page 6935, entry [6275]Open original source
٥٢٤٦ - الشيخ الفاضل الْمولى محي الدّين الشهير بجرجان * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: نَشأ ﵀ فِي قَصَبَة "اق يازي". وَطلب الْعلم، وَخرج من هَذِه الْبِلَاد، فَاجْتمع بأفاضل عصره، واستفاد مِنْهُم الْمولى مصلح الدّين المشتهر بطاشكبري زَاده، وَالْمولى محمَّد شاه الشهير بداية. ثمَّ صَار ملازما للْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان، ففاز بحظ الظُّهُور من بَين الأقران، ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ القزازية فِي "بروسه" بِخَمْسَة وَعشْرين، ثمَّ مدرسة أمير سُلْطَان بِثَلَاثِينَ، ثمَّ قره كوز باشا بقصبة "فلبه" بأربعين، ثمَّ مدرسة عَليّ باشا بـ"قسطنطينية" بالوظيفة المسفورة، ثمَّ مدرسة كيزة بِخَمْسِينَ، ثمَّ نقل إلى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد بجوار مرقد أبي أيوب الأنصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْعَزِيز الْبَارِي. ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ ولي الإفتاء والتدريس بـ"أماسيه"، وَعين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما، ثمَّ زيد عَلَيْهَا عشرَة، ثمَّ عزل بكائنة خُرُوج السُّلْطَان بايزيد ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان، ثمَّ عين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما. وَتُوفّي سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة.وَكَانَ ﵀ رجلا سليما، مَأْمُون الصُّحْبَة، مطرح التَّكَلُّف، كثير التَّوَاضُع، لَا يضمر السوء لأحَد. وخلاصة الأمر الْمَذْكُور: أن بايزيدخان المزبور كان أميرا فِي قَصَبَة "كوتاهية"، فقلده أبوه السُّلطان سُليْمَان إمارة "أماسيه"، وَنصب مَكَانَهُ أخاه الأكبر سلطاننا السُّلطَان سليم خان المظفر، فاستشعر بايزيدخان الْمَزْبُور من الأمير المسفور ميلًا من أبيه إلى جَانب أخيه بِسَبَب أن "كوتاهية" قريبَة إلى "قسطنطينية" من "أماسيه"، فامتلأت من ذَلِك نَفسه حسدا وغيظا، تاليا قَوْله تَعَالَى ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، فصمّم فِي الخُرُوج عَن طَاعة أبيه السُّلْطَان، والإغارة على أخيه سليم خان، فَاجْتمع عَلَيْه أصحاب الْبَغي وَالْفساد، من الَّذين طغوا فِي البِلَاد، من لصوص الأتراك، وأشرار الأكراد، وجند الجُنُود، وحشد الحشود، وعزم على القتال، مغترا بِمن عِنْده من أَرْبَاب الْبَغى والضلال، وَلم يدر أن حافر الْبِئْر لأخيه سَاقِط لَا محَالة فِيه. فَلَمَّا وصل هذَا الخبَر إلى أبيه السُّلْطَان أرسل إليه ينصحه، ويعاتبه على هذَا الْبَغي والعدوان، وَلم يزده النصح إلا الْبَغي والنفور والرعونة والغرور، وَلم ينحرف عَن جادة خسرانه، وَلم يرتدع عَن طَريقَة طغيانه، وَأبي عَن قبُول النصح، واستكبر، وَكَانَ بغاثا فِي أرضه، فاستنسر، فداس الْبِلَاد بمن التف عَلَيْه من أرباب الْفساد، وَقصد إلى قتال أخيه، مُعْلنا بِالخُرُوجِ عَن طَاعَة أبيه. فَلَمَّا استيقنه السُّلْطَان أشار إلى من عِنْده من الأبطال والفرسان ليلتحقوا إلى ابْنه سليم خَان، ويتفقوا على تدمير الفئة الباغية، واستئصال الْفرْقَة الطاغية، فأجابوه بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، وتقلدوا بجرائز التباعة، فَلَمَّا وصل الفئة الباغية إلى ظَاهر "قونية" كالقضاء المبرم عارضهم السُّلْطَان سليم خَان بِجَيْش جرار عَرَمْرَم، فَلَمَّا اجْتمع بِهِ الفتئان، وتقابل الْفَرِيقَانِ، ودارت رحى الحَرْب، وحمي الْوَطِيس، وتصادم الخيمس بالخميس، قَامَت معركة كلت عَنوصفهَا ألسنة الأسنة، وأحست بشدائدها فِي الأرحام الأجنة، وتراءت الغَلَبَة فِي الْيَوْم الأول من جَانب الْبُغَاة على زمرة المهتدين السراة. فَلَمَّا أصبحوا فِي الْيَوْم الثَّانِي، وتعاطوا الحَرْب والنزال، نَادَى مُنَادِي الحَال، ألا إن الحَرْب سِجَال، وَنصر الله جُنُوده، وَرفع أعلامه، وبنوده، فهزموهم بإذن الله، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، وقصموا أصلابهم، ثمَّ قسموا أسلابهم، وهيهات الظفر من جانبهم، والغدر عاجله الْعَار، وآجله الدُّخُول فِي