page 3120, entry [1861]Open original source
محمد بن نبهان الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع القدوة شيخ البلاد الحلبية. كان فقيراً، بالله غنياً، خلياً من الدنيا وإن كان بسعادة الآخرة ملياً، مقيماً بزاوية في بيت جبرين معروفة بهم من قديم، موصوفة بإضافتها إليهم، لا يزال فيها للفقراء منهم خديم، واشتهر هذا الشيخ محمد بتلك الناحية، وأشرقت شمس عرفانه في سمائها المصحية ولا أقول الصاحية، وتبلّجت وجوه بركاته الضاحية، وعرف بالخير وقصد من كل أرض، وإنما يسقط الطير وكان يطمع كل من يرد عليه من أمير ومأمور، وذي قلب خراب من التقوى ومعمور، ولم يُسمع أنه قبل لأحد شيئاً قلّ ولا جلّ، ولا حرمولا حل، لأنه كانت لهم أرض قليلة يزرعونها ويتبلغون مما يستغلّونها ويستَغْلونها، وإنما كانت أخلاف البركات عليهم تدُر، واللطف الخفيّ يقر فيهم ولا يفر. وكان الشيخ محمد كما قال الغزّي: هو حيلة الدنيا وبقراط العلا ... وشكيمة الناجي وحرز المتّقي أمواله لموفّرٍ ومقصّر ... ومقالهُ لمحصّل ومحقّق ولم يزل الشيخ محمد، ﵀، على هذه الطريق الى أن جاء الأمير سيف الدين طشمر حِمّص أخضر الى حلب نائباً، فاشترى لزاوية الشيخ أرضاً ووقفها على الزاوية، فامتنع الشيخ من ذلك وامتعض، وارتمى الى عدم القبول وارتمض. فقال الأمير: إنما هذا للزاوية، وليس هو لك، فبعد لأي ما قبل ذلك، وهو غير راض. ثم إن الأمير سيف الدين طقزتمر لما جاء الى حلب نائباً أيضاً وقف على الزاوية أرضاً أخرى فاتّسع الرزقُ بذلك على أولاده، وفاض الخير عليهم ببركات الشيخ. ولم يزل على حاله حتى تنبّه الأجل لابن نبهان من رقدته، وعجّل الله له بالرحمة في أول نقدته. وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع وأربعين وسبع مئة، وصلي عليه بالجامع الأموي صلاة الغائب. ولم نسمع عن الشيخ إلا صلاحاً وخيراً، وكان نُواب حلب جميعهم يعظّمونه، ويجلّونه، ويكرمونه، ويقبلون شفاعاته ويعملون بإشاراته، وكان منقطعاً عن الناس، منجمعاً.وأخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بدمشق قال: كان الشيخ محمد كثير التلاوة، وله كل يوم ختمة، ومن يراه يحسبه أنه لا يتلو شيئاً. كتب إليه القاضي شهاب الدين بن فضل الله في جملة كتاب: قيل جبريلُ مُنزَل لابن نبها ... ن محوط بمحكم التنزيل قد تبدّى محمد في رُباها ... علماً للسائرين وابن السبيل بوقار كأنه الليل خوفاً ... وجبينٍ يُنير كالقنديل ليس يخشى الضلال من أمّ منه ... حضرةً أشرفت على جبريل وأما أنا فلم يتفق لي لقاؤه، ولكن اجتمعت بولده الشيخ علي وقدم الى دمشق متوجهاً الى الحج في سنة سبع وأربعين وسبع مئة. ولما مات الشيخ محمد قلت أرثيه رحمه الله تعالى: تنبّه صرفُ الدهر من بعد غفلةٍ ... وخصّ ابن نبهان بمطعم صابه ومات فأحيا الذكر من بعده الثنا ... عليه كنشر الروض غب سحابه فمن لقرى الأضياف من بعد فقده ... فقد طالما راق الجنا من جنابه أقول وبعض القول يعطي تمامه ... كأنّ بني نبهان يوم مصابه