page 4380, entry [3730]Open original source
أما منهجه في التأليف والتحقيق فيتمثل في عدة نقاط: ١ - الغيرة على الكلمة والسعي وراءها: أي جودة متانة التحقيق والتأليف، فقلّ أن تجد في ما يحقّقه أو يؤلّفه إغلاقا لم يحلّ، أو غامضا لم يبيّن، أو ضعيفا في سنده أو في قبول معناه، لم يعلّق عليه، وكم وكم أخذ تحقيق كلمة واحدة منه أوقاتا وأزمانا، وكان ربما تذاكر فيها مع غيره من أهل العلموالاختصاص، كلّ ذلك برحابة صدر وسعادة وهناء، ولا عجب، فشأنه وديدنه خدمة العلم وأهله. ٢ - الحرص على تشكيل وضبط الكلمات والألفاظ المشكللة في عموم كتبه: مع توسُّعه في ذلك في الكتب العامة أكثر من الكتب العامة (الثقافية) أكثر من الكتب الخاصة (الشخصية)، ككتاب "صفحات من صبر العلماء"، "كتاب قيمة الزمن عند العلماء"، ونحوهما، رغم أن ذلك يتعِبه، ويأخذ وقته وجهده! قال في مقدمته لهذا الكتاب اليتيم العظيم "صفحات من صبر العلماء": وربما يرى بعض الفضلاء أني قد توسّعت بعض الشئ في شَكْل بعض الكلمات، وهذا أمر قصدته رعاية لبعض القرّاء، الذين لا يتقنون العربية، ليكون ذلك عونا لهم على القراءة الصحيحة الضبط السليم للعبارة ومفرداتها، وعونا على سرعة الفهم أيضا. قال: وضبطت بالشكل: أسماء الأعلام والبلدان والأماكن، وكل لفظ قدّرت يمكن أن يغلط فيه غالط، أو يتردّد في قراءته متردّد، ليستمرّ ذهن القارئ في قراءة الخبر دون تلكؤ فيفهمه، أو خطأ في لفظه إن شاء الله تعالى. ٣ - الزيادة في كلّ طبعة: فالكتاب دائما بين يديه يزيد فيه، وينقّح، ويوضّح، حتى قيل: إن كلّ طبعة لكتاب من كتبه تعدّ بمثابة كتاب جديد. إلا أني أشير إلى أمر، وهو أنه في الآونة الأخيرة لما كثرت عليه الكتب مع ضعف الجسم وكبر السنّ، صار يصدر بعض الكتب النافدة مما سبق خروجه تصويرا، لئلا تفقد بن أيدي طلبة العلم، وإن كان الكتاب المصوّر قد زاد عليه، وأضاف، ونقّح، لكنه لم يتفرّغ لإخراجه مزيدا في طبعة جديدة، لانشغاله بغيره، مما لم يخرج سابقا، فهو وإن طبع تصويرا، إلا أنه في حقيقة الأمر مزيد بين يديه ﵀، وغفرله، وسأسعى لنشر ما تركه، وما كان ينوي القيام به بمشية الله وعونه.٤ - الإفادات النادرة واللفتات اللطيفة: فربما تجده علّق على كلمة ما بسطر، لكن هذا السطر كلّفه ثلاث ليال، بل أسبوعا من البحث والتمحيص، كما أن هذا السطر جاء ثمرة مطالعة، واطلاع سنين طوال، وحصيلة تنقيب مستمرّ دائم، كما يتجلّى ذلك أيضا في إيراده بعض النقول من غير مظانّها، ومن مصادر لا يتوقّع أنها فيها، ثم إن له ذوقا رفيعا، وفهما ثاقبا في انتقاء النصوص، وطريقة إيرادها، ومواضع تعليقها، فليس هو من هواة تكبير الكتب، ونفخ الحواشي، وملء الفراغات. ٥ - الجمع قطرة قطرة: وهذا يتجلّى واضحا فيما يؤلّفه، فمثلا كتاب "صفحات من صبر العلماء"، جمعه في أكثر من عشرين سنة، كلّما وجد شيئا يناسب الموضوع كتبه في قصاصة وجمَعه، حتى غدا كتابا جميلا ممتعا للقارئ والمستمع، وكذا كتاب "قيمة الزمن عند العلماء"، وهكذا سائر مؤلّفاته ومحقّقاته. ٦ - اهتمامه بالفهارس وإتقانه لها: وشرطه في ذلك أن تزيد صفحات الكتاب علي مائة صفحة، فإن تحقّق ذلك جعل للكتاب فهارس عامة، تربو على خمسة فهارس، وقد تزيد، وذلك ليكون الراجع إليه، والباحث عن طلبته فيه سريع الوصول إلى مبتغاه منه بأيسر الطرق وأقصر الوقت، مع أن في ذلك جهدا كبيرا، ومشقة عسيرة، شكى منهما الوالد ﵀ في مقدمة فهارس كتاب "الانتقاء"، ومع كون الفهرسة غدت ضربا من التأليف المستقل، قل من يخلص فيه، ويتقنه. ٧ - الإخراج الفنّي الجميل في الطباعة والغلاف: ففي كلّ ذلك له ذوق، وبصمة مميزة، وساعده في ذلك إخوة أكارم لماحون ذوّاقون، كان يطبع عندهم كتبه، ويعدّ الوالد ﵀ مثالا فريدا، ومدرسة مستقلّة في فنّ الطباعة والفهرسة، وانظر في ذلك كتابه "تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة".٨ - الذوق في كل ما سبق: وله في كلّ ما ذكرت قصص، أعرضت عن ذكرها لضيق المقام. ٩ - توجّهه للتحقيق أكثر منه للتأليف: لتواضعه وهضمه لنفسه، ولأنه يرى أن إتمام بناء الآباء خير مائه مرة من إنشاء البناء من الأبناء، فضلا عن أنه جزء من الحق الذي لهم علينا والوفاء، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل، والفهم المستقيم، والعلم القويم، وما تركوا في آثارهم من بقايا فجوات طفيفة، لا يقتضي منا تخطّيهم والإعراض عن آثارهم النفسية، كما صرّح به في مقدمة أول كتاب أخرجه، وهو كتاب "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" للإمام اللكنوي، فهذا منهجه من أول أمره. مع العلم أن تحقيق النصوص كثيرا ما يكون أشقّ من التأليف المستأنف الجديد، كما ذكر في نفس المقدّمة المذكورة، ويتّضح ذلك في أن له واحدا وخمسين كتابا محقّقا مقابل ثلاثة عشر كتابا مؤلّفا، فلم يكن يرى التأليف استقلالا، إلا لأمر مستجد، لم يجد فيه للسابقين تصنيفا، وإلا فإنه يتّجه إليه، ويخرجه بدلا من إخراجه كتابا من تلقاء نفسه.