Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

بابٌ في ذِكْرِ مَنْبِج، واسْمها، وبِنَائها

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 225, entry [50]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: بابٌ في ذِكْرِ مَنْبِج، واسْمها، وبِنَائها
page 225, entry [50]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ مَنْبِج، واسْمها، وبِنَائها (¬١) وهي مَدِينَةٌ حَسَنَةُ البناءِ، صَحيحةُ الهَوَاء، كَثِيْرة المياه والأشْجَار، يانعَةُ البُقُول والثِّمَار، وأهلُها خِلَقٌ حَسَنَة، ويُقال إنها كانت مَدِينَة الكَهَنَة، ودُورها وأسْوارها مَبنيَّة بالحِجارَة، ولم تزل أسْوارها في أكْمل عمَارَة إلى أنْ حَصَرها المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب في سَنة [سَبْع وتِسْعِين وخَمْسِمائَة] (a). ولَمَّا فتحَها خرَّب حِصْنها، وكان حِصْنًا مانِعًا، وهو الّذي حَصَرهُ بلك بن أُرْتُق وصاحبها إذ ذاك حَسَّان (¬٢)، فقُتِلَ (¬٣) عليها، وبقي السُّور على حالهِ، وإذا انْهَدممنهُ شيء لا يُعْمر، فلمَّا مات المَلِك الظَّاهِر، جاء كَيْكَاوُس ملك الرُّوم وفي صُحْبته المَلِك الأفْضَل عليّ بن يُوسُف، أخو المَلِك الظَّاهِر، فاسْتولَى على المَدِينَة، ورَمَّ ما تَشَعَّثَ من سُورها، وفَتَحَ تلّ باشِر من يد ابن دَلْدرم، واسْتدعَى أتَابِك طُغْرِل المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن المَلِك العادِل من حِمْص ليَدْفع كَيْكَاوُس، فجاء وخَرَجَ بعَسْكر حَلَب إلى الباب، واتَّفق للعَسكَرَيْنِ وَقْعَة أُسِرَ فيها جَمَاعة من أُمَراءِ الرُّوم، فانْدَفعِ كَيْكَاوُس عن البلادِ، فاسْتعادَها المَلِكُ الأشْرَف، فشَعَّثَ أتَابِك طُغْرِل سُور مَنْبِج عند ذلك تَشْعيثًا فاحشًا، وتداعَت أرْكانه، وبَني منهُ الخان الّذي جدَّده أتَابِك للسَّبيل، وهو موضع الحِصْن الّذي (a) خرَّبه المَلِك الظَّاهِر، وأخذَ أهل البَلَدِ من حِجَارَة السُّور أحْجارًا كَثِيْرة لعَمَائِرهمِ، فلم يبقَ منه إلَّا ما يمنَع الغَارة، وأمَّا البَلَد فإنَّه عَامِرٌ، آهِلٌ، كَثِيرُ الخَيْراتِ، ومَعايشهم وافرة جدًّا، لا سِيَّما في اسْتخراج ماء الوَرْد والخِلَاف (¬١) والإبْرَيْسَم. وكان اسْمُها أوَّلًا: سُرْياس، ثمّ سُمِّيت: أبروقليس، فسمَّاها كِسْرَى: مَنْبه، وعُرِّبت فقيل: مَنْبِج. قَرَأتُ في تاريخ وقع إليَّ، ذَكَرَ جامعُه أنَّه انْتَسَخهُ من كُتُب شتَّى، ومن التَّوْراة اليُونانِيَّة والسُّرْيَانيَّة، ومن تاريخٍ للرُّومِ وغيرهم (¬٢)، قال: وفي سَنة خَمْسينمن مُلْكهِ - يعني مُلْك بُخْتَنَصَّر - قُتِلَ فِرْعَون الأعْرَج ملك مِصْر واسْمُه يُوياقيم (a)، قال: وكان فِرْعَون قد أحْرَق مَدينة مَنْبِج، ثمّ بُنِيت بَعْد ذلك، وسُمِّيت أبروقليس، وتفسيره: مَدِينة الكَهنَة. أخْبَرَنَا أبو المُظَفَّر عَبد الرَّحِيم بن عَبد الكريم بن مُحمَّد بن منصور السَّمْعانيّ في كتابه إليَّ من مَرْو، قال: أخْبَرَنَا أبي أبو سَعد (¬١)، إجازَةً إن لم يَكُن سَمَاعًا، قال: ومَنْبِج بناها كِسْرَى حين غلب على نَاحيةٍ من الشَّام ممَّا كان في أيْدِي الرُّوم، وسمَّاها مَنْبِه، وبنَى بها بيت نَار، ووكَّل به رجُلًا يُسمَّى يَزْدَانِيَار (b) من وَلد أَرْدَشِيْر بن بَابَك (c)، وهو جَدُّ سُليمان بن مُجَالِد الفَقِيه. ومَنْبِه بالفارسيَّة: أنا أجود، فأَعْرَبت العَرَبُ مُنْبِه مَنْبِج، وقال: إنَّما سُمِّيت ببَيْت نَار مَنْبِه، فغلَب على اسْم المَدِينَةِ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوبُ بن أحمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، قال: ومَنْبِج اسم البَلد، أعْجَميُّ، وقد تكلَّمُوا به، ونسَبُوا إليه الثِّياب المَنْبَجَانِيَّةَ (d).قُلت: ويُقال الأَنْبَجانِيَّة أيضًا، وقد جاءَ في الحديث: [أتُوْني بأنْبجَانِيَّة أبي جَهْمٍ] (a). وقال: أبو زَيْد أحمَد بن سَهْل البَلْخيّ، في كتاب صُورة الأرض والمُدُن (¬١): وأما مَنْبِج فهي مَدِينةٌ في بَرِّيَّة، الغَالِب على مَزَارعها الأعْذَاءُ، وهي خِصْبَة. وبقُربها سَنْجَة (¬٢)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، بقربها قَنْطَرَة حِجارَة، تُعْرفُ بقَنْطَرة سَنْجة، ليسَ في الإسْلام قَنْطَرَة أعْجب منها. وقَرَأت في كتاب أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في المَسَالِك والمَمَالِك (¬٣)، في الطَّريق من بلاد الرُّوم إلى الشَّام في بعض مَسَالكه، قال: ثمّ ارْجع إلى الحوزة (b)، فمنها طريق إلى بُحيَرَة سماطى ثمّ بعَقَبة بيغاس (¬٤)، إلى علُّو وهي الفُرَات، ثمّ إلى سُرْياس وهي مَنْبِج.وذكَر أحْمدُ بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، في تَعْدَادِ كُوَر جُند قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، فقال (¬١): وكُورة مَنْبِج وهي مَدِينَةٌ قديمَةٌ، افْتُتِحَت صُلْحًا، صَالَح عليها عَمْرُو بن العَاصِ وهو من قِبَلِ أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وهي على الفُرَاتِ الأعْظَم، وبها أخْلَاطٌ من النَّاس من العَرَب والعَجم، وبها مَنازل وقُصُور لعَبْد المَلِك بن صالح بن عليّ الهاشِميّ. قُلتُ: قوْله: وهي على الفُرَات، خَطَأٌ؛ لكنَّ جِسْر مَنْبِج (¬٢) على الفُرَات. وقيل: إنَّ عِياض بن غَنْم فَتَحَ مَنْبِج صُلحًا على مِثل صُلْح حَلَب. وذكَر البَلاذُرِيُّ، قال (¬٣): ولم تَزَل قِنَّسْرِيْن وأَنْطاكِيَة ومَنْبِج وذَواتها جُنْدًا، فلمَّا اسْتُخلف هارُون بن المَهْدِي أفْرَد