَّهُ قد ضَرَبهُ ضَرْبةً شديدةً أَوْهَنَت الرُّوميَّ وأثْقلَت عاتقَهُ، ثُمّ تَحَاجَزا. فلمَّا رأى الأَشْتَر أنَّ سَيفَهُ لم يَصْنَع شيئًا انصَرَفَ يَمْشي على هِيْنَتِهِ (a) حتَّى أتَى الصَّفَّ وقد سَال الدَّمُ على لِحْيته ووَجْهِهِ، فقال: أخْزَى اللهُ هذا سَيْفًا! وجاءَهُ أصحابُه؛ فقال: عليَّ بشيءٍ من حِنَّاء، فأتَوه به من سَاعته، فوضعَهُ على جُرْحِه، ثُمّ عَصَّبَهُ بالخِرَقِ، ثُمّ حَرَّكَ لِحْيَيهِ وضرب أضْراسَه بعضها ببعض، ثمّ قال: ما أشَدَّ لَحْيَيّ ورَأسي وأضْراسي! ثمّ قال لابن عَمٍّ له: أمْسِكْ سَيْفي هذا وأعْطني سَيْفُكَ، فقال له: دَع سَيْفي -رَحِمكَ اللهُ- فإنِّي لا أدري لعلّي أحْتاج إليهِ، فقال: أعطِنيْهِ ولكَ أُمّ النُّعْمَان -يعني: ابنَتُه- قال: فأعْطاهُ إيَّاه، فذهب ليعود إلى الرُّوميّ. فقال له قَومُهُ: إنَّا ننشُدك الله أن تتعرَّضَ لهذا العِلْج، فقال: والله لأَخْرُجنَّ إليهِ؛ فليقتُلَنِّى أو لأقتُلَنَّه! فتَرَكُوه، فخَرج إليهِ فلمَّا دَنَا منه الأَشْتَر شَدَّ عليه وهو شديد الحَنَق فاضطربا بسَيْفيهما، فضَربهُ الأَشْتَر على عاتقه فقَطع ما عليه حتَّى خَالَط السَّيْفُ رئتَهُ ووقعَت ضَرْبة الرُّوميّ على عاتق الأَشْتَر فقطعَتْ الدِّرع ثمّ انتهت ولم تضرّهُ شيئًا، ووَقَع الرُّوميّ مَيِّتًا، وكَبَّر المُسْلِمُون ثُمّ حَمَلوا على صَفّ رَجَّالَةِ الرُّوم، فجعلُوا ينقضُّون ويَرْمُون المُسْلِمين وهُم من فَوق، فما زالوا كذلك حتَّى أمْسَوا وحالَ بينهم اللَّيل.فلمَّا أمْسَوا، نادَى مُنادِي العَبْسِيّ بالصَّلاة، فلمَّا أقام وتقدَّم مَيْسَرَة بن مَسْرُوق العَبْسِيّ فصَلَّى بأصْحابه، وتقدَّم الأَشْتَر بأصْحابه فصَلَّى بهم، فلمّا انْصرف، جاءَهُ قَنَان بن دَارِم العَبْسِيُّ فقال: يا صَاحب هذه الخَيْل، ما منعك أن تَجيء فتُصَلِّي مع الأمير مَيْسَرَة بن مَسْرُوق العَبْسِيّ؟ فقال الأَشْتَر: ومن مَيْسَرة بن مَسْرُوق؟ فقال: مَيْسَرة بن مَسْرُوق العَبْسِيّ؟ فقال الأَشْتَر: وما عَبْسٌ؟ وما بنُو عَبْسٍ؟ فقال: سُبحان اللهِ! وما تَدري مَنْ عَبْس ومَنْ بنُو عَبْس! قال الأَشْتَر: لا والله ما أدري، فقال العَبْسِيّ: فمن أنت؟ قال: أنا مَالِك بن الحَارِث، قال: مِمَّن أنت؟ قال: من النَّخَع، قال العَبْسِيُّ: فوالله إنْ سَمعتُ بالنَّخَع قطّ قبل السَّاعَة. فغَضب أناسٌ من أصْحاب الأَشْتَر، فقال الأَشْتَر لأصحابه: مِمَّ تَغْضَبُون؟ أمَّا أنا والله ما كذبْتُ، وما أظُنُّ هذا الرَّجُلَ إِلَّا صَادِقًا. ثمّ قال الأَشْتَرُ: مَنَعَني يا عَبْد اللهِ من الصَّلاة معَكُم أنِّي وُلِّيْتُ هذه الخَيْل ولم يُؤَمَّر عليَّ إنْسان، ولم أُؤمر بطاعةِ أحدٍ، ولَسْتُ مُؤمِّرًا عليَّ مَنْ لم أُؤمَر بطاعَتِه، ولا أُريد الإمارةَ على مَنْ لم يُؤْمَر بطاعتي، وأنا إذا صَلَّيتُ الغَدَاةَ انْصَرفتُ إنْ شاء اللهُ. فلمَّا صَلَّى الغَدَاة، وقد باتُوا لَيْلَتَهُم كُلّها يَتحارَسُون (a)، فلمَّا أصْبَحُوا وصَلَّى الغَداة ارْتَحل الأَشْتَر بأصحابه، ومضى مَيْسَرَةُ حتَّى بلَغَ مَرْج القَبَائِل (¬١) وهي ناحيَةِ أَنْطَاكِيَة والمِصِّيْصَة، ثُمّ انصرف رَاجعًا. وكان أبو عُبَيْدَة قد أشْفَق عليهم حين بَلَغَه أنَّهم قد أدْرَبُوا، وجَزِعَ جَزَعًا شَديدًا، ونَدِمَ على إرْسالهِ إيَّاهم في طَلب الرُّوم. قال: فإنَّه لجالِسٌ في أصحَابه،مُسْتَبطئٌ قُدُوْمَهُم، مُتأسِّفٌ على تَسْريحه إيَّاهم، إذ أتى مُبَشِّرٌ (a) ، بقدوم الأَشْتَر، وجاء الأَشْتَر فحدَّثَهُ بحديثِ ما كان من أمرهم ولقائهم ذلك الجَيْشَ، وهزيمتهُم إيّاهم، وما صَنَع اللهُ لهم، ولم يَذْكر مُبارزتَهُ الرُّوميّ وقَتْلِه إيَّاهُ حتَّى أخْبرَهُ غيره، وسألَه عن مَيْسَرة بن مَسْرُوق وأصحَابه، فأخبَرَهُ بالوَجْهِ الَّذي توجَّه فيه، وأخبره أنَّهُ لم يَمْنَعهُ من التَّوجُّهِ معه بأصحَابه إِلَّا الشَّفَقة على أصحابه أن يُصَابُوا بعدما ظفروا، فقال: قد أحسَنْتَ، وما أُحِبُّ الآن أنَّك معهم، ولودَدتُ أنَّهم كانُوا مَعَك. قال (¬١): وأقام حتَّى قَدِمَ عليه مَيْسَرة بن مَسْرُوق، وكتب كتابًا أمَانًا للنَّاس من أهل قِنَّسُرِيْن، ثمّ أمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادى: الرَّحيل إلى إيْليَاء، وقدّم خَالِد بن الوَلِيد على مُقَدِّمته بين يديه، وأقْبل يَسيرُ حتَّى انتَهى إلى حِمْصَ، فبَعَث على حِمْص حَبِيب بن مَسْلَمَة القُرَشِيّ، وأرض قِنَّسْريْن إذ ذاك مَجْمُوعة إلى حِمْص، وإنَّما سُمِّيَتْ حِمْص الجُنْد المُقَدَّم لأنَّها كانت أدْناها من الرُّوم ومن دِمَشْق والأُرْدُنّ وفِلَسْطين وهُنَّ كُلَّهن وراءها. أَخْبَرَنَا أبو عَلىّ الأوَقِيّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو طاهر، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن، قال أَخْبَرَنَا أبو إسْحَاق الحَبَّال، قال: أَخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُنير بن