page 3485, entry [2900]Open original source
٢٤١٦ - الإمام المجاهد المظفّر المنصور السلطان بن السلطان أبو المظفّر محي الدين محمد أورنك زيب عالمغير بن شاهجهان الغازي المؤيّد من الله القائم بنصرة الدين الذي أيّد الإسلام * وفتح الفتوحات العظيمة، وساس الأمور، وأحسن إلى الرعايا، وصرف أوقاته في القيام بمصالح الناس، وبما يرضى به ربّ العالمين من صيام وقيام ورياضة، لا يتيسّر بعضها لآحاد الناس، فضلا عن الملوك والسلاطين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد ليلة الأحد لخمس عشرة خلون من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وألف بقرية "دوحد" على مائة أميال من "أجين"، وسبعين ميلا من "بروده"، من بطن أرجمند بانو بنت آصف جاه أبي الحسن بن غياث الدين الطهراني في أيام جدّه جهانغير بن أكبر شاه، فعمل لولادته بعض العلماء تاريخا من "آفتاب عالمتاب"، ونشأ في مهد السلطة، وتنبّل في أيام جدّه وأبيه، وقرأ العلم على مولانا عبد اللطيف السلطانبوري، ومولانا محمد هاشم الكيلاني، والشيخ محي الدين بن عبد الله البهاري، وعلى غيرهم من الأساتذة. وأخذ خطّ النسخ عن الحاج القاسم، والنستعليق عن السيّد علي بن محمد مقيم الماهرين في الخطّ، حتى كتب خطّ المنسوب، وصار مضرب المثل في جودة الخطّ، وبرَّز في كثير من العلوم والفنون.وبايع الشيخ محمد معصوم بن الشيخ أحمد السرهندي (¬١)، وأخذ الطريقة عن الشيخ سيف الدين بن محمد معصوم المذكور، وكان يلازمه بأمر والده لذلك، حتى حصلت له نفحة منه، وبشّره بأشياء، واشتهر ذكره في حياة والده، وعظم قدره، فولّاه والده الأعمال العظيمة في أرض "الدكن"، فباشرها أحسن مباشرة، ثم حصل لوالده مرض صعب عطله عن الحركة، وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دارا شكوه، فبسط يده على البلاد، وصار هو المرجع والسلطان معنى، فلم ترض نفوس إخوته بذلك، فنهض شجاع من "بنغاله"، ومراد بخش من "كجرات"، وعالمغير من أرض "الدكن"، كل منهم يريد أن يقبض على أخيه دارا شكوه، ويتولّى المملكة، فاتفق عالمغير ومراد بخش على ذلك، فقاتلاه، وغلبا عليه، ثم احتال عالمغير على مراد بخش، وقبض عليه، واعتقل أخويه، ثم قتلهما لأمور صدرتْ منهما، وأفتى العلماء أنهما استوجبا القتل، وحبس والده في قلعة "أكبرآباد"، وهيّأ له ما يشتهيه من الملبوس والمأكول وأهل الخدمة من الجواري والغلمان، وكانت جهان آرابيكم بنت شاهجهان تقيم مع والدها في القلعة، والسيّد محمد الحسيني القنّوجي يلازمه، يشتغل عليه، ويذاكره في ما ينفعه في عقباه. وجلس عالمغير على سرير الملك سنة ثمان وستين وألف، فافتتح أمره بالعدل والإحسان، ورفع المظالم والمكُوس، وأسر غالب ملوك "الهند" المشهورين، وصارتْ بلادهم تحت طاعته، وجبيتْ له الأموال، وأطاعتهالبلاد والعباد، ولم يزل في اجتهاد من الجهاد، لم يرجع إلى مقرّ ملكه وسلطته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلادا شرع في فتح أخرى، حتى لحقتْ حدود ملكه في الجهة الشمالية إلى حدود "خيوا" و"بخارا"، وفي الجهة الجنوبية إلى البحر المحيط الهندي، وفي الجهة الغربية إلى "سومنات" على