page 5885, entry [5250]Open original source
ذكر رحلات الشافعي في طلب الحديث: وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضى الله عنه تفقه على مسلم بن خالد الزنجي بـ"مكة"، ثم رحل إلى "المدينة المنورة"، وهو ابن أربعة عشرة عاما، فعرض "الموطأ" على مالك، وسمع من إبراهيم بن محمد الأسلمي منافس مالك بـ"المدينة"، ثم رجع إلى "مكة"، وسمع من ابن عيينة، ثم ارتحل إلى "اليمن" للعمل عند بعض الولاة لضيق ذات يده، وحمل إلى "العراق" سنة أربع وثمانين ومائة بتهمة الانحياز للعلويين ضدّ العباسية، ولما برئت ساحته من التهمة اللهم التفقه عند محمد بن الحسن، حتى اتصل به، ولازمه ملازمة كلية، واستنسخ مصنفاته إلى أن سمع منه حمل بختي من الكتب، ليس عليها إلا سماعه، وأخذ يعتلي شأنه، وأصبحت هذه المحنة منحة ونعمة كبرى في حقه، ومما كتبه إلى محمد في أول قدومه يستبطئ إعارة كتاب كان طلبه منه. قل للذي لم تر عين من رآه مثله … حتى كان من رآه قد رآه من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله … لعله يبذل لأهله لعله فوجَّه به إليه في الحال هدية لا عارية، كما نقله ابن الجوزي بهذا اللفظ في "المنتظم" عن الطحاوي، وروى ابن عبد البر هذه الحكاية مع أبيات الشافعي إلى هذه بسنده إليه في بيان "جامع بيان العلم". وقال الصيمري: حدّثنا أبو إسحاق النيسابوري المعروف بالبيع، حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم، ثنا الربيع بن سليمان، قال: كتب الشافعي إلىمحمد بن الحسن تلك الأبيات، فذكر القصة، وقال: فأنفذ الكتب إليه في وقته، ومن المعلوم أن الشافعي لم يكن من الشعراء، الذين يتزلفون لكل وسيلة، فمثل هذا الكلام لن يصدر عن مثله إلا وقلبه يواطئ لسانه، وكان الشافعي قد رآى مالكا، ووكيع بن الجراح، وابن عيينة، وغيرهم، وقد اعترف في تلك الأبيات أنه لم ير مثل محمد بن الحسن، وأنه يمثل له علم أبي حنيفة وأبي يوسف، لم يدركهما الشافعي. وقول الشافعي: "حملت عن محمد وقر بختي" صحيح، رواه ابن أبي حاتم، قال حدّثنا الربيع، قال سمعتُ الشافعي يقول: حملت عن محمد بن إسحاق حمل بختي ليس عليه إلا سماعي، قال أبو حاتم: حدّثنا أحمد بن أبي شريح الرازي، سمعتُ الشافعي، يقول: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارا. ومهم جدا أن يكون الشافعي حمل عن محمد حمل جمل كتبا، ليس عليها إلا سماعه وحده، لأن ما سمعه عليه ومعه العراقيون يكون عليه سماعه وسماع الآخرين، وأما الذي ليس عليه إلا سماعه فهو الذي سمعه هو خاصة في مجالس خاصة، كما فعل محمد بن الحسن مثل ذلك مع أسد بن الفرات، وأبي عبيد من أئمة عصره في عهد طلبهم للعلم، وهذا الصبر العجيب من محمد مع أصحابه وتلاميذه لا يشاركه فيه أحد عن الأئمة سوى أبي حنيفة فيما نعلم، وكم لمحمد بن الحسن من أياد بيضاء على الشافعي، حتى قال: أمنّ الناس علىّ في الفقه محمد بن الحسن، رواه الخطيب عن الحسن بن محمد الخلال عن علي بن عمرو الجريري، عن علي بن محمد النخعي، عن أحمد بن حمَّاد بن سفيان، عن المزني عنه (¬١).