page 8405, entry [9230]Open original source
المقلون من الفتيا: والباقون منهم مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسئلة والمسئلتان والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزءصغير فقط بعد التقصى والبحث، وهم: أبو الدرداء، وأبو اليسر، وأبو سلمة المخزومي، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، وسعيد بن زيد، والحسن، والحسين، ابنا علي، والنعمان. ابن بشير، وأبو مسعود، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وأم عطية، وصفية أم المؤمنين، وحفصة، وأم حبيبة، وأسامة بن زيد، وجعفر ابن أبي طالب، والبراء بن عازب، وقرظة بن كعب، ونافع أخو أبي بكرة لأمه، والمقداد بن الأسود، وأبو السنابل، والجارود، والعبدي، وليلى بنت قائف، وأبو محذورة، وأبو شريح العكبي، وأبو برزة الأسلمي، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والخولاء بنت تويت، وأسيد بن الحضير، والضحاك ابن قيس، وحبيب بن مسلمة، وعبد اللَّه بن أنيس، وحذيفة بن اليمان، وثمامة بن أثال، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو الغادية السلمي، وأم الدرداء الكبرى، والضحاك بن خليفة المازني، والحكم بن عمرو الغفاري، ووابصة ابن معبد الأسدي، وعبد اللَّه بن جعفر البرمكي، وعوف بن مالك، وعدي ابن حاتم، وعبد اللَّه بن أبي أوفى، وعبد اللَّه بن سلام، وعمرو بن عبسة، وعتاب ابن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وعبد اللَّه بن سرجس، وعبد اللَّه بن رواحة، وعقيل بن أبي طالب، وعائذ بن عمرو، وأبو قتادة عبد اللَّه بن معمر العدوي، وعمي بن سعلة، وعبد اللَّه بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن أخوه، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، وعبد اللَّه بن عوف الزهري، وسعد بن معاذ، وسعد ابن عبادة، وأبو منيب، وقيس بن سعد، وعبد الرحمن بن سهل، وسمرة ابن جندب، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعاوية بن الحكم، وسهلة بنت سهيل، وأبو حذيفة بن عتبة، وسلمة ابن الأكوع، وزيد ابن أرقم، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وجابر بن سلمة، وجويرية أم المؤمنين، وحسان بن ثابت، وحبيب بن عدي، وقدامة ابن مظعون، وعثمان بن مظعون، وميمونة أم المؤمنين، ومالك بن الحويرث، وأبوأمامة الباهلي، ومحمد بن مسلمة، وخباب بن الأرت، وخالد بن الوليد، وضمرة بن الفيض، وطارق بن شهاب، وظهير بن رافع، ورافع بن خديج، وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه وعليه وآله وسلم-، وفاطمة بنت قيس، وهشام ابن حكيم بن حزام، وأبوه حكيم بن حزام، وشرحبيل بن السمط، وأم سلمة، ودحية بن خليفة الكلبي، وثابت بن قيس بن الشماس، وثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ، والمغيرة بن شعبة، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، ورويفع بن ثابت، وأبو حميد، وأبو أسيد، وفضالة بن عبيد، وأبو محمد روينا عنه وجوب الوتر، قلت أبو محمد هو مسعود بن أوس الأنصاري نجاري بدري، وزينب بنت أم سلمة، وعتبة بن مسعود، وبلال المؤذن، وعروة بن الحارث، وسياه بن روح، أو روح بن سياه، وأبو سعيد بن المعلى، والعباس بن عبد المطلب، وبشر بن أرطاة، وصهيب بن سنان، وأم أيمن، وأم يوسف، والغامدية، وماعز، وأبو عبد اللَّه البصري. فهؤلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وما أدرى بأي طريق عد معهم أبو محمد الغامدية وماعزا، ولعله تخيل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنا من غير استئذان لرسول اللَّه ﷺ في ذلك هو فتوى لأنفسهما بجواز الإقرار، وقد أقرا عليها، فإن تخيل هذا فما أبعده من خيال، أو لعله ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام. فائدة: قال رسول اللَّه ﷺ الخلافة بعدي ثلاثون سنة، وهي مدة خلافة أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي، والحسن بن علي ﵃، وهم الخلفاء الراشدون، وقد تمت الثلاثون بخلافته، وأما قول حافظ الدين وغيره من أصحابنا وغيرهم، وقد تمت بعلي ففيه نظر.فائدة: حديث أبي هريرة ﵁ في المصراة لأصحابنا في الجواب عنه طرق ثلاث: الطريق الأول: مذهب عيسى بن أبان من أصحابنا اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، وخرج عليه حديث المصراة، وتابعه أكثر المتأخرين، فأما عند الشيخ أبي الحسن الكرخي ومن تابعه من الأصحاب فليس فقه الراوي شرطا لتقديم الخبر على القياس، بل يقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفا للكتاب أو السنة المشهورة، ويقدم على القياس. قال أبو اليسر: وإليه مال أكثر العلماء، قال في التحقيق في "شرح الأخسيكثي" للإمام عبد العزيز: وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة ﵁ إذا أكل أو شرب ناسيا، وإن كان مخالفا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس، قد ثبت عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: مَا جَاءَنَا عَن اللَّه، وَعَن رَسُول اللَّه ﷺ، فعلي الرَّأْس وَالْعين، وَلم ينْقل عَن أحد من السّلف اشْتِراط الْفِقْه في الرَّاوِي، فَثَبت أَنه قَول مُحدث. الطَّرِيق الثَّانِي: أَنه مُخَالف للْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس. أما الْكتاب، فَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وَقَوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وَأما السّنة، فَقَوله ﷺ: من أعتق شِقْصا لَهُ في عبد، قوّم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه، إن كَانَ مُوسِرًا. الحَدِيث، وَقَوله ﷺ: الخْراج بِالضَّمَانِ. وَأما الإِجْمَاع، قد انْعَفَد على وجوب الْمثل أَو الْقيمَة عِنْد فَوَات الْعين. وَأما الْقيَاس، فبَيَانه أَن الشيء التَّالِف مَضْمُون بِأحد أُمُور ثَلَاثَة: إِمَّا الثّمن، أَو الْمثل، أَو الْقيمَة، فالتَّمْر لَيْسَ بِثمن للبن، وَلَا بِمثل وَلَا بِقِيمَة.الطَّرِيق الثَّالِث: أَنه مَنْسُوخ، وَقدْ بسطت الْكَلَامْ على هَذَا فِي (تصنيف) مُفْرد. فائدة: قَالَ عبد الْعَزِيز في التَّحْقِيق: كَانَ أَبُو هُرَيْرَة فَقِيها، وَلم يعْدم شَيْئا من أَسبَاب الاجْتِهَاد، وَقد كَانَ يُفْتِي في زمن الصَّحَابَة، وَمَا كَانَ يُفْتِي في ذَلِك الزَّمَان إلَّا فَقِيه مُجْتَهدا. انْتهى. قلت: أَبُو هُرَيْرَة ﵁ من فُقَهَاء الصَّحَابَة، ذكر ابْن حزم في الْفُقَهَاء من الصَّحَابَة، وَقد جمع شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ (جزءا في فتاوى أبي هُرَيْرَة رَضِى اللَّه عَنهُ)، سمعته عَلَيْهِ. فائدة: قَالَ الإمام أَحْمد فى بن حَنْبَل: أفضل التَّابِعين سعيد بن الْمسيّب، فَقيل، فعلقمة، وَالْأسود، فَقيل هُوَ، وهما، وَعنهُ لَا أعلم فيهم مثل أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ، وَقيس، وَعنهُ أفضلهم قيس، وَأَبُو عُثْمَان، وعلقمة، ومسروق. وقال أبو عبد اللَّه ابن خفيف: أهل "المدينة" يقولون: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، وأهل "الكوفة" أويس القرني، وأهل "البصرة" الحسن البصري. وقال ابن أبي داود سيدتا التابعيات: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدرداء. فائدة: قال رسول اللَّه ﷺ: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ﷺ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. واللَّه أعلم. فائدة: الأئمة الأربعة المتبوعة: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل ﵃، أبو حنيفة مات بـ "بغداد" سنة خمسين ومائة ابن سبعين، ومالك مات بـ "المدينة" سنة سبعوسبعين ومائة. قيل: ولد سنة ثلاث وتسعين، وقيل: إحدى، وقيل: أربع، وقيل سبع. والشافعي مات بـ "مصر" آخر رجب سنة أربع ومائتين، وولد سنة خمسين ومائة. وأحمد بن حنبل مات بـ "بغداد" في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وولد سنة أربع وستين ومائة، ﵃ أجمعين. فائدة: داود بن علي الأصبهاني الظاهري الفقيه أبو سليمان، مولده سنة مائتين، وقيل: اثنتين ومائتين بـ "الكوفة"، ونشأ بـ "بغداد"، وفيها مات سنة سبعين ومائتين، وإنما قيل له: الأصبهاني، لأن أمه أصبهانية، وكان عراقيا. أخذ العلم والحديث عن إسحاق، وأبي ثور، وغيرهما. قال الخطيب في "تاريخه": كان إماما ورعا زاهدا ناسكا، وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدا، وصنف الكثير. قال ابن حزم: كتب ثماني عشرة ألف ورقة. قال أبو إسحاق: قيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان، وكان من المتعصّبين للشافعي، وصنف مناقبه، وإلى داود هذا انتهت رياسة العلم بـ "بغداد". وَلما مَاتَ خَلفه ابْنه أَبُو بكر محمَّد الإمَام الْمَشْهُور في حلقته، وَكَانَ فَقِيها، أديبا، شَاعِرًا، وَكَانَ يناظر أَبَا الْعَبَّاس بن سُرَيج، قَالَ لَهُ يَوْمًا: أبلعني ريقي، قَالَ لَهُ العَبَّاس: أبلعتك دجلة. