page 769, entry [539]Open original source
[٤١٠] الحارث بن هشام بن المغيرةِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ (¬١) بنِ مخزومٍ القُرَشِيُّ المَخْزوميُّ (¬٢)، يُكنى أبا عبدِ الرحمنِ، وأُمُّه أُمُّ الجُلاسِ أسماءُ بنتُ مُخَرِّبة (¬٣) بنِ جَنْدَلِ بنِ أُبَيْرِ (¬٤) بنِ نَهْشَلِ بنِ دَارِمٍ، شهِدَ بدرًا كافرًا مع أخيه شقيقه أبي جهل، وفَرَّ حينئذٍ، وقتل أخوه، وعُيِّرَ الحارث بن هشامٍ لِفِرارِه ذلك، فمما قيل فيه قولُ حَسَّانَ بنِ ثابتٍ ﵁ (¬٥). إن كنتِ كاذبةً بما (¬٦) حَدَّثْتِنِي … فنجوت مَنْجَى الحارث بن هشام ترَكَ الأَحِبَّةَ لم (¬٧) يُقاتِل دونَهم … ونجا برأس طِمِرَّةٍ (¬٨) ولجامفاعتَذَرَ الحارث بن هشامٍ مِن فِرارِه يومَئِذٍ بِما زَعَمَ الأَصمعي (¬١) أَنَّه لم يَسمَعْ بأحسنَ (¬٢) من اعتذاره ذلك [من فراره] (¬٣)، [وهو قوله] (¬٤): الله يعلمُ ما تَرَكتُ قتالهم … حتى رَمَوْا (¬٥) فَرَسِي بأشفَرَ مُزبدِ (¬٦) ووَجَدْتُ ريح الموتِ مِن تِلْقائِهم … في مَأْزِقٍ (¬٧) والخيل لم تَتَبَدَّدِ وعَلِمتُ أَنِّي إِنْ أُقاتِل واحِدًا … أقتل ولا يَضُرُرُ (¬٨) عَدُوّى مَشْهَدِي فصَدَفْتُ (¬٩) عنهم والأحبَّةُ دونَهم (¬١٠) … طَمَعًا لهم بِعِقَابِ يوم مُفْسِدِ (¬١١) ثم [غَزَا أُحُدًا مع المشركين أيضا] (¬١٢)، ثم أسلم يوم الفتحوحَسُنَ إسلامه، وكان مِن فُضلاء الصحابة وخيارهم، وكان من المؤلفةِ قُلُوبُهم، وممن حَسُنَ إسلامه منهم. ورُوِّينا أن أمَّ هانئٍ بنت أبي طالب استأمَنَتْ لَه النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَّنَه يومَ الفتح، وكانت إذ أمَّنَتْه قد أرادَ عليٌّ ﵁ قتله، وحاول أن يَغْلِبَها عليه، فدخَلَ النَّبِيُّ ﷺ منزلها ذلك الوقت، فقالت: يا رسول الله (¬١)، [ألا تَرَى إلى] (¬٢) ابنِ أُمِّى يُريدُ قتل رجلٍ أَجَرْتُه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قد أَجَرْنَا مَن أَجَرْتِ وأَمَّنَّا مَن أَمَنْتِ"، فَأَمَّنَه. هكذا قال الزبير وغيرُه (¬٣)، وفى حديث مالك وغيره أن الذي أجارَتْه بعضُ بني زوجها هبيرة بن أبي وهب (¬٤). وأسلم الحارث فلم يُرَ منه في إسلامه شيءٌ يُكْرَهُ، وشهد مع رسول الله ﷺ حُنَينًا، فأعطاه مائةً مِن الإبل كما أعطى المؤلفة قُلُوبُهم، ورُوِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذكر الحارث بن هشامٍ وفعله (¬٥) في الجاهلية في قرى الضيف وإطعام الطعام، فقال: "إنَّ الحارثَ لَسَرِيٌّ، وإن كان أبوه لَسَرِيًّا، ولَوَدِدْتُ (¬٦) أَنَّ اللهَ هَدَاه إلى الإسلام".