page 8457, entry [9233]Open original source
صفة الإمام مالك: عن عيسى بن عمر، قال: ما رأيتُ قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشدّ بياض ثوب من مالك. ونقل غير واحد أنه كان طوالا، جسيما، عظيم الهامة، أشقر، أبيض الرأس واللحية، عظيم اللحية، أصلع، وكان لا يحفي شاربه، ويراه مثلة. وقيل: كان أزرق العين. روى بعض ذلك ابن سعد، عن مطرف بن عبد اللَّه. وقال محمد بن الضحَّاك الحزامي: كان مالك نقي الثوب، رقيقه، يكثر اختلاف اللبوس. وقال الوليد بن مسلم: كان مالك يلبس البياض، ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان. قال أشهب: كان مالك إذا اعتم، جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه. وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلسانا، وثيابا مروية جيادا. وقال أشهب: كان مالك إذا اكتحل للضرورة، جلس في بيته.وقال مصعب: كان يلبس الثياب العدنية، ويتطيب. . . . قال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين كسرا، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث، فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلا منزله، وإذا حدث عن غيره من الكوفيين، لم يجئه إلا اليسير. قال ابن أبي عمر العدني: سمعت الشافعي يقول: مالك معلمي، وعنه أخذت العلم. وعن الشافعي قال: كان مالك إذا شك في حديث، طرحه كله. أبو عمر بن عبد البر: حدثنا قاسم بن محمد، حدثنا خالد بن سعد. وعن مالك قال: جنة العالم: "لا أدري"، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله. قال مصعب بن عبد اللَّه: كانت حلقة مالك في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة وأكبر، وقد أفتى معه عند السلطان. الزبير بن بكَّار: حدثنا مطرف، حدثنا مالك، قال: لما أجمعت التحويل عن مجلس ربيعة، جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المسجد، فلما قام ربيعة، عدل إلينا، فقال: يا مالك، تلعب بنفسك زفنت، وصفق لك سليمان، بلغت إلى أن تتخذ مجلسا لنفسك؟! ارجع إلى مجلسك. قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسئلة، فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ "لا أدري". وعن خالد بن خداش، قال: قدمت على مالك بأربعين مسئلة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل. ابن وهب، عن مالك، سمع عبد اللَّه بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: "لا أدري". حتى يكون ذلك أصلا يفزعون إليه. قال ابن عبد البر: صح عن أبي الدرداء أن: "لا أدري"، نصف العلم.قال محمد بن رمح: رأيت النبي ﷺ، فقلت: يا رسول اللَّه، إن مالكا والليث يختلفان، فبأيهما آخذ؟ قال: مالك، مالك. أشهب، عن عبد العزيز الدراوردي، قال: دخلت مسجد النبي ﷺ، فوافيته يخطب، إذا أقبل مالك، فلما أبصره النبي ﷺ، قال: إلي إلي، فأقبل حتى دنا منه، فسل ﷺ خاتمه من خنصره، فوضعه في خنصر مالك. محمد بن جرير: حدثنا العبَّاس بن الوليد، حدثنا إبراهيم بن حماد الزهري: سمعت مالكا يقول: قال لي المهدي: ضع يا أبا عبد اللَّه كتابا أحمل الأمة عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع، وأشرت إلى المغرب فقد كفيته، وأما "الشام"، ففيهم من قد علمت يعني الأوزاعي، وأما "العراق"، فهم أهل العراق. ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، سمعت مالكا يقول: لما حج المنصور، دعاني فدخلت عليه، فحادثته، وسألني فأجبته، فقال: عزمت أن آمر بكتبك هذه يعني "الموطأ"، فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل "المدينة" وعلمهم. قلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم. فقال: لعمري، لو طاوعتني لأمرت بذلك.قال الزبير بن بكَّار: حدثنا ابن مسكين، ومحمد بن مسلمة، قالا: سمعنا مالكا يذكر دخوله على المنصور، وقوله في انتساخ كتبه، وحمل الناس عليها، فقلت: قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير. . . . ابن وهب، عن مالك: دخلت على أبي جعفر، فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبلون يده، وعوفيت، فلم أقبل له يدا. المحنة، قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف في سبب ذلك، فحدثني العباس بن الوليد، حدثنا ابن ذكوان، عن مروان الطاطري، أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث: "ليس على مستكره طلاق" ثم دس إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط. وحدثنا العباس، حدثنا إبراهيم بن حماد، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه، حمل يده بالأخرى. ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان "المدينة"، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فواللَّه ما زال مالك بعد في رفعة وعلو. قلت: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو اللَّه عن كثير، "ومن يرد اللَّه به خيرا يصب منه"، وقال النبي ﷺ: "كل قضاء المؤمن خير له"، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.فصل: ولمالك ﵀ رسالة في القدر، كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح. وله مؤلف: في النجوم ومنازل القمر، رواه سحنون، عن ابن نافع الصائغ، عنه مشهور. ورسالة في الأقضية، مجلد، رواية محمد بن يوسف بن مطروح، عن عبد اللَّه بن [عبد] الجليل. ورسالة إلى أبي غسَّان محمد بن مطرف. ورسالة آداب إلى الرشيد، إسنادها منقطع، قد أنكرها إسماعيل القاضي وغيره، وفيها أحاديث لا تعرف. قلت: هذه الرسالة موضوعة. . . . ومذهبه قد ملأ "المغرب"، و"الأندلس"، كثيرا من بلاد "مصر"، وبعض "الشام"، و"اليمن"، و"السودان"، وبـ "البصرة"، و"بغداد"، و"الكوفة"، وبعض "خراسان". وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة، وتلاشى أصحابه، وتفانوا وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة. وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدا. وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاثمائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى [ما] بعد الأربعمائة. وللزيدية مذهب في الفروع بـ "الحجاز". وبـ "اليمن"، لكنه معدود في أقوال أهل البدع، كالإمامية، ولا بأس بهذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه.وأما القاضي، فذكر ما يدل على جواز تقليدهم إجماعا، فإنه سمى المذاهب الأربعة، والسفيانية، والأوزاعية، والداودية. ثم إنه قال: فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم، مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم، للعلل التي ذكرناها. قال القعنبي: سمعتهم يقولون: عمر مالك تسع وثمانون، مات سنة تسع وسبعين ومائة. وقال القاضي عياض: الصحيح وفاته في ربيع الأول يوم الأحد لتمتام اثنين وعشرين يوما من مرضه.