Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الشيخ الفاضل محمد بن أبي بكر بن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 5748, entry [5146]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: الشيخ الفاضل محمد بن أبي بكر بن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني
page 5748, entry [5146]Open original source
٤٣٢٨ - الشيخ الفاضل محمد بن أبي بكر بن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني، الحموي، الدمشقي *. ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو جدّ أبي شامة الشام، وفرد الزمان، وإنسان حدقة العلم، وروح جسم الفضل، وفريدة عقد الأدب، ودرة تاج الشعر. وكان ممن توحد في عصره بمعرفة الفنون، خصوصًا التفسير، والفقه، والنحو، والمعاني، والفرائض، والحساب، والمنطق، والحكمة، والفنون الغريبة، كالزايرجا، والرمل، وغير ذلك.وفاق من عداه في لطف النثر، وعذوبة اللفظ، وجودة المعنى، وغرابة المقصد، وانسجام التراكيب، وأما خطه فإليه النهاية في الحسن والضبط، وكتب الكثير بخطه، بحيث لو حسب عمره والذي كتبه لبلغ كل يوم كراسا بالكامل، هذا مع كثرة الأسفار، وتزاحم الأشغال، والارتباط للقضاء والفتوى والتأليف، وألف المؤلّفات العجيبة السائغة، منها: حواشيه على التفسير، و"الهداية"، و"الدرر والغرر"، و"منظومته" في الفقه، التى سارت مسير الشمس، سماها "عمدة الحكام"، وقد احتوت على غرائب المسائل، واعتنى بشرحها أجلاء الفضلاء، منهم: الإمام يوسف بن أبي الفتح إمام السلطان، والشيخ إسماعيل النابلسي، وابنه شيخنا الشيخ عبد الغني. وله "شرح شواهد الكشاف"، سماه "تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات"، و"شرح منظومة القاضي محب الدين بن الشحنة" في المعاني والبيان. وكان سنه إذ ذاك ست عشرة سنة، وله الرحلة المصرية والرومية والتبريزية، و"السهم المعترض والرد على من فجر"، وله عشرون رسالة مجموعة في دفتر، وترسلاته كثيرة جدًّا، جمع والدي منها حصة، فجاءت في مقدار أربعين كراسًا. وبالجملة: فهو أكثر أبناء عصره إحاطة، وأجلّهم فائدة، وقد ولد بـ"حماة"، ونشأ بها، وقرأ على والده إلى أن تنبل، وكان أبوه قد بلغت به السن إلى العجز عن الإقراء، فبعثه إلى الشيخ العارف بالله تعالى أبي الوفا ابن ولي الله الشيخ علوان، وكتب إليه معه هذه الأبيات من نظمه، وكان هو أيضًا ممن أخذ عن الشيخ أبي الوفا: لما عليّ اعتدى دهري وأحرمني … تقبيل أعتابكم والرشف من ديم والغرف من أبحر العرفان مع حكم … جاءت كدر مع العقيان منتظم أرسلت فرعى عني نائبًا أبدًا … فعدَّه سيّدي من جملة الخدمفلزمه يتفقه عليه على مذهب الشافعي إلى أن وصل إلى قراءة "شرح البهجة"، ثم تحول حنفيا، وكان أكثر تعبّده على مذهب الشافعي إلى أن مات، وقرأ من أول "البخاري" إلى باب القراءة في المقبرة على المسند أبي بكر تقى الدين بن أحمد الشهير بابن البقا بالموحِّدة والقاف المشدّدة خليفة الشيخ محمد بن الشيخ علوان الإربلى ثم الحموي، وهو أخذ عن شيخ الإسلام العلامة أحمد بن عميس الحموي بحق إجازته عن ابن حجر العسقلاني، وهذا أعلى سند له. وكانت وفاة ابن البقا في حدود السبعين وتسعمائة وتاريخ القراءة في أواخر رمضان سنة إحدى وستين وتسعمائة، وأجاز بباقي "البخاري"، ثم قرأ عليه في أواخر رجب سنة اثنتين وستين، ثم