وخرج إلى الشامِ في زمن عمر بن الخطاب ﵁ راغبًا في الرِّباطِ والجهاد، فتبعه أهل مكة يبكونَ فِراقَه، فقال: إنَّها النُّقلةُ إلى الله ﷿، وما كنتُ لأُوثِرَ عليكم أَحَدًا، فلم يَزَلْ بالشامِ مجاهدًا حتى مات في طاعون عمواس سنة ثمانِ عشرة. وقال المدائني: قُتِل الحارث بن هشامٍ يومَ اليرموك، وذلك في رجبٍ سَنَةً خمس عشرة (¬١). وفي الحارث بن هشامٍ يقولُ الشاعرُ (¬٢): أَحَسِبْتَ أَن أَبَاك يومَ تَسُبُّنِي (¬٣) … في المجدِ كان الحارث بن هشام أَوْلَى قُرَيشٍ بالمكارم كلِّها … في الجاهلية كان والإسلام وأنشد أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ للحارث [بن هشام] (¬٤):من كان يسألُ عَنَّا أَينَ منزلنا … فالأُقْحُوانةُ مِنَّا مَنزِلٌ فَمِنُ إذْ نَلْبَسُ العَيْشِ صَفْوًا لا يُكَدِّرُه … طَعْنُ الوُشَاةِ ولا يَنْبُو بِنَا الزَّمَنُ وخَلَفَ عمر بن الخطاب ﵁ على امرأته فاطمة بنت الوليدِ بنِ المغيرة، وهى أُمُّ عبدِ الرحمن بن الحارث بن هشام، وقالت طائفةٌ من أهل العلم بالنَّسَبِ: لم يَبْقَ من ولدِ الحارث بن هشام بعده (¬١) إِلَّا عبد الرحمن بن الحارث، وأخته أم حكيم بنتِ الحارث بن هشام. روى ابنُ المُبَارك (¬٢)، عن الأسود بن شَيْبَانَ، عن أبي نوفل بن (¬٣) أبي عَقْرَبٍ، قال: خرج الحارث بن هشامٍ مِن مَكَّةَ، فَجَزِعَ أهلُ مَكَّةَ جَزَعًا شديدًا، فلَم يَبْقَ أحدٌ يَطْعَمُ إلا خرج معه يُشَيِّعُه، حتَّى إذا كانبأعلى البَطْحَاءِ أو حيثُ شاء الله من ذلك، وقف (¬١) ووقف النَّاسُ حوله يَبْكُون، فَلَمَّا رأى جَزَعَ النَّاسِ، قال: يا أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي واللهِ ما خَرَجتُ رَغبَةً بِنَفْسِي عن أنفُسِكم، ولا اختيار بلدٍ على (¬٢) بلدكم، ولكن كان هذا الأمرُ، فخَرَجَتْ فيه رجالٌ مِن قُرَيش، واللهِ ما كانوا مِن ذَوِي أسنانها ولا في (¬٣) بُيُوتاتها، فأصبحنا والله ولو أنَّ جبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا (¬٤) أَنفَقناها في سبيل الله ما أدركنا يوما من أَيَّامهم، واللهِ لَئِنْ فاتُونا به في الدُّنيا لَنَلْتَمِسَنَّ (¬٥) أَن نُشَارِكَهم في الآخرة، فاتَّقَى الله امرؤٌ (¬٦)، فَتَوَجَّه إلى الشامِ واتَّبَعَه ثَقَلُه (¬٧) فأُصِيبَ شهيدًا. روى عنه أبو (¬٨) نوفل بن أبي عقرب، واسم أبي عَقْرَبٍ (¬٩) مُعاوية ابن مسلمٍ الكِنانيُّ، وروى عنه ابنه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.[وذكَر الزُّهريُّ أنَّ عبد الرحمن بن سعد المقعد] (¬١) أخبَرَه، أَنَّ عبد الرَّحمَنِ بن الحارث بن هشام أخبره عن أبيه، أنَّه قال: يا رسول الله، أخبرني بأمرٍ أَعتَصِمُ به، قال: "امْلِك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، قال: فرأيتُ أنَّ ذلك (¬٢) يسير. ومِن رُواةِ (¬٣) ابن شهابٍ لهذا الحديث عنه مَن يقولُ: قال عبد الرحمن: فرأيتُ أنَّ ذلك شيءٌ يسيرٌ، وكُنتُ رجلًا قَليلَ الكلام، ولم أفطن له، فلمَّا رُمْتُه فإذا لا شيء أَشَدُّ منه (¬٤).