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا أمهلني سَاعَة، فَقَالَ: أمهلتك من السَّاعَة إلَى أَن تقوم السَّاعَة، وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أَنا أُكَلِّمك من الرجل، وتجيبني من الرَّأْس، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس: هَكَذَا الْبَقر إذا حفيت أظلافها ذهبت قُرُونهَا، وَلما جلس في مَكَان أَبِيه استصغروه، فدسوا إلَيْهِ منسَأَلهُ عَن حدّ السكر، فَقَالَ: إذا عرفت عَنهُ الهموم، وباح بسره المكتوم، فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ، وَعلم مَوْضِعه من الْعلم. قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق: سَمِعت شَيخنَا القَاضِي أَبَا الطّيب، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد أبي بكر مُحَمَّد بن دَاوُد، فَجَاءَتْهُ امْرَأَة، فَقَالَت: مَا تَقول في رجل، لَهُ زَوْجَة، لَا هُوَ ممسكها، وَلَا هُوَ مُطلقهَا، قَالَ أَبُو بكر: اخْتلف في ذَلِك أهل الْعلم، فَقَالَ قَائِلُونَ: تُؤمر بِالصبرِ والاحتساب، وتبحث عَن التطلب، والإكتساب، وَقَالَ قَائِلُونَ تُؤمر بالإنفاق، وَلَا تحمل على الطَّلَاق، فَلم تفهم الْمَرْأَة قَوْله، وأعادت مسئلتها، فَقَالَ لهَا: يَا هَذِه الْمَرْأَة، قد أَجَبْتُك عَن مسئلتك، وأرشدتك إِلَى طَلَبك، وَلست بسُلْطَان، فامضى، وَلَا قَاض فأقضي، وَلَا زوج فارضى، فَانْصَرَفت الْمَرْأَة، وَلم تفهم جَوَابه. مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وَله اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة، وَله أَصْحَاب ينتحلون مذْهبه خلفا عَن سلف إِلَى يَوْمنَا هَذَا. فائدة: أَئِمَّة الحَدِيث السِّتَّة، أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة: البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائيّ، وَابْن ماجه. فالبخاري هو أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة الجعفي اليماني البخاري، رحمه اللَّه تعالى. ذكره الملا على القاري الهروي في كتابه "مرقاة المفاتيح"، فقال ما نصه: قال ابن حجر: أبوه كان من العلماء العاملين، روى عن حماد بن زيد، ومالك، وصحب ابن المبارك، وروى عنه العراقيون، قال: لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة. البخاري نسبة إلى "بخاري" بلدة عظيمة من بلاد "ما وراء النهر" لتولده فيها، وصار بمنزلة العلم له ولكتابه. قال السيّد جمال الدين المحدث: يقال له: أمير المؤمنين في الحديث، وناصر الأحاديث النبوية، وناشر المواريث المحمدية، قيل: لم ير في زمانه مثله منجهة حفظ الحديث، وإتقانه، وفهم معاني كتاب اللَّه، وسنة رسوله، ومن حيثية حدة ذهنه، ودقة نظره، ووفور فقهه، وكمال زهده، وغاية ورعه، كثرة اطلاعه على طرق الحديث، وعلله، وقوة اجتهاده، واستنباطه. وكانت أمه مستجابه الدعوة، توفي أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر والدته، ثم عمي، وقد عجز الأطباء عن معالجته، فرأت إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قائلا لها: قد رد اللَّه على ابنك بصره بكثرة دعائك له. فأصبح وقد رد اللَّه عليه بصره، فنشأ متربيا في حجر العلم، مرتضعا من ثدي الفضل، ثم ألهم طلب الحديث، وله عشر سنين بعد خروجه من المكتب. ولما بلغ إحدى عشرة سنة رد على بعض مشايخه بـ "بخارى". غلطا وقع له في سند، حتى أصلح كتابه من حفظ البخاري. وبيانه: أن شيخا من مشايخه في مجلس من مجالس حديثه قال في إسناد حديث: حدثنا سفيان عن أبي الزهير عن إبراهيم، فقال له البخاري: أبو الزهير ليس له رواية عن إبراهيم، فهيب عليه الشيخ، فقال له البخاري: ارجع إلى الأصل، إن كان عندك، فقام الشيخ من المجلس، ودخل بيته، وطالع في أصله، وتأمل فيه حق تأمله، ثم رجع إلى مجلسه، فقال للبخاري: فكيف الرواية؟ فقال: ليس أبو الزهير بالهاء، إنما هو الزبير بالباء، وهو الزبير ابن عدي، فقال: صدقت، وأخذ القلم، وأصلح كتابه. ولما بلغ ست عشرة سنة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرف كلام أصحاب أبي حنيفة، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد بن إسماعيل إلى "مكة"، فرجع أخوه، وأقام هو لطلب الحديث، فلما طعن في ثماني عشرة سنة صنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنف في "المدينة المنورة" عند التربة المطهرة تاريخه "الكبير" في الليالي المقمرة، وكتبوا عنه وسنه ثماني عشرة سنة.روي عنه أنه قال: قلّ اسم من أسماء رجال "التاريخ الكبير" أن لا يكون عندي منه حكاية وقصة، إلا إني تركتها، خوفا من الإطناب. ولما رجع من "مكة" ارتحل إلى سائر مشايخ الحديث في أكثر المدن والأقاليم. روي عنه أنه قال: ارتحلت في استفادة الحديث إلى "مصر" و"الشام" مرتين وإلى "البصرة" أربع مرات، ولا أحصى ما دخلت مع المحدثين في "بغداد" و"الكوفة"، وأقمت في "الحجاز" ست سنين، طالبا لعلم الحديث. قال البخاري: والحامل لي على تأليفه أنني رأيتني واقفا بين يدي النبي ﷺ، وبيدي مروحة، أذبّ عنه، فعبر لي بأني أذبّ عنه الكذب. وما وضعت فيه حديثا إلا بعد الغسل، وصلاة ركعتين، وأخرجته من زهاء ستمائة ألف حديث، وصنفته في ستة عشر سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللَّه، وما أدخلت فيه إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر، لئلا يطول، وصنفته بالمسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت اللَّه، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته، وهذا باعتبار الابتداء، وترتيب الأبواب، ثم كان يخرج الأحاديث بعد في بلده وغيرها، وهو محمل رواية أنه كان يصنفه في البلاد، إذ مدة تصنيفه ست عشرة سنة، وهو لم يجاور هذه المدة بـ "مكة". وقد روى عنه أنه صنف "الصحيح" في "البصرة"، وروي أنه صنفه في "بخاري". وروي عن الوراق البخاري أنه قال: قلت للبخاري: جميع الأحاديث التي أوردتها في مصنفاتك هل تحفظها، فقال: لا يخفى علي شيء منها، فإني قد صنفت كتبي ثلاث مرات، وكأنه أراد بالتكرار التبييض والتنقيح، ولعل كثرة نسخ "البخاري" من هذه الجهة.ورواية أنه جعل تراجمه في الروضة الشريفة محموله على نقلها من المسوّدة إلى المبيضة، كذا قيل، ويمكن حمله على حقيقته. ونقل عن أبي جمرة عمن لقيه من العارفيين أنه ما قرئ في شدة إلا وفرجت، وما ركب به في مركب فغرق، وأنه كان مجاب الدعوة، ولقد دعا لقارئه. قال الحافظ ابن كثير: وكان يستسقى بقراءته الغيث، قيل: ويسمى الترياق المجرب. ونقل السيّد جمال الدين عن عمّه السيّد أصيل الدين أنه قال: قرأت البخاري مائة وعشرين مرة للوقائع والمهمّات لي ولغيري، فحصل المرادات، وقضى الحاجات. وهذا كله ببركة سيد السادات ومنبع السعادات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات. قيل: وكان ورده في رمضان ختمة في كل يوم وثلثها في سحر كل ليلة، ولسعه زنبور، وهو في الصلاة في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا، فقيل له: لم لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك، قال كنت في سورة، فأحببت أن أتمها، وكان يقول: أرجو اللَّه أن لا يحاسبني، إني ما أغتبت أحدا، فقيل له: إن بعض الناس ينقم عليك التاريخ، فإنه غيبة، فقال: إنما روينا ذلك رواية، ولم ننقله من عند أنفسنا، وقال ﵊: بئس أخو العشيرة، قال: واحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح، أي باعتبار كثرة طرقها، مع عدم المكرر، والموقوف، وآثار الصحابة، والتابعين، وغيرهم، وفتاويهم، مما كان السلف يطلقون على كله حديثا. وقيل: كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا، وينظر في الكتاب نظرة واحدة، فيحفظ ما فيه، وكان يقول: دخلت "بلخ"، فسألني أهلها أن أملي عليهم من كل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ، ولبلوغنهايته في معرفة علل الحديث كان مسلم بن الحجاج يقول له: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله. وقال الترمذي: لم أر أحدا بـ "العراق" ولا بـ "خراسان" في ذلك أعلم منه، وكان بـ "سمرقند" أربعمائة محدث، اجتمعوا تسعة أيام لمغالطته، فخلطوا الأسانيد بعضها في بعض إسناد الشاميين في العراقيين، وإسناد العراقيين في الشاميين، وإسناد أهل الحرم في اليمانيين، وعكسه، وعرضوها عليه، فما استطاعوا مع ذلك أن يتغلبوا عليه بسقطة، لا في إسناد ولا في متن، ولما قدم "بغداد" فعلوا معه نطير ذلك، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوا لكل واحد عشرة، ليلقيها عليه في مجلسه الغاص بالناس، امتحانا، فقام أحدهم، وساله عن حديث من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، ثم سأله عن الثاني، فقال: مثل ذلك، وهكذا إلى العاشر. ثم قام الثاني، فكان كالأول، ثم الثالث، وهكذا إلى أن فرغوا، فالعلماء الذين كانوا مطلعين على أصل القضية وحفظه، قالوا: فهم الرجل والذين ما كان لهم وقوف على القضية توهموا عجزه، وحملوا على قصور ضبطه، وسوء حفظه، فالتفت إلى الأول، فقال أما حديثا الأول بذلك الإسناد فخطأ، وصوابه كذا وكذا، ولا زال على ذلك إلى أن أكمل المائة، فبهر الناس، وأذعنوا له، فإن عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وعند المبصرين بهذا الفن ليس من العجيب رد خطئهم إلى الصواب، لأنه كان حافظ الأحاديث مع الأسانيد، بل كان الغريب عندهم حفظه أسانيدهم الباطلة بمجرد سماعه مرة، وإعادتها مرتبة، وهذا كاد أن يكون خرق العادة ومحض الكرامة، فإنه لا يتصور بدون الإلهامات الإلهية والعنايات الرحمانية. ولما قدم "البصرة" نادى مناد يعلمهم بقدومه، فأحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم، فنادى المنادى يعلمهم أنه أجاب، فلما كان من الغد اجتمع كذا وكذا ألفا من المحدثين والفقهاء، فأول ما جلس قاليا أهل "البصرة": أنا شاب، وقد سألتموني أن أحدثكم، وسأحدثكم أحاديث عن أهل بلدكم، تستفيدونها، يعني ليست عندكم، وأملى عليهم من أحاديث أهل بلدهم مما ليس عندهم، حتى بهرهم، ومن ثم كثر ثناء الأئمة عليه، حتى صح عن أحمد ابن حنبل أنه قال: ما أخرجت "خراسان" مثله. وقال غير واحد: هو فقيه هذه الأمة. وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب، وكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن البصرى لاحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه. وقد فضله بعضهم في الفقه والحديث على أحمد وإسحاق، وقال ابن خريمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه، وورث من أبيه مالا كثيرا، فكان يتصدق به. وكان قليل الأكل جدا، قيل: كان يقنع كل يوم بلوزتين أو ثلاث لوزات، وقيل: لم يكل الإدام أربعين سنة، قيل: كان يدخل عليه كل شهر من مستغلاته خمسمائة درهم، فكان يصرفها في الفقراء وطلبة العلم، وكان يرغبهم في تحصيل الحديث كثير الإحسان إلى الطلبة، مفرطا