Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ذِكْرُ زُهَّاد طَرَسُوس

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 316, entry [71]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: ذِكْرُ زُهَّاد طَرَسُوس
page 316, entry [71]Open original source
ذِكْرُ زُهَّاد طَرَسُوس بها رِجَالٌ بَعْضُهم من بَعْضِ … في اللهِ قَاموا بِحُقُوق الفَرْض فيها يَعِيْشُونَ بكُلّ خَفْضِ … يَحْبُوهُم ببركاتِ الأرْض يَبْدَون مَنْ يَلْقَون بالتَّسْليم … يَعْفُون عن ذي القُدْرة الظَّلُوْم نَهارُهُم صَوْمٌ بلا تَعْتِيْم … وَلَيْلُهُم عِبَادَةُ القَيُّوْمِ فتارةً يَبْكُونَ شجوًا دِررا … خَوْف الحِسَابِ والخَطايا حَذَرا وتارةً يَعْتَبرُونَ السُّوَرَا … مُسْتَغْفرينَ عَلَّهُ قَد غَفَرَا وتارةً يَغْزُون أرْضَ الرُّوم … يَرْجُونَ قتلًا في هَوى الكَرِيم يا لَيْتَني في الأرض كالرَّمِيم … عِنْدَهُمُ فقَصِّري أو لُومي هذا كان حال مَدِينَة طَرَسُوس والشَّرائع مَحْفُوظة، وأُمُور الجِهادِ مَلْحُوظَة، وأحْوَال البِدَع مَرْفُوْضَة، والجُفُون عن الحُرماتِ مَغْضوضَة، فحين فَسَدَت الأُمُور، وارْتُكِبَ الفُجُور، وقَلَّتِ الخَيْرات، واشْتَغل أهل الجِهادِ باللَّذَّات، طَمعَ العَدُوّ، ومنَعَهُ طلَبُ الثَّأر الهُدُوّ (¬١)، فقَصَدَ البِلاد، وأكْثرَ الأمْداد، وهَجَمَ حَلَب، وفَتَحَ أَنْطاكِيَّة، وقَتَلَ الأبْطال، وسَبَى الذُّرِّيَّة، ثمّ اسْتَولَى على الدِّيَار، وقَصَدَ طَرَسُوس، وألَحَّ عليها بالحصَار، فجَرى في أمْرهَا العَظِيْم ما ذَكَرَهُ عُثْمان بن عَبْد الله بن إبْرَاهِيْم في مُقدِّمةِ كتابهِ المَوْسُوم بِسِيَرِ الثُّغُور، ونَقَلْتُهُ من خَطِّه مع ما نقلتُهُ من حَوادِث الأُمُور. قال بعد أنْ حَمَدَ الله على نعَمِهِ الّتي تظاهَرَت فما تُحْصَى، وأيادِيه الَّتي ترادفَتْ فما تُسْتَقْصَى: نَفَذَت سَوَابقُ أقضيَته، في عالِمٍ من بَريَّته، أسْكنَهُم حينًا من الدَّهْر ثَغْرًا بأطْراف الشَّام، نوَّه بهِ وبهم في مَعالِم الإسْلام، متَّعَهم فيه مُدَّةً من المُدَد،وأعزَّهُ وأعزَّهُم إلى غَايةٍ من الأمَد، ظَاهِرينَ على أعدَائِهم، مُظَفَّرين في قُلُوب إخوانهِم المُسْلِمِيْن، مُعَظَّمين مُبَجَّلين، ضَاقَتْ بهِم أرْض الرُّوم، [وكَثُرَت فيهم منهم الكُلُوم] (a)، تُرَاءَى (¬١) نِيْرانُهُم، وتُكافَحُ فُرْسَانهُم، إنْ دَنَوا منهُم هلَكُوا، وإنْ أمعنُوا الهَرَب عنهُم أُدْرِكُوا، لا تُحْرزهُم أرْضُهم وإنْ اتَّسَعت، ولا تَحْمِيْهم مَعاقلُهم وإنْ امتَنَعَت، تُعَرَّى بُنُودُهم، وتُهْزمُ حُشُودُهُم، وتُفَلُّ جُنُودُهُم، وتُسْتبَاح حَريمهُم، ويُسْتَأصَل كَرِيمُهم، وتُرَوَّح أفْنِيتُهم، وتُهْدَم