شاطئ بحر "الهند"، وفي الجهة الشرقية إلى "بوري" منتهى أرض "أريسه". وكان عالمغير عالما ديّنا، تقيّا، متورّعا، متصلّبا في المذهب، ويتديّن بالمذهب الحنفي، لا يتجاوز عنه في قول ولا فعل، وكان يعمل بالعزيمة، وكان يصلّي الصلوات المفروضة في أوائل أوقاتها بالجماعة في المسجد مهما أمكن، ويقيم السنن والنوافل كلّها، ويصلّي صلاة الجمعة في الجامع الكبير، ولو كان غائبا عن البلدة لأمر من الأمور يأتيها يوم الخميس، ويصلّي صلاة الجمعة، ثم يذهب حيث شاء. وكان يصوم في رمضان في شدة الحر، ويحيي الليالي بالتراويح، ويعتكف في العشرة الأخيرة من رمضان في المسجد، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس والجمعة في كلّ أسبوع من أسابيع السنة، ويصوم في أيام ورد عن النبي ﷺ أنه كان يصوم فيها. وكان يخرج الزكاة من أمواله قبل أن يجلس على سرير الملك، وبعده مما خصّ لنفسه من عدة قرى، وبعض معادن الملح للمصارف الخاصّة من نقير وقطمير. وكان يريد أن يرحل إلى الحرمين الشريفين للحجّ والزيارة في أيام والده، فلم يرض بفراقه، وبعد ذلك لم تمهله المصالح الملكية، ولكنه كان يرسل الناس إلى الحرمين الشريفين للحجّ والزيارة، ويبذل عليهم العطايا الجزيلة، ويبعث إليهما أموالا طائلة لأهل الحوائج في أيام الحجّ بعد سنة أو سنتين، ويؤظّف الذاكرين والذاكرات، ويجعل لهم الأرزاق السنية.يداوم على الطهارة بالوضوء، ويحافظ على الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ في غالب أوقاته، ويحيى الليالي المتبرَّكة بالصلاة والصدقة وصحبة العلماء والمشايخ في المسجد، وكان يحترز عن كلّ سوء ومكروه منذ نعومة أظفاره، لم يشرب الخمر قطّ، ولم يقارب امرأة لا تحلّ له. وكان لا يستمع الغناء بالمزامير منذ جلس على سرير الملك، مع أنه كان ماهرا بالإيقاع والنغم، وما كان أن يلبس الملبوسات غير المشروعة، وما كان أن يأكل في الظروف الذهبية والفضّية، وأمر أن يصاغ الجواهر الثمينة في الحجر اليشب مقام الذهب، ونهى الأمراء أن يلبسوا الغير المشروع، وكان يمنعهم أن يتذاكروا بين يديه بكذب وغيبة وقول الزور، وأمرهم أن يعبروا عن الأمور المستكرهة إن وقع لهم حاجة إلى ذلك بكناية واستعارة. وكان موزّعا لأوقاته، فوقت للعبادة، ووقت للمذاكرة، ووقت لمصالح العساكر، ووقت للشكاة، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كلّ يوم وليلة من مملكته، لا يخلط شيئا بشيء، فإنه كان ينهض في الليل قبيل الصبح الصادق، فيتوضّأ، ويذهب إلى المسجد، ويصلّي الفجر بجماعة، ثم يشتغل بتلاوة القرآن والأوراد الموظّفة، ثم يجلس بدولت خانه، ويتمثّل بين يديه الأمراء المقرّبون، ويحضر لديه ناظر العدلية (داروغه عدالت) بجماعة من المتظلّمين، سواء كانوا من أهل "دهلي" أو من خارجها، فيقضي فيهم بما يبدو له من الشرع أو العرف. ثم كان يذهب إلى البرج المشرف على نهر "جمن"، ويسمّونه "جهروكه درشن" على سنة أسلافه، وبعد مدّة من الزمان ترك ذلك، فكان يدخل المنزل، فيمكث به نحو ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم يظهر في الديوان العام، ويجلس للناس، فيحضر لديه أبناء