page 5158, entry [4500]Open original source
٣٨١٠ - الشيخ العالم الكبير العلامة المحدّث أبو البركة عيسى بنقاسم بن يوسف بن ركن الدين بن المعروف بن الشهاب، المعروفي، الشهابي، الشطاري، السندي * أحد العلماء الربّاينيين. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد بـ"إيرجبور". من أرض "برار" سنة اثنتين وستين وتسعمائة، وكان والده إذ ذاك في السفر، فسمّاه عمّه الشيخ طاهر بن يوسف السندى باسمه المذكور، فلمّا جاء والده استبشر بمولده، وأراد أن يبدل اسمه سليمان، لأن أمّ ولده لما كانت حاملة به رأى بعض الصلحاء في المنام أن سليمان بن داود ﵇ جاء في بيتها، ولذلك كان والده يريد أن يسمّيه سليمان، ولكنّه لم يبدله تأدّبا لأخيه. ومات والده سنة ثمانين وتسعمائة، فرحل مع عمّه إلى "برهانبور"، وقرأ عليه العلم وعلى غيره من العلماء. ثم أخذ الطريقة عن الشيخ لشكر محمد العارف الشطارى البرهانبُوري، وتصدّر للإرشاد بعده، وكان يدرّس ويفيد، أخذ عنه أبناؤه: عبد الستّار، وفتح محمد، وبرهان الدين البرهانبوري، وإسماعيل بن محمود الشطاري السندى، وخلق كثير. وله مصفنّات كثيرة ممتعة، منها: "الروضة الحسنى في شرح أسماء الله الحسني"، وله "عين المعاني" رسالة أخرى في شرح الأسماء الحسنى، وله "الحواسّ الخمسة" رسالة فى تطبيق الحواس الخمسة على الحضرات الخمس، وله حاشية على إشارة غريبة من الإنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي، وله شرح بالفارسي على "قصيدة البردة"، وله "قبلة المذاهب الأربعة" مع الإشارات من أهل التصوّف، وله حاشية على "الفوائد الضيائية" للشيخ عبد الرحمن الجامي،صنّفه لولده عبد الستّار، وله "الفتح المحمدي" كتاب في ما يتعلّق بالتفسير، صنّفه لولده فتح محمد، وله "التتميم" "شرح المائة العاملة"، صنّفه بطلب السيّد علي بن عمّ القاضي نور الله، وله رسالة في عقد الأنامل، وله شرح على الرباعيتين، وله ترجمة "أسرار الوحي". ومن مصنّفاته الشهيرة "أنوار الأسرار" في حقائق القرآن ومعارفها، كتاب مبسوط، أوله: لك الحمد يا من دعوته لطالبيه إلى جمال غرّته فاتحة الأبواب، إلخ. قال في مفتتح ذلك الكلناب: هذه مشاعل أنوار الأسرار في المشاهيد الأبكار، لتنوير عيون الفحول الأحرار، عن رقبة التقليد والأكدار، قد لاحت من حضرة القدير على مذهب الفقير، من غير تأمّل وكسب، بل ألهمه الله بعين عنايته عند الكتابة. ومرارا يقول لنفسه: أيها الفضول! إلى أين تذهب! أتدرى ما الكتاب وما الإيمان بظاهره وباطنه، فتقف عنده، وتقول: "ما أدري ما يفعل بي"، فألهمني الله تعالى، فنوديت من سرى ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ إلخ. ومن فوائده: ما قال في تفسير ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. الشيطان البعد، وهو البعد الذى بين العبد وربه وهما، وليس في الحقيقة، أو البعد الموهوم والخلاء المتوهم في محل وجود العالم، يعني العالم ظاهر خارج عن حضرة الغيب المتجلّي في الخلاء المتوهّم. وقال في تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: متلبّسا باسم الله الذي تجلّى بالأسماء والصفات المقتضية لحقائق الأسماء الكونية بعلم اليقين، يعني شرعت في حال التحاق علمي بأسماء اللهبالذوق والوجدان، أو قل متحقّقا باسم الله الذي تجلّى بالأسما الألوهية والصفات الربّاينة بعين اليقين، يعني شرعت في حال تحقّقى بالأسماء والصفات بعيني معها، أو قل متلبسا باسم الله الذى تجلّي بالنسب الوجوبية والأوصاف الفعلية لحقّ اليقين، يعني شرعت بحال إظهاري وتحقّقي الأسماء الإلهية الفعلية على الحقائق الكونية الانفعالية بالخلافة لا بالأصالة، فإنه لا قدم للممكن كائنا ما كان في الوجوب الذاتي، ولا يكون هذه إلا للكمل، والتى فوقها للكامل، والتي فوقها للواصل المبتدئ في العرفان بالأحدية الذاتية. وقال في