النَّار. وَمَا أصدق ابْن دُرَيْد حَيْثُ يَقول. . . من ملك الحِرْص القياد لم يزل … يكرع فِي مَاء من الَّذِي جرى من لم يقف عند انتهاء قدره … تقاصرت عَنهُ فسيحات الخطى من ضيع الحزم جنى لنَفسِهِ … ندامة ألذع من سفع الذكا وَيُقَال: إن عدد من قتل فِي المعركة من الفريقَيْنِ يزِيد على عشرَة آلَاف سوى من هلك فِي الطّرق والأطراف، وَلما تفرق عَسْكَر السُّلْطَان بايزيد الْمَزْبُور كرّ رَاجعا، ورد إلى "أماسيه"، هَارِبا نادِما على فعله الْقَبِيح، ومعترفا بخفته وطيشه الصَّريح، فَأحْضر الشَّيْخ خير الدّين الإيجادي، وَالْمولى جرجان، وَتابَ على يد الشيخ الْمَزْبرُور عَمَّا صدر عَنهُ من الْبَغي والعدوان، وأشهدهما على الرُّجُوع والارتداع، وأرسلهما إلى السُّلْطَان للشَّهَادَة بذلك، والاستشفاع، وَقبل وصولهما إلى السُّلْطَان تحول عَن رَأْيه، وَعَاد إلى غيه، وَأخذ أولاده الثَّلَاثَة الْكِبَار، وَتوجه إلى بلاد العجم بِمن بَقِي عِنْده من الأشرار، فَقبل وصولهما إلى عتبَة السُّلْطَان ظهر خلاف مَا جاء بهِ من خبر ترك الْعِصْيان، فكره السُّلطان مجيئهما، وتغير، وحبسهما فِي بَيت فِي "قسطنطينية"، حَتَّى يظْهر جلية الخَبَر من أنهما لم يقصدا النِّفاق، وَلم يتَّفقا على الاختلاق، وَأطلقهُمَا، وعزل الْمولى الْمَزْبُور عَن منصب الْفتيا، ثمَّ عين لَهُ سبعين درهما، علم ما ذكرنَا.وَآخر أمْر الأمير بايزيد: أنه سَافر وجدّ فِي سيره، وَلم يقدر أحَد من الأمراء العثمانية على مَنعه وضيره، وأن تتَابع الأمر بِهِ إليهم من جَانب السُّلْطَان، حَتَّى وصل إلى بلاد العجم فِي قَلِيل من الزَّمَان، فَاسْتَقْبلهُ رئيس الْمُلْحِدِينَ وعمدة المتمردين شاه طهماسب فِي نفر يسير من أصحابه، يُمكن استئصاله بِمن مَعَه من خُلَاصَة أحزابه، فَعرض على بايزيدخان بعض من أمرائه الشجعان أن يَأْخُذُوا طهماسب، ويقتلوا أصحابه، ويستأصلوا أحزابه، فغلب عَلَيْهِ الجُبْن وَالخَوْف، فَلم يكن بِهِ رَاضِيا، وَأَخطَأ فِي رَأْيه ثَانِيًا، فَكَانَ فِي الآخر مصداق لما قَالَه الشَّاعِر: إذا الْمَرْء لم يعرف مصَالح نَفسه … وَلَا هُوَ إن قَالَ الأحباء يسمع فَلَا ترج مِنْهُ الخيْر واتركه إنه … بأيدي صروف الحادثات سيصفع وَلما اجْتمعَا أظهر طهماسب فِي وَجه بايزيد تودّدا عَظِيما، ووعد لَهُ جميلا، وأتى بهِ مَعَ أصحابه إلى بَلَده، ثمَّ فرق أصحابه بأنواع الخدع والحيل، حَتَّى غدَر به، فحبسه مَعَ أولاده، فَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل، وَقتل أكثر أصحابه، وخلص بَعضهم نَفسه بِالدُّخُولِ فِي مَذْهَبهم الْبَاطل، واحتال بَعضهم، حتَّى وصل إلى ديار الإسلام، وَنَجا من ذَلك الخطب الهائل، اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِم من يَأْخُذ ثارهم، وَيخرب دِيارهم، ويمحو آثَارهم، واضربهم فِي نحورهم، ونج الْمُسلمين من شرورهم، وَاجعل من خبائث وجودهم الأرض طاهِرَة، واجعلهم عِبْرَة للْعَالمين فِي الأولى والآخرة، وَلما وصل الْخَبَر إلى السُّلْطَان أرسل إلى طهماسب عدَّة من أمرائه، معَ هدايَا سميَّة، وتحف سنية، وَطلب مِنهُ أولاده الماسورين، فسلمهم إليه مقتولين، فَلَمَّا قبضوا أجسادهم دفنوهم فِي بَلْدَة "سيواس" رب اعْفُ عَنْهُم، وارحمهم بِحرْمَة سيد الناس.وَكَانَ بايزيدخان الْمَزْبُور مَعْرُوفا بالشجاعة والشهامة والفروسية والسخاء والاستقامة، وَكَانَ محبا للْعلم وَالْعُلَمَاء، ومترددا إلى مجَالِس الْمَشَايخ والصلحاء. وَكَانَ صَاحب فهم وفراسة، إلا أنه أعماه حب السلطنة والرياسة، حَتَّى صنع مَا صنع، وَوَقع فِيمَا وَقع، وَكَانَ لَهُ الحظ الوافر من المعارف والمفاخر، وَكَانَ ينظم الشّعْر بالتركي والفارسي. وَله بِالْفَارِسِيَّةِ آن سركه بانياز برين آستانه نيست … هركز داش زنيل سعادت نشانه نيست آن قصه راز خسرو وشرين ميكند … أَوْ حسب حَال مَا سِتّ فسون وفسانه نيست رخسار خوب دَاري وموزون قامتي … هركز تراز سر بقدم بك بهانه نيست مصرع اواش سَاقِط هست … آنراكه باجنين غزل عاشقانه نسيت وَمن غرائب الِاتِّفَاق: أنه كَانَ تسمى فِي شعره بشاهي، وَقد ذهب فِي آخر عمره إلى شاه طهماسب، والتجأ إليه، وَآل أمْرَه إلى مَا أوقفناك عَلَيْهِ. * * *