الملوك، وكبار الأمراء وعظماء "الهند" والسفراء، وكلّهم يقفون بين يديه، ومن ورائهم تقف عامّة الأمراء، ويتلوهمالناس من كلّ صنف ودرجة أعلاهم وأدناهم، ثم يتمثّل بين يديه الأمراء الوافدون من بلاد، ويستأذنه الأمراء المأمورون إلى جهات، فيخلع عليهم، ويأذن لهم بالخروج، ويعرض عليه عرائض الأمراء والولاة ونذورهم، ويعرض عليه "المير بخشي" مطالب أهل المناصب و"المير آتش". أغراض "البرقندازية"، وغيرهم، وصدر الصدور يعرض عليه حوائج السادة والعلماء والمشايخ وغيرهم من أهل الاستحقاق، وناظر العرض المكرّر الأحكام السلطانية من المناصب والأقطاع والنقود وغيرها، ثم يعرض عليه ناظر الاصطبلات الأفراس الخاصّة وشحنة الفيلة الأفيال الشاهانية على الرسم المعتاد، وناظر الداغ والتصحيحة فرسان الأمراء، مع أفراسهم التي امتازت بالداغ والتصحيحة حالا. وكان يجلس بالديوان العام نحو خمس ساعات، ثم يذهب إلى "دولت خانه"، فيحضر لديه الوزير والديوان والبخشي وصدر الصدور، وغيرهم من كبار الأمراء، فيكلّمه الوزير في مهمّات الدولة، والديوان في الأموال الخالصة "الشريفة، والمير بخشي في العسكرية، وصدر الصدور في أهل الحوائج، والسلطان يجاوبهم بما يبدو له من المعروف، ويكتب بيده بعض التوقيعات، ويأمر في بعضها أن يكتبه الوزير، ثم يعرض عليه المناشير، التي أنشأها الوزير، فيقرأها، ويصلحها إن رأى فيها خللا، ويجلس بها نحو خمس ساعات. ثم يدخل المنزل، ويتغدّى، ويقيل نحو ساعة، ثم يتوضّأ، ويمشي إلى المسجد، ويصلّي الظهر بجماعة، ثم يذهب إلى "خلوت خانه"، ويشتغل بتلاوة القرآن، وكتابة المصحف، ومطالعة الكتب، وتحقيق المسائل، وربما يدعو بها بعض الأمراء، ويباشر المهمّات من أمور الدولة، وربما يدعو أهل المظالم والشكاوي، فيقضي بينهم بالمعروف، وربما يدعو المخدّرات، فيعرضن عليه حوائج النساء، فيبذل عليهن العطايا الجزيلة.ثم يذهب إلى المسجد، ويصلّي العصر بجماعة، ثم يجلس بدولت خانه مرّة ثانية، فيتمثّل بين يديه الأمراء، ويكلّمونه في المهمات كأول النهار، كما تقدّم، ثم يخرج إلى المسجد، ويصلّى المغرب بجماعة، ويشتغل نحو ساعتين بالأذكار والأشغال، ثم يذهب إلى دولت خانه، ويشتغل بالمهمّات إلى وقت العشاء، ثم يذهب إلى المسجد، ويصلّي العشاء، ثم يدخل المنزل. وأما يوم الأربعاء فكان لا يجلس بالديوان العام والخاص، ويجلس بدار العدل على سنة أسلافه، فيحضر لديه المفتون والقضاة، ويعرض عليه ناظر العدلية المتظلّمين واحدا بعد واحد، فيستنطقه السلطان بنفسه، ويسأله بكلّ هوادة ورفق، ويقضي بينهم بالمعروف. وأما يوم الخميس فإنه كان يكتفي بالجلوس بالديوان العام والخاص على أول النهار، ويترك الجلوس بعد العصر، فكان يشتغل سائر أوقاته بالعبادة. وكان يجلس للمذاكرة في الكتب الدينية كـ "الإحياء"، و"الكيمياء"، و"الفتاوى الهندية"، وغيرها في كلّ أسبوع ثلاثة أيام على السيّد محمد الحسيني القنّوجي، والعلامة محمد شفيع اليزدي، ونظام الدين البرهانبوري، وغيرهم من العلماء. ومن مآثره الجميلة: أنه حفظ القرآن الكريم بعد جلوسه على سرير الملك، فأرّخ بعض العلماء لبدء حفظه من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾، ولتمامه من قوله: ﴿لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. ومنها: أنه كانت له معرفة بالحديث، له "كتاب الأربعين"، جمع فيه أربعين حديثا من قول النبي ﷺ قبل أن يتولّى المملكة، وله كتاب آخر، جمع فيه أربعين حديثا بعد الولاية، وترجمهما بالفارسية، وعلّق عليهما الفوائد النفيسة.