أحْمَد، قال: أَخْبَرَنَا عليّ ابن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس الوَلِيد بن حَمَّاد الرَّمْليّ، قال: أَخْبَرَنَا الحُسَيْن بن زِيَاد، عن أبي إسْمَاعِيل البَصْرِيّ (¬٢)، قال: وحَدَّثَنِي عُمَر (b) بن عَبْد الرَّحْمَن أنَّه حين خَرَجَ من أَنْطَاكِيَة -يعني هِرَقْل- أقْبَل حتَّى نَزَل الرُّهَا، ثمّ منها كان خُرُوجُهُإلى القُسْطَنطِينيَّة، فأقْبلَ خَالد فىِ طَلبِ الرُّوم حتَّى دَخَل أرْض قِنَّسرين، فلمَّا انْتَهى إلى حَلَب، تحصَّنَ منه أهْل حَلَبَ، وجاءَ أبو عُبَيْدَة حتَّى نَزَل عليهم، فطلَبُوا إلى المُسْلِمِيْن الصُّلْحَ والأمْانَ، فقَبِلَ منهم أبو عُبَيْدَة فصَالَحَهُم، وكَتَبَ لهم أمانًا. ووَقَعَ بيدي فُتُوح الشَّام بِخَطِّ أبي عَبْد الله بن مُقْلَة (¬١)، رَواهُ أحْمَد بن عَبْد العَزِيْز الجَوْهَرِيّ، عن أبي زَيْد عُمَر بن شَبَّة، عن هارُون بن عُمَر، فذكَرَ فيهِ، قال (¬٢): حَدَّثَنى هارُون، قال: حَدَّثَني مُحمَّد بن سَعيد، قال: حَدّثَني أبي، قال: حَدَّثَنِي أبو جَهْضَم، عن عَبْد الرَّحمن بن السُّلَيْك، عن عَبْد الله بن قُرْط، فذكَر نحوًا ممَّا ذَكَرَ أبو إسْمَاعِيْل البَصْرِيّ وقال: وكان مَخْرجه -يعني هِرَقْل- من أَنْطاكِيَة إلى الرُّهَا ثمّ إلى القُسْطَنْطِينِيَّة. وكان أبو عُبَيْدَة لمَّا نَزَل حِمْص قدَّم خَالِد في جُنُودِهِ إلى قِنَّسْرِيْن، فسَار خَالِد حتَّى نَزَل على حَلَب، وأقْبَل أبو عُبَيْدَة في أثره حتَّى نَزل بها، فعَسكَر بها، فتَحَصَّن أهْلُها منه، فحاصرَهُم، فطلبُوا منه الصُّلْح والأمان، فقَبِلَ ذلك منهم على أنْ يُؤدُّوا الجِزْيَة إلى المُسلِمِين، وكَتَب لهم كتابًا وأمانًا. أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بِن عليّ، قال: أخْبَرنا الحَافِظُ أبو مُحمَّد القَاسِم ابن عليّ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبي ﵀ غير مَرَّة (¬٣)، قال: أخْبَرنا أبو غَالِب مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن السِّيْرَافيّ، قال: أخْبَرنا أحمدُ بن إسْحَاق (a)،قال: حَدَّثَنا أحمدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثنا مُوسَى، قال: حَدَّثَنا خَلِيفَة بن خَيَّاطٍ، قال (¬١): حدَّثَنا عَبْد الله بن المُغِيرَة، قال: حَدَّثَني أبي أنَّ أبا عُبَيْدَة بعثَ عَمْرو بن العَاص بعْدَ فراغه من اليَرْمُوك إلى قِنَّسْرِيْن فصَالَح أهل حَلَبَ ومَنْبِج وأَنْطاكِيَة وافْتَتَحَ سَائر أرض قِنَّسْرِيْن عَنْوَةً. وقَرَأتُ في مغَازِي أبي عُثْمان سَعيد بن يَحْيَى بن سَعيد، قال: حَدَّثَني أبي، عن يَزِيد بن سِنَان، عن أشْياخٍ لهم، قال: بَعَثَ عَمْرٌو عِيَاضَ بن غَنْم الفِهْرِيّ إلى قِنَّسْرِيْن والجَزِيرَة، وكانت قِنَّسْرِيْن والجَزِيرَة من حِمْص، فافْتَتحَ قِنَّسْرِيْن وكَتَبَ لهم كتابًا وخَتَمَهُ. قال يَزيد: فأنا قرأتُ كِتابهم، ثمَّ خَرَج حتَّى نزلَ حَرَّان. وأنْبَأنا أبو العَلاءِ أحْمد بن شَاكِر بن عبْد الله بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيّ (¬٢)، قال: أخْبَرَنا أبو غَالبِ المَاوَرديّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن السِّيرَافيّ، قال: أخْبرنا أحْمدُ بن إسْحَاق، قال: حدَّثَنا أحْمدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثنا مُوسى بن زَكَرِيَّاء، قال: حَدَّثنا خَليفَة بن خيَّاطٍ، قال (¬٣): سنَة ستَّ عشرة قال: وفي هذه السَّنَة افْتُتِحت حَلب وأنْطاكِيَة ومَنْبِج. وقال ابنُ الكَلْبيّ (¬٤): صَالَح أبو عُبَيْدة أهْل حَلبَ، وكَتَبَ لهم كتابًا، ثُمَّ شَخَصَ أبو عُبَيدة وعلى مُقَدِّمته خَالِد بن الوَلِيد، فَحاصَرَ إيلِيَاءَ. أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَر بن مُحمَّد بن مُعَمَّر (¬٥) المُؤدِّب، قراءةً عليه بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْماعِيل بن أحْمد بن عُمَر السَّمَرْقَنديّ، إجَازةً إنْ لم يكُن سَماعًا، قال: أخْبرَنا أبو عليّ مُحمَّد بن أحمَد بن المُسْلِمَة، قال: أخْبَرَنا أبو الحسَن عليّابن الحَمَّاميّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحمَّد بن أحْمد بن الصَّوَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو محمَّد الحَسَنُ بن عَتُّود القَطَّان، قال: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بن عِيْسى العَطَّار، قال: أخْبَرَنا أبو حُذَيْفَة إسْحَاق بن بِشْر القُرَشيِّ، قال: حدَّثَنَا سَعيدُ بن عَبْدِ العَزيْز القُرَشيّ، عن قُدَماء أهْلِ الشَّامِ، وذَكَر عنهم وقْعَة اليَرْمُوك، وتَوَجّه خَالِد من اليَرمُوك، وأنَّ أبا عُبَيْدة سَار بالنَّاس في أثر خَالد بن الوَليد حتَّى لَحقَهُ بِحمْص. قالوا: فلمَّا اجْتَمَعُوا بها أراهُم اللهُ الغَلَبَة والسُّرور واجْمعوا لها، وأمر خَالِد بن الوَليْد بالمَسِيْر إلى أرْض قِنِّسرِين. ثُمَّ ذَكَرَ وُرود الخَبَر إلى