في الكرم، وأعطى خمسة آلاف درهم ربح بضاعة له، فأخر، فأعطاه آخرون عشرة آلاف، فقال: إني نويت بيعها للأولين، ولا أحب أن أغير نيتي. وعثرت جاريته بمحبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين، فقالت: إذا لم يكن طريق كيف أمشي، فقال: اذهبي، فأنت حرة للَّه، فقيل له: يا أبا عبد اللَّه أغضبتك، فأعتقتها، فقال: أرضيت نفسي بما فعلت، ولما بنى رباطا مما يلى "بخارى" أجتمع إليه خلق كثير يعينونه، فكان ينقل معهم اللبن، فيقال: قد كفيت، فقال: هذا هو الذي ينفعني، ولما رجع إلى "بخارى" نصبت له القباب على فرسخ منها، واستقبله عامة أهلها، ونثر عليه الدراهم والدنانير، وبقي مدة يحدثهم، وأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلي نائبالخلافة العباسية يتلطف معه، ويسأله أن يأتيه بـ "الصحيح"، ويحدثهم به في قصره، فامتنع، وقال لرسوله: قل له: إني لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن احتاج إلى شيء منه، فليحضر في مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا، فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة، فإني لا أكتم العلم. وروي أنه قال: العلم يؤتى، ولا يأتي، فراسله أن يعقد مجلسا لأولاده، ولا يحضر غيرهم، فامتنع من ذلك أيضًا، وقال: لا يسعني أن أخصّ بالسماع قوما دون قوم. وروي أنه قال: العلم لا يحل منعه، فحصلت بينهما وحشة، فاستعان الأمير بعلماء "بخارى" عليه، حتى تكلموا في مذهبه، فأمره بالخروج من البلد، فدعا عليهم بقوله: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فكان مجاب الدعوة، فلم يأت شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي على الأمير، فأركب حمارا، فنودي عليه فيها، وحبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا وابتلى ببلية شديدة، ولما خرج من "بخارى" كتب إليه أهل "سمرقند" يخطبونه لبلدهم، فسار إليهم، فلما كان بـ "خرتنك" بمعجمة مفتوحة في الأشهر أو فكسورة فراء سكنة ففوقية مفتوحة فنون سكنة فكاف، موضع قريب بـ "سمرقند" على فرسخين، وقيل نجو ثلاثة أيام، بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة، فقوم يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباء بها، فنزل بها، حتى ينجلي الأمر، فأقام أياما، فمرض حتى وجه إليه رسول من أهل "سمرقند"، يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب، وتهيأ للكوب، ولبس خفيه، وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني، فقد ضعفت، فأرسلوه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضي عليه، فسال منه عرق كثير، لا يوصف، وما سكن العرق، حتى أدرج في أكفانه.وقيل: ضجر ليلة، فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل، اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فمات عن غير ولد ذكر، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، عن اثنتين وستين سنة. وكانت ولادته يوم الجمعة بعد صلاة العصر في شهر شوّال سنة أربع وتسعين ومائة، ولما صلى عليه، ووضع في حفرته فاح من تراب قبره رائحة طيبة، كالمسك، وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدة، يأخذون من قبره، ويتعجبون من ذلك. قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف، فسلمت عليه، فرد عليَّ السلام، فقلت: ما وفوقك هنا يا رسول اللَّه، قال: أنتظر محمد بن إسماعيل، قال: فلماكان بعد أيام بلغني موته، فنظرت، فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها، وبعد نحو سنتين من موته استسقى أهل "سمرقند" مرارا، فلم يسقوا، فقال بعض الصالحين لقاضيها: أرى أن يخرج بالناس إلى قبر البخاري، ونستسقي عنده، فعسى اللَّه أن يسقينا، ففعل. وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل اللَّه تعالى عليهم السماء بهاء غزير، أقام الناس من أجله نحو سبعة أيام، لا يستطيع أحد الوصول إلى "سمرقند" من كثرة المطر. والثاني من الأئمة الستة: الإمام الكبير الحافظ المجوّد الحجِّة الصادق أبو الحسين مسلم بن الحجّاج مسلم بن ورد بن كوشاد القُشَيرى، بالتصغير نسبة إلى بني قشير، قبيلة من العرب، وهو نيسابوري، أحد أئمة علماء هذا الشأن.ذكره صاحب "مرقاة المفاتيح" الملا على القاري، فقال ما لفظه: سمع من مشايخ البخاري وغيرهم، كأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، والقعنبي. وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره، وحفاظ دهره، كأبي حاتم الرازي، وابن خزيمة، وخلائق. وله المصنفات الجليلة غير جامعه "الصحيح"، كـ "المسند الكبير"، صنفه على ترتيب أسماء الرجال، لا على تبويب الفقه، وكـ "الجامع الكبير" على ترتيب الأبواب، و"كتاب العلل"، و"كتاب أوهام المحدثين"، و"كتاب التميز"، و"كتاب من ليس له إلا راو واحد"، و"كتاب طبقات التابعين"، و"كتاب المخضرمين". قال: صنفت "الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وهو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، وأعلى أسانيده ما يكون بينه وبين النبي ﷺ أربعة وسائط، وله بضع وثمانون حديثا بهذا الطريق. ولد عام وفاة الشافعي سنة أربع ومائتين، وتوفي في رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وقد رحل إلى "العراق". و"الحجاز" و"الشام" و"مصر"، وقدم "بغداد" غير مرة، وحدث بها، وكان آخر قدومه "بغداد" سنة سبع وخمسين ومائتين، وكان عقد له مجلس بـ "نيسابور" للمذاكرة، فذكر له حديث، فلم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وقدمت له سلة فيها تمر، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فني التمر، ووجد الحديث، ويقال: إن ذلك كان سبب موته، ولذا قال ابن الصلاح: كانت وفاته بسبب غريب، نشأ من غمرة فكرة علمية، وسنه قيل: خمس وخمسون، وبه جزم ابن الصلاح، وتوقف فيه الذهبي، وقال: إنه قارب الستين، وهو أشبه من الجزم ببلوغه الستين.قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين محمد الجزري في مقدمة شرحه لـ "المصابيح" المسمى بـ "صحيح المصابيح": إني زرت قبره بـ "نيسابور"، وقرأت بعض "صحيحه" على سبيل التيمن والتبرك عند قبره، ورأيت آثار البركة، ورجاء الإجابة في تربته. والثالث منهم: الحافظ العَلَم الإمام البارع محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الترمذي بكسر التاء والميم، وبضمهما، وبفتح التاء، كسر الميم، مع الذال المعجمة نسبة لمدينة قديمة على طرف "جيحون" نهر بلج الإمام الحجة الأوحد الثقة الحافظ المتقن. ذكره القاري في "شرح المشكاة"، فقال: أخذ هو عن البخاري، وقتيبة بن سعيد، ومحمود بن غيلان، ومحمد بن بشار، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، وغيرهم. وأخذ عنه خلق كثير، وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، منها: "الشمائل"، وهذا كتابه "الصحيح" أحسن الكتب، وأحسنها ترتيبا، وأقلها تكرارا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع من الصحيح، والحسن، والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره "كتاب العلل"، وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على وقف عليها، ولذا قيل: هو كاف للمجتهد، ومغن للمقلد، بل قال أبو إسماعيل الهروي: هو عندي أنفع من "الصحيحين"، لأن كل أحد يصل للفائدة منه، وهما لا يصل إليها منهما، إلا العغالم المتبحر، وقول ابن حزم إنه مجهول كذب منه. قال: عرضت هذا الكتاب يعني "سننه" على علماء "الحجاز" و"العراق" و"خراسان"، فرضوا به، ومن كان في بيته، فإنما في بيته نبي يتكلم، نعم عنده نوع تساهل في التصحيح، ولا يضره، فقد حكم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث من "سننه"، وحسن فيها بعض ما انفرد رواته به، كما صرّح هو به، فإنه يورد الحديث، ثم يقول عقبه: إنه حسن غريب، أو حسنصحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لكن أجبيب عنه بأن هذا اصطلاح جديد، ولا مشاحه في الاصطلاح. وقد أطلق الحكم والخطيب الصحة على جميع ما في "سنن الترمذي". توفي بـ "ترمذ" سنة تسع وسبعنِن ومائتين، وأعلى أسانيده ما يكون واسطتان بينه وبين النبي ﷺ، وله حديث واحد في "سننه" بهذا الطريق، وهو يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر، فإسناده أقرب من إسناد البخاري ومسلم وأبي داود، فإن لهم ثلاثيات. وذكر في جامعه بسنده هذا الحديث، وهو يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقد سمعه مني البخاري. ورابعهم: الإمام الهمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر السجستاني، بكسر السين الأولى، وتفتح، وبكسر الجيم، وسكون السين الثانية، معرب "سيستان" من نواحي "هراة" من بلاد "خراسان". قال الإمام علي القاري: ولد سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بـ "البصرة" سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو الإمام الحافظ الحجّة، سكن "البصرة"، وقدم "بغداد" مرارا، فروى "سننه" بها، ونقله أهلها عنه، وعرضه على أحمد، فاستجاده، واستحسنه. سمع أحمد، ويحيى بن معين، والقعنبي، وسليمان بن حرب، وقتيبة، وخلائق لا يحصون. وروى عنه النسائي، وغيره، قال: جمع ألين الحديث لأبى داود، كما ألين الحديث لداود، وكان يقول: كتبت عن رسول ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته "كتاب السنن"، جمعت فيهأربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله ﵊: إنما الأعمال بالنيات. والثاني: قوله ﵊: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. والثالث: قوله ﵊: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه. والرابع: إن الحلال بين، والحرام بين الحديث. ومن أشعار الشافعي: عمدة الدين عندنا كلمات … أربع قالهن خير البرية اتق السيئات وازهد ودع ما … ليس يعنيك واعمل بنية فكأنه أراد بقوله: أزهد حديث الأربعين: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وزاهد فيما عند الناس يحبك الناس. قال الخطابي شارحه لم يصنف في علم الدين مثله، وهو أحسن وضعا وأكثر فقها من "الصحيحين". وقال أبو داود: ما ذكرت فيه حديثا، أجمع الناس على تركه. وقال ابن الأعرابي: من عنده القرآن وكتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة. وقال الناجي: كتاب اللَّه أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عبد الإسلام. ومن ثم صرح حجة الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك. وقال النووي: ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء به، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله، وكان له كم واسعكم ضيق، فقيل له: ما هذا، فقال: أما الواسع فلكتب، وأما الضيق فللاحتياح إليه. وفضائله ومناقبه كثيرة، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع. قال المندري: ما سكت عليه، لا ينزل عن درجة الحسن، وقال النووى: ما رواه في "سننه"، ولم يذكر ضعفه، هو عنده صحيح أو حسن، وقال ابن عبد البر: ما سكت عليه صحيح عنده سيّما إن لم يكن في الباب غيره. وأطلق ابن منده وابن السكن الصحة على جميع ما في "سنن أبي داود"، ووافقهما الحاكم. والخامس منهم: الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي، بفتح النون والمد، كما في "جامع الأصول"، واقتصر عليه المصنف، وبالقصر كما في "طبقات الفقهاء" نسبة إلى بلد بـ "خراسان" قريب "مرو"، وأما ما ذكره ابن حجر أنه من كور "نيسابور" أو من أرض "فارس" فغير صحيح. قال الإمام علي القاري الهروي: هو أحد الأئمة الحفّاظ، سمع من إسحاق بن راهويه، وسليمان بن أشعث، ومحمود بن غيلان، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن بشّار، وعلي بن حجر، وأبي داود، وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم متعددة. وأخذ عنه خلق كثيرون، كالطبراني، والطحاوي، وابن السني. ودخل "دمشق" فسئل عن معاوية، ففضَّل عليه عليا، فأخرج من المسجد، وحمل إلى "الرملة"، ومات بها. وقيل إلى "مكة"، ودفن بها بين "الصفا" و"المروة"، وجرى عليه بعض الحفاظ، فقال: مات ضربا بالأرجل من أهل "الشام" حين أجابهم لما سألوهعن فضائل معاوية، ليرجحوه بها على على بقوله ألا يرضى معاوية رأسا برأس، حتى يفضل. وفي رواية ما أعرفه، ألا أشبع اللَّه بطنه، وما زالوا يضربونه بأرجلهم، حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى "مكة"، فمات مقتولا شهيدا. وقال الدارقطني: إن ذلك كان بـ "الرملة"، وكذا قال العبدري: إنه مات بـ "الرملة" بمدينة "فلسطين"، ودفن بالبيت المقدس، وسنه ثمان وثمانون سنة، فما قاله الذهبي ومن تبعه وجزم المصنف بأنه مات بـ "مكة" سنة ثلاث وثلثمائة، وهو مدفون بها، ونقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام السبكي أن النسائي أحفظ من مسلم صاحب "الصحيح" وأن "سننه" أقل السنن بعد "الصحيحين" حديثا ضعيفا، بل قال بعض الشيوخ: إنه أشرف المصنفات كلها، وما وضع في الإسلام مثله. وقد قال ابن منده وابن السكن وأبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والخطيب والدارقطني كل ما فيه صحيح، لكن فيه تساهل صريح، وشذ بعض المغاربة فضله على "كتاب البخاري"، ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة، واللَّه تعالى أعلم، قال السيّد جمال الدين: صنف في أول الأمر كتابا، يقال له: "السنن الكبير" للنسائي، وهو كتاب جليل، لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث وبيان مخرجه، وبعده اختصره، وسماه بـ "المجتنى" بالنون، وسبب اختصاره أن أحدا من أمراء زمانه سأله إن جميع أحاديث كتابك صحيح، فقال في جوابه لا، فأمره الأمير بتجريد الصحاح، وكتابة صحيح مجرد، فانتخب منه "المجتنى"، كل حديث تكلم في إسناده أسقطه منه، فإذا أطلق المحدثون بقولهم: رواه النسائي فمرادهم هذا المختصر المسمى بـ "المجتنى"، لا الكتاب الكبير، وكذا إذا قالوا: الكتب الخمسة أو الأصول الخمسة فهي "البخاري"، و"مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"جامع الترمذي"، و"مجتنى النسائي".وسادسهم: الإمام الحافظ الكبير الحجّة المفسّر أبو عبد اللَّه محمد بن يزيد بن ماجه، بإثبات ألف ابن خطأ، فإنه بدل من ابن يزيد، ففى "القاموس" ماجه لقب والد محمد بن يزيد صاحب "السنن" لأجده، وفي "شرح الأربعين" إن ماجه اسم أمه. القزويني بفتح القاف نسبة إلى بلد معروف. قال الإمام علي القاري: وهو الإمام الحافظ صاحب "السنن" التي كمل به الكتب الستة والسنن الأربعة بعد "الصحيحين". قال الحافظ ابن حجر: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة الفضل بن طاهر، حيث أدرجه معها في أطرافه، كذا في شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني في كتاب "الإكمال في أسماء الرجال" الذي هذَّبه الحافظ المزّي، وقدموه على "الموطأ" لكثرة زوائده على الخمسة، بخلاف "الموطأ"، وهو كما قاله ابن الأثير: كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه، لكن فيه أحاديث ضعيفة جدا، بل منكرة. بل نقل عن الحافظ المزي أن الغالب فيما انفرد به الضعف، ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة، بل جعلوا السادس "الموطأ"، منهم رزين، والمجد ابن الأثير. وقال العسقلاني: ينبغي أن يجعل "مسند الدارمي" سادسا للخمسة بدله، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كان فيه أحاديث مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه. توفي في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائيتن، وله من العمر أربع وستون سنة، سمع أصحاب مالك والليث، وروى عنه أبو الحسن القطَّان، وخلق سواه، وله ثلاثيات من طريق جبارة بن المغلس، وله حديث في فضل "قزوين" أورده في "سننه"، وهو منكر بل موضوع، ولذا طعن فيه، وفي كتابه.فأئدة: الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال: أحدها أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، نقله الحكم أبو عبد اللَّه عن أكثر علماء أهل "الحجاز"، والثاني أنه سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، قاله ابن المبارك، والثالث أنه أبو بكر بن عبد الرحمن الحارث بن هشام، قاله أبو الزناد، وقد جمعهم الشاعر على هذا القول، فقال شعر: ألا إن من لا يقتدي بأئمة … فقسمته ضيزى من الحق خارجه فخذهم عبيد اللَّه عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجه قلت: هذه الأشعار التي تنسب إلى محمد بن يوسف بن الحسين بن عبد اللَّه الحلبي، المعروف بابن الأبيض، الشهير بقاضي العسكر، قد ذكرها محي الدين النووي أيضًا في آخر رسالة "الإشارات لبيان أسماء المبهمات"، لكنه أبهم القائل. وفي "حيوة الحيوان" لكمال الدين الدميري الشافعي عند ذكر السوس: ومن الفوائد المستغربة ما أخبرني به بعض أهل الخبرة أن أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بـ "المدينة الشريفة" في رقعة، وجعلت في القمح، فإنه لا يسوس ما دامت الرقعة فيه. أما عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عتبة بن مسعود فروى عن عائشة، وأبي هريرة، وعنه الزهرى، وأبو الزناد، مات سنة ثمان وتسعين، روى له الجماعة. وعروة بن الزبير بن العوام، عن أبيه، وعلي، وعنه أولاده، والزهري، وخلق، مات سنة أربع وتسعين، روى له الجماعة. وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق عَن أبي هُرَيْرَة، وَعنهُ الزُّهْرِىّ. مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَة. روى لَهُ الجْمَاعَة.وَسَعِيدْ بنْ المسيّب عن عمر وَعُثْمَان، وَعنهُ الزُّهْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين. روى لَهُ الْجمَاعَة، وَأَبُو بكر ابن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، عَن أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة، وَعنهُ أَوْلَاده وَالزّهْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَسليمَان بن يسَار مولى مَيْمُونَة عَنْهَا، وَأبي هُرَيْرَة، وَعنهُ يحيى بن سعيد، وَرَبِيعَة، مَاتَ سنة تسع وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وخارجة بن زيد بن ثَابت، عَن أَبِيه، وَأُسَامَة بن زيد، وَعنهُ ابْنه سُلَيْمَان، مَاتَ سنة تسع وَسبعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. فائدة: البدور السَّبْعَة أَئِمَّة الْقُرَّاء. الأول: عبد اللَّه بن كثير بن الْمطلب الْمَكِّيّ الْقرشِي، مَوْلَاهُم أَبُو سعيد، وَهُوَ من التَّابِعين، سمع عبد الده بن الزبير وَغَيره، توفّي بِـ "مَكَّة" سنة عشْرين وَمِائَة، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين. الثَّانِي: نَافِع بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي نعيم، مولى حجونة بن شُعَيْب اللَّيْثِيّ، هُوَ مدنِي أَصله من "أَصْبَهَان"، كنيته أَبُو رُوَيْم، توفّي بِـ "الْمَدِينَةِ" سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن عَامر هُوَ عبد اللَّه بن يزِيد بن تَمِيم ابْن ربيعَة الْيحصبِي الدِّمَشْقِي قَاضِي "دمشق"، كان من كبار التَّابِعين، ولد في أول سنة إحدى وَعشْرين من الْهِجْرَة، وَتُوفّي بِـ "دِمَشْق" يَوْم عَاشُورَاء، سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وَقيل: ولد سنة ثَمَان مِن الْهِجْرَة، وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة على هَذَا القَوْل. الرَّابِع: أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء بن عمَّار بن عبد اللَّه الْمقري الْبَصْرِيّ. قيل: اسمْه الريَّان، وَقيل: الْعُرْيَان، وَقيل: يحيى، وَقيل: عُثْمَان، وَقيل: مَحْبُوب، وَقيل: غير ذَلِك، وَقيل: اسمْه كنيته، توفّي بِـ "الْكُوفَةِ" سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة.الْخَامِس: عَاصِمْ بن أبي النجُود، بِفَتْح النُّونْ أبو بكر الْأَسدي، توفّي بِـ "الْكُوفَةِ" سنة سبع، وَقيل: ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة. قَالَ سُفْيَان وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهمَا: بَهْدَلَة هُوَ أَبُو النجُود. وقال عمرو بن علي الفلاس بهدلة أمه، قال أبو بكر بن أبي داود هذا خطأ. السادس: حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيّات التميمي مولاهم الكوفي أبو عمارة، توفي بـ "حلوان" سنة ثمان، وقيل: ست وخمسين ومائة. السابع الكسائي، أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي، مولاهم الكوفي، توفي سنة تسع وثمانين ومائة. وكان قرأ على حمزة الأسدي، وليس في هؤلاء السبعة من العرب إلا ابن عامر وأبو عمرو. فائدة: يقولون أصحابنا في كتبهم في مسائل الخلاف: وهو قول عمر الصغير، يريدون به عمر بن عبد العزيز الإمام الخليفة المشهور. فائدة: الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن. وأول خلفاء بني أمية معاوية، وآخرهم مروان الملقّب بالحمار، وهم أربعة عشر: وأول الخلفاء من بني العباس عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، دخل جده علي بن عبد اللَّه بن عباس مع أبيه عبد اللَّه بن عباس في الليلة التي ولد فيها على علي بن أبي طالب، وهي الليلة التي قتل فيها علي، فقال له علي خذ إليك أبا الأربعين خليفة، وكان محمد بن علي أبو السفاح عبد اللَّه بويع له سرا سنةمائة في أيام عمر بن عبد العزيز، وكانت الدعوة له بـ "خراسان"، وكان ذلك في حياة أبيه علي، ودخل على محمد هذا جماعة في سنة خمس وعشرين ومائة، فقال لهم: إني ميت في سنتي هذه، وصاحبكم ابني إبراهيم على أنه مقتول، فإذا قضى اللَّه تعالى عليه بقضائه، فصاحبكم ابني عبد اللَّه بن الحارثية -يعني السفاح- فهو القائم بهذا الأمر، ويكون هلاك بني أمية على يده، ومات، وانتقلت الدعوة إلى ابنه إبراهيم، فقتله مروان الحمار سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكان قد أوصى إلى أخيه عبد اللَّه السفاح. وَأول خلفاء الفاطمية أَبُو مُحَمَّد عبيد اللَّه بن الْحسن الْمهْدي، بُويعَ لَهُ في سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ خُرُوجه من "القيروان" بالغرب، وَكَانَ يزْعم أَنه من ولد إسماعيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَنسبه مطعون فِيهِ، وَكَانَ ظُهُوره إِذْ ذَاك في خلَافَة المقتدر بِاللَّه العباسي، وهو بِـ "بَغْدَاد"، فَأَقَامَ بالغرب دولته، ثمَّ الْقَائِم بِاللَّه بعده، ثمَّ الْمَنْصُور ابْنه. وَأقَام باقيهم بِـ "مصْر"، فأولهم بهَا: الْمعز لدين اللَّه أَبُو تَمِيم الْمعدّ بن إسماعيل بن مُحَمَّد الْمهْدي، بُويعَ لَهُ بالخلافة بعد أَبِيه الْمَنْصُور بالمهدية سنة إحدى وَأَرْبَعين وَثَلَاثمائَة، ثمَّ خرج إِلَى "مصر" في سنة ثَمَان وَخمسين وَثَلَاثمائَة، وَاسْتولى عَلَيْهَا، وَهُوَ الذي بنى "الْقَاهِرَة"، مولده سنة تسع عشرَة وَثَلَاثمائَة، وعاش خمْسا وَأَرْبَعين سنهَ وَسَبْعَة أشهر، وَمَات على فرَاشه في ربيع الآخر، سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاثمائَة، وَدفن "بقرافة مصر" وَآخرهمْ العاضد لدين اللَّه، مَاتَ على فرَاشه سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْسمائَهَ، وَدفن بِالْقصرِ بِـ "الْقَاهِرَةِ" بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوف بدار الضَّرْب. والفاطميون أَرْبَعَة عشر خَليفَة.فائدةِ: رَأَيْت بِخَط شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّينْ الْقشيرِي فَائِدَة اتفاقية ثَلَاثة إخوة، ولدُوا في سنة وَاحِدَة، وَقتلُوا في سنة وَاحِدَة، وأسنانهم اثْنَان وَأَرْبَعُونَ سنة، وهم يزِيد، وَزِيَاد، ومدرك، بَنو الْمُهلّب بن أبي صفرَة، وَهُوَ مِمَّن مكث عشْرين سنة، لَا يُولد لَهُ إِلَّا ذكر، وَلَا يَمُوت لَهُ إِلَّا أُنْثَى، وَرَأَيْت بِخَطِّهِ أَيْضًا. فائدة: عقد الْمَأْمُون في يَوْم الْأَحَد لِأَخِيهِ المعتصم على الْمغرب، وَأمر لَهُ بِخمْسمائَة ألف دِينَار، ولابنه الْعَبَّاس الثغور والعواصم، وَأمر لَهُ بِخمْسمائَة ألف دِينَار، ولعَبْد اللَّه بن طَاهِر على الْجَبَل، ومحاربة بابك، وَأمر لَهُ بثلاثمائة ألف دِينَار، وَأمر لسَائِر الوفاد بِسبعمائَة ألف دِينَار. قَالَ عَمْرو بن الْفرج: هَذَا أول يَوْم فرق فيه من المال ما لا يفرق في غيره بمثله مذ كانت الدنيا. ورأيت بخطه أيضًا: فائدة: عبد اللَّه بن بريدة الأسلمي وأخوه سليمان بريدة ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد، وهما توأمان، ورأيت بخطه. فائدة مالية: عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشّرين بالجنة لما حضرته الوفاة أوصى لكل بدري بأربعمائة دينار، وكانوا يوم ذلك مائة رجل، فأخذوا، وأوصى بألف فرس في سبيل اللَّه، وكان تحتة أربع نسوة، فصولحت إحداهن من حصتها على مائتي ألف درهم. وقيل: إنه قيل له بم فعل بك، قال: كنت لا أرد ربحا ولا بيعا نسيئة، وهذا مال من حل، وإلا فالمال الحرام مع الناس كثير، ولا سيما الخلفاء والملوك والأمراء، واللَّه أعلم، ورأيت بخطه أيضًا. فائدة سبكيه: أربعة في الإسلام قتل كل واحد منهم ألف ألف رجل: الحجّاج بن يوسف، وأبو مسلم الخراساني، وبابك الحرمي، قتله المعتصم بعد العشرين ومائتين، والبرقعي، ولا خامس لهم.فائدة: الحمادان حماد بن زيد بن درهم، وحماد بن سلمة بن دينار، ولقد ألطف عبد اللَّه بن معاوية الجمحي حيث قال حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضل بن سلمة علي ابن زيد بن درهم كفضل الدينار على الدرهم. فائدة: السفيانان سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة. فائدة: الربيعان: الربيع بن سليمان المرادي، والربيع بن سليمان المؤذن، وكلاهما من أصحاب الشافعي الخصيصان به. فائدة: العُمَران: قيل أبو بكر، وعمر على التغليب. وقيل: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز. فائدة: الصاحبان، هكذا يقع هذا الإطلاق في كتب أصحابنا، وهما أبو يوسف ومحمد، ولا يريدون غيرهما من بين أصحاب الإمام، وهم نحو من أربعة آلاف نفر كما تقدم. فائدة: بَقِيَّة بن الْوَليد تكلمُوا فِيهِ، وَقد روى لَهُ مُسلم، وَلَقَد ألطف أَبُو مسْهر، حَيْثُ قَالَ: بَقِيَّة لَيست أَحَادِيثه نقية، فَكُن مِنْها على تقية. فائدة: مُسَدّد بن مسرهد بن مجرهد، وَقيل: ابْن مسربل بن مقربل، وَقيل: مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن مُسْتَوْرِد الْأَزْدِيّ، من شُيُوخ البُخَارِيّ، وَمُسلم. قَالَ أَحْمد بن عبد اللَّه: كَانَ أَبُو نعيم يسئلني عَن اسْمِه، فَأخْبرهُ، فَيَقُول: يَا أَحْمد هَذِه رقية الْعَقْرَب. فائدة: أَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة بالثاء الْمُثَلَّثَة، ولد عَام أحد نزل "الْكُوفَة"، وَصَحب عليا في مشاهده كلهَا، فَلَمَّا قتل عَليّ انْصَرف إِلَى "مَكَّة"، فَأَقَامَ بها، حَتَّى مَاتَ سنة مائة. وَقيل: أَربع وَمِائَة. وَقيل: سِتّ، وَقيل عشر.وَهُوَ آخر منْ مَاتَ مِمَّن رَأْى النَّبِي ﷺ، روى حَمَّاد بن زيد عَن سعيد الجْريرِي، عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: مَا على وَجه الأَرْض الْيَوْم رجل رَأْى النَّبِي ﷺ غَيْرِي. وَكَانَ شَاعِرًا محسنا. قَالَ أَبُو عمر: وَكَانَ يتشيّع في عَليّ، ويفضله، ويثني على الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر، ويترحم على عُثْمَان، وَقدم يَوْمًا على مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ وَجدك على خَلِيلك أبي الْحسن؟ قَالَ: كوجد أم مُوسَى على مُوسَى، وأشكو إِلَى اللَّه التَّقْصِير، قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ في "الطَّبَقَات": كَانَ صَاحب رأية الْمُخْتَار، وَكَانَ يَرْمِي بالرجعة، وَهُوَ الْقَائِل: وَبقِيتُ سَهْما في الكنانة وَاحِدًا … سيرمَى بِهِ أَو يكسر السهْم كاسره فائدة: إِذا قَالَ الْمُحدث عن حَدِيث رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَو الإمامان، وَأطلق، فَالْمُرَاد بهما البُخَارِيّ، وَمُسلم، وَإذا قيل: رُوَاة الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَأطلق، فَالْمُرَاد بهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائي، وابن ماجه. وإذا قيل: رواه الأئمة الخمسة، فالمراد بهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وإذا قيل: رواه الأئمة الخمسة، فالمراد بهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فائدة: حديث أبي هريرة ﵁ في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا. أخرجه الشيخان لأصحابنا فيه طريقان حديثية وأصولية. الطريق الأول الاضطراب، فقد روي فليغسله سبعا، أولاهن بالتراب، وروي إحداهن، وروي أخراهن، وروي وعفروه الثامنة بالتراب.قيل: إنه لم يقل بتعفير الثامنة بالتراب سوى الحسن البصري. الطريق الثاني القاعدة الأصولية العظيمة المشهورة أن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى فالعبرة بما رأى، لا لما روى، لأن الراوي العدل المؤتمن إذا روى حديثا عن رسول اللَّه ﷺ، وعمل بخلافه دل ذلك على شيء ثبت عنده، إما نسخ، وإما معارضة، وإما تخصيص، وغير ذلك من الأسباب. وأبو هريرة من مذهبه غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا. قال الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد في "الإمام": هو صحيح عن أبي هريرة من قوله، وهذه قاعدة عظيمة، خرج بها الجواب عن عدة أحاديث زعم الخصم أنا خالفناها، ومن هذا الباب حديث ابن عباس رفعه من بدل دينه فاقتلوه، وصح من قوله أن المرأة المرتدة لا تقتل، وهذا باب واسع، ليس هذا موضعه. فائدة: مذهب الأصحاب تقديم الخبر على القياس، وهذا هو الصحيح، كتبهم ناطقة بذلك، ولا عبرة بقول من نقل عنهم خلاف ذلك، فقد قال أصحابنا بحديث القهقهة المشهور، وأوجبوا الوضوء من القهقهة، والقهقهة ليست بحدث في القياس، وإنما تركنا القياس بالخبر. وأيضًا لم نوجب الوضوء على من قهقه في صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، لأن النص لم يرد إلا في صلاة ذات كوع وسجود، فاقتصرنا على مورد النص. ومن هذا الباب إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيا لم يفطر، والقياس الفطر لوجود ما يضاد الصوم، وهو قول مالك، لكن أصحابنا تركوا هذا القياس لحديث "ثم على صومك"، وروي ذلك عن بضعة عشر من الصحابة والتابعين.