قدم إلى "حماة" الشيخ أحمد بن علي اليمني، وكان من المتبحرين في جميع العلوم، فأسكنه دارًا جوار داره، وقرأ عليه "شرح الكافية" للمنلا جامى، و"شرح العقائد" مع الخيالي، و"شرح الشمسية"، و"المطول"، وغالب "شرح المفتاح"، وجانبا من "تفسير البيضاوي"، وسمع عليه جانبًا من "شرح المواقف" بقراءة المرحوم منلا أبي الهدى العنتابي، ولازمه عدة سنين، وكان اليمني هذا مع تضلّعه من العلوم له القدم الراسخة بالكشف والولاية، وله وقايع تدل على علو كعبه، منها: أنه خرج هو وأباه وجماعة يومًا إلى أحد منتزهات "حماة"، واستمرَّ بهم النشاط إلى أن قرب وقت الغروب، وهم خارج البلدة، فخافوا من تسكير باب المدينة، فذكروا ذلك للشيخ، فدعا الله تعالى بأن يوقف الشمس، حتى يدخل المدينة، فوقفت الشمس مقدار ساعة إلى أن دخلوا. وبعد وفاة مشايخه المذكورين رحل إلى "حلب"، وأخذ عن علمائها، منهم: الرضى محمد بن الحنبلي الحنفي، كذا ذكره النجم فى "تاريخه" في ترجمة ابن الحنبلى، وناقضه في ترجمة الجد في الذيل بأنه لم يلحق ابن الحنبلى، وهذا أغرب الغريب منه، فإن لحوقه لابن الحنبلي لاشبهة فيه أبدا، وأما أخذه عنه فما أعرف حقيقته، على أن ابن الحنبلي قرظ على شرحه لـ"منظومة ابن الشحنة" أرسل الشرح إليه من "حماة"، فقرظ عليه، وذكر في التقريظ نسبته لابن الشحنة، وأن جدّ والده البرهان لأمه، وكان الجدّ لم يطلع على نسبته إليه، فخجل من التطفل على الشرح مع وجود ابن الحنبلى، فأرسل إليه رسالة يعتذر فيها عن ذلك، وكان الشمس محمد بن المنقار ممن أخذ عن ابن الحنبلى، وكان يفاخر بالأخذ عنه، فإذا تذاكره والجد في الأخذ عن علماء "حلب" يقول له: أنت لم تقرأ على ابن الحنبلي، فيقول له هو قرظ على مؤلف لي، وأخذ يحمص عن الشهاب أحمد الأطاسي، ثم دخل "الروم"، واختلط مع كبرائها، ومدحهم بالقصائد الفائقة، ووجهت إليه المدرسة القصاعية بـ"الشام"، فورد إليها، وأخذ بها عن شيخ الإسلام البدر الغزي الحديث والتفسير وغيرها، كتب إليه مسائلًا: ألا يا إمام الفضل يا من ببدره … يضيئ لنا وجه الزمان ويقمر وإن أشكلت في الواقعات مسائل … جلاها بإيضاح معانيه تنور بصيغة تعليق الطلاق ونحوه … كعتق بشرط عبدكم يتفكر على أن الإنشا يا إمام العلوم لا … يسوغ لنا التعليق فيه ويظهر فهل يقع التطليق في الحال سيدي … وتعليقه يا أوحد الدهر يهدر فمنوا بإبداء الجواب تكرّما … ومنّ بما فيه يقال ويزبر وأنعم على هذا المحب لذاتكم … بما يرفع الإشكال فيه وحرروا فلا زلت في عز منيع ورفعة … ولا برحت أنوار بدرك تزهر فاتفق أن جاءه السؤال، وقد عرض له سوء مزاج، فأجاب ولده العلامة الشهاب أحمد عن السؤال، وأبياته هي: ألا يا محب الدين من شاع فضله … وعنه بكل المكرمات يخبر لئن كان نور البدر عم ضياؤه … فطورا لدى الساري الشهاب ينورومن فرعها الأشجار تجنى ثمارها … وتحقيق مجناها عن الأصل يؤثر فإنشاء تعليق يجوز وقوعه … وتعليق إنشاء به المنع يصدر فبعتك إن شاء المقال مضحح … وإن شئت بيعا بعتك اللفظ يهدر ووكلت زيدا في طلاق سعدان .... تشأ جاز ذا التعليق فيما يحرر وقولك إن شاءت سعاد طلاقها … فزيد وكيلى فيه كاللغو يذكر وقائله الغزى أحمد يرتجى … من الله في أخراه يعفو ويغفر ثم تدير "دمشق"، وصاهر العلامة أبا الفدا إسماعيل النابلسي الكبير على بنتين ماتت إحداهما قبل أن يبتنى بها، والأخرى دخل بها، وولدت له جدّي