ومنها: أنه كانت له مهارة تامة بالفقه، ويضرب به المثل في استحضار المسائل الجزئية، وقد صنّف العلماء بأمره "الفتاوى الهندية" في ستة مجلّدات كبار، فاشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمّ النفع بها، وصارت مرجعا للمفتين، وأنفق على جمعها مائتي ألف من النقود. ومنها: أنه كان بارعا في الخطّ، يكتب النسخ والنستعليق وشكسته بغالِة الجودة والحلاوة، كتب مصحفا بيده قبل جلوسه على السرير، وبعثه إلى "مكّة المباركة"، وبعد جلوسه مصحفا آخر، وأنفق على التذهيب والتجليد سبعة آلاف روبية، ثم بعثها إلى "المدينة المنوّرة"، وكان انتسخ "الألفية" لابن مالك في صباه، فأرسل إلى "مكّة" بيد الحاج عبد الرحمن المفتي، لينتفع بها الناس من أهل البلدة المباركة. ومنها: أنه كان ماهرا بالإيقاع، والنغم، ولكنّه كان يحترز من استماع الغناء تورّعا. قال مكرّم خان الصفوى: سألته يوما عن الغناء، فقال: لأهله مباح، فقلت له: إني لا أعلم أحدا يتأهّل له غيركم، فقال: إن الغناء بالمزامير لا سيّما بالبكهاوج حرام بالاتفاق، فإذنْ لا أرغب إلى الغناء بغيرها. ومنها: أنه كان ماهرا بالإنشاء والترسّل، لم يكن له نظير في زمانه في ذلك، وقد جمع شيئا كثيرا منها أبو الفتح قابل خان التتوي في "آداب عالمغيري"، وعناية الله خان في "الكلمات الطيّبات"، و"الرقائم الكرائم"، وبعضهم في "دستور العمل"، وأما الشعر فإنه كان مقتدرا عليه، ولكنّه كان لا يعتني به، ويمنع الناس أن يضيّعوا أوقاتهم في الشعر، لقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾، ولله درّ الشافعي ﵀: ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنتُ اليوم أشعرَ من لبيدومن شعره قوله: غم عالم فراوان است ومن يك غنجه دل دارم جسان در شيشة ساعت كنم ريك بيابان را. ومنها: أنه كان ماهرا بالرمي والطعن والضرب والفروسية وغيرها من الفنون الحربية والتصيّد، كان شُجاعا، مقداما، باسلا، لا يظهر له في الهيجاء فزع ولا جزع ولا طيش ولا خفة ولا وجل ولا خطل، بل من رآه ظنّ أنه جاء من بعض المتنزّهات، وهو قد خرج من معركة تطير لها العقول، وتشيب لها الولدان، وترجف منها الأفئدة، وتخرس الألسن. وإنك تقرأ في كتب الأخبار أن والده شاهجهان كان يوما يتفرّج في البرج المشرف على نهر "جمن" على مصارعة الأفيال، التي كانت في عرصة القلعة فيما بينها وبين النهر، والأفواج كانت قائمة بين ظهرانيها، وخلق كثير يتفرّجون عليها في تلك العرصة، وكان عالمغير أيضًا في ذلك الزحام، وهو يومئذ في الرابع عشر من سنّه، وكان على فرس على جري العادة، فإذا هو بفيلة، قد ثارت، وقصدت الأفواج، ففرّ الناس كلّهم من بين يديها إلا عالمغير، فإنه ثبت على مقامه، فتوجّهت إليه الفيلة، ولفت فرسه بخرطومها، وصرع