Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

تعقب الشهاب المرجاني لكلام ابن الكمال في طبقات الفقهاء:

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 7889, entry [7263]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: تعقب الشهاب المرجاني لكلام ابن الكمال في طبقات الفقهاء:
page 7889, entry [7263]Open original source
تعقب الشهاب المرجاني لكلام ابن الكمال في طبقات الفقهاء: سبق أن ذكرنا نصّ رسالة ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء في هامش (٢٥ - ٢٧)، ووعدنا في صلب هذا الكتاب هناك نقل نصّ تعقّب المرجاني في آخر الكتاب لما في ذلك من الفوائد، فها أنا ذا أفي بوعدي، وأعرض ذلك تعقّبا لأنظار الباحثين، وأقول: قال الشهاب المرجاني في كتابه: اعلم أن المجتهد ضربان: أحدهما المجتهد المطلق، وهو صاحب الملكة الكاملة في الفقه والنياهة وقرط البصر، والتمكّن من الاستنباط المستقل به من أدلته، كأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وثانيهما: المجتهد في مذهب إمام، قالوا: هو الذي يتحقق لديه أصول إمامه وأدلّته، ويتخذ نصوصه أصولا، يستنبط منها الفروع، وينزل عليها الأحكام نحو ما يفعله بنصوص الشرع فيما لم يقدر على استنباطه من الأدلة، وهذه الطائفة وإن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق،وتقاصروا في الفقه عن شأو أولئك لكنّهم ليسوا بمقلّدين، بل هم أصحاب النظر، والاستدلال والبصارة في الأصول والخبرة التامة بالفقة، ولهم محلّ رفيع في العلم وفقاهة النفس ونباهة الفكر، وقدرة وافية في الجرح والتعديل، والتمييز بين الصحيح والضعيف، وقدم عالية في الحفظ للمذهب والنضال عنه والذبّ وتلخيص المسألة وبسط الأدلة وتقرير الحجّة وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون، ويخرجون، ثم من بعدهم طوائف متفاوت في العلم بين ثقة وضعيف في الرواية، وكامل وقاصر في الفقه والدراية، وقد جعل أحمد بن سليمان الرومي، المعروف بابن الكمال (¬١) أحد الفضلاء المشاهير في الدولة العثمانية فقهاء الأصحاب على سبع طبقات. الطبقة الأولي: المجتهدون في الشرع، كلأئمة الأربعة، ومن يحذو حذوهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحد، لا في الفروع ولا في الأصول. الثانية: المجتهدون في المذهب، كأصحاب أبي حنيفة الثلاثة، ومن سلك مسلكهم في استخراج الأحكام على القواعد، التي قرّرها شيخهم وأستاذهم، فهم وإن خالفوه في بعض الأحكام، لكنّهم يقلّدونه في قواعد الأصول، به يمتازون عن المخالفين له في الأصول والفروع. والثالثة: المجتهدون في المسائل، كالخصّاف، والطحاوي، والكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان، وأمثالهم، الذين لا يقدرون على المخالفة، لا في الأصول ولا في الفروع، إنما يستنبطون الأحكام فيما لا نصّ فيها عن المجتهد في الشرع، على حسب أصول قرّرها ومقتضى قواعد بسطها.والرابعة: المقلّدون الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن أحد المجتهدين، وهم أصحاب التخريج، كالرازي وأضرابه. والخامسة: أصحاب الترجيح، كأبي الحسين القدروي، وصاحب "الهداية"، وشأنهم تفضيل بعض الراويات على بعض بقولهم: هذا أصحّ رواية، وهذا أوفق للقياس، وأرفق بالناس. والسادسة: المقلّدون القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية، وغيرها، كصاحب "الكنز"، و"المختار"، و"الوقاية"، و"المجموع"، وغيرهم. والسابعة: المقلدون الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسمين، ولا يميّزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لهم ولمن قلّدهم كلّ الويل. هذا ما ذكره، وقد أورده التميمي في "طبقاته" بحروفه، ثم قال: وهو تقسيم حسن جدا، وأقول: بل هو بعيد عن الصحة بمراحل، فضلا عن حسنه جدا، فإنه تحكّمات باردة، وخيالات فارغة، وكلمات، لا روح لها، وألفاظ غير محصلة المعنى، ولا سلف له في ذلك المدعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى، وإن تابعه من جاء من عقبه من غير دليل يتمسّك به، وحجة تلجئه إليه، ومهما تسامحنا معهم في عدّ الفقهاء والمتفقّهة على هذه المراتب السبع، وهو غير مسلّم لهم، فلا يتخلّصون من فحض الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات فليت شعري ما معنى قوله: إن أبا يوسف ومحمدا وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في الأحكاملكنّهم يقلّدونه في قواعد الأصول، ما الذي يريد من الأصول، فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب أصول الفقه، فهي قواعد عقلية، وضوابط برهانية، يعرفها المرء من حيث إنه ذو عقل وصاحب فكر ونظر، سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهاد قط، وشأن الأئمة الثلاثة أرفع وأجلّ من أن لا يعرفوها، كما هو اللازم من تقليد غيرهم فيها، فحاشاهم، ثم حاشاهم عن هذه النقيصة، وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما، فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة هو أبو يوسف، ليس إلا وقولهم: أبو يوسف أبو حنيفة بمعني أن أبا يوسف بلغ الدرجة القصوى من الفقاهة، ولم يقصر عنها، والقصر على كلا التقديرين إفرادي. وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدّمه أحد في زمانه، وكان على النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وقال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف، وخيف عليه، فعاده أبو حنيفة، فلمّا خرج من عنده، قال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من على الأرض، وكذلك محمد بن الحسن قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه، وقال الربيع بن سليمان: كتب إليه الشافعي، وقد طلب منه كتبا فأخّره، فكتب إليه: قل للذي لم تر عيـ … ن من رآه مثلهحتى كأن من رآ … هـ قد رأى من قبله العلم ينهي أهله … أن يمنعوه أهله لعله يبذله … لأهله لعله فأنفذ إليه الكتب، وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمد بن الحسن، وقال الحسن بن أبي مالك: لم يكن أبو يوسف يدقّقها التدقيق الشديد، قال عيسى بن أبان: هو أفقه من أبي يوسف. قد قال عبد الرحمن بن خلّدون المالكي في "مقدمته": إن الشافعي رحل إلى "العراق"، ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة، وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل "الحجاز" بطريقة أهل "العراق"، واختصّ بمذهب. وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث واختص بمذهب. اهـ. ألا ترى أنه لما ادعى بعض الشافعية ترجّح القول بمفهوم الصفة على القول بنفيه عنهم بكون الشافعي قائلا به مع سلامة طبعه واستقامة فهمه وغزارة علمه وصحة النقل عنه لكثرة أتباعه، ردّه ابن الهمام وآخرون، بأن هذه الكمالات كلّها متحقّقة في محمد بن الحسن مع تقدّم زمانه، وعلوّ شأنه، وهو قائل بنفيه (¬١). وأما زفر، فقد قال فيه أبو حنيفة: ﵀ هذا إمام من أئمة المسلمين، وإنه أقيس أصحابي، وقال المزني: هو أحدّهم قياسا، وكفى بذلك شهادة له، ولكلّ واحد منهم أصول مختصّة به، تفرّدوا بها عن أبي حنيفة، وخالفوه فيها، ومن ذلك أن الأصل في تخفيف النجاسة تعارض الأدلة عندأبي حنيفة ﵀، واختلاف الأئمة عندهما، بل قال الغزالي: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، ونقل النووي في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات" عن أبي المعالي الجويني أن كلّ ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملتحق بالمذهب، فإنه لا يخالف أقوال الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري في عداد الفقهاء، وقال: إنما هو من حفّاظ الحديث، وذلك مشهور. وقال ابن خلدون: وأما أحمد بن حنبل فمقلّده قليل بعد مذهبه عن الاجتهاد، وقال: إن الحنيفية أهل البحث والنظر، وأما المالكية فليسو بأهل نظر. انتهى. فكيف يكون هو من المجتهدين في الشرع، بدون أبي يوسف ومحمد وزفر، ﵏ ضراغم غابات الفقه، وليوث غياض النظر، غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ، وفرط إجلالهم لمحلّه ورعايتهم لحقه تشمّروا على تنويه شأنه، وتوغّلوا في انتصاره والاحتجاج لأقواله وروايتها للناس ونقلها لهم وردّهم إليها والإفتاء عند وقوع الحوادث بها، وتجرّدوا لتحقيق فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها، وتمهيد قواعد محكمة ومقاييس متقنة، يستفاد بها الأحكام، واستنباط قوانين صحيحة، وطرائق قويمة، يتعرّف بها المعاني في تضاعيف الكلام، وأرجو ذلك في تصحيح مذهبه وبيانه لمن يتمسّك به الاعتقاد من أنه أعلم وأروع وأحقّ للاقتداء به والأخذ بقوله وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي (¬١) على ما قال مسعر بن كدام: مَنْ جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن فرط على نفسه في الاحتياط. انتهى.