محبّ الله المقدّم ذكره، ولما قدم قاضي القضاة بـ"الشام" شيخ الإسلام محمد بن محمد بن إلياس الشهير بحوى زاده كان معه، فلما أعطى قضاء "مصر" من "الشام" صحبه معه، وكان قاضى القضاة المذكور أمر بالتفتيش على كنيسة في "القدس"، وعين معه الصدر أحمد بن عبد الله المعروف بفوري مفتى الحنفية بـ"دمشق"، وكان اتصل بمسامع الدولة أن النصارى جددوا شيئا في الكنيسة، فخرجوا من "دمشق" في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، فوجدوا النصارى قد أحدثوا أوضاعا منكرة، ووجدوا إلى جانب الكنيسة مسجدًا قديمًا هدم الكفار جدرانه، وحولوا وضعه القديم، وجددوا بنيانه، فأمر قاضي القضاة بهدم ما جددوه، فهدمه المسلمون، وأعلنوا بالتكبير، وأقيمت صلاة الجماعة في عصر ذلك اليوم في المسجد المذكور، وصلى قاضى القضاة المشار إليه إماما بالناس، ثم زاروا بعض المشاهد، ورحل القاضي، وفي خدمته صاحب الترجمة إلى "القاهرة"، ورجع، فوري إلى "دمشق"، فوصلوا "القاهرة" في نهار الأربعاء سادس عشري شهر رمضان، واجتمع صاحب الترجمة بالأستاذ سيّدي محمد البكري، ووقع بينهما محاورات ومراسلات، أورد صاحب الترجمة كثيرًا منها في "رحلته"، منها: أنه حضر الأستاذللسلام على قاضي القضاة، وكان أول اجتماعه به، قال: فتقدمت، وقبلت يده، وقلت له: يا مولانا هذا السلام المجازي يريد أن سلامي عليكم هنا مجازي للملاقاة، وأما السلام الحقيقي فهو أن أحضر إلى خدمتكم، فلما ذهبت إلى بيته رآني مقبلًا، فلما صافحته، قال لي: هذا السلام الحقيقي، فلمح إلى قول أبي العلاء، ومن بـ"العراق"، قال: وأهديت إليه هدية من قلب الفستق واللوز والصنوبر، وكتبت إليه لما تملك قلبي حبكم فغدا … مجردا فيه قلبًا رق واستعرا حررته فغدا طوعًا لخدمتكم … محررًا خادمًا وأفاك معتذرا فعاملوه بجبر حيث جاءكم … مجردًا بمزيد الحب منكسرا يقبل اليد الشريفة، ويلثم الراحة اللطيفة، وينهى أنه أهدى ما يناسب إهداؤه لأرباب القلوب، ويلائم إرساله لأصحاب الغيوب، فقدم العبد رجلًا، وأخر أخرى في أن يهدي إلى جنابكم الشريف منه قدرًا، علما منه بأنه شيء حقير، لا يوازي مقامكم الخطير، وقد توارى بالحجاب حيث وافاكم، وهو حسير، وما مثل من يهدي مثله إلى ذلك الجناب إلا كالبحر يمطره السحاب، ثم إنه تهجم بإهداء هذا القدر اليسير، فإن وقع في حيز القبول انجبر القلب الكسير، ولا يعزب عن علم مولانا بلغه الله أملا النمل يعذر في القدر الذي حملا، قال: ثم اجتمعت بعد ذلك بجنابه، فقال لي: ما يقول الإنسان في هدية كلها قلب، وأنشدني بديها: بحسم أقسم أني امرؤ … صديق حميم بقلبي محب وأخذ بـ"القاهرة" عن المسند الحافظ النجم الغيطي صاحب "المعراج"، والشيخ الإمام أبي النصر الطبلاوي، والإمام العلامة على بن غانم المقدسي، والحافظ الكبير الجمال يوسف بن القاضى زكريا، وغيرهم، وصحب القاضى بدر الدين القرافي المالكى، والشمس محمد الفارضي، وله معهما مفاوضات أدبية، أوردها في "رحلته".