قَيْصَر بالهَزِيْمة، وقال: قالُوا: ثُمّ نادَى -يَعني قَيْصَر- في أصْحابه، فخرَجَ إلى القُسْطَنطينيَّة راجعًا، فلمَّا خَرَجَ من الشَّام، وأشْرَفَ على أرض الرُّوم قال: سَلامٌ عليكِ يا سُوْريَّة؛ سَلام مُودِّع لا يرَى أنْ يَرجعَ إليكَ أبَدًا، فلمَّا أشْرفَ على أرضِه قال: وَيْحَك أرْضنا، ما أنْفَعك لعَدُوّك؛ لكَثْرة ما فيها من العُشْب والخِصْب. قال: وأقْبلَ خَالِد في طَلَبِ الرُّوم في وَجْهه هذا الّذي قَدَّمَهُ فيهِ أبو عُبَيْدة بين يديه من حِمْص حتَّى دَخَل في أهْل قِنِّسرِين فانْتَهى إلى حَلَب، فتَحَصَّنَ أهلُ حَلَبَ منهُ، فأقامَ حتَّى لَحقَهُ أبو عُبَيْدة حتَّى نَزَل فتَهَيَّأ لهم أيضًا، فطَلَبُوا إلى المُسلِمين الصُّلْح والأمَان، فقَبِلَ منهم أبو عُبيْدة وكَتَبَ لهم كتابًا أمانًا. قالُوا: ثمّ طَلَبَ إلى أبي عُبَيدة الأشْتَرُ مَالك بن الحارث أنْ يَبْعَث معَهُ خَيْلًا حتَّى يتَّبع آثار الرُّوم، فإنَّ عِندي غَنَاء وحَزمًا، فقال: واللهِ إنَّك لخَليقٌ لكُلِّ خَيْر، فبَعَثَهُ في ثلاثمائة فَارِس، وقال له: لا تُبْعد في الطَّلَبِ وكُن منِّي قريبًا؛ فكان يَغِيرُ منهُ على مَسِيرة اليَوم أو بعض اليَوْم. ثُمّ إنَّ أبا عُبَيدة دَعَا مَيْسَرَة بن مَسْرُوق العَبْسِيّ فبَعَثَهُ في ألْفَي فَارسٍ، فمَرَّ على قِنِّسرِين، وذَكَر إدْرابَهُ ثُمَّ قال: وأقامَ أبو عُبَيْدةحتَّى قَدِمَ عليهِ مَيْسَرَة وكَتَبَ أمانًا وصُلْحًا لأهْل قِنِّسرِين، ثمّ نادَى في النَّاس للرَّحيل إلى إيلِيَاء، وقَدَّمَ خَالِد بن الوَليْد بين يَدَيه وأبو عُبَيدة يَسير رَاجِعًا حتَّى انْتهى إلى حِمْص. قالوا: فبَعَثَ حَبِيْب بن مَيْسَرَة القُرَشيّ إلى أرض قِنِّسرِين؛ وأرض قِنِّسرِين إِذْ ذاكَ مَجْمُوعة لصَاحِب حِمْص، وإنَّما أُحْدِثَتْ قِنِّسرِين وفُرِقَت بعدَ ذلكَ في إمارة يَزيْد بن مُعاويَة ليُقِيم بها. وأنبأنا أبو القَاسِم عبْدُ الصَّمد بن مُحمَّد القاضِي إجازةً، عن أبي القَاسِم إسْماعِيل بن أحْمد السَّمَرقَنديّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين أحْمَد بن مُحمَّد بن عَبْد اللهِ ابن النَّقُّور البَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحمَّد بن عَبْد الرَّحمن بن العبَّاسِ المُخَلِّص، قال: حَدَّثَنا أبو بَكر أحمَد بن عَبد اللهِ بن سَيْفٍ، قال: حَدَّثَنَا السَّريّ بن يَحْيى، قال: حَدَّثنا شُعَيْب بن إبْراهِيم، قال: حدَّثنا سَيْفُ بن عُمَر، عن أبي عُثمان، قال (¬١): وكان صُلْح حِمْص على أنْصَاف دُوْرهم، وعلى أنْ يَتْرك لهم المُسْلِمُونَ أمْوالَ الرُّوم وبُنْيانَهُم؛ لا يَنْزلُونَ عليهم فَتَرَكُوه لهم. قال: فصَالَح بعْضَهم على صُلْح دِمَشْق: على دِيْنار وطَعام على كُلّ جرِيْبٍ أبدًا؛ [أيْسَرُوا] (a) أو أعْسَرُوا، وصَالَح بَعْضَهُم على قَدر طَاقَتِه؛ مَنْ زَادَ مالُهُ زِيْدَ عليه، وإنْ نقَص نُقِص. وقال: حَدَّثَنَا السَّرِيّ، قال: حَدَّثنا شُعَيْب، قال: حَدَّثنا سَيْفٌ، عنِ أبي حَارِثَةَ وأبي عُثْمان، عن خَالِد وعُبَادَةَ والرَّبِيْع بن النُّعْمان، عن رَجَاء بن حَيْوة، قالُوا: لمَّا كان ذُو القَعْدَة من سَنَة ستّ عَشرة، أغْزَى هِرَقْلُ أهْلَ حِمْصَ في البَحْر وقد اتَّخذوا مَسَالح، ونَزَلَ عَلْقَمَة بن مُحْرِز وعَلْقَمَة بن حَكِيم الرَّمْلَةَ وعَسْقَلانوذوَاتها، وفَعَلَ يَزِيد وشُرَحْبِيل نحوًا من ذلك، واسْتَمَدَّ أهل الجَزِيرَة واسْتَثار أهل حِمْصَ، فأرْسلُوا إليهِ بأنَّا قد عاهَدْنَاهُم فنَخاف ألَّا تُنْصر، وخَرج على أبي عُبَيْدَة في جَلَبةِ الرُّوم، فاسْتَمَدَّ أبو عُبَيْدَة خَالِدًا، فأمَدَّهُ بمَن معهُ جميعًا؛ لم يُخَلِّف أحَدًا، فكَفر أهلُ قِنَّسْرِيْن بعدَهُ، وتابَعُوا هِرَقْل، فكان أكْفر مَنْ هُنالك تَنُوخ الحَاضِر، وكان تمسُّكُ كُلّ أميرِ بكُوْرته من القُوَّة وهو أنْجز وأعزّ للمُسْلِمين، ودنا هِرَقْل من حِمْص وعَسكَر وبَعَثَ البُعُوث إلى حِمْص، فأجْمع المُسلِمُون على الخَنْدَقة والكتابة إلى عُمَر رِضْوَانُ الله عليه، إلَّا ما كان من خَالِدٍ؛ فإنَّ المُناجزة كانت رَأيَهُ، فخَنْدَقوا على حِمْص، وكتبوا إلى عُمَر، واسْتَصرخُوه. وجاءَ الرُّوم ومَنْ أمَدَّهُم حتَّى نزلوا عليهم، فحصَرُوهُم، وبَلَغت أمْداد الجَزِيرَة ثلاثين ألفًا سوى أمْدادِ قِنَّسْرِيْن من تَنُوخ وغيرهم، فبلغُوا من المُسْلِمِيْن كلّ مَبلَغ، وجاءَ الكتاب إلى عُمر وهو مُتَوَجِّه إلى مَكَّة للحَجِّ في ذِي الحِجَّة فمضَي لَحَجِّهِ، وكتبَ إلى سَعْدٍ أنَّ أبا عُبَيْدَة قد أُحِيطَ بهِ ولَزِمَ حِصْنه، فبثّ المُسْلِمِيْن بالجَزِيْرَة، واشْغلهم بالخيُول عن أهل (a) حِمْص، وأمِدَّ أبا عُبَيْدَة بالقَعْقَاع [. . .] (b)، فخرج القَعْقَاع بن عَمْرو مُمِدًّا لأبي عُبَيْدَة، وخرجَت الخُيُول نحو الرَّقَّة وحَرَّان ونَصِيْبِين، فلمَّا ولَجُوا (c) الجَزِيرَة، وبَلَغ ذلك إلى القَوْم وهم بحِمْص تَقَوَّضُوا إلى