مقامه في الفقه مقام لا يلحق، شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشافعي، ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين، كالأئمة الثلاثة، والأوزاعي، وسفيان، وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثّها في الناس والاحتجاج لها بالنصّ والقياس، لكان كلّ ذلك مذهبا منفردا عن مذهب الإمام أبي حنيفة، مخالفا له. هذا وإن أراد منه الأدلة الأربعة وأصول الشريعة من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس في الأخذ عنها والاستنباط منها، فلا سبيل إلى ذلك، لأن أصول الشريعة مستند كلّ الأئمة وملجأهم في أخذ الأحكام، فلا يتصوّر مخالفة غيره له فيها. فإن قيل: لعل مراده أنهم يقلّدون أبا حنيفة في كون قول الصحابي والمراسيل حجّة دون الاستصحاب والمصالح المرسلة وأمثال ذلك. قلت: هذا ليس من التقليد في شيء، بل إنما وافق رأيهم في ذلك رأيه، وقامت الحجّة وعندهم، كما قامت عنده، ألا ترى أن مالكا لا يلزمه تقليد أبي حنيفة من قوله بحجّية المراسيل، ولا الشافعي من القول بنفي الحجّية عن المصالح المرسلة، ولا تقليد بعضهم لبعض من الاتفاق في كون الإجماع وخبر الواحد والقياس حجّة، فإنه إنما أنكر حجّية الإجماع بعض المبتدعة وحجّية القياس داود الظاهري وغيره من الشذوذ. وقد نقل عن أبي بكر القفّال وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين من الشافعية أنهم قالوا: لسنا مقلّدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه، وهو الظاهر من حال الإمام أبي جعفر الطحاوي في أخذه بمذهب أبي حنيفة ﵀ واحتجاجه له، وانتصاره لأقواله على ما قال من أول "كتاب شرح الآثار": أذكر في كلّ كتاب ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاجبعضهم على بعض، وإقامة الحجّة لمن صحّ عندي قوله منهم، ريثما يصحّ فيه مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم ﵃، ثم إن قوله في الخصّاف والطحاوي والكرخي: إنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء، فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعدّ ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع واحتجاجات بالمنقول والمعقول، على ما لا يخفى على من تتبَّع كتب الفقه والخلافيات والأصول، وقد انفرد الكرخي ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ وغيره في أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجَّة أصلا، وأن خبر الواحد الوارد في حادثة تعمّ بها البلوى ومتروك المحاجّة عند الحاجة ليس بحجّة قط. وانفرد أبو بكر الرازي ﵀ في أن العام المخصوص حقيقة إن كان الباقي جمعا، وإلا فمجاز، أفليس هذا من مسائل الأصول؟ ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي الجصّاص من المقلّدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، وهو ظلم عظيم في حقّه، وتنزيل له عن رفيع محلّه، وغضّ منه، وجهل بين بجلالة شأنه في العلم، وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدّة وطأته، وقوة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومن تتبّع تصانيفه والأقوال المنقولة عنه علم أن الذين عدّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلّهم عيال لأبي بكر الرازي. ومصداق ذلك دلائله التي نصبها لاختياراته وبراهينه التي كشف فيها عن وجوه استدلالته، نشأ بـ "بغداد" التي هي دار الخلافة ومدار العلم والرشادومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار، ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار. وقال شمس الأئمة الحلواني فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنا نقلّده ونأخذ بقوله. اهـ. فكيف يصحّ تقليد المجتهد للمقلّد؟ وذكر في "الكشف الكبير" ما يدلّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتريدي، وقال قاضيخان في التوكيل بالخصومة: يجوز للمرأة المخدّرة أن توكّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكرا، كانت أو ثيبا، كذا ذكره أبو بكر الرازي، ﵀. وفي "الهداية": ولو كانت المرأة مخدّرة قال الرازي: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبّه المتأخّرون. قال ابن الهمام ﵀: هو الإمام الكبير أبو بكر الجصّاص أحمد بن علي الرازي ﵀ يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة ﵀ لا فرق بين البكر والثيب المخدّرة والمبرّزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذ فتخصيص الرازي، ثم تعميم المتأخّرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك، وتبعوه. انتهى كلامه. وقد أكثر شمس الأئمة السرخسي في كتبه النقل عن أبي بكر الرازي والاستشهاد به، والمتابعة لآرائه، ثم الحلوائي ومن ذكر بعده وعدّهم من المجتهدين في المسائل كلّهم تنتهي سلسلة علومهم إلى أبي بكر الرازي (¬١)، فقدتفقّه عليه أبو جعفر الأستروشني، وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدبوسي، وأبو علي حسين بن خضر النسفي، وهو أستاذ شمس الأئمة الحلوائي، ومعلوم أن السرخسي من تلاميذه، وقاضيخان من أصحاب أصحابه، فلعله نظر إلى قولهم: إنه كذلك في تخريج الرازي، فظنّ أن وظيفته في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غاية شأوه هذا القدر. وقد خرّج أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عبّاس ﵄ في تكبيرات العيدين أنها ثلاث عشرة تكبيرة، بحمل أنها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعي وأتباعه بحملها على الزوائد، وخرّج أبو يوسف قول الشعبي ﵀: إن للخنثى المشكل من الميراث نصف النصيبين، بأن ذلك ثلاثة من سبعة، ومحمد بأنه خمسة من اثني عشرة. خرّج أبو الحسن الكرخي قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في تعديل الركوع والسجود، وجعله واجبا، وأبو عبد الله الجرجاني خرّجه، وحمله على السنة، ونظائر ذلك كثير، وقعت من كبار المجتهدين، فما ضرّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزلهم من شأنهم، فكيف ينزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته.ثم إنه جعل القدوري وصاحب "الهداية" من أصحاب الترجيح، وقاضيخان من المجتهدين، مع تقدّم القدروي على شمس الأئمة زمانا، وكونه أعلى منه كعبا، وأطول باعا، فكيف لا من قاضيخان. وأما صاحب "الهداية" فهو المشار إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر في دهره، وفريد وقته، ونسيج وحده، وقد ذكر في "الجواهر" وغيره أنه أقرّ له أهل عصره بالفضل والتقدّم، كالإمام فخر الدين قاضيخان، والإمام زين الدين العتابي، وغيرهما، وقالوا: إنه فاق على أقرانه، حتى على شيوخه في الفقه، وأذعنوا له به، فكيف ينزل شأنه عن قاضيخان بمراتب؟ بل هو أحقّ منه بالاجتهاد، وأثبت في أسبابه، وألزم لأبوابه. هذا. ثم لم يحصل من بيانه فرق بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأيّ قياس قاسهم، ووجد هذا التفاوت بينهم، وهو قليل الممارسة في الباب، قليل المؤاسنة بمن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثرا منهم، وربما يجعل الواحد اثنين، ويعكس الأمر، ويقدّم على ما هو عليه، ويؤخّر، وينسب كثيرا من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم، ويميز في الفقه درجاتهم، والحال أن العلم بهذه الكلية كالمتعذّر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنهم كالحلقة المفرغة، لا يدر أين طرفاها، على ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾. (الزخرف الآية ٤٨) يريد والله أعلم أن كلّ آية إذا جرّد النظر إليها قال الناظر: هي أكبر الآيات، وإلا فلا يتصوّر أن يكون كلّ آية أكبر من الأخرى من كلّ جهة للتناقض، ولكن لما كان الغالب على فقهاء "العراق" السذاجة في الألقاب وعدم التلوّن في العنوانات والجدّ في الجري على منهاج السلف في التجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتحاشي عن الترفّع وتنويه النفسوإعجاب الحال تديّنا وتصلّبا وتورّعا وتأدّبا، كما كان الغالب عليهم الخمول والاجتناب عن ولاية القضاء وتناول الأعمال السلطانية، لأن منازع الأتباع ما كانت مفارقة عنهم، ولا شعارهم متحوّلا إلى شعار غيرهم، فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتميّز عن غيرهم بأسماء ساذجة، يتبذّلها العامة، ويمتهنها