page 240, entry [53]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ بَالِس (¬١) وهي مَدِينَةٌ كانت في أوَّل الإسْلام عَامِرَة جدًّا، وهي أوَّل مُدُن جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكان لها سُور من بناءِ الرُّوم، وكانت تُفَضَّلِ (b) علي قِنَّسْرِيْن في العِمَارة، وخَرَجَ منها جَمَاعةٌ من العُلَمَاءِ والرُّؤَسَاء، وفي زَماننا خَرب سُورهَا، ولم يبقَ فيها من العُلَمَاءِ أحَدٌ ولا من الرُّؤَساء، ويُنْسَب أهلها إلى قِلَّة العُقُول. والغَالِب على أهل البَلَد بنُو كِلَاب، وبَرِّيَّتها نَزلها قديمًا بنُو فَزَارَة.أخْبَرَنَا أبو مَنْصُور بن مُحمَّد الدِّمَشْقِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد (¬١)، أخْبَرنا أبو القَاسِم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا عليّ بن مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو حَاتِم البُسْتِيّ، قال: أوَّل الشَّام بَالِس. وقال أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابهِ (¬٢): وأمَّا بَالِس فهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام من العِرَاق إليها، عَامِرة (a)، وهي مَدِينَة فُرْضَةِ الفُرَات لأهْل الشَّام. قُلتُ: وكانت الفُرَات تَلْصَق بسُورِ المَدِينَة، فَجَزَرَت عنها وبَعُدَت جدًّا حتَّى صَار بينهما بُعْدٌ، وفي زَماننا قد قَرُبَت منها. وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، لأحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، قال (¬٣): وحَدَّثَني سُفْيان بن مُحمَّد البهرَانِيّ، عن أشْيَاخِهِ، قالوا: فتح عُبَادَة - والمُسلِمُونَ مَعَهُ - أنطَرسُوس وكان حِصْنًا، ثمّ جَلا عنه أهلُه، فبَنى مُعاوِيَةُ أنطَرسُوس، ومَصَّرها، وأقْطَعَ بها القَطَائِع، وكذلك فَعَل بمَرَقِيَّة (b) وبَالِس. وقال البَلاذُرِيُّ (¬٤)، فيما حَكَاهُ عن شُيُوخ الشَّام: قالوا: ثمّ سار أبو عُبَيْدَة - يعني بعد فَتْح دُلُوْك ورَعْبَان - حتَّى نَزَل عَرَاجِيْن، وقَدَّم مُقَدِّمتَهُ إلى بَالِس، وبعثَ جَيْشًا عليه حَبِيْب بن مَسْلَمَة إلى قَاصِرِين. وكانت بَالِس وقَاصِرِينلأخوَيْن من أشراف الرُّوم أُقْطِعَا القُرَى الّتي بالقُرْبِ منهما، وجُعلا حافظَيْن لِمَا بينهما وبين مُدُن الرُّوم بالشَّام، فلمَّا نزل المُسلِمُون بهما صَالَحهُم أهْلها على الجِزْيَة أو الجَلاء، فجلَا أكثُرُهُم إلى بلادِ الرُّوم وأرْضِ الجَزِيرَة. قالوا: ورَتَّب أبو عُبَيْدَة ببَالِس جَماعةً من المُقاتِلَة، وأسْكنها قَوْمًا من العَرَب الّذين كانُوا بالشَّام، فأسْلَمُوا بعد قدوم المُسْلِمِيْن الشَّام (a)، وقَوْمًا لم يكونُوا من البُعُوث؛ نَزَعُوا من البَوَادِي من قَيْس، وأسْكَن قَاصِرِين قَوْمًا ثمّ رفَضُوها وأعْقابَهُم (b). ونَقَلْتُ من خَطِّ ابن كَوْجَك، في سِيْرَة المُعْتَضِد، تأليفُ سِنَان بن ثَابِت، وذَكَرَ سِنَان أنَّه نقلَهُ من خَطِّ أحْمَد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في مَسِير المُعْتَضِد لقتال خُمَارَوَيْه بن طُوْلُون في وَقْعَة الطَّوَاحِين، على ما ذكرناهُ في وَصْفه لمَدِينَة حَلَب (¬١)، وذكَر أنَّه رَحَل من دَوْسَر (¬٢) إلى بَالِس يوم السَّبت لتِسْع ليالٍ خَلَوْنَ منه - يَعْني من شَهْر ربيع الأوَّل من سَنَة إحْدَى وسَبْعِين - فنزلَ في الجانب الشَّرْقيّ، ثمّ عَبَرَ في يوم الأَحَد إلى الجانب الغَرْبيّ من الفُرَات، وهو جانب المَدِينَة، وهي مَدِينَة صَغِيْرةٌ، ولها قَلْعَةٌ ورَبَضٌ، عليها سُورٌ واحد، بعضُ بنائها على الفُرَاتِ وبعْضُهُ بينَهُ وبينَ الفُرَات رَقَّة.