تفسير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عند أهل الظواهر تعريفه هو الثناء باللسان على قصد التعظيم، وله مراتب أربع عندهم: إما أن يكون ثناءه لعبده على حسن أقواله وأفعاله، أو يكون ثناء العبد له سبحانه على كمالاته الواصلة إليه من الوجود والبقاء، أو يكون نثاءه كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو يكون ثناء العبد للعبد على كمالاته الظاهرة فيه بإذن الله سبحانه، فكلّ المحامد راجعة إليه. أما عند أهل السلوك فستة أقسام: فعلي وقولي وحالي من كلا الجانبين، فأما القولي من العبد، فبأن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ موافقا للقلب عند القول به، وأما الفعلي فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله وتوجّها إلى جانبه الكريم، لأن الحمد كما يجب على العبد باللسان يجب بحسب كلّ عضو، وذلك لا يمكن إلا باستعمال كلّ عضو لما خلق لأجله على الوجه المشروع عبادة للحقّ سبحانه وانقيادا لأوامره، لا طلبا للحظوظ النفسانية من اللذّة العجيبة في الدنيا، ومن الجنة والنعيم في الآخرة، وأما الحالي فهو الذي يكون بحسب الروحوالقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والتخلّق بالأخلاق الملكية والربّانية من الرضا في الطاعات والجود عند العطيّات. أما القول منه سبحانه بأن حمد نفسه في كتبه لأنبيائه أني منزّه عن النقائص، والفعلي منه سبحانه بأن يسلم أفعاله من الشرّ المحض ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. والحالي منه سبحانه بأن يظهر في الكلّ من الممكنات بالكلّ من المحامد والخيرات. وأما عند أهل المعرفة الذي سفره وسيره من نفسه إلى ربّه فأيضا ستة أقسام، وتعريف الحمد عندهم ظهور الكمالات لله تعالى، فهو قولي وفعلى وحالي، فأما القولي من العبد فبأن يعلم عند المنطق أي نطق كان من النفس أو من غيره أن هذه كمالات ظاهرة من الحقّ بصفة الكلام بعلم اليقين، وأما الفعلى منه فبأن يتمكّن عن نفسه بحركات كلّ عضو من أعضائه عند التصرّف والتصريف، أي فعل كان سواء من نفسه أو من غيره أن هذه كمالات ظاهرة بحواسّ السالك، وبجوارحه بحسب قرب النوافل بعين اليقين، كما ورد في الصحيح: "بي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق". الحديث. وأما الحالي منه فبأن يتحوّل عن نفسه بالكلّية وبكلّ التصوّف إلى ربّه، بأن يتصرّف بجميع حواسّه وقواه وجوارحه بحسب قرب الفرائض بحقّ اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وأما القولي من الله سبحاني فبأن يظهر كمالاته الوجودية عن نفسه، ويقول: و ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وأما الفعلي منه فبأن ينسب إليه كلّ فعل، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من نسبة الفعل إلى الغير.أما الحالي منه سبحانه فبأن يلتذّ بكلّ لذّة يجدها الممكن بظهوره في مرتبة التفرقة، ولعلّك تقول: إن الحقّ منزّه، واللذّة من لوازم الممكنات المحدثات، فكيف يضاف إليه؟ فجوابه الشافي أنه من المتشابهات، ستقف عليه قريبا في أول التبصرة إن شاء الله تعالى. ولعلّك لا تجد أحدا سبق لبيان هذه الأقسام الستة الأخيرة عبارة، وإن سبق وجدانا وإشارة. وههنا سرّ آخر: كما لا يجوز كشفه لا يجوز كتمه من أهله، وهو أنّ في الحمد القولي والفعلي والحالي معنى آخر. أما في القولي فبأن ينطق العارف الخليفة بكلّ من يتكلّم بالكلام الأزلي وغيره، وفي الفعلي بأن يفعل، ويسمع، ويبصر بكلّ من يفعل، ويسمع، ويبصر، وفي الحالي بأن يتلذّذ بكلّ من يتلذّذ من اللذّات الملائمة للطبع، ولعلّه لم يسبق ببيان هذه الأقسام الثلاثة من الحمد أيضا أحد قبلى، أو سبق، ولم يبلغ لنا، والله أعلم. هذا قليل من كثير إفاداته التي لا يحتملها هذا المختصر. وكانت وفاته في الرابع عشر من شوّال سنة إحدى وثلاثين وألف بمدينة "برهانبور"، وقبره ظاهر مشهور. * * *