page 3072, entry [1831]Open original source
محمد بن محمد بن يوسف ابن نصر، صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله بن الأحمر الخزرجي. كان ملكاً جميلاً نبيهاً نبيلاً حسن السياسة ظاهر الرياسة، عاقلاً وقوراً، فاضلاً يرسل من ذهنه على صيد المعاني صقوراً، متظاهراً بالدين متجاهراً بقمع الملحدين، له نظم أرق من هبّة نسيم سحَرْ، وأخلب من لحظ غادة إذا رمق وسحر.وكان قد قرأ العربية على الأستاذ أبي الحسن الأُبّذي وراح وهو على طريقه يحتذي. ولم يزل على حاله الى أن خانه زمانه، وغدر به سلطانه، فخُلع ثم غُرِّق، ووزع سعده وفُرّق، وذلك في سنة تسع وتسعين وست مئة. وكان قد بويع السلطان أبو عبد الله بعد والده سنة إحدى وسبعين وست مئة، فتملك ثمانية أعوام، ثم إنه وثب عليه أخوه أبو الجيوش نصر، وظفر به وسجنه مدة، ثم جهّزه الى بلده شلوبينيّة، فحبسه بها الى أن تحرّك على نصر ابنُ أخته الغالب بالله وطلب نصر أخاه المخلوع الى غرناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته، ومرض أبو الجيوش نصر، فأغمي عليه ثلاثة أيام، فأحضر الكبراء أخاه ليملّكوه، فلما عوفي أبو الجيوش تعجّب من مجيئه وأخبر فغرّقه خوفاً من شهامته، وكان خلعُهُ وتغريقه في السنة المذكورة. أخذرني من لفظه شيخنا الإمام العلامة أثير الدين قال: رأيته بغرناطة مراراً بالمصلى، وأنشدته قصيدة امتدحته بها، وحضرت عنده إنشاد الشعراء في بعض أعياده، ويُذكر أن له نظماً، وقد اشتهر عنه وهو قوله يخاطب وزيره أبا سلطان عزيز بن علي الداني:تذكّر عزيز ليالينا ... وأُنسا نعاطي على الفرقدينْ ونحن ندبّر في مُلكنا ... ونُعطى النُضار بكلتا اليدينْ وقد طلب الصُلح منا اللعي ... ن فما فاز إلا بخفّي حُنين إذا ما تُكاثر إرساله ... يكون الجوابُ شبا المرهفين فلمْ لا تشمّر عن ساعدٍ ... وتضرب بالسيف في المغربين وقد خدمتنا ملوك الزما ... ن وقد قصدتْنا من العدوتين فنسأل من ربّنا عونَهُ ... على ما نوينا من الجانبين ومما ذكر عنه قوله: أيا ربة الحسن التذي أذهبت نُسكي ... على كل حال أنت لابدّ لي منكِ فإما بذُلٍ وهو أليقُ بالهوى ... وإما بعزّ وهو أليقُ بالملكِ انتهى. قلت: وقد نظمت جوابه كأني حاضره في وزنه ورويّه: متى لاق بالعُشاق عزٌ وسطوة ... كأنك من ذُل المحبة في شكِّ تلقَ الهوى مع ما ملكتَ بذلّة ... لتُنظم مع أهل المحبة في سِلكِ ولكنه ظرّف في كونه قدّم لفظ الذل على العز.