مَدَائِنهم، وبادر المُسْلمُون إليها، فَتَحَصَّنُوا، ونَزَل عليهم المُسلِمُون فيها، ولمَّا دَناالقَعْقَاع بن عَمْرو من حِمْص راسَلَتْ طائِفَة من تَنُوخ خالِدًا ودلُّوه (a) وأخْبرُوه الخَبَر، فأرْسَل إليهم: إنِّي والله لولا أنِّي في سُلطان غَيري ما باليت أقللْتُم أم كَثرتم، أو أقَمْتم أو ذَهَبْتُم، فإنْ كُنتم صَادِقين فانْفَشُّوا كما انفَشَّ أهل الجَزِيرَة، فسَامُوا سَائر تَنُوخ ذلك، فأجابُوهم، وراسلوا خَالِدًا: إنَّ ذلك إليك، فإنْ شِئْتَ فعَلْنا، وإنْ شئت أنْ تَخْرُجَ علينا فنَنْهزم بالرُّوم، فقال: بل أقيموا فإذا خَرَجنا فانْهزموا بهم؛ وقال المُسلِمُون لأبي عُبَيْدَة: قد انْفَشَّ أهل الجَزِيرَة، وقد نَدِم أهل قِنَّسْرِيْن ووَعَدُوا من أنفسِهم، وهُم العَرَب، فاخْرج بنا -وخَالِد ساكت- فقال: ما لَكَ يا خَالِد لا تتكلَّم؟ فقال: قد عَرفتَ الّذي عليه (b) رأيي فلم تَسْمَع من كلامي، قال: فتكلَّم فإنِّي أسْمع منك وأطيعك، قال: فاخْرج بالمُسْلِمِيْن؛ فإنَّ الله قد نقَص من عدّتهم، وبالعَدَد يقاتلُون، وإنَّما نُقاتِل منذ أسْلمنا بالنَّصْر فلا تَجْفلْكَ كَثْرتهم. وقال السَّرِيّ: حَدَّثَنَا شُعَيْب، قال: حَدَّثَنَا سَيْف، عن أبي عُثْمان يَزِيد بن أُسَيْد الغَسَّانِيّ، عن أبيه، عن خالِد وعُبَادَة والرَّبيع (c) بن النُّعْمان النَّصْرِيّ، عن عَلْقَمة بن النَّضْر بن عَلْقَمَة النَّضْريّ، قالوا: فجمَع أبو عُبَيْدَة النَّاس، فحَمَد الله وأثْنَى عليه، وقال: أيُّها النَّاس، إنَّ هذا يَوْم له ما بعده، لعلَّ مَنْ حَيى منكم أنْ يَصْفُوَا مُلْكهُ وقراره، وأمَّا مَن ماتَ منكم فإلى الجنَّة فإنَّها هي الشَّهادَةُ، فأحْسنُوا بالله الظَّنَّ، ولا يُكَرِّهن إليكُم المَوْتَ أمرًا اقْتَرفه أحدُكُم دونَ الشِّرك، تُوبُوا إلى الله [. . .] (d) وتعَرَّضوا للشَّهادَةِ، فإنِّي أشْهَدُ -وليسَ أوَانُ الكَذِب-أنِّي سَمِعْتُ رسُول الله ﷺ يقُول (¬١): مَنْ ماتَ لا يُشْرِك بالله شيئًا دَخَل الجَنَّة. فكأنَّما كان النَّاس في عُقْل فنُشِطَتْ، فخَرَجَ بهم وخَالِد على المَيْمَنَة، وعيَاض (a) على المَيْسَرة، وأبو عُبَيْدَة في القَلْب، وعلى بابِ المَدِينَة مُعَاذ بن جَبَل، فاجْتَلَدُوا بها، فإنَّهم كذلك إذ قَدِم القَعْقَاع مُتَعجِّلًا في مائةٍ، وانْهَزَم أهلُ قِنَّسرِيْن بالرُّوم، فاجْتمع القَلْب والمَيْمَنَة على قَلْبهم وقد انْكَسَر أحدُ جَناحَيهِ، [ورجَع إلى الوَراء] (b) فما أفْلَت منهم مُخبر، وذَهَبت المَيْسَرةُ على وَجْهها، وكان آخر من أُصِيب منهم بمَرْج الدِّيْباج (¬٢) انْتَهوا إليهِ فكسَرُوا سلَاحَهُم وألْقوا بلأمَتِهم (¬٣) تَخْفيفًا فأُصيبوا وتَغَنَّمُوا. ولمَّا ظَفر المُسلِمُون، جَمَعَهُم أبو عُبَيْدَة فخَطَبهم، وقال: لا تَتَّكلُوا ولا تزهدوا في الدَّرجات، فلو عَلمتُ أنَّه يبقَى منَّا أحدٌ لم أُحَدِّثكم بذلك الحَدِيْث. وتَوافَى إليهِ آخرُ أهْل الكُوفَة في ثلاثٍ من يَوْم الوَقْعَة (¬٤).وقال: حَدَّثَنَا السَّرِيّ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْب بن إبْرَاهِيْم، قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عن أبي عُثْمان وأبي حَارِثَةَ، قالا (¬١): وبعَثَ أبو عُبَيْدَة بعد فَتْح حِمْصَ خَالِد بنَ الوَلِيدِ إلى قِنَّسْرِيْن فلمَّا نَزَل بالحَاضِر، زَحَف لهم الرُّومُ، وثارَ أهْلُ الحَاضِر بهم، وعليهم مِيْنَاسٌ؛ وهو رأس الرُّوم وأعْظَمهُم فيهم [بعد هِرَقْل] (a) فالْتقَوا بالحَاضِر، فقُتِلَ مِيْنَاس ومَنْ معه مَقْتلةً لم يُقتلُوا مثلها، فأمَّا الرُّومُ فماتوا علِى دَمهِ حتَّى لم يبقَ منهُم أحد، وأمَّا أهل الحَاضِر فهَربُوا وراسَلُوا خَالِدًا بأنَّهم عَرَبٌ، وأنَّهم إنَّما حُشروا ولم يكن من رأيهم حَرْبه، فقَبِلَ منهم وتَركَهم (b). ولمَّا بلَغَ ذلك عُمَرَ ﵁ قال: أمَّرَ خَالِدٌ نفسَهُ، يَرْحَمُ اللهُ أبا بَكْرٍ؛ هو كان أعْلَمَ بالرِّجال منِّي، وقد كان عَزَلَهُ والمُثَنَّى مع قيامِهِ (¬٢)، وقال: إنِّي لم أعزلهما عن ريبةٍ، ولكن النَّاس أعظمُوهما (c) فَخَشِيْتُ أنْ يُوْكَلُوا إليهما، فلمَّا كان من أمْره وأمْر قِنَّسْرِيْن ما كان، رَجَع عن رَأيه، وكذلك فَعَل بالمُثَنَّى لمَّا قام بعد أبي عُبَيْدة، وقال: كان أبو بَكْر ﵁ أعْلَم بالرِّجال منِّي. وسَار خَالِد حتَّى نَزَلَ علي قِنَّسْرِيْن فتَحَصَّنُوا منهُ، فقال: إنَّكُم لو كُنتم في السَّحَاب لحَمَلَنا اللهُ إليكم أو لأنْزَلَكم إلينا، فنَظَرُوا في أمْرهم، وذَكَرُوا ما لقيَ أهلُ حِمْص، فصَالَحُوه على صُلْح حِمْص، فأبَى إلَّا على إخْرَاب المَدِينة فأخْرَبَها،واتَّطَأتْ حِمْصُ وقِنَّسْرِيْن، [. . .] (a) عَسْكَر النَّاس باليَرْمُوك أقَلّ من ثلاث سنين وأكْثَر من سنتَيْن، فعند ذلك خَنَسَ هِرَقْلُ، وإنَّما كان سَبَبُ خُنُوسِه أنَّ خَالِدًا حين قَتَلَ مِيْنَاسَ وماتَتْ الرُّوم على دمهِ وعَقَدَ لأهْل الحَاضِر وقُتِلَ مِيْنَاس (¬١)، ونَزَل (b) قِنَّسْرِيْن طلَعَ عليه من قِبَل الكُوفَة عُمَر بن مالِك من قبل قَرْقِيسِيا، وعَبْد الله بن المُعتمِّ (c) من قبل المَوْصِل، والوَلِيد بن عُقْبَة من بِلَاد بَني تَغْلِب في تَغلِبْ (d) وعَرَب الجَزِيرَة، وطووا مَدَائِن الجَزِيرَة نحو هِرَقْل، وأهل الجَزِيرَة في حَرَّان والرَّقَّة ونَصِيبِيْن وذَواتها لم يُغْرِضُوا غَرضَهم، حتَّى يَرْجعون إليهم، إلَّا أنَّهم خلَّفُوا في الجَزِيرَة الوَليدَ لئلا يُؤْتَوا من خَلْفهم، فأدْرَبَ خَالِدٌ وعِيَاضٌ ممَّا يَلي الشَّام، وأدْرَب عُمر وعَبْد الله ممَّا يلى الجَزِيرَة، ولم يكُونوا أدْربوا قبله، ثمّ رَجَعُوا، فهي أوَّل مدربَةٍ كانت في الإسْلام سنَة ستّ عَشرة، فرَجَع خَالِدٌ إلى قِنَّسْرِيْن فنزلها، وأتَتْهُ امْرأته (e)، فلمَّا عزلَهُ وضَمَّه إلى المَدِينَة قال: إنَّ عُمَر ولَّاني الشَّام حتَّى. . . الحَدِيْث (¬٢). قُلتُ: سَيأتي ذِكْر عَزْله وقول خَالِد في تَرجمة خالد (¬٣) من كتابنا هذا إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.ونعود إلى تَمام الحَدِيْث؛ قال: حَدَّثَنَا السَّرِيّ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عن أبي عُثْمان، عن أبيهِ أنَّ خَالِدًا أتي في قِنَّسْرِيْن برَجُل معه زِقّ خَمْر فقال: اللَّهُمَّ اجْعله خَلًّا، وأقْبَل منه فإذا هو خَلّ مُسْطَار (¬١)، وأقبل الرَّجُل يَعدُو. وقال زِيَاد بن حَنْظَلَة (¬٢): [من الطّويل] نحنُ بقِنَّسْرِيْن كُنَّا وُلَاتها … عَشِيَّة مِيْنَاسٌ يكُوس ويَعْتِبُ يَنُوءُ وتَثنيه جَوَارحُ جَمَّة … وحَالفَهُ منَّا سِنَان وثَعْلَبُ وقد هرَبَتْ منَّا تَنُوخ وخاطَرَتْ … بحَاضِرها والسَّمْهريَّة تَضْرِبُ فلمَّا اتقَونا بالجزاء وهَدَّمُوا … مَدِيْنَتُهم عُدْنا هُنالِكَ نعْجَبُ وقال أيضًا (¬٣): [من الطّويل] وميْنَاس قَتَلْنا يَوْمَ جَاءَ بجَمْعِهِ … فصادفَهُ منَّا قِرَاعٌ مُؤَزَّرُ فوَلَّتْ فُلُولًا بالفَضَاءِ جُموعُهُ … ونازَعَهُ منَّا سِنَانٌ مُذَكَّرُ فضمَّنْهُ لَمَّا تَرَاخَتْ خُيُولُهُ … مناخٌ لديه عَسْكَرٌ ثمّ عَسكَرُ وغُودِر ذاكَ الجَمْعُ يَعْلُو وجُوههُم … دُقَاق الحَصَا والسَّافِيَاءُ المُغَبَّرُ أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد الدِّمَشْقِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن علي بن المُسَلَّم إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ بن أبي العَلاءِ، قال: أخْبَرنا أبو نَصْر بن الجَنَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد المَلِك أحْمدُ بن إبْرَاهِيْم القُرَشِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيدُ: حَدَّثَنِي هِشَام بن عَبَّاد، عن أبيهِ أنَّ أبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح عَقَدَ لحَبيب بن مَسْلَمَة حين هَزم الله الرُّومعلى خَيْل الطَّلَب، يَقْتُل مَنْ أُدْرِكَ، ويَقتَفي مَنْ سبَقَهُ بالهَزيْمَةِ حتَّى أجْلَاهم عن دِمَشْق وغُوْطتها والجَوْلَان والحُوْلَة وبَعْلَبَك هكَذَا إلى حِمْص. قال: وأخْبَرَني عَبْدُ الرَّحْمن بن يَزِيد بن جَابِر أنَّ الخُيُول طَلبَت الرُّومَ حتَّى أجْلَتْها عن أرْض دِمَشْقَ وحِمْصَ، وبَعَثَ إليهم مَنْ في مَدَائِن قِنَّسْرِيْن والجَزِيرَة يَسْألونه المُوَادعَة سَنَةً، فمَنْ سَارَ إلى أرض الرُّوم في تلك السَّنَة فهو حَرْبٌ، ومَنْ أقامَ فيها فهو ذِمَّةٌ وصُلْح، فأجابُوهم إلى ذلك، ولم يَغْزُوهُم سَنَةً، وجَعَلُوا عَمُودًا قائمًا بين المُسْلِمِيْن وبينهم، ليس للمُسْلِمين أنْ يَجُوزُوا ذلك العَمُودَ إليهِم، ولا لهم أنْ يَجُوزوا العَمُودَ إلى المُسْلِمِيْن، وصَوَّرُوا قيْصَر في ذلك العَمُود جَالِسًا في مُلْكه؛ فبَيْنا رَجُل من المُسْلِمِيْن على فَرَسِه مُعْتَقل رُمْحه إذْ مَرَّ بذلك العَمُود وبتلك الصُّورة، فقال برُمْحه فَفَقأ بها عَيْن التِّمْثال، فاجْتَمَعت الرُّومُ، فقالوا: غَدَرْتُم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، وانْتَقَضَ الصُّلْح، فقالوا (a): ما نَقَضَهُ؟ فقَالوا: فَقَأْتُم عَيْن مَلِكنا، قالوا: ما نَدْري مَنْ صَنَع هذا، قالوا: فإنَّا لا نَرضَي دونَ أنْ نَفْقَأ عَيْن أميركم، قالوا: وكيف؟ قالوا: تُصَوِّرُونَهُ لنا في عَمُود ونَصْنَعُ مثل ما صَنَعتُم. قال: فَصَوَّرُوا لهم مثالًا، وأقْبلَ رَجُلٌ منهم حتَّى فَقَأ عينَهُ برُمْحه، وتَمَّ الصُّلْحِ بينهُم، فلمَّا انْقَضَت السَّنَةُ سَار منْ سَار منهم وأقام مَن أقام على الصُّلْح والجِزْيَة، ودَخَل المُسلِمُونَ أرْض قِنَّسْرِيْن وأمْضَوا صُلْحهم لمَن أقام بالجِزْيَة. وقال أبو عَبْد المَلِك القُرَشِيّ: وحَدَّثنا ابنُ عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: قال أبو مُطِيع مُعاويَة بن يَحْيَى: إنَّ أبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح وَلي فَتْح مَدَائِن قِنَّسْرِيْن، [وأقبل] (b) لَهُ بَطَارِقَةٌ من بَطَارِقَةِ الرُّوم فيما بين قِنَّسْرِيْن ومَعَرَّة مَصْرِيْن، فصافوه للقتال وتَواقَفُوا للقِتَال، فقَتَل المُسلِمُون اثْني عَشر بِطْرِيْقًا منها رَمْيًا بالنَّبْل، ثمّ إنَّ سَائر البَطَارِقَة كفَّت وقالت: نحنُ تَبَعٌ لمَن بين أيدينا من بَطَارِقَة المَدَائِن والحُصُون، فمضَى أبو عُبَيْدَة إلى أَنْطاكِيَة.قَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِيْر بن عُفَيْر (¬١)، قال: ثمّ كانت سَنَة سَبع عَشرة، وفيها كان افْتتاح قِنَّسْرِيْن صُلْحًا على يَدي أبي عُبَيْدَة؛ سَارَ أبو عُبَيْدَة إلى قِنَّسْرِيْن فافْتتحها بصُلْح، وأغار على حَاضِرها فقَتَل المُقاتِلَة وسَبَى الذُّرِّيَّةَ، ولم يَدْخل مَدِينَة حَلَب لأنَّهُ لم يكن فيها أحدٌ؛ كانت قد تُرِكَت قبل الإسْلام، فبعثَ إلى عُمَر بثُلث سَبي الحَاضِر. قُلتُ: وقد ذَكَرَ سَعيد بن البِطْرِيْق النَّصْرانيّ في تاريخه ما حَكاهُ ابن عَائِذ بأتَمّ منهُ، فأوْرَدتُهُ بما فيه من الزِّيَادة، ولعلَّ الزِّيادة إنَّما أخذَها من كُتُبهم، قال (¬٢): وكان هِرَقْل قد تنحَّى من دِمَشْق إلى حِمْص، فلمَّا سَمِعَ هِرَقْل أنَّ المُسْلِمِينَ قد فَتَحوا فِلَسْطين والأُرْدُنّ وصَاروا إلى البَثَنِيَّة خَرَجَ من حِمْص إلى مَدِينَة أَنْطاكِيَة، ففَرَضَ الفروض واسْتَجْلَب (a) المُسْتَعرِبَة من غَسَّان وجُذَام ولَخْم (b)، وكُلّ مَنْ قدر عليه من الأرْمَن (c)، وأقامَ (d) عليهم قائدًا من قُوَّاده يُقالُ لهُ مَاهَان، ووَجّه بهم إلى دِمَشْق. وذَكَرَ أمْرَ دِمَشْق وفَتْحها (¬٣)، وقال (¬٤): وكُلُّ مَن أفْلَتَ من الرُّوم من المُقَاتِلة لَحِقَ هِرَقْل بأَنْطاكِيَة. فلمَّا سَمِعَ هِرَقْل (e) أنَّ دِمَشْق قد فتِحَتْ، قال: عليك (f) السَّلام يا سُورْيَة. ثمّ سارَ حتَّى دَخَل قُسْطَنْطِينِيَّة، وذلك في السَّنَة الثَّالثة من خِلَافَة عُمَر بن الخَطَّاب. فكَتَبَ عُمَر بنُ الخَطَّاب إلى عَمْرو بن العَاص أنْ يَصِيرَ بجُنْده إلى فِلَسْطين، وكَتَبَ: إنِّي قد اسْتعمَلْتُ يَزِيد بن أبي سُفْيان على دِمَشْق، وشُرَحْبِيل بن حَسْنةعلى الأُرْدُنّ، وأبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح على حِمْص. فسَار عَمْرو بن العَاص إلى فِلَسْطين، وشُرَحْبِيل إلى الأُرْدُنّ، وسَار أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح إلى بَعْلَبَك، فقالوا: نحنُ على ما صالَحْتُم عليه أهل دِمَشْق (a)، فكتَبَ لهم أمانًا، ثمّ سَار إلى حِمْص (b)، وكتبَ لأهْلِ مَدِينة حَلَب الأمان، ودعت المَدَائِن كُلّها إلى الصُّلْح، فالمَدَائِن كُلّها صُلْح (c). ثمّ اتَّصل الخَبَر بقُدوم عُمَر بن الخَطَّاب إلى بَيت المَقْدِس (d)، فخلف أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح عِيَاض بن غَنْم على أصْحَابه، وخلف يَزِيد بن أبي سُفْيان مُعاويَة (e) ابن أبي سُفْيان على أصْحَابه، وخلف عَمْرو بن العَاص ابنهُ عَبْدَ الله بن عَمْرو على أصْحَابه، ولقوا عُمَر بن الخَطَّاب عند فَتْح بَيت المَقْدِس (f). وقال (g): ثمّ رجع عُمَر بن الخَطَّاب من بَيت المَقْدِس إلى المَدِينَة، وخَرَجَ (h) أبو عُبَيْدَة ابن الجَرَّاح إلى حِمْص، وسَارَ من حِمْص إلى قِنَّسْرِيْن، فكتَبَ إليهِ أهل قِنَّسْرِيْن يسألونَهُ المُوَادعَة سنةً (i)، فمَن سَار إلى الرُّوم فذلك، ومَنْ أقام فيها فهو ذِمَّةٌ وصُلْحٌ، فأجابُوهم ولم يَغزوهم سَنَة. وجَعَلُوا عَمُودًا قائمًا الرُّوم وبين المُسْلِمِيْن، ليس للمُسْلِمِيْن أنْ يَجُوزوا ذلكَ العَمُود إلى الرُّوم، ولا الرُّوم أنْ يجوزوا ذلك إلى المُسْلِمِيْن، وصوَّرُوا في العمُود صُورة هِرَقْل جالِسًا في مُلكه، فرضي بذلك أبو عُبَيْدَة.فمرَّ به نَفَرٌ من المُسْلِمِيْن في عدد مَن يتعاطُونَ للفُرُوسِيَّة، [ومَرَّ أبو جَنْدَل] (a) ابن سُهَيل (b) [بن عُمَر على فَرَسِهِ ملأَ فرُوجه]، في يَدِه قَنَاة حَدِيدة (c)، فمَرَّ بالعَمُود وتلكَ الصّورة [فنَصب زجَّ رُمْحه] في عَيْن تلك الصُّورة غير مُتَعمِّد (d) لذلك، ففَقَأَ عَين التِّمْثالِ، فأقبل بِطْرِيْق قِنَّسْرِيْن، وقال لأبي عُبَيْدَة: غَدَرْتُم يا مَعْشَرَ العَرَب (e)، ونَقَضْتُم الصُّلْح، وقطَعتم المُدَدَ (f) الّتي كانت بيننا وبينكم، فقال أبو عُبيدَة: ومَنْ نَقَضَهُ؟ قالوا: الّذي فَقَأ عين مَلِكنا، قال أبو عُبيدَة: فما تُريدُونَ؟ قالوا: لا نَرْضى حتَّى تُفْقَأ عَين مَلِككُم، قال أبو عُبَيْدَة: صوِّرُوني في صُورتكم هذه، ثمّ افْعَلوا ما بَدَا لكُم، قالوا: لا نَرْضى بتَصْوير إلَّا مَلِككم الأكْبر، فأجَابَهم أبو عُبَيْدَة إلى ذلك، فصوَّرت الرُّوم تمثال عُمَر في عَمُود وأقْبَل رَجُلٌ منهم حتَّى فَقَأ عَيْنَهُ برُمْحهِ. فقال البِطْرِيْق: قد أنْصَفتُمونا، وبعد سنةٍ أقامُوا على الصُّلْح والذِّمَّة. أخْبرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ الحَافِظ، وأنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد القَاضِي، قالا: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن عليّ بن المُسَلَّم إذْنًا، قال: أخْبَرنا أبو القَاسِم بن أبي العَلاء، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر ابن الجَنَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد المَلِك القُرَشِيّ، قال: حَدَّثنا مُحمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: قال: وقطع -يعني حِمْص (g)- فمضَى أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح إلى أَنْطاكِيَة، فصالحَه أهْلُها على الإقامة وإعْطاء الجِزْيَة [. . .] (h).﷽ وبِهِ تَوْفِيقِي وقال البَلاذُرِيّ (¬١): حَدَّثَني مُحمَّد بن سَهْم الأنْطاكِيّ، عن أبي صالِح الفَرَّاءَ، قال: قال مَخْلَد بن الحُسَيْن: سَمِعْتُ مَشَايخ الثَّغْر يقولون: كانت أَنْطاكِيَة عَظِيمَة الذِّكْر والأمْر عند عُمَر وعُثْمان رَحمهما اللهُ، فلمَّا فُتِحَت كَتَبَ عُمَر بن الخَطَّاب إلى أبي عُبَيْدَةَ أنْ رَتِّبْ بأَنْطاكِيَة جَمَاعَةً من المُسْلِمِيْن أهل نِيَّاتٍ حَسَنة (a)، واجْعلهُم بها مُرابطةً، ولا تَحْبس عنهم العَطَاءَ، ثُمّ لمَّا وَلي مُعاويَة كَتَبَ إليهِ بمثل ذلك، ثمّ إنَّ عُثْمان كَتبَ إليهِ يأمرُهُ أنْ يُلْزِمهَا قَوْمًا ويُقطعَهُم قَطائع، فَفَعَل. قال ابنُ سَهْم: وكُنْتُ واقفًا على جِسْر أَنْطاكِيَة على الأُرُنْط، فسَمِعْتُ شَيْخًا مُسِنًّا من أهل أَنْطاكِيَّة (b)، وأنا يَوْمئذٍ غُلَام، يقول: هذه الأرْض قطيْعَةٌ من عُثْمان لقَوْمٍ كانُوا في بَعْثِ أبي عُبَيْدَة؛ أقْطعَهُم إيَّاها أيَّام ولاية مُعاويَة الشَّام. وقال البَلاذُرِيُّ (¬٢): قالُوا: وبلَغ أبا عُبَيْدَةَ أنَّ جَمْعًا للرُّوم بين مَعَارَّة مِصْرين (c) وحَلَب، فلَقِيَهُم، وقَتَلَ عدَّة بَطَارِقَة، وفضَّ ذلك الجَيْشَ، وسَبَى وَغَنم، وفَتَحَ مَعَارَّة مِصْرين على مثل صُلْح حَلَب، وجَالَتْ خُيُولُه حتَّى بَلَغتْ بُوْقَا، وفتَحَتقُرَى الجُوْمَةِ، وسَرْمِيْن، ومَرْتَحْوان، وتِيْزِيْن، وصَالَحوا أهْل دَيْر طَيَايَا (a)، ودَيْر الفَسِيْلَة (¬١) على أنْ يُضِيْفُوا مَنْ مَرَّ بهم من المُسْلِمِيْن. وأتاهُ نَصارَى خُنَاصِرَة فصَالَحَهُم، وفتَحَ أبو عُبَيْدَة جميعَ أرْضَي (b) قِنَّسْرِيْن وأَنْطاكِيَّة (c). أخْبرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن، ح. وأنْبَأنَاهُ عاليًا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد الأنْصاريّ، قالا: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم إذْنًا، قال: أخْبرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبرَنا أبو عَبْد المَلِك القُرَشِيّ، قال: حَدَّثنا مُحمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيدُ: حَدَّثنا أبو عَمْرو عَبْد الرَّحْمن بن عَمْرو الأوْزَاعِيُّ: أنَّهُ كان في كتاب أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح لأهلِ دَيْر طَيَايَا: إنِّي آمَنْتُكم على دِمَائكم وأمْوالكم وكَنَائِسكُم أنْ تُهْدَمَ أو تُسْكَن ما لم تُحْدِثُوا أو تُؤْوُوا مُحْدثًا، فإنْ فَعَلْتُم، فقد بَرئت منكُم الذِّمَّة، وأبو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاح والمُسلِمُون بُرَّاءٌ من مَعَرَّة الجَيْش. شُهِدَ على ذلك. قال لي أبو الحَسَن: قال لي الحَافِظ أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ: دَيْر طَيَايَا من أرض قِنَّسْرِيْن، وذَكَرَهُ لي مُقَيَّدًا بياءَيْن. ونَقَلْتُه من خَطِّ بَنُوْسَة فيما نَقَلْتُهُ من كتاب البَلاذُرِيّ كذلك بياءَين.وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن كَثِير بن عُفَيْر (¬١)، في سَنة سَبع عَشرة، في نُسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ صَحِيْحة، قال: وافْتتَحَ أبو عُبَيْدَةَ في وجْههِ ذلك دِيَارات حَوْل قِنَّسْرِيْن بصُلْحٍ منها دَيْر طَيَايَا؛ بياءَيْن. وقال لي صَديقُنا بَهَاء الدِّين الحَسَنُ بن إبْرَاهِيْم بن الخَشَّاب: هو دَيْرُ طَبَاثَا بالباءِ والثَّاءِ، وهو المَوْضِعُ المَعْرُوف بدَيْر بَاثَبُوْا، وهو إلى جانب القَرْيَة المَعْرُوفَة بِبَاثَبُوا في مكانٍ يُشْرفُ على الأثارِب وما حَوْلها. وَقَعَ إلىَّ مَجْمُوع بخَطِّ بعضِ الفُضَلَاء، يتضمَّن فِقَرًا وقَواعِدَ وأخْبارًا وفوائِدَ، في نُسْخةٍ عَتِيقة، يَغْلبُ على ظَنِّي أنَّ كاتب النُّسخة جَمع المجموع، فقَرَأتُ فيهِ: شَرَطَ عُمَر بن الخَطَّابِ على أهَل قِنَّسْرِيْن على الغَنِيّ ثمانيةً وأربعين، وعلى الوَسَطِ أربعةً وعشرينَ، وعلى المُدْقِع اثْنَي عَشَر؛ يُؤدِّيها بصَغَار، وعلى مُشَاطَرة المنازل بينَهُم وبين المُسْلِمِيْن، وأَلَّا يُحْدِثوا كَنِيْسَة إلَّا ما كان في أَيدِيهم، ولا يَضْرِبُوا بالنَّاقُوس إلّا في جَوْفِ البِيْعَةِ، ولا يرفَعُوا أصْواتَهُم بالقِراءةِ، ولا يرفَعُوا صَلِيبًا إلَّا في كَنِيْسَةٍ، وأنْ يُؤْخَذَ منهم