page 6916, entry [6258]Open original source
٥٢٣٠ - الشيخ الفاضل السيّد محمود شاه بن السيّد علي أحمد الديبالبوري، مؤسّس مدرسة تعليم القرآن، وخطيب "شاهى مسجد" في "ديبال بور" / "باكستان" * ذكره العلامة السيّد محمد شاهد الحسني في كتابه "علماء مظاهر علوم سهارنبور"، وقال: كان أبوه ضابطا أولا للشرطة في مركز البوليس بـ"دهلي" قبل تقسيم "الهند"، قد وهبه الله من حسن المنظر والهيئة والصحة والوجاهة والمهابة والروعة، لا يلبث أحد من أن يتأثر به كلما زاره، لم يولد له ولد من الذكر، فدخل على العالم الصالح الشيخ السيّد مهر على شاه (من كبار علماء جامعة مظاهر العلوم) راجيا منه الدعاء، فلمّا أخبره عن اسمه بأنه علي أحمد، فقال الشيخ: إنك من السادة، وتلبس من الملابس الإفرنجية، لحيتك محلوقة، وشاربك طويلة، وموظّف من موظّفى الإنكليز، إن دعتك حاجة ماسّة لعمل في دين الإسلام وارتقاءه فما بالك لذلك الحين، فيا ليتك تشبّثت، واعتنقت، وتمسّكت بدين جدّك الكريم، وصبغتهيئتك وسيرتك في صبغة التعاليم الإسلامية، على التعاليم الإسلامية، وكنت عالما أو حافظا للقرآن الكريم، يقول أبوه: كنت بدأت تأثرت بكلّ من التأثير بما قاله الشيخ، فذكر لي: إن أكرمك الله بابن فكوّنْه عالما، قلت: سأمتثل ما أمرتني راضيا به، إن شاء الله. فإثر عودته إلى منزله خلع حلّة حكومية، ورمى بها، وأرسل الاستقالة عن منصبه، فجاء إليه ضابط الشرطة الإنكليزي، وتضرّع إليه بضراعة، والتمس منه بكلّ الأدب والتقدير والتحية، فلم يرض به. ولد عام ١٣٤٨ هـ، ونشأ، التحق بمدرسة خير المدارس في "جالندهر"، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وحصل على الدراسة الابتدائية. ثم أقبل إلى مظاهر العلوم، وأخذ الصحاح الستة، وتخرج فيها عام ١٣٦٣ هـ، قرأ المجلد الاول من "جامع الصحيح" للإمام البخاري، و"سنن أبي داود" على الشيخ محمد زكريا، والمجلد الثاني منه على الشيخ عبد اللطيف، و"صحيح مسلم" على الشيخ منظور أحمد خان، و"سنن الترمذي" و"الشمائل" على الشيخ عبد الرحمن، و"سنن النسائى"، و"ابن ماجه"، و"الموطأ" للإمام مالك، و"الموطأ" للإمام محمد على الشيخ أسعد الله. وفور أن أكمل العلوم ولي التدريس في مدرسة عربية من مدارس ولاية "بتياله"، وما إن انقضت مدة من الزمان، حتى تلقته رسالة من الأستاذ الشيخ خير محمد، كان فيها: اذهب إلى "ديبالبور"، وعمّر المسجد الملكى فيها بالناس، وهو في أمس الحاجة إلى عالم كبير، إنما هو أحد من أقدم المساجد التاريخية التذكارية لأجلّة الملوك المسلمين في "الهند". فما لاحظها حتى دخل إلى "ديبال بور" بحمل القرآن في عنقه، والسيف في يده، ولما زار مسجدها ورثاثته وسوء حالته واعتداء الزمن عليه،فتعجّب، وتحيّر على أنه مسجد، كان أسّس في عهد الملك أكبر بغاية شوق وعناية واهتمام، وهو اليوم لم يكن باقيا خرابا خاليا من الأذان والصلاة والتلاوة والذكر، فحسب، بل هناك كلاب وحمر تعيش فيها، فطهّره، ونظّفه من النجاسات والأقذار والأوساخ، وبدأ الأذان، وأقام الصلاة والجماعة، وقضي سنة يعمره، ويؤهله بالمصلّين، ولكن ضاق صدره، وملأ خاطره بالناس ومجتمعهم، فسار إلى مدينة "لاهور"، وتقلّد مهام الإمامة والخطابة في المسجد الجامع في "مادل تاون" حارة من حارات "لاهور"، واشتغل، فما هي إلا مدة قليلة، حتى حضر إليه عديد من محبي الدين وحاملي الإحساس الديني والشعور المذهبي من "ديبال بور" وأكّدوا له بمعاونة ومساعدة منهم، وجاءوا به معهم إلى "ديبال بور"، فاستقلّ الشيخ فيها إلى آخر حياته، يزيل اللادينية، وينقي البيئة من المنكرات والأعمال الكريهة، ويذيع الخير والصلاح والمعروف بين الناس، فزاد هذا المسجد رونقا وبهاء ورواء، ثم أنشأ فيها مدرسة تعليم القرآن عام ١٣٧٠ هـ، ذلك مما نشأ به الشوق والحنين إلى حفظ القرآن الكريم في قلوب الناشئين من الأحداث الأغرار في المنطقة. كما بدأ بتفسير القرآن الكريم بعد الصلاة لصالح عامة المسلمين، فيفسّره بعبارة واضحة زائدة، يضع القرآن منشورا لديه، فيتلو عليهم ويترجم، ويفسّر، أكمله كاملا عدّة مرات بهذا الأسلوب. كان أحد خلفاء الشيخ عبد القادر الرانبوري، فله عدد كبير من مريديه، هم يقضون حياتهم مشتغلين بالأذكار والأوراد تحت رعايتهم، إضافة إلى ذلك قد جعله الله تعالى يجمع بن الجلال والجمال، فإذا غلب عليه الجلال لا يعطى أحدا شيئا من الاعتبار، ولا يراعيه، وإذا أخذه الجمال فيتدفّق ويتهافت عليه الناس كتهافت الظمآن على الماء، ويجتمع بكلّ منهم بطلقالوجه والبشر، وكان غاية في التأييد والدفاع عن شتى منظمات وجمعيات دينية وملية، قام بتأسيسها رجال العلم والدين، غير أنه لم يقبل منصبا لأحد منها، ودام يحيد عن السياسة المحلية والمدنية المتداولة لدى الناس، وإنما ساهم في حركة صيانة ختم النبوة حقّ المساهمة، وأيام نشطت هذه الحركة، ونهضت يعرض المتطوّعين والأحباب من المسجد الملكي كلّ يوم ليقبض عليهم، فيلبسهم إكليل الزهور، ويهنأهم، ثم يودّعهم، وفي آخر حياته ابتلي بمرض القلب، فعولج، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في ٢٩ ذو الحجة ١٣٩٤ هـ بـ"كراتشي"، جعله الله غريق رحمته. * * *