السوقة، من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة أو نحو ذلك، كالخصّاف، والجصّاص، والقدوري، والثلجي، والطحاوي، والكرخي، والصيمري، فجاء المتأخّرون منهم على منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم. وأما الغالب على أهل "خراسان" ولا سيّما "ما وراء النهر" في القرون الوسطى والمتأخّرة فهو المغالاة في الترفّع على غيرهم، وإعجاب حالهم، والذهاب بأنفسهم عجبا وكبرياء، والتصنّع بالتواضع سمعة ورياء، يستصغرون الأحاديث عمن سواهم، ولا يستكرمون في معمورة الأرض مثوى غير مثواهم، قد تصوّر كلّ منهم في خلده أن الوجود كلّه يصغر بالإضافة إلى بلده، فلا جرم جرى عرق منهم في علمائهم، فلقّبوا بالألقاب النبيلة، ووسّموا بالأوصاف الجليلة، مثل شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة، واستمرّت الحال في أخلافهم على ذلك المنوال من الإتراف والغلوّ في تنويه أسلافهم والغضّ من غيرهم، فإذا ذكروا واحدا من أنفسهم بالغوا في وصفه، وقالوا: الشيخ الإمام الأجلّ الزاهد الفقيه، ونحو ذلك، وإذا نقلوا كلاما عن غيرهم، فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكرخي والجصّاص، وربما يقتدي بهم من عداهم ممن يتلقّى منهم الكلام. فيظنّ الجاهل بأحوال الرجال ومراتبهم في الكمال وطبقات العلماء ودرجات الفقهاء ظنّ السوء، فيأخذ بالاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهةالموصوف، فيحمله ذلك على الإنكار لمن عداهم، واستخفاف رجال الله سواهم، وقد كان ابن الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهة الدولة، فأحوجه ذلكَ إلى مراجعة كتب الفتاوى والإكثار من مطالعة ما فيها في تحصيل أربه والتخلّص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل "ما وراء النهر" من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له، وسببا لاندفاعه إلى هذه التحكّمات الباردة والتعسّفات الشاردة، فكان ما فعله حدا لمن بعده من المقلّدة، فلا يجاوزون ما ذكره، ولا يتعدّون طوره في تنزيل العالي عن درجته، ورفع غيره فوق رتبته، فلو نقل إليهم شيء عن كبار العلماء ربما يقولون: إنه ليس من المجتهدين، لأنه ليس بمذكور في طبقاتهم. وغير مستور عن أهل الشأن أن ما أورده الرجل منهم في كتابه كنغبة من دماء وتربة في يهماء. عن عائشة ﵂، قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. صحّحه الحاكم وغيره، وكلّهم أئمة الدين ودعاة الحق في الأرض، ولكن الله فضّل بعضهم على بعض، وهذه فوائد، وفصول وقواعد وأصول لأرباب البصيرة والتحصيل، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي، ونعم الوكيل (¬١).وهنا انتهى ببعض تصرّف ما وعدت بنقله من "ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق" للمحقّق الشهاب المرجاني، والكتاب مطبوع في "قزان" (البلغار القديم شمالي وولجا) سنة ١٢٨٧ هـ، لكن مطبوعات تلك الجهات أعزّ من كثير من المخطوطات، والعشور عليها غير ميسور منذ أمد بعيد، فرأيت عرض هذا البحث الممتع لأنظار الباحثين على طوله، لما فيه من الفوائد الجمّة والتحقيقات المهمّة، مع ازدياد أهمية هذا الموضوع، موضوع طبقات الفقهاء على مضي الزمن لكثرة الطامحين غير الواقفين عند حدودهم الجامحين المحوجين إلى كبح جماحهم بلجام من حجج توقفهم عند طورهم، حتى أصبح التفرّغ لتمحيص هذا البحث المتشعّب ضروريا للم شتاته وتنسيق متفرّقاته، وذلك مرهون بتوفيق الله ﷿، وهو الموفّق لإخراج كلّ أمل إلى ساحة الفعل والعمل. ومؤلّف الكتاب هو العلامة النظّار الجوّالة في فيافي الحديث والأنظار العالم البحَّاثة المغوار الفقيه الأصولي المتكلّم المؤرّخ الشيخ شهاب الدين بن بهاء الدين المرجاني، ولد في قرية "مرجان" في "قزان" سنة ١٢٣٣ هـ، وتلقّى العلم من والده، ثم رحل إلى "سمرقند" و"بخارى" سنة ١٢٥٣ هـ، وتخرّج في العلوم على شيوخ تلك البلاد، ففاز بنيل المراد، واستفاد من خزاناتها العامرة أيام ازدهارها بالكتب النادرة، حتى تمكّن من تأليف كثير من الكتب النافعة في الفقه والأصول والتوحيد والتاريخ، طبع كثير منها في "قزان" و"إسطنبول" و"القاهرة"، وتوفي في بلده ٢٧ شعبان سنة ١٣٠٦ هـ، تغمّده الله برضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، وكان له صولات وجولات في العلم، وبعض شذوذ في الفهم، مغمور في بحر إجادته لكثير من البحوث المهمّة، مما بهم علماء هذهالأمة، وكان لا يتقيّد في اللغة بالمسموع، بل كان يطلق عنان قلمه كما يشاء في كلّ موضوع، سامحه الله وإيانا بمنه وكرمه. * * *