وذَكَرَ البَلاذُرِيُّ في كتابهِ، قال (¬١): وكانت بَالِس والقُرَى المَنْسُوبة إليها حدّها الأعْلَى والأوْسَط والأسْفل أعْذَاء عُشْرِيَّة، فلمَّا كان مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، تَوَجَّه غَازِيًا للرُّوم من نحو الثُّغُور الجَزَرِيَّة، عَسْكَرَ ببَالِس، فأتاهُ أهلها وأهل تُوبلس (a) وقَاصِرِين وعَابِدِين وصِفِّيْن، وهي قُرَى مَنْسُوبة إليها، وأتاهُ أهل الحدّ الأعْلَى فسَألوه جميعًا أنْ يحفرَ لهم فَهْرًا من الفُرَات يَسْقِي أرْضهم على أنْ يَجْعَلُوا له الثُّلُثَ من غَلَّاتهم بَعْدَ عُشْر السُّلْطَان الّذي كان يأخُذه، فحفر النَّهْر المَعْروف بنَهْر مَسْلَمَة ووفَوا له بالشُّرُوط، ورَمَّ سُوْر المَدِينَة وأحْكَمه، ويُقال: بل كان ابْتداء العَرْض من مَسْلَمَة، وأنَّه دعَاهُم إلى هذه المُعاملَة. فلمَّا مات مَسْلَمَة، صَارت بَالِس وقُرَاهَا لوَرَثَتِهِ، فلم تزل في أيْدِيهم إلى أنْ جاءَت الدَّوْلَةُ المُبارَكة، وقَبَض عَبْدُ اللّه بن عليّ أمْوَال بَنِي أمَيَّة، فدخَلَت فيها، فأقْطعها أَمِير المُؤمِنِين أبو العبَّاس سُلَيمان بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس، فصَارت لابنهِ مُحمَّد بن سُلَيمان. وكان جَعْفَر بن سُلَيمان، أَخُوه، يَسْعى به إلى أَمِير المُؤمِنِين الرَّشِيد، ويَكْتب إليهِ فيُعْلمه أنَّه لا مال لهُ ولا ضَيْعة إلَّا وقد اخْتَانَ أضْعَاف قيمته، وأنْفَقه فيما يُرَشِّح لهُ نفسه، وعلى مَن اتَّخَذَ من الخَوَلِ، وأنّ أمْوَاله حِلٌّ طِلْقٌ لأَمِير المُؤمِنِين، وكان الرَّشِيدُ يأمُر بالاحْتِفاظِ بكُتبهِ، فلمَّا تُوُفِّي مُحمَّد بن سُلَيمان، أُخْرجت كُتُب جَعْفَر إليهِ واحْتُجَّ عليه بها، ولم يكن لمحمَّد أخ لأبيه وأُمِّهِ غيره، فأقرَّ بها، وصارَت أمْواله للرَّشِيد، فأقْطَع بَالِس وقُرَاها المأْمُون، فصَارَت لولده من بَعْده.﷽ وَبِهِ تَوْفِيْقِي قَرَأتُ في كتاب جَغرَافيَا لابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (¬١)، قال: بَالِس وهي مَدِينَةٌ على شَطِّ الفُرَات من غربيِّهِ، صَغِيرة، وهي أوَّل مُدُن الشَّام على الفُرَات (a)، فعَفَت آثارها ودرسَت قوافلُها وتجارُها بعدَ سَيْف الدَّوْلَة، وهي مَدِينَةٌ عليهِا سُورٌ أزَلِيٌّ، ولها بَساتِيْن فيما بينها وبين الفُرَاتِ، وأكْثر غلَّاتها القَمْحِ والشَّعِير، ومن مشْهُورِ أخْبارها أنَّ المَعْروفَ بسَيْفِ الدَّوْلَة عند انْصرافهِ عن لقائهِ صَاحب مصْر، وقد هَلكَ جميعُ ماله (b)، أنْفَذَ إليها المعروفَ بأبي حَصِين (c) القَاضِيّ، فقَبَض من تُجَّارٍ كانوا بها، تَوافَرت لهم الأوقاتُ، ولم يُطْلِق لهم النُّفُور (d) مع خَوْف نَالَهم، فأخْرجَهُم عن أحْمالِ بَزٍّ، وأطْواف زَيْتٍ إلى ما عَدَا ذلك من مَتَاجر الإسْلام في دفعتَيْن بينهما شُهُور قلائل وأيَّام يسيرة، ألف ألف دِيْنار. ونقلتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (¬٢)، وذكَرَ بَالِس، وقال: وهي مَدِينَةٌ قَديْمةٌ على شَاطِئ الفُرَات في أصْلِ جَبَلٍ، ومنها تُحمل التِّجَاراتُ الَّتي تَرد من مِصْر وسائر أرْضِ الشَّام في السُّفُنِ إلى بَغْدَاد. وخَرَاجُ بَالِس إلى عَامِل ديار مُضَر، وحَرْبُها وصَلَاتُها إلى عَاِمل جُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم. وأهْلُها أخْلَاطٌ من العَرَب والعَجَم.