قِنَّسْرِين بكُورها فصَيَّرِ ذلك جُنْدًا واحدًا، وأفرد مَنْبِج ودُلُوْك ورَعْبَان وقُورس وأَنْطاكِيَة وتِيْزِيْن، وسَمَّاها العَوَاصِم؛ لأنَّ المُسْلِمِينُ يَعْتَصِمُون بها، فتَعْصمَهم وتَمْنَعهم إذا انْصَرفوا منعدوِّهم (a) وخَرجوا من الثُّغُور، وجَعل مَدِينَة العواصم مَنْبِج، فسَكَنها عَبْدُ المَلِك بن صالِح بن عليّ في سَنة ثلاثٍ وسَبْعِين ومائة، وبنَى بها أبْنيتَهُ. وذكَر قُدامة في كتاب الخَرَاج (¬١) نحوًا من ذلك. وقَرَأتُ في كتاب ابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (¬٢): مَدينة مَنْبِج، وهي خِصْبَة، كَثِيْرة الأسواق، قَدِيمةٌ، عظيمة الآثار، وهي ذات سُورٍ أزَليٍّ رُوميٍّ، وبقُربها أيضًا مدينة صَنْجة (b)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرةٌ، بقُرْبها قَنْطَرَة حِجَارَة تُعْرفُ بقَنْطَرَة صَنْجة، ليس على الإسْلام أعْجب بناءً منها، يقال: إنَّها من عجائب الزَّمان. قال (¬٣): وجِسْر مَنْبِج مَدينةٌ صَغيرةٌ، لها زرْع سَقي ومَباخِس، وماؤُهَا من الفُرَاتِ، حَصِيْنة، وزروعُها سَقي، نَزِهَةٌ، ذاتُ مياهٍ وأشْجارٍ، وهي قريبةٌ من الفُرَاتِ، وقد قاربَت أن تَخْتَلَّ وتَخْرَب. قال البَلاذُريُّ في كتاب البُلْدانِ (¬٤): وقَرْيَة جِسْر مَنْبِج، ولم يكن الجِسْر يومئذٍ، إنَّما اتُّخِذَ في خِلَافَة عُثْمان بن عَفَّان ﵁ للصَّوَائَف، ويُقال: بل كان لَهُ رَسْمٌ قديم. وقال (¬٥): قالوا: وأتى أبو عُبَيْدَة حَلَب السَّاجُور، وقدَّم عِيَاضًا إلى مَنْبِج، ثمّ لحقَهُ وقد صَالح أهلَها على مِثل صُلْح أَنْطاكِية، فأنفَذَ أبو عُبَيْدَة ذلك.قَرَأت بِخَطِّ عليّ بن هِلال الكَاتب، المَعْرُوفُ بابنِ البَوَّاب: لمَّا دَخَلَ الرَّشيد مَنْبِج، قال لعَبْد المَلِك بن صالح. وكان أوْطَنَها -: هذا منزلُك؟ قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف بناؤه؟ قال: دُون منازل أهْلِي، وفَوْقَ مَنازل النَّاس، قال: فكيف طِيْب مَنْبِج؟ قال: عَذْبَةُ الماء، غَذِيَّةُ الهواءِ، قليلةَ الَأدْوَاء، قال: فكيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّهُ (¬١). وفي رواية أُخْرى من غير خَطِّ ابن البَوَّاب، قال: إنَّها لطَيِّبة؟ قال: بك طابَتْ، وبك جَمُلَتْ (¬٢). وقَرَأتُ في تاريخ مُحمَّد بن الأزْهَر الكَاتِب (¬٣): يقال إنَّ الرَّشِيد لمَّا وَصَلَ مَنْبِج، قال: لَهُ - يعني لعَبْد المَلِك بن صالح: كيف مَدِينتكَ؟ قال: عَذْبَةُ الماءِ، بارِدةُ الهَواءِ، صُلْبَةُ المَوْطَأِ، قليلَةُ الأدْوَاءِ، قال: كيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّه. وقال له يَوْمًا: يا أبا عَبْد الرَّحْمن؛ ما أحْسَن بلادَكُم! قال: وكيف لا يكون ذلك، وهي بَرِّيَّة حَمْراءُ، وشملةٌ صَفْراءُ، وشجرةٌ خَضْراءُ، فيافي فُيُّح، وجِبَال وُضَّح. فالْتَفتَ الرَّشِيدُ إلى الفَضْلِ بن الرَّبْيِع فقال له: ضَرْبُ السَّوْط أسْهل من هذا الكلام!.