page 1760, entry [813]Open original source
اسماعيل بن محمود بن زنكي بن آق سنقر: أبو الفتح الملك الصالح، نور الدين بن الملك العادل نور الدين بن قسيم الدولة الشهيد بن قسيم الدولة التركي، ملك حلب بعد موت أبيه في سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو إذ ذاك صبي لم يبلغ الحلم، وكان بدمشق مع والده. فختنه في هذه السنة، وسر بختانه، وأخرج صدقات كثيرة وكسوات للايتام، ختن منهم جماعة وزين البلد، وأظهر سرورا كثيرا، وتوفي بعد ختانه بأيام في يوم الاربعاء حادي عشر شوال، فحلف أهل دمشق لولده الملك الصالح، ووصل كتاب على جناح طائر الى حلب الى شاذبخت الخادم والي قلعة حلب بوفاة نور الدين، فأمر في الحال بضرب الكوسات والدبادب والبوقات، وكتم موته، وأحضر المقدمين والاعيان والفقهاء والامراء، وقال: هذا كتاب الطائر قد وصل يذكر فيه أن مولانا الملك العادل قد ختن ولده، وولاه العهد بعده، ومشى بين يديه، فسروا بذلك، وحمدو الله سبحانه عليه، ثم قال لهم: تحلفون لولده الملك الصالح كما أمر بأن حلب له، وأن طاعتكم له وخدمتكم كما كانت لأبيه، فاستحلف الناس على ذلك على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم في ذلك اليوم، ولم يترك أحدا منهم يزول من مكانه، ثم قامشاذبخت الى مجلس آخر (١٨٨ - ظ) ولبس الحداد، وخرج إليهم وقال: يحسن الله عزاءكم في الملك العادل، فإن الله سبحانه نقله الى جنات النعيم، فأظهروا الحزن والكآبة والأسف والبكاء، واستقر الملك للملك الصالح. وتوجه المؤيد ابن العميد، وعثمان زردك، وهمام الدين الى حلب يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شوال لاثبات ما في خزائن حلب وختمها بخاتم الملك الصالح ﵀. وكان شمس الدين علي بن محمد ابن داية نور الدين بقلعة حلب مع شاذبخت وكان قد حدث نفسه بأمور، واختلفت كلمة الأمراء، وتجهز الملك الناصر صلاح الدين من مصر للخروج الى الشام وطلب أن يكون هو الذي يتولى أمر الملك الصالح وتدبير ملكه وترتيبه، ووقعت الفتنة بين السنة والشيعة بحلب، ونهب الشيعة دار قطب الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين أبا يعلى بن أمين الدولة، ونزل أجناد القلعة من القلعة، وأمرهم ابن الداية أن يزحفوا الى دار أبي الفضل بن الخشاب، فزحفوا اليها ونهبوها، فاختفى ابن الخشاب. واقتضى الحال أن الاتفاق وقع على وصول الملك الصالح من دمشق الى حلب فسار فوصل ظاهر حلب في اليوم الثاني من المحرم سنة سبعين وخمسمائة ومعه سابق الدين عثمان بن الداية، فخرج بدر الدين حسن للقائه، فقبض على سابق الدين، وصعد الملك الصالح الى القلعة، وظهر القاضي أبو الفضل بن الخشاب، وركب في جمع عظيم الى القلعة، وصعد إليها والحلبيون من أتباعه تحت القلعة، فقتل في القلعة (١٨٩ - و) وتفرق من كان تحت القلعة منهم وقبض على شمس الدين علي، وبدر الدين حسن ابني الداية، وأودعا السجن مع أخيهم سابق الدين. ووصل الملك الناصر من مصر الى دمشق، فدخلها سلخ شهر ربيع الآخر وسار الى حمص وفتحها في جمادى الأولى، وسار الى حلب ونازلها يوم الجمعة سلخ جمادى الأولى، فنزل الملك الصالح الى المدينة وقال لأهلها: أنا ولدكم، وذكرهم بحقوق والده واستعان بهم على دفع الملك الناصر، فبكى الحلبيون ودعوا له، ووعدوه من أنفسهم بكل ما يؤثره وبلغ سيف الدين غازي بن مودود بن زنكيصاحب الموصل ما جرى، فسير أخاه عز الدين مسعودا الى لقاء الملك الناصر، فرحل عن حلب في مستهل شهر رجب، وعاد الى حماه ووصل عز الدين الى حلب وأخذ من كان بها من العسكر، وخرج الى لقاء الملك الناصر، وتصاف العسكران عند قرون (¬١) حماه في تاسع عشر شهر رمضان، فكسر عز الدين، وسار الملك الناصر عقيب الكسرة ونزل على حلب، فصولح على أن أخذ المعرة وكفر طاب، وأخذ بارين (¬٢). وكان سيف الدين غازي محاصرا لأخيه عماد الدين زنكي، فصالحه وسار عبر الفرات، وراسل الملك الصالح، وسعد الدين كمشتكين، وخرج كمشتكين إليه واستقر اجتماع الملك الصالح به، فوصل حلب وخرج الملك الصالح الى لقائه فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إليه وبكى، ثم أمره بالعود الى القلعه، فعاد، وسار سيف الدين ونزل بعين المباركة (¬٣)، وعسكر حلب يخرج (١٨٩ - ظ) الى خدمته في كل يوم، وصعد سيف الدين الى قلعة حلب جريدة، ثم رحل الى تل السلطان (¬٤) ومعه عسكر كثيف، وطلب الملك الناصر عسكر مصر، وسار نحوهم والتقى العسكران في بكرة الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فانكسر سيف الدين غازي، وعاد الى حلب فأخذ منها خزانته وسار الى بلاده، وسار الملك الناصر فتسلم منبج، ونزل على قلعة عزاز ففتحها، وسار الى حلب فنزل عليها في السادس عشر من ذي القعدة فأقام عليها مدة، وبذل الحلبيون جهدهم في القتال والمحاماة عن الملك الصالح.وحكى لي والدي أنهم كانوا يقاتلون عسكر الملك الناصر حتى يصلوا المخيم، وأنهم قبضوا على جماعة، فكانوا يشرحون أسافل أقدامهم ليمنعهم ذلك عن المشي، فلا يردهم ذلك عن القتال، فلما لم ينل من حلب ما أراد صالحهم، وسار عنها فأخرجوا إليه ابنة نور الدين أخت الملك الصالح، وهي صغيرة، فقال لها: ما تشتهين؟ فقالت: أريد أن تعيد إلينا عزاز فوهبها إياها، وكان التدبير بحلب الى والدته، والى شاذبخت الخادم، وأمير لالا، وخالد بن القيسراني. ثم إن الملك الصالح ﵀ مرض بالقولنج في تاسع شهر رجب من سنة سبع وسبعين، فأخبرني قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: في ثالث وعشرين من رجب أغلق باب القلعة لشدة مرضه، واستدعي الامراء، وأخذ واحد واحد واستحلفوا لعز الدين مسعود صاحب الموصل. قال: وفي خامس وعشرين منه توفي ﵀، وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس. (١٩٠ - و) وكان الملك الصالح ﵀ قد ربي أحسن تربية، وكان دينا عفيفا ورعا، كريما محبوبا الى قلوب الرعية لعدله وحسن طريقته ولين جانبه لهم. قال لي والدي ﵀: إن اليوم الذي مات فيه انقلبت المدينة بالبكاء والضجيج، ولم ير الا باك عليه، مصاب به. قال لي: ودفن بقلعة حلب، ولم يزل قبره بها الى أن ملك الملك الناصر حلب وتسلم قلعتها فحول قبره الى الخانكاه التي أنشأتها والدته تحت القلعة (¬١). قال لي: ولما حول، ظهر من الناس من البكاء والتأسف كيوم مات، قال: ووجد من قبره عند نبشه شبيه برائحة المسك، ﵀. وحكى لي ذلك أيضا غير والدي. وكان ﵀ على صغر سنه كثير الاتباع للسنة، والنظر في العواقب، وأخبرني والدي قال: حكى لي العفيف بن سكرة اليهودي الطبيب، وكان يتولى معالجة الملك الصالح في مرضه الذي مات فيه، وكان به قولنج، قال: قلت له يوما: يا مولانا والله شفاؤك في قدح من خمر، وأنا أحمله اليك سرا ولا تعلم به والدتك،ولا اللاّلا، ولا شاذ بخت، فقال لي: يا حكيم كنت أظنك عاقلا، نبينا ﷺ يقول: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، وتقول لي أنت هذا، وما يؤمنني أن أشربه وأموت وألقى الله تعالى، وهو في جوفي، والله لو جاءني جبريل وقال لي: شفاؤك فيه لما شربته»، وتوفي وله نحو من ثمانية عشر سنة. سمعت شيخنا موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش قال: أخبرني (١٩٠ - ظ) الأمير حسام الدين محمود بن الختلو، شحنة حلب، قال: لما عزل محيي الدين بن الشهرزوري عن قضاء حلب وتوجه الى الموصل جاء إليّ الفقيه عالي الغزنوي، وكان يدرس بمدرسة الحدادين (¬١) الي داري، وكانت تحت القلعة، فقال لي: قد توجه محيي الدين ابن الشهرزوري الى الموصل ويحتاجون قاضيا، فتأخذ لي قضاء حلب، قال: فصعدت الى الملك الصالح وقلت له: هذا عالي الغزنوي فقيه جيد، والمصلحة أن يوليه المولى قضاء حلب، فالتفت الي وقال: بالله وبحياتي هو سألك في هذا؟ فقلت له: أي والله هو جاء وسألني في ذلك، فقال: والله ما وقع في خاطري أن أولي قضاء حلب أحدا غيره، ولكن حيث سأل هو الولاية والله لا وليته إياه. قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن الحصين في تاريخه في هذه السنة-يعني سنة سبع وسبعين وخمسمائة-مات الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب، وبلغني أن وفاته كانت في شهر رجب عن تسع عشرة سنة، وكانت وفاته بقلعة حلب. وقرأت بخط عبد الرزاق بن أحمد الاطرابلسي الشاعر، أن وفاة الملك الصالح كانت في العشر الآخر من رجب من سنة سبع وسبعين وخمسمائة.