page 6739, entry [6056]Open original source
٥١١٥ - الشيخ العالم الفقيه الزاهد محمد علي بن عبد العلي بن غوث علي النقشبندي الكانبوري * *ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأفاضل المشهورين في "الهند". ولد بـ "كانبور" لثلاث خلون من شعبان سنة اثنتين وستين ومائتين وألف. وقرأ المختصرات على المفتي عنايت أحمد الكاكوروي. ثم أخذ عن السيّد حسين شاه الكشميري. ثم لازم المفتي لطف الله الكوئلى ببلدة "كانبور"، وقرأ عليه سائر الكتب الدرسيّة. ثم ولي التدريس بمدرسة فيض عام، فدرّس بها زمانا، ثم اعتزل، وسافر إلى "سهارنبور". وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد على الحنفي السهارنبوري المحدّث، ولازم دروسه سنة كاملة. ولما حصلت الإجازة منه رجع إلى "كانبور"، وكان في شبابه. أخذ الطريقة عن الشيخ كرامة على القادري الكالبوي. ثم أخذ عن شيخنا الشيخ الكبير فضل الرحمن بن أهل الله البكري المراد آبادي، واستفاض منه فيوضا كثيرة، فنال الإجازة منه، فاشتغل بالأذكار والأشغال مدّة. وسافر إلى "الحجاز"، فحجّ، وزار، وأقام بـ "مكّة المباركة" سنة كاملة، ورجع إلى "الهند" سنة عشرين وثلاثماثة وألف، وذهب إلى بلدة "مونغير"، فسكن بها، وحصل له القبول العظيم. وسافر إلى "الحجاز" مرة ثانية، وأقام بها سنتين، ثم رجع إلى "مونغير"، واشتغل بالعبادة والإفادة. وهو الذي أسّس ندوة العُلماء سنة إحدى عشرة وثلاثماثة وألف لإحياء المدارس العربية، وإصلاح نظام الدرس، ورفع النزاع من الفرقالإسلامية والذبّ من الإسلام، فبارك الله سبحانه في مساعيه، وأسّس أعضاء الندوة مدرسة عظيمة بمدينة "لكنو" سنة سبع عشرة وثلاثماثة وألف، وهي التي اشتهرت بدار العلوم، نفع الله بها المسلمين. وكان للشيخ محمد علي منذ أيام الطلب والتدريس إلمام بما يجري حوله من حوادث وتيارات، وكان يتتبّعها بعقل واع ونفس حسّاسة، ورأى نشاط القسوس المسيحيين ودعاة التبشير في نشر النصرانية، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم ودينهم، ورأى خطر ذلك على الشباب وأبناء المسلمين، فأقبل على دراسة النصرانية ومراجعها وحججها، وشمّر عن ساق الجدّ للردّ على القسوس والمبشرين، وأصدر صحيفة لهذا الغرض، سمّاها منشور محمدي، واستمرّت في الصدور نحو خمسة أعوام. وألّف في ردّ المسيحية كتبا قيمة، منها: "مرآة اليقين"، و "آئينة إسلام"، و "دفع التلبيسات"، ومن أهمها: "بيغام محمدي". وكان قد اطلع في أثناء ردّه على المسيحيّة، ومناظرته مع القسوس والمبشرين على مواضع الضعف في صفوف العُلماء، والذين تقع عليهم مسؤلية الدفاع عن الإسلام، وعلى مداخل الفساد والزيغ والإلحاد بانتشار التعليم الجديد في البلاد، وكانت فتنة التكفير وخصومات العُلماء المذهبية، وتنازع الطوائف الإسلامية قد بلغت أوجها في هذه الفترة، وقد أصبحت المدارس والمساجد مركز جروب داخلية، وازدحمت المحاكم بالقضايا الخلافية، التي يرفعها المسلمون، ويحكم فيها القضاة المسيحيون والحكّام الوثنيون، ورأى جمود العُلماء على المنهج الدراسي القديم، الذى يسمّى بالدرس النظامي، وعضّهم عليه بالنواجذ، مع شدّة حاجة العصر إلى تطويره وتنقيحه. فحمله كلّ ذلك على تأسيس ندوة العُلماء لتبادل الفكر والرأي، وتنسيق الجهود في إصلاح التعليم والمسلمين، ووهب نفسه وعقله، وعنايته لهذهالحركة ومركزها، وأصبحت له الشغل الشاغل، اشتغل بإدارة ندوة العُلماء وتحقيق مشاريعها وأهدافها، ووقع بينه وبين بعض زملائه من أعضاء الندوة خلاف في بعض المسائل التعليمية والإدارية، ولجت به الأمراض، واعتراه الضعف، وجذبته دواعى الشوق وتربية النفوس، وحبّ العزلة، فقدم استقالته عن إدارة ندوة العُلماء، وقبلت مع التأسّف لسبع بقين من ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثماثة وألف، واعتزل في زاويته في مدينة "مونغير". في ولاية "بهار"، فأقبلت