أنْبَأنَا أحْمد بن عَبْد الله الأسَدِيّ، عن الحَافِظ أبي طَاهِر الأصْبَهَانِيّ، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، عن أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عبُيَد الله المُنَادِي، قال: يُقال (¬١): إنَّ ما من بناءٍ بالحِجَارَة أبْهَى (a) من كَنِيْسَة الرُّهَا، ولا بناءٌ بالخَشَب أَبْهَى من كَنِيْسَة مَنْبِج؛ لأنَّها بطاقات من خَشَب العُنَّابِ، ولا بناءٌ بالرُّخَامِ أبْهَى من قُسْيَان أَنْطاكِيَة، ولا بناءٌ بطاقاتِ الحِجَارة أبْهَى من كَنِيْسَة حِمص، ولا بناء بالآجُر والجِصِّ أبْهَى من إِيْوَان كِسْرى بالمَدَائن، ولا منارةٌ أعْجب بناءً من مَنارة الإسْكَنْدَرِيَّة. نَقَلْتُ من خَطِّ أبي جَعْفَر أحمد بن جُبَيْر في رِحْلَته (¬٢): ذِكْرُ مدينة مَنْبِج، حَرَسها الله: بلدةٌ فَسيحة الأَرجاء، صَحِيْحة الهَواء، يَحْويها (b) سُورٌ عَتِيق، مُمتَدّ الغاية والانْتهاء، جَوُّها صَقيل، ومُجْتَلَاها جَمِيل، ونَسيْمها أرِج النَّشْر عَليل، نَهارها يَنْدى ظِلُّه، وليلُهَا - كما قيل فيها - سَحَرٌ كُلُّه، يَحفٌّ بغربيِّها وشرقيِّها بَساتِيْن مُلْتَفَّة الأشْجار، مُختلفَة الثِّمَار، والماء يَطَّرد فيها، ويتخَلَّل جميعَ نَواحِيها. قَرَأتُ في رسالة أبي المُظَفَّر إبْرَاهِيْم بن أحمد بن اللَّيْث الأذْريّ (¬٣)، بخَطِّ أبي طَاهر السِّلَفِيّ الحافظ: ورحلنا منه - يعني من نَهر السَّاجُور - إلى مَنْبِج، فرأيته ثَغْرًا قد تشَعَّثَ سُورُه، وبَلَدًا قد اخْتَلَّت أُمُوره، إلَّا أنِّي رأيتُ لهُ ظاهِرًا حَسنًا أدِيْمهُ، وجَوًّا طيِّبًا نَسِيْمهُ، فلم أَلُمْ صديقَنَا الطَّائِيّ (¬٤) على قَوْلِه: [الكامل] في نِعْمةٍ أوْطَنْتُها وأقمتُ في … أفْيَائها فكأنَّني في مَنْبِجولأبي فِرَاس الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدان التَّغْلِبيّ يَصفُ مُنْتَزَهات مَنْبِج، وقد أنْشَدَنا بعض قوْله والدي ﵀، قال: أنْشَدَنا أبو المُظَفَّر سَعيد بن سَهْل بن مُحمَّد الفَلكِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد، قال: أنْشَدنا أبو مَنْصُور بن طَاهِر، قال: أنْشَدَنا مُحمَّدُ بن عُمَر المُتكلِّم، قال: أنْشَدنا أبو فِرَاس لنَفسه، فذكَرَ بيْتَين من شعره، والأبيات (¬١): [من مجزوء الكامل] قِف في رُسُوْمِ المُسْتَجَا … ب وَحَيِّ أكْنَافَ المُصَلَّى فالجَرْس فالمَيْمُوم (a) فَالسُّـ … ــقْيا بها فالنَّهْرُ الأعْلى تِلكَ الملاعب والمَنَا … زِلُ لا أرَاها اللهُ مَحْلا حيثُ الْتَفَتَّ وجَدَّتَ (b) مَا … ءً سَائِحًا وسَكَنْتَ ظِلَّا