وكان بينه وبين السري ابن الصائغ رأس الأطباء بـ"مصر" مودّة أكيدة، ووقع بينهما محاورات، منها: أنه كان حصل لصاحب الترجمة دمل احتاج إلى العلاج، فكتب إلى السري أيها الرئيس البارع، والبدر الذى في أفق البلاغة طالع، ذو الحكمة، التي أعيا بها جالينوس، والحذاقة التى حار فيها أبقراط وبطليموس، أشكو إليك دملا أبطأ فجره، وآلم ضره، وأضمر عامله، لا على شريطة التفسير، وحصل منه ألم كثير، فتفضلوا بما يبرز ما استكن فيه على عجل، وبما ركب علاجا لتنازع ما فيه من العمل، بحيث يصير هذا المضمر مبينًا على الفتح لنطق الألسنة بالدعاء، وتعرب عن أفعال المدح، فأرسل إليه شيئًا يلائم ذلك، وكتب جوابه: هل لك أيها الممتزج بالروح امتزاج الماء بالراح المهدي إلى النواظر التنزه، وإلى النفوس الارتياح الداعى برسالته المعجزة الألفاظ إلى جنة ناضرة المبرز بدلالته وجوه المعاني الناضرة إلى عيون البيان الناظرة، لا زالت أزمة الرغبات منقادة منا إليك، ونواصى البلاغات معقودة أعنتها بيديك والفصاحة، لا تمد سرادقاتها، ولا تقصر مقصوراتها إلا عليك. ودمت إلى كل القلوب محببا … وفي كل عين شاهدتك حبيبها في بناء ذلك الدمل العاصى عن الاندمال على الفتح، ونصب ثناء العامل من الأدوية على المدح والدخول على جميع مادته بصورة التكسير وتصريفها بالتحويل إلى وضعيات التغيير، وإرخاء الشد، كيلا يكف الدواء، ولا يلغى عامله وتقوية المعمول بالتجلد على التأثير، الذي ارتفع فاعله، فبذلك إن شاء الله تعالى تفتر ثغوره، وينبسط على جلد الجلد غوره، والله يديم معاهد الفضل بك آهلة، والفضلاء من مناهلك ناهلة، والنبلاء في ظلال ظلك قائلة، لتكون ألسنتهم بأحامد المحامد فيك قائلة، آمين. وأقام صاحب الترجمة بـ"مصر" مدة، وولي بها قضاء فره، ثم رحل إلى "الروم"، وولي قضاء "حمص"، و"حصن الأكراد"، و"معرة النعمان"، و"معرةنسرين"، و"كاس"، و"عزاز"، ثم استقر بـ"دمشق" في سنة ثلاث وتسعين، وتولى النيابة الكبرى سنين عديدة، وقضاء العسكر بها، وقضاء الركب الشامي، ودرس بعد القصاعية بالناصرية البرانية والشامية البرانية والسلطانية السليمية، وأفتى مدة طويلة بالأمر السلطاني، واشتهرت فتاويه بالآفاق. وكان علامة نهاية محققًا مدققًا، غوّاصًا على المسائل، طويل الباع في المنقول، قوي الساعد في المعقول، وكان مستحضرا لمسائل الفقه، حافظًا لعبارات المتون، مواظبا على التدريس والإفتاء، ويدرس في "تفسير القاضي" مع مطالعة "الكشاف" والحواشي، وانتفع به أفاضل الطلبة المشار إليهم، منهم: التاج القطان، والشموس الخمس: محمد الميداني، ومحمد الجوي، ومحمد الأيجي، ومحمد الحمامي، ومحمد الحادي، والبدر حسن الموصلي، والشيخ عبد الرحمن العمادي، والنجم محمد الغزي، وأخوه أبو الطيب، والتقي الزهيري، والشهاب أحمد بن قولا قسز، والشيخ عبد اللطيف الجالقي، والشيخ أبو بكر المغربى مفتى المالكية، والشيخ أيوب الخلوتي. وأخذ عنه بالإجازة الشمس محمد، والبرهان إبراهيم، ابنا أحمد المنلا الحلبي، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. وكانت له شهرة طنانة، وذكره جماعة من المؤرخين والأدباء، وأثنوا عليه كثيرًا، منهم: البوريني، والعرضى، والغزي، والخفاجي، والبديعي، قال البديعي في وصفه: علامة ورد "دمشق"، فأخجل وردها بمنثوره ومنظومه، وفهامة ضاهى أنهارها بغزارة علومه، جعلته مفتيها، وهمام حفلها، وإمام فرضها ونفلها، وما زال فلك الفتوى مشرقًا بمعلوماته إلى أن غاض بحر فضله، وأفل كوكب حياته، ومن أجود شعره قوله: حكت قامتي لاما وقامة منيتي … حكت ألفا للوصول قلت مسائلا إذا اجتمعت لامي مع الألف التي … حكتك قواما ما يصير فقال لاوأهدى لبعضهم سكرًا، وكتب معه: هذا الذي أهداه عبد جنابكم … من صار معروفًا بكم بين الورى هو شكر إحسان حلا تكريره … مستعذبا حتى تصحف سكرا وكتب لبعض الموالي طالبا منه "كتاب الصحاح" عارية: مولاى أن وافيت بابك طالبا … منك الصحاح فليس ذاك بمنكر البحر أنت وهل يلام فتى سعى … للبحر كى يلقى صحاح الجوهري وكتب لبعض أصدقائه: سلام على من لم أزل تحت ظله … وتحت أياديه الحسان وبره سلام محب مخلص لك في الولا … يعطر أنفاس النسيم بشكره ومن فوائده أنه سئل عن بيتى أبي إسحاق الغزي: وخز الأسنة والخضوع لناقص … أمران عند ذوى النهى مران والرأى أن نختار فيما دونه … المرّان وخز أسنة المرّان وكان في مجلس أحد الموالي، فتكلم بعض الحاضرين على ما يتعلق بالبيتين من جهة المعنى، وبيان الإعراب، فكتب عليهما رسالة، ملخّصها: أن الوخز الطعن بالرمح وغيره لا يكون نافذًا، والأسنة جمع سنان، وهو نصل الرمح، والمران أخر البيت الأخير، قال صاحب "القاموس" هو كرمان الرماح اللدنة. انتهى. أقول: لا يخفى على الفاضل النبيه أنه أصاب لما قصد القلب عند هذا التشبيه، ولا يخفى أن تعدد وصف الخبر هنا على حد قولهم: حلو حامض، أي مز. والمعنى أنها حالة متوسطة بين الصلابة واللين، وبقية ألفاظ البيت ظاهرة، لا تحتاج إلى تبيين. ثم إضافة وخز إلى الأسنة معنوية، بمعنى اللام، أي وخز للأسنة، وهو مبتدأ خبره أمران، وإعراب البيتين ظاهر، لا يحتاج إلى بيان، ولا يخفى ما في البيت الأول من الصناعة البديعية، وهو شبه الاشتقاق، نحو ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾، والجمع، وذلك أن تجمع بين متعدد في حكم، ومن ذلك قولهتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله: الرأي أن نختار إلى آخره، الظاهر أن ما في قوله: فيما دونه موصولة، وتحتمل الموصوفة، وصلتها متعلق الظرف، وعائدها الضمير البارز، والمران فاعل الظرف لاعتماده على الموصول أو الموصوف، والتقدير: والرأي أن نختار فيما استقرّ دونه المران أي عنده أو إمامه، وخز أسنة المران، يعنى إذا اجتمع الأمران المران وخز الأسنة والخضوع لناقص، فالرأى أن نختار وخز الأسنة على الخضوع، يعنى أن الدون في جانب الخضوع متحقق بأن يكون له مراتب متفاوتة، بعضها دون بعض. وأما وخز الأسنة فلا يتحقق فيه هذا المعنى، فنقول: يمكن أن يغلب الخضوع أو يجعل لوخز الأسنة مراتب متفاوتة له أيضا تقديرا لا تحقيقا، ولا يخفى ما في البيت من الجناس التام هذا، ولا مانع من أن تجعل دون من قبيل قولهم: هذا دونه، أي أقرب منه، كما هو أحد معانيها، ويغلب الخضوع على وخز الأسنة من حيث المعنى، أو يقدر الدون في جانب وخز الأسنة، وحينئذ يظهر له وجه دقيق بالقبول حقيق، وله تحرير على المثل المشهور، وهو من حفظ حجة على من لم يحفظ، وكان سبب تحريره له أنه اجتمع هو وجماعة في مجلس بعض الأعيان، فدار الكلام بينهم فيه من جهة الإعراب، فاختار بعضهم رفع الحجة، بعضهم نصبها، فكتب ما ملخّصه: من اسم موصول مرفوع المحل على الابتداء، وجملة حفظ صلة لا محل لها من الإعراب، والعائد الضمير المستتر في حفظ، وحجة خبر المبتدأ، أعني الموصول، وهو من، وعلى ظرف لغو، لأن عامله من الأفعال الخاصة، التى لا يتضمن الظرف له، لا محل له من الإعراب، وهو متعلق بحجة، وعلى حرف جر، معناه الاستعلاء، وهو هنا معنوي، ولم حرف نفي وجزم، ويحفظ فعل مضارع مجزوم بلم، وجملة لم يحفظ صلة من الثانية المجرورة المحل بعلى، وعائدها الضمير المستتر فى يحفظ، وجملة من حفظ حجة على من لم