أبْنِيَتُهم، وتُشَنُّ الغَارَاتُ فيهم، زِيَادة على مائتي سَنة، حتَّى نَبَغَ من نَقَفُور بن فاردس الفُقَّاس (b) مَنْ صَمَد نَحْوَهم وعندَهم، وأناخ بهِم وقصَدَهم، وأجمَعَ على استئصَالهم، واجْتِياحهِم وبَوارِهم، فغَزَاهُم عامًا بعد عام، ونَازلهُم في عُقْرِ ديارهم؛ يُدَوِّخ أطْرافَهُم، ويَسُوق عَوَامِلَهُم، ويتردَّدُ إلى زُرُوعهم أوانَ اسْتحصَادِهم، فَيَجْتَثُّها ويأتي عليها، وتتَوالى - لأجل ذلك - سَنَواتُ الخَوْفِ والجُوْع ونَقْص الأمْوَال والأنفُس والثَّمَرات (¬٢)، وضيْق الأسْعَارِ، وتأخُّر المِيَر والأمْدَاد، وفَنَاءِ الحُمَاة مِنَ الرِّجالِ الكُمَاة، وتَلَاشي الشُّجْعَانِ والفُرْسَان، وانْحِلال الأحْوال، واخْتِلال الأبْطالِ، وحُلُول الدَّاءِ الّذي لا دَوَاءَ لَهُ، والعِلَّة الّتي لا يُرْجَى بُرْؤُهَا، وهو نُبُوّ السَّلاطين حينئذٍ عن نُصْرتهم، وتَثَاقلهُم عن إجابةِ مُسْتَصْرخهم، وتَخلُّفهُمْ حين دَهَمَهُم ما دهمَهُم عن مَعُونتهِم.فالنَّائبُ بمِصْر (¬١)، وما يُنْسَبُ إليها بَرًّا وبَحْرًا من أقاصي الصَّعِيْدِ إلِى حُدُودِ جُوْسِيَة (¬٢)، رَاضٍ بمُدَافعة الأيَّام، وسَلَامة الشُّهُور والأعْوَام، من صَوْلةِ مَلِك الغَرْبِ (¬٣) ومُدَبِّره. والرَّاتِبُ (¬٤) المُشَارِ إليه بأرْض العِرَاق، وما يَجْري مَجْرَاها إلى حُدُودِ بَحْر الصِّيْن وبَاب الأبْوابِ، يَتَشَاغَل بأسَاورة دَيْلَمَان وجِيْلَان ومَلك خُرَاسَان في كَفِّ غَرْبِهِ كما قال المُسَاوِر بن هِنْد العَبْسِيّ (¬٥): [من الكامل] وَتَشَعَّبُوا شُعَبًا فكُلُّ جَزِيرَةٍ … فيها أَمِيرُ المُؤمِنِين ومِنْبَرُ فحاق لذلكَ بأهْل الثَّغْر - جَدَّدَهُ اللهُ - من قِرَاع الرُّوم - وَقَمَهُم اللهُ - على وُفُور عَدَدهم، وقُوَّة عُدَدِهم، ووفَاق أجْنَاسِ الكَفَرة إيَّاهُم، ما ثَقُل حَدُّهُ، وعَظُمَ مَرَدُّه، وامْتَنعَ مسَدُّه، بما وصَفْنَا من خُلْفِ سَلاطين الإسْلام وأُمَرائهِ، وتَفَاوت كُلّ منهم في شَتَاتِ آرائهِ، وما خَامر أفئدتَهم من الوَهَل (¬٦)، ورَانَ على قُلُوبهِم من الرُّعْب والوَجَل، كما سَبَق لهم في عِلْم الله العَزيز ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ (¬٧).فقَد حَدَّثَني أبو العبَّاس مُحمَّد بنُ نَصْر بن مُكْرَم، أحَدُ عُدُول بَغْدَاد، في دَرْب الرَّيْحان، أنَّ أحْمد بن بُوَيْه، ﵀، جلَس بمكانٍ أرَانِيْهِ بباب دَاره المُعِزِّيَّة، يعرضُ خَيْلَهُ مُتَنَزِّهًا بالنَّظر إليها، فَقِيْدَ بين يدَيْهِ من دَار الدَّوَابّ إلى ذلك المكان، في مُدَّة أرْبعَة عَشر يومًا مُتَّصلةً، اثنا عَشر ألف فَرَس، أغلاهَا ثَمَنًا بمائة ألف دِرْهَم، وأدْناهَا ثمنًا بعَشرهَ آلاف دِرْهَم، لم يطرَح قَطّ على فَرَسٍ منها سَرْج في سَبيل اللهِ ولا في غير سَبِيْل اللهِ. وحَدَّثَني أيضًا كَهْلٌ من أهْلٍ أربه (¬١) يُعْرف بابن الشَّعْرَانيّ، وقد سَألتُه ببَغْدَاد عن مُنْصَرفه، فوَصَف إشْرافًا على قَضِيْم حَمِيْر برَسْم فَنَّاخُسْرُو (a) بن الحَسَن بن بُوَيْه، ﵀، عَدَدُهَا ستّة آلاف حِمَار، قد رتَّبها لخِدْمة الكُرَاع، ينْقل لها القَصِيْل في حينه، والقَضِيْم والعُلُوْفَات في سائر الأوْقاتِ، وسَألتُهُ عن عَدَدِ هذا الكُرَاع الّذي قد رُتِّبَت هذه الحَمِيْر لخدمَتِهِ، فذَكَر أنَّ المُشْرفَ على قَضِيْم جَميع الكُرَاع يَسْتَوفي كُل ليلةٍ قَضِيْمًا لثمانين ألف رأسٍ، من ذلكَ ثَلَاثُونَ ألْف جَمَل، وأربعةٌ وعشرون ألْف بَغْلٍ، وعشرون ألف فَرَس، وستّة آلاف حِمَار. فهذان رَجْلَان من أمراء الإسْلام، وَصَفْنَا ظَاهِرَ نِعَم الله عليهما، والجِهَادُ مُعَطَّل، والثَّغْرُيَبَاب لا أنيس به، خاوٍ من القُرْآن، خَالٍ من الأذَان (¬٢): [من الطول] مَدارس آياتٍ خَلَتْ مِن تلَاوَة … ومَنْزل وَحْيٍ مُقْفِر العَرَصاتِ فمن قَتِيْل أو جَريح، وعَفير (¬٣) من أهلهَا طَرِيْح، وهَارب طامِحِ، ومُتَحيِّز إلى وَطَن نازح، ومَفْتُون في دِيْنه، ومَغْلوب على ملْك يمينه، قد اسْتُبِيْحَت مَنَازلهم بجَميْع ماكانت تَحْوِيْهِ، إلَّا ما نقَلَهُ السَّائر عنها على ظَهْره، بحَسَب قُوَّته إنْ كان ذا طَاقةٍ لشيء من حَمْلهِ، أو على ذي أرْبَعة إنْ كان وَاجِدًا لَهُ، أو أعْوَانِه إنْ وجَد عَوْنًا، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (¬١)، لا يُعَرَّج على سواه، ولا يَعُودُ بَعْدُ إلى مَثْوَاه، بذلكَ سَبَقَ فيهم عِلْمُ اللهِ المَكْنُون، الغَامضُ المَصُون، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (¬٢). وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو في كتابه: وجَرَى من اعْتيادِ الرُّوم طَرَسُوس، ما اقتَضَت الصُّوْرَةُ إخْراجَ وَفْدٍ إلى مِصْر والعِرَاق، يَسْتَصْرخُون ويَطْلبُونَ المَدَد، ورُسم أبو الحَسَن بن الفَيَّاض بوِفَادَة مِصْر، ووَفَد أبو بَكْر بن الأصْبَهَانِيّ الإسْكَاف، وأبو عَليّ بن الأصْبَهَانِيّ، خَلِيفَة القَاضِي العبَّاس بن أحمد الخَوَاتِيْمِيّ على طَرَسُوس، إلى بَغْدَاد (¬٣)، فنُدِبَ للخُطْبَة أبو صالِح عَبْد الغَفَّار بن الحَرَّانيّ الوَرَّاق عِوَضًا منهُ فقام مقامَهُ، وأقام أبو صالح، عند خُرُوج النَّاس، بطَرَسُوس لِعلَّةٍ مَنَعَتهُ من الحركَة بها تُوُفِّي، وما زال أبو صالح يَخْطبُ مُدَّةَ أيَّامِ مُنازلة نَقَفُور إيَّانَا. فلمَّا انْتَهينَا إلى الأيَّام الّتي وادَعناهُ فيها للخُرُوج عن طَرَسُوس، اعْتَلَّ أبو صالِح عِلَّةً حالَت بينَهُ وبينَ الصَّلاة، واحْتَاجَ النَّاس في آخر جُمْعَةٍ جَمَّعُوهَا بطَرَسُوس إلى خَطِيب، فَسُئل أبو الحَسَن بن الفَيَّاض الصَّلاةَ، وقد كان عَادَ من مِصْر مُعَذَّرًا لم يَنَل في الوِفَادَة ما تَمَنَّى مَنْ أرْسله لها، فأبَى، وقال: ما أُحبّ أنْ أَكونَ آخر خَطِيب خَطَبَ بطَرَسُوس. وَحَضَرَت الصَّلاةُ، فَصَلَّى بالنَّاس يَوْمئذٍ أبو ذَرّ؛ رَجُلٌ من أبناءِ طَرَسُوس، شَيْخٌ من أهْل العِلْم؛ كان سافَرَ وغابَ عن طَرَسُوس عدَّة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيَّام، فهو آخرُ مَنْ خَطَب على مِنْبَر طَرَسُوس يوم الجُمُعَة العَاشر من شَعْبان سنَةَ أربعٍ وخمسين وثَلاثِمائة، لأنَّ خُرُوج النَّاس كان عنها في يوم الأرْبَعاءِ النِّصْف من هذا الشَّهْر في هذه السَّنَة.وأقام المُؤِذّنون في ذلك اليَوم وأخَذُوا في الأذان، فسَهَوا فأقامُوا، فَرُدَّ عليهِم فأذَّنُوا، وقام أبو ذرَّ فخَطَب، فلمَّا أتَى الدُّعَاءُ للسُّلْطَان، خَطَب للمُعْتَضِد، وَرُدَّ عليه، فتَمَّم خُطْبتَهُ ونزَل، فأُقِيمَت الصَّلاة، وكَبَّر، وقَرأ في الرَّكْعَة الأُوْلَى بفاتحة الكتاب، وسُورة والشَّمْس وضُحاها، وفي الرَّكْعَة الثَّانيَة بسُورة الحَمْدِ وسُورَة إذا زُلْزِلَت الأرْضُ زِلْزَالَهَا. فلمَّا سَلَّم، قامَ أبو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْن بن مُحمَّد الخَوَّاصُ قائمًا في قِبْلَةِ المَسْجِد، واسْتَقْبَل النَّاسَ بوَجْههِ، وقال: يا مَعْشَرَ أهل طَرَسُوس، أَقُول فاسْمَعُوا: هذا المقَامُ الّذي كان يُتْلَى فيهِ كتابُ اللهِ العَظِيم، هذا المقَامُ الّذي كانَتْ تُعْقَدُ فيه المغَازي إلى الرُّوم، هذا المقَامُ الّذي كان يَصْدُر عنْهُ أمْرُ الثُّغُور، هذا المقَام الّذي كانت تُصَلَّى فيه الجُمُعُ والأعْيَادُ، هذا المقَام الّذي يَأوِي إليهِ المَلْهُوفُ بالدَّعَوَات، هذا المقام الّذي يَزْدَحم عليه أهْلُ السَّتْر والسَّدَاد، هذا المقام الّذي كانَ يَفِدُ إلى اللهِ فيهِ الوَافدُونَ، هذا المقامُ الّذي كان يَعْتكفُ فيهِ العَابِدُونَ الزَّاهِدُونَ، وما يَجْرى مَجْرَى هذا الكلام. وقَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن الفَضْل المَعَرِّيّ (¬١): أنَّ نَقَفُور لَمَّا صَالَحَ أهل طَرَسُوس، وخَرَجُوا منها، وتسلَّمها، صَعد على مِنْبَرها، وقال: يا مَعْشَرَ الرُّوم، أينَ أنا؟ قالوا: على مِنْبَر طَرَسُوس، فقال: لا؛ بل أنا على مِنْبَر بَيت المَقْدِس، وهذه البَلْدةُ الّتي كانت تَمْنعُكم من بَيت المَقْدِس.
Parsing and provenance details
Local passage ID
237002
Book record
shamela-1160
Source record
134312
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ذِكْرُ زُهَّاد طَرَسُوس — shamela-1160 · Hadith Research Library