تَرَ (c) دار وادي عَين قَا … صِرَ مَنْزلًا رَحْبًا مُطِلَّا وتَحُلُّ بالجِسْر الجِنَا … نَ وتَسْكُنُ الحِصْنَ المُعَلَّى يَجْلُو (d) عرائِسُهُ لَنَا … مَرْجٌ أحسَّ (e) العَيش سَهْلَا والماءُ يَفْصِلُ بَين زَهْـ … ــرِ الرَّوْضِ في الشَّطَّين فَصْلَا كبسَاطِ وَشْيٍ جَرّدَتْ … أيْدِي القُيُون عليه نَصْلَا السُّقْيَا: قَريةٌ كثيرة المياه والبَسَاتين على باب مَنْبِج، هي وقفٌ على بني البُحْتُرِيّ الشَّاعر، وهي في أيْدِيهم إلى الآن (f).قُلتُ: وجِسْر مَنْبِج الآن تحت قَلْعَة نَجْم، وهي قَلْعَة صَغِيرَة على الفُرَات، والجِسْر في ذَيْلها، وهي قَلْعَة حسنَةُ المَنْظر، مَحْمُودة المَخْبَر، كان لها رَبَضٌ صَغير، ومَسْجِدٌ لطيفٌ، فأقْطعَها المِلِكُ الظَّاهِر بَدْر الدِّين أَيْدَمُر عَتِيقَهُ عند مَوْته، وأخذَ ولاية قَلْعة حَلَب منه، فَعَمَرها، وبَنى في الرَّبَض مَسْجِدًا جامعًا، وجَعَل فيهِ مِنْبَرًا وخَطيبًا، وبنَي سُوقًا حَسنًا، فعَظُم الرَّبَض، ورَغِب النَّاس في المَقام فيهِ، وعُوِّض عن قَلْعَة نَجْم باللَّاذقِيَّة، وجُعل في القَلْعَة والٍ من جهة السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر، أعزَّ الله نَصْره، وفي البَلَدِ وَالٍ، فكَثُرت العَمَائِر في الرَّبَض، وبُنيت فيه منازل كَثِيْرة، فاتَّسَعت أرجاؤُه، وكثُر بناؤُه، وصَار مِصْرًا من الأمْصَار، ومَقْصَدًا للمَعاشِ من سائر الأقْطار. والقلعة مَنْسُوبة إلى نَجم غُلَام جِنِّي الصَّفْوَانيِّ، وكانت لبني نُمَيْر، وآخر مَنْ كان بها مَنْصُور بن الحَسَن بن جَوْشَن بن مَنْصُور النُّمْيرِيّ، من ولد الرَّاعِي عُبَيْد بن الحُصَيْن الشَّاعر، فقُتِل مَنْصُور وأُخِذَت القَلْعَة منهم، وخَلَّف ولدًا اسمهُ نَصْر، فأضَرَّ وعُمره أربع عشرة سنة، وقال الشِّعْر، وانْتَقل إلى بَغْدَاد بعد أنْ تغلَّب التُّرْك على ديارهم، فقال ولده يَذْكُر أباه، وأنْشَدَنيها أبو الحَسَن المُبارك بن أبي بَكْر بن مَزْيد الخَوَّاص البَغْدادِيّ بها عَنْهُ: [من الكامل] لا تبعدَنَّ حسام دَوْلَةِ عَامِرٍ … من لَيْثِ مَلْحَمَة وغَيْث عَطَاء أنْحَى على شمْلِ العَشِيْرَة بعده … ريبُ الزَّمان بفُرقةٍ وتناء وَسَنَذْكُر تَرْجمة نَصْر (¬١) في الأسْماء إنْ شَاء اللهُ تعالى. وقد ذكَرها القَاضِي الفَاضِل عَبْد الرَّحِيْم بن عليّ بن البَيْسَانِيّ في بعض رَسائله فقال (¬٢): وجئنا قَلْعَة نَجْم، وهي نَجْم في سحاب، وعُقَاب في عِقَاب، وهَامَة لها الغمامَة عَمامَة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قُلامَة.
Parsing and provenance details
Local passage ID
236981
Book record
shamela-1160
Source record
134291
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate