page 5620, entry [5018]Open original source
٤٢٠٦ - الشيخ الفاضل محمد بن حسن بن أحمد بن أبي يحيى، الكواكبي، الحلبي، مفتي "حلب"، ورئيسها * * ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو المقدّم فيها في الفنون النقلية والعقلية مع سعة الجاه والمال، وشهرة الصيت والأناة والحلم. وكان أعظم رجل، جمع كل صفة حميدة وألم بكل منقبة سامية، انتهت إليه مكارم الأخلاق والبشاشة، وصدق الوعد، وكان من علمه الزاخر وعلوّ سنّه وقدره لين قشرة المعاشرة، مخالطا، يحضر مجالس المداعبة والغنا، ويقول: ربّ معصية أورثت ذلا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا.نشأ بـ "حلب"، وأخذ بها عن جمع من محقّقي عصره، منهم: الشيخ جمال الدين البابولي، وجدَّ كثيرًا، حتى نال الرتبة العظيمة، وكان حديد الفهم، سريع الأخذ للأشياء الغامضة. حكي: أنه دخل يومًا إلى مجلس النجم محمد بن محمد الحلفاوي خطيب "حلب"، فسأله عن مسئلة في الأصول، فلم يدرها، وكان النجم قصد أن يظهر زيفه، ويعرف أنه لم يشتغل في الأصول، فقام من المجلس، وانفرد بنفسه مدة في داره، وانكبّ على مطالعة الأصول، حتى عرف من نفسه أنه حصله، وأخذ بأطرافه. ثم ذهب إلى النجم، وناظره في مسائل كثيرة من هذا العلم، فأربى عليه، وشهد له النجم بمعرفته، وكان النجم المذكور في هذا العلم ممن لا يدرك شأوه، وما زال بعد ذلك يترقى في الفضل، حتى انفرد، وولي إفتاء "حلب"، وتصدَّر بها، وأفاد، ودرس، وألقت إليه علماؤها أعنَّة التسليم، وتواتر خبر فضله. وبلغني أن السيّد عبد الله بن الحجازي المقدّم ذكرُه كان طالب من الوزير الفاضل أيام انضمامه إليه أن يشفع له في منصب الفتيا عن الكواكبي عند شيخ الإسلام يحيى المنقاري، فلما فاوضه الوزير في ذلك قال له المنقاري: إذا عزل الكواكبي نضطر إلى أن نوجّه إليه منصبًا يليق به، ولا يليق به إلا منصبي، وقصد بذلك أن يكفّ الوزير عن هذا الأمر، فلم يذكره له بعد ذلك، وبقيت عليه الفتوى إلى أن مات. وألف المؤلَّفات العديدة، منها: "نظم الوقاية" في الفقه، وشرح "نظمه" شرحا مفيدًا، وله "نظم المنار"، و"شرحه" في الأصول، و"حاشية على تفسير البيضاوي"، التزم فيها مناقضة سعدي، وأخرى ناقش فيها عصام الدين، و"حاشية على شرح المواقف" للسيّد، وغير ذلك من التحريرات، وله نظم ونثر وغاية اللطافة، فمن شعره قوله:أورقاء عن عهد الحبيب تترجم … ليهنك ألف بالغوير مخيم لئن تندبي ألفا وماشط حيه … فإني على شط المزار متيم وهب سجعك الموزون باللحن مطرب … فدمعي أوفي صامت يتكلم لكي مثل في العندليب وسجعه … ولي بالفراش الشبه والفرق يعلم وقوله: يا أيها البدر المنير إذا بدا … وإذا رنا يا ليهذا الريم ومعلم الغصن الرطيب تمايلا … رق النسيم لها فكاد يهيم كم ذا تموه عن صبابة عاشق … صب على طول الصدود مقيم فارحم ضنى جسدي وحسن تصبري … وأرع الجميل فما الجمال يدوم وله هذا المفرد: فلا تعجبوا من لكنة في لسانه … فمن حلو فيه لا يفارقه الحرف وهذا المعنى أصله بالتركية، وكنت عربته قبل أن أرى بيت الكواكبي بقولي: ما لكنة فيه تشين وإنما … تأبي الحروف فراق شهد لسانه ولكواكبي مضمنا بيتي أبي العباس المرسي: حتام في ليل الهموم … زناد فكرك تقتدح قلب تحرق بالأسى … ودموع عين تنسفح أرفق بنفسك واعتصم … بحمى المهيمن تنشرح وأضرع له أن ضاق عنك … خناق حالك تنفسح ما أم ساحة جوده … ذو محنة الأمنح أو جاءه ذو المعضلات … بمغلق إلا فتح فدع السوى وانهج على … نهج السوى المتضح واسمع مقاله ناصح … إن كنت ممن ينتصح ما تم إلا ما يريد … فدع مرادك واطرحوأترك وساوسك التي … شغلت فؤادك تسترح وله غير ذلك، وكانت ولادته في سنة ثمان عشرة وألف، وتوفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة سنة ست وتسعين وألف. * * *