وَمن هَذَا الْبَاب الْوضُوء بنبيذ التَّمْر، وَهُوَ الرَّقِيق السيّال علىْ الْأَعْضَاء عَن أبي حنيفَة ثَلَاث رِوَايَات: في رِوَايَة قَالَ: يتَوَضَّأ بِهِ لحَدِيث لَيْلَة الجنّ، وَلم يجوّز أَصْحَابنَا الاغتسال بِهِ، لِأَن النَّص ورد في الْوضُوء، فَيقْتَصر عَلَيْهِ؟ وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: قَالَ أَبُو حنيفَة: التَّيَمُّم أحبّ إِلَي مِنْهُ. وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة أَنه رَجَعَ عَن الْوضُوء بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيح. فَائِدَة: حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِىّ ﵁ في صفة صَلَاة رَسُول اللَّه ﷺ في مسلم وَغَيره يشْتَمل على أَنْوَاع مِنْهَا، التورّك في الجلسة الثانِيَة، ضعَّفه الطَّحَاوِيّ لمجيئه في بعض الطّرق عَن رجل عَن أبي حميد، قَالَ الطَّحَاوِيّ، فَهَذَا يَنْقَطِع على أصل مخالفنا، وهم يردّون الحَدِيث بِأَقَلّ من هَذَا. قلت: وَلَا يتجوه علينا بمجيئه في مُسلم، فقد وَقع في مُسلم أَشْيِاء والتجوه لَا يقوى عِنْدِ الأصطدام، فقد وضع الْحَافِظ الرشيد الْعَطَّار كتابا على الْأَحَادِيث المقطوعة المخرجة في مُسلم، سَمَّاهُ بـ "غرر الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة في بيان مَا وَقع في مُسلم من الْأَحَادِيتَ المقطوعة"، سمعته على شَيخنَا أبي إِسْحَاق ابْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد اللَّه الظَّاهِرِيّ سنة اثنتي عشرَة وَسبعمائَة بِسَمَاعِهِ من مُصَنفه الحافِظ رشيد الدّين بِقرَاءَة الشيخ فَخر الدّين أبي عمر وَعُثْمَان المقاتلي، وَبَينهَا الشيْخ مُحي الدّين في أول "شرح صَحِيح مُسلم". وَمَا يَقُوله النَّاس: إن من روى لَهُ الشَّيْخانِ، فقد فاز القنطرة، هَذَا أَيْضا من التجوه، وَلَا يقوى، فقد روى مُسلم في كِتَابه عَن لَيْث بن أبي سليم وَغَيره من الضُّعَفَاء، فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا روى عنْهُم في كِتَابه للاعتبار والشواهد والمتابعات، وَهَذَا لَا يقوى، لِأَن الحْفاظ قَالَوا: الِاعْتِبَار والشواهد والمتابعاتأُمُور، يتعرفون بهَا حَال الحَدِيث، وَ"كتاب مُسلم" الْتزمْ فِيهِ الصَّحِة، فَكيف يتعرف حَال الحَدِيث، الذي فِيهِ بطرق ضَعِيفَة. واعلم أن "إنَّ" و"عن" مقتضيتان للانقطاع عند أهل الحديث، ووقع في "مسلم" و"البخاري" من هذا النوع شيء كثير، فيقولون على سبيل التجوه ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع، وما كان في "الصحيحين" فمحمول على الاتصال، وروى مسلم في كتابه عن أبي الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة. وقد قال الحفاظ أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي يدلس في حديث جابر، فما كان بصيغة العنعنة لا يقبل. وقد ذكر ابن حزم وعبد الحق عن الليث بن سعد أنه قال لأبي الزبير: علم لي على أحاديث سمعتها من جابر حتى أسمعها منك، فعلم له على أحاديث، أظن أنها سبعة عشر حديثا، فسمعها منه. قال الحفاظ: فما كان من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر فصحيح. وفي "مسلم" من غير طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر بالعنعنة أحاديث، وقد روى مسلم أيضًا في كتابه عن جابر وابن عمر في حجة الوداع أن النبي ﷺ توجه إلى "مكة" يوم النحر، فطاف طواف الأفاضة، ثم صلى الظهر بـ "مكة"، ثم رجع إلى "منى"، وفي الرواية الأخرى أنه طاف طواف الإفاضة، ثم رجع، فصلى الظهر بـ "منى"، فيتجوهون، ويقولون: أعادها لبيان الجواز، وغير ذلك من التأويلات، ولهذا قال ابن حزم في هاتين الروايتين إحداهما كذب بلا شك. وروى مسلم أيضًا حديث الإسراء، وفيه وذلك قبل أن يوحى إليه، وقد تكلم الحفاظ في هذه اللفظة، وبينوا ضعفها، وقد روى مسلم أيضًا خلق اللَّهالتربة يوم السبت، واتفق الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد. وقد روى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي ﷺ لما أسلم يا رسول اللَّه أعطني ثلاثا: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية، اجعله كاتبا، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين، فأعطاه النبي ﷺ ما سأله، والحديث معروف مشهور. وفي هَذَا من الْوَهم مَا لا يخفى، فَأم حَبِيبَة تزَوّجهَا رَسُول اللَّه ﷺ، وَهِي بِـ "الحبَشَةِ"، وَأصْدقهَا النَّجَاسِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَربعمائَة دِينَار، وَحضر، وخطب، وأطعم، والقصة مَشْهُورَة، وَأَبُو سُفْيَان إِنَّمَا أسلم عَام الْفَتْح، وَبَين هِجْرَة "الحبَشَة" وَالْفَتْح عدَّة سِنِين، وَمُعَاوِيَة كَانَ كَاتبا للنَّبِي ﷺ من قبل، وَأما إمارة أبي سُفْيَان فقد قَالَ الحْفاظ: إنهم لَا يعرفونها. فيجيبون على سَبِيل التجوّه بأجوبة غير طائلة، فَيَقُولُونَ في إنكاح ابْنَته: اعتقد أَن نِكَاحهَا بِغَيْر إذنه لَا يجوز، وَهُوَ حَدِيث عهد بِكفْر، فَأَرَادَ من النَّبِي ﷺ تَجْدِيد النِّكَاح، ويذكرون عَن الزبير بن بكّار بأسانيد ضَعِيفَة أَن النَّبِي ﷺ أمره في بعض الْغَزَوَات، وَهَذَا لَا يعرف، وَمَا حملهمْ على هَذَا كُله إِلَّا بعض التعصّب. وَقد قَالَ الحْفاظ: إن مُسلما لما وضع كِتَابه "الصَّحِيح" عرضه على أبي زرْعَة الرَّازِىّ، فَأنْكر عَلَيْه، وتغيظ، وَقَالَ: سميته "الصَّحِيح"، فَجعلت سلّما لأهل الْبدع وَغَيرهم، فَإِذَا روى لهُم الْمُخَالف حَدِيثا يَقُولُونَ: هَذَا لَيْسَ في "صَحِيح مُسلم"، فرحم اللَّه أَبَا زرْعَة، فقد نطق بِالصَّوَابِ، فقد وَقع هَذَا. وَمَا ذكرت ذَلِك كُله إِلَّا أَنَّهُ وَقع بيني وَبَين بعض الْمُخَالفين بحث في مسئلة التورّك، فَذكر لي حَدِيث أبي حميد الْمَذْكُور أَولا، فأجبته بتضعيفهالطَّحَاوِيّ لهُ فياما تلفظ، وَقَالَ: وَيصِيح، وَيَقُول: مُسلم يصحح، والطَّحَاوِي يضعف، اللَّه يغْفر لي وَله، آمين. فائدة: ذكر الإِمَام أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ في أول كِتَابه "الْأَوْسَط" الْمَعْرُوف بـ "السنن والْآثَار"، وَإِنَّما قلت: "الْأَوْسَط"، لِأَنَّ لَهُ في السّنة ثَلَاثة مصنفات: الأول: السّنَن الْمَعْرُوف بـ "السنن الْكَبِير" نَحْو خمسَة عشر مُجَلدا. وَالثَّانِي: السنن الْمَعْرُوف بِـ "مَعْرِفَة السنَن والْآثَار" في ثَلَاث مجلدات. وَالثَّالِث: "السّنَن الصَّغِير" في مُجَلد. فرأيت في كتابه "الأوسط" قال البيهقي وحين شرعت في كتابي هذا جاءني شخص من أصحابي بكتاب لأبي جعفر الطحاوي، فكم من حديث ضعيف فيه صححه لأجل رأيه، كم من حديث فيه صحيح ضعفه لأجل رأيه هكذا. قال وحاشا للَّه أن الطحاوي ﵀ يقع في هذا، فهذا الكتاب الذي أشار إليه هو الكتاب المعروف بـ "معاني الآثار"، وقد تكلمت على أسانيده، وعزوت أحاديثه وآثاره إلى الكتب الستة، و"المصنف" لابن أبي شيبة والطبراني، كتب الحفاظ، ووصلت فيه إلى الربع، وسميته بـ "الحاوي في بيان آثار الطحاوي"، فاسئل اللَّه إتمامه في خير وعافية، وكان ذلك بإشارة شيخنا العلامة الحجّة قاضي القضاة علاء الدين، والد شيخنا قاضي القضاة جمال الدين لما سأله بعض الأمراء عن ذلك، وقال له عندنا "كتاب الطحاوي"، فإذا ذكرنا لخصمنا الحديث منه يقولون لنا: ما نسمع إلا من البخاري ومسلم في كلام نحو هذا، فقال له قاضي القضاة علاء الدين: والأحاديث التي في الطحاوي أكثرها في البخاري ومسلم والسنن وغير ذلك من كتب الحفاظ في كلام نحو هذا، فقال له الأمير أسئلك أن تخرجه، وتعزو أحاديثه إلى هذه الكتب، فقال له قاضي القضاة: ما أتفرغلذلك، ولكن عندي شخص من أصحابي يفعل ذلك، وتكلم معه ﵀ في الإحسان إلي وعظمني عنده، وجعلني أمة في هذا العمل، فحملني إلى الأمير، وأحسن إلي، وأمدني الأمير بكتب كثيرة، كـ "الأطراف" للمزي و"تهذيب الكمال" له، وغيرهما، وشرعت فيه. وكان ابتدائي فيه في سنة أربعين، وأمدَّني شيخنا قاضي القضاة ﵀ بكتاب لطيف، فيه أسماء شيوخ الطحاوي، وقال لي: هذا يكفيك من عندي. فحصل لي النفع العظيم به. ووجدتُ الطحاوي قد شارك مسلما في بعض شيوخه، كيونس بن عبد الأعلى، فوقع لي في كثير من الأحاديث أن الطحاوي يروي الحديث عن يونس بن عبد الأعلى، ويسوقه، ومسلم يرويه بعينه عن يونس بن عبد الأعلى بسند الطحاوي، وواللَّه لم أر في هذا الكتاب شيئا مما ذكره البيهقي عن الطحاوي، وقد اعتنى شيخنا قاضي القضاة علاء الدين، ووضع كتابا عظيما نفيسا على "السنن الكبير" له، وبين فيه أنواعا مما ارتكبها من ذلك النوع، الذي رمى به البيهقى الطحاوي، فيذكر حديثا لمذهبه، وفي سنده ضعيف، فيوثقه، ويذكر حديثا على مذهبنا، وفيه ذلك الرجل بعينه الذي وثَّقه، فيضعَّفه، ويقع هذا في كثير من المواضع، وبين هذين العلمين مقدار ورقتين أو ثلاثة، وهذا كتابه موجود بأيدي الناس، فمن شكَّ في هذا فلينظرْ فيه، وكتاب سيّدنا قاضي القضاة هذا قد أخذته عنه، وهو عندي في مجلدين كبيرين، وهو كتاب عظيم، ولو رآه من قبله من الحفَّاظ لسألوه تقبيل لسانه الذي تفوه بهذا، كما سأل أبو سليمان الدارني أبا داود، صاحب "السنن" أن يخرج إليه لسانه، حتى يقبله، والقصة مشهورة. ويقول الناس: إن الشافعي له فضل على كل أحد، والبيهقي فضله على الشافعي، فواللَّه ما قال هذا من شم ترجمة الشافعي وعظمته ونشأته في العلوم، ولقد أخرج الشافعي بابا من العلم ما اهتدى إليه الناس من قبله، وهو علم الماسخ والمنسوخ، فعليه مدار الإسلام، مع أن البيهقي إمام حافظ كبير،نشر السنة، ونصر مذهب الشافعي في زمنه، ورأيت في ترجمته في كتاب عتيق بخط بعض الثقات أنه كان موصوفا بالزهد، وأنه رأى رب العزة في النوم غير مرة، ووقعت له بمجلد صخم، سماه "الزهد الكبير"، صنفه ﵀، وسمعته من بعض مشايخنا، وهو عندي، وهو كتاب يدل على عظمته ﵀، ورحم أئمة المسلمين. والأثر وأهل الفقه والنظر، ولقد رأيت في بعض التواريخ عن الإمام الشافعي ﵁ أنه زار الإمام أبا حنيفة بـ "بغداد"، وقال: فأدركتني صلاة الصبح وأنا عند ضريحه، فصليت الصبح، ولم أجهر بالبسملة، ولاقنت حياء من أبي حنيفة، ﵀. فائدة: قال بعض علماء الشافعية ﵃: زاد أبو حنيفة تكبيرة في الصلاة من عنده، لم تثبت في السنة، ولا دل عليها قياس. قلت: يشير إلى أن مصلي الموتر إذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه، ثم قنت، ومعاذ اللَّه أن الإمام أبا حنيفة يشرع شرعا من عنده، ولا شك أنه إذا فرغ من القراءة، وأراد أن يقنت قبل الركوع، فقد اختلفت الحالتان بين القراءة وبين دعاء القنوت، فيفصل بينهما بتكبيرة، لأنها من جنس الصلاة. وقد روي عن أبي بن كعب رضي اللَّه أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر في الثالثة قبل الركوع، رواه النسائي، وخرجه الشيخ في "الإلمام"، فمعلوم أن النبي ﷺ فصل بين القراءة ودعاء القنوت، فيحتمل أنه فصل بتكبيرة، وقد رأينا الانتقال في الصلاة من حالة إلى حالة بالتكبير، كالانحطاط من القيام إلى الركوع، ثم من الركوع إلى القيام، ثم من القيام إلى السجود، ثم من الرفع من السجود. واللَّه أعلم. قال أبو نصر الأقطع بعد أن ذكر قول هذا الشافعي عن أبي حنيفة: وهذا خطأ منه، فإن ذلك مروي عن علي وابن عمر والبراء بن عازب ﵃، والقياس يدل عليه أيضًا، فإن التكبير للفصل والانتقال من حالإلى حال، وحال القنوت مخالفة لحال قراءة القرآن، فبطل قوله. فائدة: المحرم عليهم الصدقة من بني هاشم، هم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب. قال علي بن صالح: كان لعبد المطلب عشرة من الولد كل واحد منهم يأكل جذعة، وهم الحارث، والزبير، والمغيرة، ولقبه جحل بتقديم الجيم، وقيل: بالعكس، ويقال: الغيداق أيضًا، وضرار، والمقوّم وأبو لهب، واسمه عبد العزّى، وقثم، وأبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وهو أصغرهم، قال أبو سعد: والعقب من بني عبد المطلب للعباس، وأبي طالب، والحارث، وأبي لهب، وقد كان لحمزة والمقوّم والزبير وجحل بني عبد المطلب أولاد لأصلابهم، فهلكرا، والباقون لم يعقبوا، الحارث كان أكبر عمومة النبي ﷺ، ولم يدرك الإسلام، وأسلم من أولاده أربعة: نوفل، وربيعة، وأبو سفيان، وعبد اللَّه، ونوفل أسنّ من إخوته، وأسنّ من سائر بني هاشم، وأبو طالب له من الولد طالب، مات كافرا، وعقيل، وجعفر، وعلى، وأمّ هانئ، لهم صحبة. وطالب أسنّهم، أسنّ من عقيل بعشر سنين، وعقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسنّ من علي بعشر سنين. ومن أولاد أبي طالب أيضًا جمانة، ذكرها أبو موسى في الصحابيات، وقسم لها رسول اللَّه ﷺ ثلاثين وسقا من "خيبر". والعباس بن عبد المطلب أسلم هو وحمزة من أعمامه، وكان أسنّ من النبي ﷺ بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد اللَّه، وقثم، لهم صحبة، والثلاثة إخوة أشقاء، أمهم أم الفضل لبابة بنت الحارث أخت ميمونة، والفضل أكبر أولاد العباس ﵃. فائدة: الإمام فخر الدين الرازي، اشتهر بهذا اللقب والنسب عالمان كبيران: صاحبا فنون وتصانيف، حنفي وشافعي، فالحنفي أحمد بن علي،صاحب "أحكام القرآن" وغيره، مولده سنة خمس وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحد في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة. والشافعي محمد بن عمر، مولده سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين وخمسمائة بـ "الري"، وتوفي سنة ست وست مائة بمدينة "هراة"، وللحنفية أيضًا محمد بن عمر الرازي أبو الفضائل الإمام فخر الدين، مات سنة ست وخمسين وستمائة بـ "هراة"، ومحمد بن عمر الحنفي وافق الشافعي في الاسم وفي اسم الأب، وفي اللقب، وفي النسبة، والمعاصرة، وفي الوفاة، وفي السنة والبلد. فائدة: الزعفراني اشتهر بها إمامان كبيران: حنفي، وشافعي. فالحنفي محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبدوس، مات سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. والشافعي الحسن بن محمد بن الصباح، روى عنه أبو داود، والترمذي. ومات سنة تسع وأربعين ومائتين. فائدة: الشاشي هذه النسبة، اشتهر بها إمامان كبيران: حنفي، وشافعي، فالحنفي أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق، جعل له الكرخي التدريس لما أصابه الفالج، توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، والشافعي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بالقفال، مات سنة أربع عشرة وثلاثمائة. فائدة: البيهقي نسبة لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي، فالحنفي إسماعيل بن الحسين، صاحب "كتاب الشامل"، والشافعي أبو بكر أحمد بن الحسن صاحب "السنن"، وغيررها، مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. فائدة: ابن خزيمة اشتهر بهذا إمامان كبيران متعاصران: حنفي، وشافعي. الحنفي محمد بن خزيمة، مات سنة أربع عشرة وثلاثمائة.والشافعي محمد بن [إسحاق بن] خزيمة، مات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، أدرك أصحاب الشافعي، وتفقه عليهم. فائدة: الكرابيسى نصبة لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي. الحنفي عين الأئمة عمر، والشافعي الحسين بن علي صاحب الشافعي. فائدة: الكرخي "كرح جدان"، اشتهر بذلك إماعان كبيران: حنفي، وشافعي، الحنفي عبد اللَّه بن دلهم أبو الحسن، مولده سنة ستين ومائتين، ومات بعد سنة أربعين وثلاثمائة، والشافعي أحمد بن سلامة بن عبيد اللَّه، مات سنة سبع وعشرين وخمسمائة من أصحاب أبي إسحاق الشيرازي. فائدة: إمام الحرمين لقب لإمامين كبيرين: حنفي، وشافعي. الحنفي أبو المظفّر يوسف القاضي لجرجاني، ذكره صاحب "حماة" في "تاريخه"، جد إبراهيم بن محمد بن يوسف العابوني، كان جد إبراهيم إماما، تقدم في بابه. والشافعي أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمد عبد اللَّه بن يوسف ابن عبد اللَّه بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي، مولده في ثامن عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفي في خامس عشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. أقام بـ "مكة" و"المدينة" أربع سنين يدرس، ويفتي، فلهذا لقب بإمام الحرمين. فائدة: للحنفية محمد بن محمد بن محمد ثلاثة متوالية: رضي الدين، صاحب "البحر المحيط"، وللشافعية محمد بن محمد بن محمد زين الدين الغزالي، صاحب "الوسيط"، و"الإحياء"، وغيرهما. فائدة: للحنفية ابن الباقلاني إمام كبير، يعرف بابن الباقلاني، وهو الحسن ابن معالي بن مسعود.تقدم في بابه، مات سنة سبع وثلاثين وستمائة. وللشافعية الإمام الكبير المتكلم ابن الباقلاني، أبو بكر. مات بـ "بغداد" سنة ثلاث وأربعمائة. فائدة: الصبغي بكسر الصاد المهملة، وسكون الموحدة، والغين المعجمة. نسبة إلى الصبغ، والصباغ، وهو ما يصبغ به من الألوان، اشتهر بها إمامان: حنفي، وشافعي. فالحنفي أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف السمرقندي. مات سنة ست وعشرين وخمسمائة. والشافعي محمد بن عبد اللَّه بن محمد النيسابوري. مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. فائدة: الجرجاني نسبة وشهرة لإمامين كبيرين متعاصرين: حنفي، وشافعي. فالحنفي محمد بن يحيى بن مهدي. تفقه على أبي بكر الرازي. تفقه عليه القدوري. مات سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. والشافعي محمد بن الحسين، له وجوه حسنة في المذهب. مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة. فائدة: عبد السيّد، اشتهر بهذا جماعة حنفيون، عبد السيد بن علي، يعرف بابن الزيتوني، مات سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وعبد السيّد الخطيبي، وعبد السيّد والد ناصر الأمام صاحب "المغرب" المطرزي، وللشافعية عبد السيّد ابن محمد بن نصر، تفقه على الشيخ أبي إسحاق في معرفة المذهب، مات سنة سبع وسبعين وأربعمائة.فائدة: لنا بلخي بالباء الموحّدة والخاء المعجمة، وثلجي بالثاء المثلثة والجيم، فالأول أبو مطيع، صاحب الأمام، والثاني محمد بن شُجاع، وهو المذكور في أول الجمعة من "الهداية"، ويصحفه بعضهم بالباء الموحدة والخاء المعجمة، وهو غلط. فائدة: إذا أطلق ابن عباس لا يراد به إلا عبد اللَّه بن عباس الصحابي، هذا هو اصطلاح العلماء من الفقهاء والمحدثين، وأما إطلاق صاحب "الهداية" في أواخر باب الإحرام، حيث قال: ثم وقف بـ "المزدلفة"، ووقف الناس معه، ودعا لأن النبي ﷺ وقف في هذا الموضع يدعو، حتى روى في حديث ابن عباس استجيب له دعاؤه لأمته، حتى الدماء والمظالم، وهذا الإطلاق ليس يجيد، فإنه ليس بابن عباس الصحابي، وإنما هو كنانة ابن عباس بن مرداس السلمي. روى هذا الحديث عن أبيه عن جدّه، ورواه عنه ابنه عبد اللَّه بن كنانة، وعبد اللَّه بن كنانة، ضعيفان، ضعّفهما البخاري، وابن حبّان، وهذا الحديث ضعيف بهما. فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في الأيمان لما روى خارجة بن زيد عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ أنه سئل عن رجل، قال: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام أن فعل كذا، ثم حنث قال: عليه كفارة يمين، فقوله خارجة بن زيد عن أبيه عن جدّه غلط، وإنما هو خارجة بن زيد عن أبيه، والحديث. رواه البيهقي، عن سليمان بن أبي داود، عن الزهري، عن خارجة، عن أبيه، ثم قال: ولا أصل له من حديث الزهري، ولا غيره. تفرد به سليمان بن أبي داود، ضعفه الأئمة، وتركوه. قلت: وخارجة أحد الفقهاء السبعة، وأبوه زيد بن ثابت، ﵁، كاتب النبي ﷺ.فائدة: من الفواطم الصحابيات: فاطمة بنت قيس، التي طلقها زوجها، وفاطمة بنت أبي حُبيش، إحدى المستحاضات على عهد رسول اللَّه ﷺ، وأبو حُبيش اسمه قيس، فتارة يقولون: فاطمة بنت قيس، وتارة يقولون: فاطمة بنت أبي حُبيش. وبعضهم يفرق بينهم، فيقولون: فاطمة بنت قيس، التي طلقها زوجها، وفاطمة بنت قيس المستحاضة. وذكرها صاحب "المبسوط" و"القدوري" في "شرح مختصر الكرخي" في المستحاضات فاطمة بنت قيس هكذا نسباها، وقالا: فاطمة بنت قيس، وغلطهما صاحب "الغاية"، وقال: غلطا من وجهين: أحدهما في قولهما: فاطمة بنت قيس، وإنما فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها، والثاني أنهما ذكراها في المستحاضات، وإنما المستحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، وهو أحق بالغلط، والصواب معهما. فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في كتاب النكاح في مسئلة وإذا كان بالزوجة عيب فلا خيار لزوجها، لأن في إثبات الخيار إضرارا بها، وضرر الزوج مندفع بأخرى أو بها على تقدير زوال العيب، وما روى الشافعي أنه ﵇ تزوج امرأة، فوجد بكشحها بياضا، فردها محمول على الطلاق. وقد ذكره البخاري، وقال فخلا سبيلها، هذا الإطلاق، ليس بجيد، فإن الأئمة إذا أطلقوا العزو إلى البخاري، لا يريدون به إلا كتاب الصحيح، وإذا أرادوا غير الصحيح يقيدونه، فيقولون ذكره البخاري في كتاب الأدب أو في كتاب القراءة خلف الإمام، أو في "كتاب رفع اليدين" أو في "كتاب التاريخ الكبير" أو "الصغير" أو ما أشبه ذلك، وهذا الحديث هو حديث الغفارية، وأصل الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وضعَّفوه لاضطراب وقع فيه، وفي ظني أني رأيته في "التاريخ الصغير".فائدة: قال صاحب "الخلاصة" في كتاب الوصايا في مسئلة: ومن أوصى إلى أصهاره، وكان الصحابة يسمون قرابة صفية أصهار رسول اللَّه ﷺ، فقوله صفية غلط، والصواب جويرية، والقصة في "سنن أبي داود"، وغيره. فائدة: قال في "الهداية" في الجنائز: وإذا وضع في لحده، قال الذي يضعه: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه ﷺ، كذا قال ﵊ حين وضع أبا دجانة في القبر. وقال في "المبسوط": صح أن النبي ﷺ أخذ أبا دجانة الأنصاري من قبل القبلة. قلت: وهذا غلط، لأن أبا دجانة كان حيا بعد رسول اللَّه ﷺ، واستشهد بـ "اليمامة" في خلافة أبي بكر الصديق، ﵄. فائدة: قال صاحب "الهداية" في باب الأذان لقوله ﷺ لابني أبي مليكة: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، هذا غلط. والصواب مالك بن الحويرث وابن عم له، وقد ذكره المصنف هكذا في الصرف على الصواب، وكذا ذكره على الصواب صاحب "المبسوط"، وفخر الإسلام في "الجامع الصغير"، والإمام المحبوبي، والحديث في "الصحيحين" هكذا. واللَّه أعلم. وقد وقع في كتاب "الهداية" و"الخلاصة" أوهام كثيرة غير ما ذكرته، قد بينت ذلك في كتابي "العناية بمعرفة أحاديث الهداية"، وكتابي "الطرق والوسائل إلى معرفة أحاديث خلاصة الدلايل"، وفي كتابي "تهذيب الأسماء". واللَّه أعلم. فائدة: للحنفية "كتاب البحر"، و"كتاب الوسيط"، و"كتاب الوجيز"، والثلاثة للإمام رضي الدين محمد بن محمد بن محمد، وللشافعية "البحر" للروياني، و"الوسيط" للغزالي، و"الوجيز" للرافعي.فائدة: للحنفية "الشامل" للبيهقي، وللشافعية "الشامل" لابن الصباغ. فائدة: للحنفية "النهاية" للإمام حسام الدين الصغناقي، وللشافعية "النهاية" لإمام الحرمين. فائدة: للحنفية "الذخيرة" لبرهان الأئمة، وللشافعية "الذخائر" للقاضي المجلى. فائدة: للحنفية "الكافي" للإمام حافظ الدين النسفي، وللحنابلة "الكافي" للشيخ موفق الدين. فائدة: للحنفية "الهداية" للإمام برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، وللحنابلة "الهداية" لأبي الخطاب. فائدة: للحنفية "المنتقى" للحكم الشهيد، وللمالكية "المنتقى" للباجي. فائدة: للحنفية "الكفاية"، وتعرف بـ "كفاية المنتهي" لصاحب "الهداية"، وللشافعية "الكفاية" للشيخ نجم الدين ابن الرفعة. فائدة: للحنفية "كتاب الجامع" لمحمد بن الحسن، ولهم ولمخالفيهم "الجامع" للبخاري، و"الجامع" للترمذي. فائدة: علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، لم يوجد في المتقدمين، ولا في المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان أبو علي ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين، وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه أيضًا في نهاية الحسن، لكن ابن البواب هذّب طريقته، ونقّحها، وكساها طلاوة وبهجة، والكل معترفون له بالتفرد، وعلى منواله ينسجون، توفي يوم الخميس، ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين، وقيل: ثلاث عشرة وأربعمائة بـ "بغداد" ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل ﵁، كذا ذكره ابن خلكان. وأنشدني بعض العلماء بيتين، ذكر أنه رثى بهما ابن البوَّاب، فقال شعر:استشعر الكتّاب فقدك سالفا … وقضت بصحة ذلك الأيام فلذاك سودت الدواة كآبة … أسفا عليك وشقت الأقلام وابن مقلة اسمه محمد بن علي بن مقلة أبو علي، انتقلت به الأحوال إلى أن استوزره الإمام المقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة، وعزل سنة سبع عشرة إلى أن استوزره القاهر باللَّه سنة اثنتي وعشرين، ثم قبض عليه، وجرت له أمور كثيرة، وقطعت يده اليمنى، ثم تولى الوزارة، وكان يربط القلم على يده، ويكتب، ثم عزل، وقطع لسانه، ومات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين، وأبرزها في هذه الصورة على ما تقدم في ترجمة علي بن البواب. فائدة: ثلاثة إخوة من العلماء، يعرفون بأولاد ابن الأثير. أحدهم: علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، عرف بابن الأثير عز الدين، صاحب "التاريخ"، و"مختصر السمعاني"، مات سنة ثلاثين وستمائة. والثاني: أخوه مجد الدين أبو السعادات المبارك، صاحب كتاب "جامع الأصول"، وله "الشافي في شرح مسند الشافعي"، مات سنة ست وثلاثمائة. الثالث: ضياء الدين أبو الفتح نصر اللَّه، صاحب "كتاب الوشى المرقوم"، وله "كتاب الإنشاء"، وكان نحويا شاعرا عالما بالبيان وغيره، مات سنة سبع وثلاثين وستمائة بـ "بغداد". فائدة: إمامان محدثان فقيهان مالكيان متعاصران قرطبيان متأخران: عم النفع بتصانيفها الموافق والمخالف، أحدها أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، صاحب "كتاب المفهم في شرح مختصره لصحيح مسلم"، وقد رأيت هذا المختصر، وهو نفيس جدا، حاويا بجميع روايات أصله، والآخر أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي صاحبه ورفيقه وتلميذه، صاحب التفسير و"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"، و"الأسنىفي شرح أسماء اللَّه الحسنى"، ومات أبو العباس ابن القرطبي سنة ست وخمسين وستمائة، ذكره الدمياطي في "مشيخته"، ومات في هذه السنة من الأعيان الشيخ يحيى الصرصري، والمستعصم باللَّه، ومحي الدين ابن الجوزي، والملك الناصر داود، والحافظ عبد العظيم، والبهاء زهير، وسيف الدين المشد، وأبو الحسن الشاذلي، ومات أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد القرطبي في شوال، سنة إحدى وسبعين وستمائة. فائدة: طويس المغنى، واسمه عيسى بن عبد اللَّه، كان من المبرزين في الغناء، وله ترجمة واسعة في "الأغاني"، وهو الذي يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من طويس، لأنه ولد في يوم قبض النبي ﷺ، وفطم في يوم مات أبو بكر، وختن في يوم قتل عمر، وبلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد له في اليوم الذي قتل فيه على، فلذلك تشاءموا به. وهذا من عجائب الاتفاقات، ومات سنة اثنتين وستين من الهجرة بـ "السويداء" على مرحلتين من "المدينة"، وكان انتقل إليها من "المدينة". فائدة: بهاء الدين قراقوش خادم أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين، يوسف بن أيوب، وهو الذي قام في تدبير الأمر لصلاح الدين بعد شيركوه، وكان صلاح الدين يرى له ذلك، فاعتمد عليه، ولم يكن يخرج عن رأيه، وهو الذي بنى السور المحيط بـ "القاهرة" و"مصر"، وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر، التي بـ "الجيزة" على طريق الأهرام، وهي آثار دالة على علو الهمة، وعمّر بالمقس رباطا، وعلى باب الفتوح بظاهر "القاهرة" خان السبيل، وله وقف كبير لا يعرف مصرفه، وكان حسن المقاصد جميل النية، ولما أخذ صلاح الدين عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما عادوا، واستولوا عليها حصل أسيرا في أيديهم.ويقال: إنه أفتك بعشرة آلاف دينار، والناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة في ولايته، حتى أن ابن الخطيب الملقّب بالمهذّب القاضي كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، واسمه أسعد ابن الخطيب، و"نظم سيرة صلاح الدين بن أيوب"، و"نظم كليله ودمنه"، وله "ديوان شعره"، توفي سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة، صنف جزء لطيفا، سماه "الفاشوش في حكم قراقوش"، وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها، والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان معتمدا عليه في مملكته وأموره، ولولا وثوقه إليه ما فوّضها إليه، وتوفي في رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بـ "القرافة" في تربته المعروفة به بسفح المقطَّم، رحمه اللَّه تعالى. قلت: رأيت قبره، وزرته، وهو قريب من قبر عقبة بن عامر الجهني الصحابي، ﵁. * * *