يحفظاستينافية، (فإن قلت: هل يصح نصب الحجة على أنه مفعول حفظ، وجعل على فعلا ماضيًا، والموصول بعده مفعوله منصوبًا بنزع الخافض على الحذف والإيصال، والتقدير من حفظ حجة علاء على من لم يحفظ، ثم حذفت على، وباشر الفعل المنصوب، فنصبه على حد قول الطغرائي: وإن علاني من دوني فلا عجب … لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل قلت: التقدير لا يروج عند الناقدين إلا للضرورة، ولا ضرورة هنا على أن رسم الخط لا يساعده أيضًا، فإنه لوكان فعلًا ماضيًا لكتب بالألف، والموجود بصورة الياء. فإن قلت: يمكن أن يرجح نصب الحجة بأنه يلزم من عدمه بقاء حفظ بلا مفعول، على أنه من الأفعال المتعدية. قلت: مثل هذا غير عزيز في كلامهم، فإنه تقرر في فن المعاني أنه قد يكون الغرض من الفعل المتعدى إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا، من غير اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، فينزل منزلة اللازم. فإن قلت: فما ذكرته مرجح لرفع الحجة، وحينئذ فكيف يصح حملها على الموصول الذي هو عبارة عن الشخص. قلت: هو من باب المجاز المرسل من قبيل إطلاق الحال وإرادة المحل أو إطلاق المسبب وإرادة السبب، وأمثاله أكثر من أن تحصى، ولهذا الكلام تتمة أعرضت عنها لعدم تعلقها بالغرض، ومنشآته وآثاره كثيرة، وأما لطائفه ونكاته، فما اشتهر وبهر، وما أحقها بأن تدون، ويسامر بها، ومن نادرها أنه خرج هو وجماعة من العلماء إلى توديع بعض قضاة "الشام" كان عزل عنها لنسبة الجهل إليه، وأعطى بعدها قضاء "حلب"، فلما ودعوه قال: إن كان لكم في "الحلب" بالتعريف حاجة فاذكروها لنا، حتى نرسلها لكم إلى شام بدون تعريف، فقال له المترجم: ليس لنا حاجة ثمة، إلا الألف واللام الذاهبتان من "شام"، فلتنعموا بإرسالهما، وله غير ذلك.وكانت ولادته في أواسط شهر رمضان سنة تسع وأربعين وتسعمائة، وتوفي سحر يوم الأحد، الثالث والعشرين من شوال، سنة ست عشرة بعد الألف، وصلى عليه ظهر اليوم المذكور بالجامع الأموي، وحضر للصلاة عليه قاضى القضاة بـ"الشام" المولى إبراهيم بن علي الأزنيقى، وحمل في جنازته، وتأسف على أخلاقه العلماء، ودفن بالمدفن قبالة الجانب المحاذي لجامع جراح خارج باب الشاغور، وكان آخر درس أقرأه أو وقف عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وأرخ عام وفاته بعض الفضلاء بقوله: آها آها مات المفتى، ورثاه جماعة، منهم: الشيخ عبد الرحمن العمادي، نظم في رثائه قصيدة بليغة، مطلعها: قامت قيامة مفتينا وقاضينا … لا بل قيامة دانينا وقاصينا مصاب علم أضاع القلب متصدعا … ورزء مجد أطار العقل مفتونا قد فت من عضد العليا وقلص من … ظلالها بعد ما مدت لنا حينا بادرت فيه إلى الإنكار مذ طرقت … سمعي أحاديثه شكا وتخمينا حتى إذا صدع الشك اليقين به … وصح ماكان عند الصب مظنونا وصار لا طعن لي فيه أحاوله … رجعت من نصله في القلب مطعونا أوهى عماد القوى زلزال صدمته … وصادفت من خلو القلب تمكينا تبت يدا ذا الردى أودى لنا بندي … كف تكف العدا عنا وتكفينا فليت كل محب دولة وغني … فدا محب فنون العلم والدنيا أمات حساده من قبل موتته … وهكذا دائمًا تلفى العرانينا فحل لبكر المعاني العين مفترع … قد عنست بعد مهما تلق عنينا يا طالبا للندى والعز خب أملا … من بعده قد لزمت العدم والهونا مضى الجواد الذي كانت مكارمه … تريشنا إذ صروف الدهر تبرينا صرنا معاشر أهل الشام سائبة … مباحة غاب راعينا وحاميناأما العلوم وأهلوها ففد درست … مات الذي كان يحييها ويحيينا من للبلاغة إن عنت لطائفها … من للفتاوى إذا ما احتجن تبيينا حماسة منه شابتها لطافته … ومازج العز منه الحلم واللينا أهكذا يستر البدر المنير ترى … ويصبح البحر تحت الترب مدفونا ظنوه صور من مجد ونور هدى … فمذ أعيد بأرض حققوا الطينا لم أنس وقفتنا تلقاء روضته … وإذ نحي بها من لا يحيينا منها: يا سيدا كنت مسرورًا به زمنا … تركتني بعد طول العمر محزونا ألزمت قلبي تحريكا عليك أسى … وعن جميع أماني الدهر تسكينا قد كان لي منك ركن شامخ وأب … فقد فقدت عمادي منك ذا الحينا فقل لنا من لنا إن ناب نائبة … نأوي إليه ونشكوها فيشكينا أعزز علينا بأن الصدر منك خلا … في مجلس كنت فيه منك تدنينا بفقدك العلم ثم المجد قد نكست … أعلامه وغدا بالذل مقرونا أن خص شخصك بطن الأرض مستترا … فذكر فضلك عم البيد والبينا كأن ذاتك لم تملك فضائلها … دمشق من كل معروف أفانينا فضائل إن يكن أودى المنون بها … فإن أجرك فيها ليس ممنونا سقاك مولاك من صوب الرضا ديما … منهلة المزن ملقاة العرى جونا ودمت تسكن في الفردوس مرتبعا … رحبا تعاين فيه الخرد العينا ترى الأنيس به المولى ورحمته … والصالحات وعلما منك مخزونا تقرا فترقى به أعلى الجنان كما … نرويه وعدا لأهل العلم مضمونا في نعمة من جوار الله فقت بها … على سلاطين في الدنيا أساطينا ودام من بيتك السامي نرى خلفا … أولادك الكمل الغر الميامينا لا زال منهم رئيس في دمشق لنا … مكان والده عنه يسلينا ولا يزالون في لطف يعم وفي … حب من الله طول الدهر باقيناما جددت سنن الأسلاف بعدهم … أخلافهم حذوهم في الخير يحذونا والله تحت ظلال العرش يجمعنا … مع المحبين فوق العفو آمينا * * *

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • KadhdhabKadhdhab

    ية بـ"دمشق"، وكان اتصل بمسامع الدولة أن النصارى جددوا شيئا في الكنيسة، فخرجوا من "دمشق" في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، فوجدوا النصارى قد أحدثوا أوضاعا منكرة، ووجدوا إلى جانب الكنيسة مسجدًا قديمًا هدم الكفار جدرانه، وحولوا وضعه القديم، وجددوا بنيانه، فأمر قاضي القضاة بهدم ما جددوه، فهدمه المسلمون، وأعلنوا بالتكبير، وأق

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو الفضل

    بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Kunya

    أبي بكر بن

    الشيخ الفاضل محمد بن أبي بكر بن داود بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Nisba

    الدمشقي

    بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني، الحموي، الدمشقي *. ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو جدّ أبي شامة الشام، وفرد الزمان، و

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    الدمشقي

    بن عبد الخالق بن عبد الرحمن، الملقّب محب الدين بن تقي الدين أبو الفضل، العلواني، الحموي، الدمشقي *. ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو جدّ أبي شامة الشام، وفرد الزمان، و

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
192936
Book record
shamela-819
Source record
84685
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate