page 266, entry [61]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ شَيْزَر (¬١) هي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، وفَواكِهُهَا كَثِيْرة، ولها قَلْعَةٌ حَصِيْنَة، ومَدِينَةٌ تحتَ مَدِينَة، اسْتولَى عليها الفِرِنْج حين خرجوا إلى الشَّام، وانتَزعوها من أيدي وُلاة الإسْلام، وكان لسَدِيدِ المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن المُقَلَّد بن مُنْقِذ قَلْعَةُ الجِسْر إلى جانبها، فَعَمَرَها وحَصَّنَها، وقصَدَ بذلك التَّضْييقَ على الأُسْقُف الّذي كان بشَيْزَر، فحصَل لابن مُنْقِذ ما قصَدَه، وضَاقَ بالأُسْقُف الأمرُ، وكَرِهَ بلَدَهُ، فاشْتَرى شَيْزَر من الأُسْقُف بمالٍ بَذَلَهُ، وتَسَلَّم منه البَلَد ونَزَله، وذلك في سَنَة أرْبَعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، وعَمرها ابن مُنْقِذ وسكَنها، وشَيَّد قَلْعتها وحَصَّنَها، فصَارت مَذْكُورة بين البِلادِ. وأمراؤُها السَّادة بنو مُنْقِذ هم الأجْنَاد، وقصَدَهَا أبو المَكَارِم مُسْلِمُ بنُ قُرَيْشٍ بالحِصَار، فعَاد عنها بالخَيْبَةِ والخَسَار، فقال فيه سَالم بن المُهَذَّب، عند عَجْزه عنها، أبياتًا سَتُذكَر في تَرجَمَتِهِ إنْ شَاءَ اللّهُ، منها (¬٢): [من الطويل] فَمُتْ كمدًا بالجسر (a) لسْتَ بجَاسِرٍ … عليهِ وعَايِنْ شَيْزَرًا أبدًا شَزْرًاوشَيْزَر بَلَدٌ مَوْصُوف بالوَخَامَةِ، وفيه يقُول مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة (¬١): [من الكامل] وُخِمَتْ (a) وجاوَرَها العَدُوُّ؛ فأهلُها … شُهَداءُ بين الطَّعْنِ والطَّاعُونِ ولم تزل شَيْزَر في أيدِي بني مُنْقِذ، يسكُنونها ويُحامون عنها ويحفظُونها، إلى أنْ جاءت الزَّلْزَلَة سَنة اثْنَتين وخمسين وخَمْسِمائَة، فهدمَت شَيْزَر وحَمَاة، وقَتَلت صَاحبها مُحمَّد بن سُلْطان بن مُنْقِذ، وهتكت حِمَاهُ، وكان قد ابْتنى دَارًا وزَخْرَفَها، وجَلَس فيها وعنده أولاده وبنو عَمّه وحاشيتَهُ، وهم يتفرَّجون على قِرْد عندهم، فجاءت الزَّلْزَلَة وهَدمت الدَّار عليهم، فلم يَنْجُ منهم غير القِرْد، وبادر نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي إلى شَيْزَر فتسلَّمها وعمر أسْوارها، ودَفعها إلى سَابِق الدِّين عُثْمان ابن دَايَتِهِ (¬٢)، ولم تزل في عِمَارَة وزِيَادة إلى أنْ أُخِذَت من ابن ابنهِ؛ حَصَرهُ المَلِك العَزِيز مُحمَّد بن المَلِك الظَّاهِر رحِمهما اللّهُ، فتشَعَّثَت أحْوال المَدِينة، وقَلَّت مَعايش أهلهَا لعَدَم سُكْنى العَسْكَر بها. وأمَّا القَلْعَةُ فأحْوالُها مُنْتظمةٌ، وأمُورُها مُسْتقيمةٌ ملتئمَة، ونَهْر الأُرُنْط يَحُكُّ سَفْح القَلْعَة، وقد بُنى عليه سَكْر (b) ليَجْتَمع الماء تحت القَلْعَة، ويُسَمَّى ذلك المَوْضِع الخِرَطْلَة. وقد ذكَرَها امرؤ القَيْس في قَصِيدَته الرَّائِيَّة بقَوله (¬٣): [من الطويل] تقَطَّعُ أسْباب اللُبانَة والهَوَى … عشيَّة جَاوَزنا حَمَاةَ وشَيْزَراأخْبَرَنَا أبو العبَّاس أحمد بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، قال: أخْبَرنا أبو البَرَكَات مُحمَّد بن حَمْزَة العِرْقِيّ كتابةً، وأخْبَرَنَا عنهُ سَمَاعًا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر بن حُسَين، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم على بن جَعْفَر السَّعْدِيّ المَعْروفُ بابنِ القَطَّاع، قال: أخبرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن البِرّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا أبوَ مُحمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد النَّيْسَابُوريّ، قال: أخْبرَنا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (¬٤)، قال: وشَيْزَر اسمُ موضعٍ لا أحْسَبُه عَرَبيًّا صَحيحًا. وقد ذكَرَها أبو زَيْد أحْمَد بن سَهْلٍ البِلْخِيُّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن وما تَشْتمل عليه، فقال (¬٥): فأمَّا شَيْزَر وحَمَاةُ فإنَّهُما مَدِينتان صَغِيْرَتان نَزِهَتان، كَثِيْرة (a) المياه والشَّجَر والزَّرْع.