القبليُّ من الكَنَائِس للمَسَاجِدِ، وأنْ يُقْرُوا ضَيْفَ المُسْلِمِين ثلاثًا، وعلى أنْ لا تَكُون الخنَازيرُ بين ظَهْراني المُسلِمِين، وعلى أنْ يُناصِحُوهُم فلا يَغُشّوهم، ولا يُمَالُوا عليهم عَدُوًّا، وأنْ يَحْملُوا رَاجلَ المُسْلِمِين من رُسْتَاقٍ إلى رُسْتَاق، وأنْ لا يلبَسُوا السِّلاح ولا يَحملُوهُ إلى العَدُوّ، ولا يَدُلُّوا على عوْرَاتِ المُسلِميْن، فمَنْ وَفَى، وَفَى المُسلِمُون لَهُ، ومنَعُوه بما يَمْنعُونَ به نسَاءَهم وأبناءَهُم، ومَن انْتَهَكَ شيئًا من ذلك حَلَّ دَمُهُ ومَالُهُ وسِبَاءُ أهْلِهِ، وبَرئَتِ الذِّمَّةُ منه. وكَتَبَ بذلك كتابًا برئَ فيهِ من مَعرَّة الجَيْشِ، فدَخَل في هذا الصُّلْح أهلُ الجَزِيرَة، وقبل ذلك ما كان أبو عُبَيْدَةَ فارقهُم على أربعة دَرَاهِم وعَبَاءَة على كُلّ جَلْجَلة على أنْ يكون عُمر الفَارض عليهم إذا قَدِم بلادهم.وذكَرَ البَلاذُرِيّ، فيما حَكاهُ في كتابه، قال (¬١): وحَدَّثَني أبو حَفْص (a) الدِّمَشْقِيّ، عن سَعيد بن عَبْد العَزِيْز قال: لمَّا افْتَتح أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح دِمَشْق، اسْتخلف يَزِيد على دِمَشْق، وعَمْرو بن العَاص على فِلَسْطين، وشُرَحْبِيل على الأُرْدُنّ، وأتى حِمْص فصَالَحَ أهلَها على نحو صُلْح بَعْلَبَك، ثمّ خلَّفَ بحِمْصَ عُبَادَةَ بن الصَّامِت الأنْصاريّ، فمضَى نحو حَمَاةَ، فتلقَّاهُ أهلُها مُذْعنينَ فصَالَحَهُم على الجِزْيَةِ في رُؤوسهم، والخَرَاج في أرضِهم، فمضَى إلى شَيْزَر فخَرجُوا يُكَفِّرُونَ ومَعَهم المُقَلِّسُونَ ورضُوا بمثْل ما رَضِي به أهل حَماة (b)، ومَرَّ أبو عُبَيْدَة بمَعَرَّة حِمْصَ؛ وهي الّتي تُنْسَبُ إلى النُّعْمان ابن بَشِير، فخَرَجُوا يُقَلِّسُونَ بين يَدَيه، ثمّ أتَى فَامِيَةَ ففَعَل أهْلُها مثل ذلك وأذْعَنُوا بالجِزْيَة والخَرَاج، واسْتمرَّ (c) أمر حِمْص. وكانت حِمْصُ وقِنَّسْرِيْن شيئًا واحدًا. قَوْلهُ: يُكَفِّرُونَ؛ أي: يَخْضَعُونَ بأنْ يَضَعُوا أيْديَهُم على صُدورِهِم، ويَتَطأْمَنُوا له كما يفعَلهُ العُلُوجُ بدَهاقِيْنِهم. قال جَرِير (¬٢): [من الكامل] وإذا سَمِعْتَ بحَرْبِ قَيْسٍ بَعْدَها … فَضَعُوا السِّلاح وَكَفِّرُوا تَكْفِيرَا والمُقَلِّسُونَ: الّذين يلعَبُونَ بين يَدي الأَمِير إذا قَدِمَ المِصْر، قال أبو الجَرَّاح (¬٣): التَّقْلِيْسُ: اسْتِقْبالُ الوُلَاة عندَ قُدُومهم بأصْناف اللَّهْو. قال الكُمَيْت يَصِفُ ثَوْرًا طَعن الكِلَابَ فتَبعهُ الذُّبابُ لِمَا في قَرْنهِ من الدَّم (¬٤): [من البسيط]ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُغَنِّيْهِ الذُّبَابُ كَمَا … غَنَّى المُقَلِّسُ بِطْرِيْقًا بِمزْمَارِ أنْبَأنَا أبو القَاسِم عَبْد الصَّمَد بن مُحمَّد الدِّمشْقِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ ابن المُسَلَّم إجَازَةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَلاء، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصر بن الجَنَدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد المَلِك أحْمَد بن إبْرَاهِيْم القُرَشِيِّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: حَدَّثَنَا الهَيْثَم بن حُمَيْد، عن مُحمَّد بن يَزِيد الرَّحبِيّ، قال: سَمِعْتُ أَبا الأشْعَث الصَّنْعانِيّ (a) قال: لمَّا فَتَحَ اللهُ علينا دِمَشْقَ خَرَجنا مع أبي الدَّرْدَاء في مَسْلَحَةٍ ببَرْزَة، ثمّ تقدَّمنا مع أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، ففَتَحَ اللهُ بنا حِمْصَ، ثمّ تَقَدَّمنا مع شُرَحْبِيل بن السِّمْط فأَوْطَأَ اللهُ بنا ما دونَ النَّهْر -يعني الفُرَات- وحاصَرْنا عَانَات، وأصابَتْنا عليها لأْوَآءُ، وقَدِمَ علينا سَلْمَان الخَيْر في مَدَدٍ لنا، فقال: ألا أُحَدِّثكُم بشيءٍ سَمِعْتُهُ من رسُول اللهِ ﷺ، عَسَى أنْ يُيَسِّر اللهُ عليكُم بعضَ ما أنتم فيهِ؛ سَمِعْتُ رسُول الله ﷺ يقول (¬١): رِباطُ يَوْمٍ وليلَةٍ خَيْرٌ من صِيَام شَهْر وقيامهِ، صَائمًا لا يُفْطِر، وقائمًا لا يَفْتُر، فإنْ ماتَ جَرَى له صَالحُ ما كان يَعْملُ ووُقِيَ عَذَاب القَبْر. أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبي (¬٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب مُحمَّد بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن السِّيْرَافيّ، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن إسْحَاق، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بن خَيَّاط، قال (¬٣): وفي هذه السَّنَة -يعني سَنَة ستّ عشرة- افْتُتحت مَنْبج.
Parsing and provenance details
Local passage ID
237098
Book record
shamela-1160
Source record
134408
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
بابٌ في ذِكْر فَتح حَلَب وقِنَّسْرِيْن، وما تَقَرَّر عليه أحكامُهما — shamela-1160 · Hadith Research Library