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    صحاب النظر، والاستدلال والبصارة في الأصول والخبرة التامة بالفقة، ولهم محلّ رفيع في العلم وفقاهة النفس ونباهة الفكر، وقدرة وافية في الجرح والتعديل، والتمييز بين الصحيح والضعيف، وقدم عالية في الحفظ للمذهب والنضال عنه والذبّ وتلخيص المسألة وبسط الأدلة وتقرير الحجّة وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون، ويخرجون، ثم من بعدهم طوائف متفاوت في العلم بين ثقة و

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    لضعيف، وقدم عالية في الحفظ للمذهب والنضال عنه والذبّ وتلخيص المسألة وبسط الأدلة وتقرير الحجّة وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون، ويخرجون، ثم من بعدهم طوائف متفاوت في العلم بين ثقة وضعيف في الرواية، وكامل وقاصر في الفقه والدراية، وقد جعل أحمد بن سليمان الرومي، المعروف بابن الكمال (¬١) أحد الفضلاء المشاهير في الدولة العثمانية فقهاء الأصحاب على سبع ط

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    وصاحب "الهداية"، وشأنهم تفضيل بعض الراويات على بعض بقولهم: هذا أصحّ رواية، وهذا أوفق للقياس، وأرفق بالناس. والسادسة: المقلّدون القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية، وغيرها، كصاحب "الكنز"، و"المختار"، و"الوقاية"، و"المجموع"، وغيرهم. والسابعة: المقلدون الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    وقدم عالية في الحفظ للمذهب والنضال عنه والذبّ وتلخيص المسألة وبسط الأدلة وتقرير الحجّة وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون، ويخرجون، ثم من بعدهم طوائف متفاوت في العلم بين ثقة وضعيف في الرواية، وكامل وقاصر في الفقه والدراية، وقد جعل أحمد بن سليمان الرومي، المعروف بابن الكمال (¬١) أحد الفضلاء المشاهير في الدولة العثمانية فقهاء الأصحاب على سبع طبقات

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    قواعد عقلية، وضوابط برهانية، يعرفها المرء من حيث إنه ذو عقل وصاحب فكر ونظر، سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهاد قط، وشأن الأئمة الثلاثة أرفع وأجلّ من أن لا يعرفوها، كما هو اللازم من تقليد غيرهم فيها، فحاشاهم، ثم حاشاهم عن هذه النقيصة، وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما، فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    م لم يحصل من بيانه فرق بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأيّ قياس قاسهم، ووجد هذا التفاوت بينهم، وهو قليل الممارسة في الباب، قليل المؤاسنة بمن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثرا منهم، وربما يجعل الواحد اثنين، ويعكس الأمر، ويقدّم على ما هو عليه، ويؤخّر، وينسب كثيرا من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم، ويميز في الفقه درجاتهم، والحال أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    تتبَّع كتب الفقه والخلافيات والأصول، وقد انفرد الكرخي ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ وغيره في أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجَّة أصلا، وأن خبر الواحد الوارد في حادثة تعمّ بها البلوى ومتروك المحاجّة عند الحاجة ليس بحجّة قط. وانفرد أبو بكر الرازي ﵀ في أن العام المخصوص حقيقة إن كان الباقي جمعا، وإلا فمجاز، أفليس هذا من مسائل الأصول؟ ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Death Year Ah

    27

    أصول والتوحيد والتاريخ، طبع كثير منها في "قزان" و"إسطنبول" و"القاهرة"، وتوفي في بلده ٢٧ شعبان سنة ١٣٠٦ هـ، تغمّده الله برضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، وكان له صولا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
194919
Book record
shamela-819
Source record
86668
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate