page 3747, entry [3078]Open original source
٢٥٨٨ - الشيخ العارف بالله عبد الله، المشهور بحاجي خليفة * * ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، وقال: كان أصله من ولاية "قسطموني"، واشتغل أولا بالعلوم الظاهرة، وأكملها، ثم اتصل إلى خدمة الشيخ تاج الدين إبراهيم بن بخشي فقيه، وحصل عنده طريقة الصوفية، وانكشف له المراتب العالية، حتى أجازه للإرشاد وأقامه مقامه بعد وفاته. كان رحمه الله تعالى جامعا للعلوم والمعارف كلها، وكان متواضعا، متخشعا، صاحب أخلاق حميدة، وآثار سعيدة، وكانت له يد طولى في تعبير الواقعات، وكان مظهرا للخيرات والبركات، وصاحب عز وكرامات. وكان مرجعا للعلماء والفضلاء، ومربيا للفقراء والصلحاء، وآية في المروات والفتوة والكرم والسخاوة، وكان بدنه الشريف جسيما، وخلقه عظيما، وكان له فم بسام ووجه بين الجلال والجمال قسام.حكي عنه أنه قال: أتى إلى الشيخ محمد ابن المولى الفاضل خواجه زاده، وقال: رأيت في المنام أن واحدا من أولاد الأفرنج كان محبوسا في قلعة منذ سبع وعشرين سنة، قال الشيخ فحسبت سنه، فوافقت عدة سنه بعد بلوغه العدة المذكورة. ومن جملة أحواله الشريفة أن المولى الفاضل علاء الدين الفناري لما عزل عن قضاء العسكر أراد أن يسلك مسلك التصوّف عند الشيخ المذكور، فقال له الشيخ: النهاية تابعة للبداية، فمن سلك المسلك المذكور بقطع جميع العوائق يكون سلوكه على ذلك في النهاية، ولكن يجوز أن يسلك على الاعتدال، ولا يلزم على المريد أن يعتقد في شيخه الكرامة والولاية، بل يكفي له أن يعتقده سالكا طريق الحقّ واصلا إليه، وجاريا على منهاج الطريقة والشريعة. ثم قال: وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد أن ينظر إلى شيء، كان لا يلوي عنقه إلى ذلك الجانب فقط، بل يتوجّه إليه بكليته، قال ففيه إشارة إلى أن الطالب ينبغي أن يتوجّه إلى مطلوبه بكليته، حتى يحصل له ذلك. وحكي أن المولى المذكور لما طلب من الشيخ المذكور الإذن بالرياضة، وترك أكل الحيوانات، قال الشيخ: إني ما أكلت حيوانا، وما شربت ماء ستة أشهر في أوقات رياضة، وما انتفعت بذلك، بل بامتثال أمر الشيخ ومن كلامه الشريف أيضًا أن واحدا من المريدين قال له يوما: ربما يمرّ عليّ وقت لا أقدر على التلفّظ بكلمة الشهادة، ويخطر ببالي أن واحدا لو قال في حضور السلطان كلّ وقت لا سلطان أكبر منك يعد هذا سوء أدب ومن المعلوم أنه لا إله إلا الله، فذكره في حضوره كلّ وقت يكون بعيدا عن الأدب، فقال الشيخ هذا معنى الإحسان فمن وصل إليه يكفيه أن يلاحظ حضور الحقّ، وذلك الرجل قال: ربما لا أقدر علىملاحظة معنى الذكر أيضًا، بل لا أقدر على الدعاء، فقال له الشيخ: قال الشيخ تاج الدين: ما قدرت أن أدعو الله تعالى مدّة ستة وشهر، وقال الشيخ عند ذلك الوقت يكل اللسان فيكفيه ملاحظة حضور الحق، قال الرجل وترتعد أعضائي، قال الشيخ: هذا ابتداء الحضور، ولو قدرت على الصيحة لكان أزيد. وحكي أن الفاضل قاضي زاده كان قاضيا بـ "بروسه" في ذلك الوقت، وقد حضر يوما عند الشيخ المذكور، فسأله عن مذهب الجبرية، ومذهب أهل الحق، فقال له الشيخ: الجبر قسمان، جبر محقّق، وجبر مقلّد، أما جبر المحقّق فهو تفويض أموره جميعا إلى الله تعالى، وإسقاط اختياره بعد الامتثال بالأوامر، والاجتناب عن المناهي، وأما جبر المقلّد فهو تفويض أموره إلى هواه واتباع شهوات نفسه وإسقاط إرادته في الأوامر والنواهي، ويتمسّك بأنه ليس لي اختيار وقدرة، بل يجري على ما كتب في الأزل، قال الشيخ: وهذا كفر. ثم قال الشيخ خرج ﷺ يوما على أصحابه، وبيده كتابان، فقال للذي في يمينه: هذا كتاب من الله، وفيه أسماء أهل الجنة، وقد أجل على آخرها، وقال للذي في شماله: هذا كتاب من الله تعالى، وفيه أسماء أهل النار، وقد أجمل على آخرها، فقال الصحابة: إذن ندع العمل، فقال رسول الله ﷺ: اعملوا، فكلّ ميسّر لما خلق له. وقال الشيخ: أراد رسول الله ﷺ أن لأهل الجنة علامة، فمن وجد فيه تلك العلامة فهو من أهلها، وإن لأهل النار علامة، فمن وجد فيه تلك العلامة فهو من أهلها، ثم قال ولا بدّ لك أن تحصل علامة أهل الجنة، كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ، حيث اجتهدوا في العمل، ولم يتركوه اعتمادا على الكتاب، وإذا بلغت مبلغ أهل التحقيق باتباع شريعة رسول الله ﷺ يصحّ لكأن تقول ليس لي قدرة ولا اختيار، بل الكلّ من الله تعالى، أما تعرف أن السلف اجتهدوا في اتباع الشريعة والأعمال الشاقّة والرياضات الصعبة، فإذا كان حالهم كذلك فما بالنا لا نجتهد في العمل. فلمّا قدّر الشيخ هذا الكلام قال المولى قاضي زاده: صدقتم كنت أنا والمولى الساميسوني يقول: لا نجاة إلا في متابعة أمر رسول الله ﷺ مات الشيخ المذكور قدّس سرّه العزيز في سلخ جمادى الآخرة من شهور سنة أربع وتسعين وثمانمائة، ودفن عند تربة شيخه، قدّس الله أسرارهم. * * *