عليه الدنيا، وقصده الراغبون في الإصلاح والتربية من كلّ جانب، وصار المقصد والمرجع في هذا الشأن. وفي هذه الفترة زحفت القاديانية على ولاية "بهار" بقوة وعزم، واضطربت عقيدة كثير من المتعلّمين والموظّفين، فنهض مولانا محمد علي، وصمد لها، يقاومها بالدعوة والمناظرة، وأصبح لا يهدأ له بال، ولا يقرّ له قرار. يؤلّف الرسائل والكتب في الردّ عليها، ويكتب الكتب إلى أصحابه، ويحثّهم على ممَاومة هذه الفتنة، وبذل النفس والنفيس في هذا الشأن في سبيلها، ويؤثر ذلك على النوافل والطاعات، والأوراد والأذكار، ويعتقده أفضل الأعمال وأعظم القربات، وقد ألّف نحو مائة مؤلّف بين رسالة وكتاب كبير، طبع منها أربعون كتابا باسمه، وطبع أكثرها باسم غيره، ووقعت مناظرة بين علماء القاديانية وبين علماء أهل السنة في سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف، واهتمّ لها مولانا محمد على اهتماما كبيرا، ولقيت القاديانية في هذه المناظرة هزيمة منكرة، وتراجعت، وخلا الجو. وعكف مولانا محمد علي على الذكر والعبادة وتربية النفوس، وانقطع إلى الإرشاد والتعليم، وتأليف الكتب في الردّ على أهل الأهواء والبدع، مع استغناء وتوكّل، وزهد وقناعة، وبذل وسخاء، ومالت إليه قلوب العباد، وتهافت عليه الناس.وبايعه خلق لا يحصون بحدّ وعدّ، وقد قدر بعض الناس أن عدد من بايعه يبلغ إلى أربعمائة ألف، وتغيّرت أخلاق الناس، وصلحت أحوالهم، وقد غلب عليه الحبّ والاستغراق في آخر حياته، وقوي تأثيره، وانتشرت بركته. كان مولانا محمد على عالما ربَّانيا، ومصلحا كبيرا، صاحب جذبة إلهية ونسبة قوية، أثنى عليه شيخه مولانا فضل الرحمن الكنج مراد آبادي ثناء بالغا، وقال: إن روحه من بقية أرواح المتقدّمين، وإن أمثاله قليلة في كلّ عصر. وكان من العُلماء المطلعين العاملين، الذين عملوا لنهضة الإسلام والمسلمين، وإعلاء شأن العلم والدين، وكان شديد الغيرة على الإسلام، شديد الحميّة، قويّ الدفاع عن العقيدة الصحيحة وحرمات الدين، شديد الاشتغال بما ينفع الإسلام والمسلمين، قويّ الإفاضة على الطالبين المسترشدين، شديد الاتباع للسنّة، شديد المحبّة لله وللرسول. تروى له كشف وكرامات، ووقائع في التأثير، واسع الصدر، سمح النفس، كثير التعاون مع أصحابه، كثير الاحتمال للآراء المختلفة، متصلّبا في الأصول والمحكمات، متوسّعا في الجزئيات والخلافيات. كان ممدود القامة، مكتنز اللحم، أسمر اللون، عريض ما بين المنكبين، واسع الجبين، أسيل الوجه، له معرفة بالرياضات البدنية، يجيد السباحة، دائم البشر، واضح الصوت، له لحن شجيّ في قراءة القرآن، وقورا مهيبا، يحبّ النظافة والأناقة في كلّ شيء، لا يراه أحد في وصخ أو تبذّل، كثير الحياء، يحسب كلّ جليس أنه أحبّ إليه من غيره. وكان إذا صلى الفجر جلس لأولاده وخاصّة أصحابه، ثم اشتغل بالذكر والتسبيح، ثم يتناول الشاي، ويحضره خواص ضيوفه، ثم يقبل على التأليف والتحرير، ثم يتناول الغداء، ويقيل.ثم يصلّى الظهر، ويجلس بعد الظهر للمريدين والطالبين، ويبايع من يرغب في ذلك، ويتناول الشماي، ويتفقّد الضيوف، ويؤانسهم، ويتحدّث في العلم والدين. ثم يصلّى العصر، ويشتغل بالذكر والتسبيح، وقد يتنزّه في حديقة البيت، ويشتغل بعد صلاة المغرب بالأذكار والأوراد، ويتعشّى. ثم يصلّي العشماء، وينصرف إلى الراحة مبكرا، ثم يقوم في الليل، ويطيل القراءة، وكان هذا دأبه على مرّ الأيام، بعد ما أقام بزاويته في "مونغير". له مؤلّفات كثيرة، من أحسنها: "بيغام محمدي" في الردّ على المسيحية، و "فيصله آسماني" في الردّ على القاديانية، وقد ظهرت فيه قوة استدلاله وإحكام عبارته، و "إرشاد رحماني" في أحوال مولانا فضل الرحمن الكنج مرادآبادي، وأقواله وتعاليمه، وله مقالات كتب في الانتصار لندوة العُلماء. توفي لثمان خلون من ربيع الأول سنة ستّ وأربعين وثلاثماثة وألف، ودفن في زاويته بـ "مونغير". * * *