عالمغير من صهوة الفرس، ثم قام، وسلّ السيف عليها، ثم جاء الناس، ودفعوها بالضرب والطعن وإيقاد النار وغير ذلك. وهذه مفخرة عظيمة في الثبات والعزيمة، لا تجدها لغيره من أبناء الملوك في تلك السنّ. ومن مآثره: أنه كان سخيا، جوادا، كريما، يبذل على الفقراء وأهل الحاجة العطايا الجميلة، ويسامحهم في الغرامات. ومن ذلك: أنه أبطل ثمانين نوعا من المكوس في سنة تسع وستين وألف، وكانت تحصل له من تلك الأبواب ثلاثون لكا (ثلاثون ملايين) قي كلّ سنة.ومن ذلك: أنه نهى المستوفين أن يطالبوا الأبناء بغرامات الآباء، ويصادروا أموالهم في القضاء، وأمرهم أن يميزوا في ذلك فيما بين أهل المناصب، فمن كان له منصب "دو بيستي" أو فوق ذلك إلى أربعمائة، فتعفى لهم المطالبة كلّها. ومن كان له منصب فوق تلك المناصب إلى سبعة آلاف فيؤخذ عنهم بقدر الوسع والحالة، فإن ورثوا من آبائهم مالا قدر المطالبة أو فوقها فيؤخذ عنه بالتقسيط في سنين عديدة، وإن ورثوا مالا أقلّ من المطالبة، فيؤخذ عنهم بقدر الميراث تدريجا، وإن علم أنهم لم يرثوا شيئا، فتعفى المطالبة، ولا يؤخذ عنهم شيء. ومن ذلك: أنه بذل أموالا طائلة على إصلاح الشوارع والطرق في نواحي "الهند" من "أورنك آباد" إلى "أكبرآباد"، ومن "لاهور" إلى "كابل"، وكذلك من "لاهور" إلى "كشمير"، وحفر الآبار، وأجرى العيون، وأسّس الجسور، ورباطات وحمامات ومساجد وإصطبْلات لأبناء السبيل في تلك المسالك، ليستريح الناس بها، فظلّوا آمنين مطمئنّين. ومن ذلك: أنه بذلَ الأموال الطائلة في بناء المساجد، وبنى مساجد كثرة في أرض "الهند"، وعمّر القديمة منها، وجعل الأرزاق للأئمّة والمؤذّنين والرواتب للمساجد من بسط وسرج وغير ذلك. ومن ذلك: أنه أسّس دور العجزة (بلغو خانات) في أكثر البلاد فوق ما كانت في العصور الماضية، والمارستانات في أكثر بلاده. ومن ذلك: أنه كان يرسل العطايا الجميلة إلى أهل الحرمين الشريفين - زادهما الله شرفا - بعد سنة أو سنتين. ومن ذلك: أنه وظّف خلقا كثيرا من العلماء والمشايخ ليشتغلوا بالعلم والعبادة، منقطعين فارغي القلوب عن كلّ همّ، ولم يفرّق فيها بين أهلالإسلام وكفّار "الهند"، توجد مناشيره عند أحبار الهنادك في "بنارس" (¬١)، وفي غير تلك البلدة، حتى اليوم. وأما الصدقات التي يتصدّق بها في الأيام والمواسم، فكان والده شاهجهان، ومن قبله من الملوك التيمورية يتصدّقون باثني عشر ألفا في المحرّم واثني عشر ألفا في ربيع الأول، وعشرة آلاف في رجب، وخمسة عشر ألفا في شعبان، وعشرين ألفا في رمضان، فكانوا يتصدّقون بتسع وسبعين ألفا في كلّ سنة. وأما عالمغير فإنه أمر أن يتصدّق بها في تلك الأيام، ويتصدّق بعشرة آلاف في كلّ شهر غير الأشهر المذكورة، فكان يتصدّق بتسع وأربعين ألفا ومائة ألف في السنة غير ما يتصدّق به في الأعياد والمواسم، كما في "مرآة العالم". ومن مآثره: أنه كان مقتصدا في الخيرات غير مسرف في المال، فإنه كان لا يعطي الشعراء شيئا، ولا لأهل الإيقاع والنغم خلافا لأسلافه، فإنهم كانوا يجيزون رجلا منهم بما لا يسعه أن يحمل تلك العطية، ويبذّرون في المال تبذيرا كثيرا، وكان عالمغير إذا وظّف العلماء، وأقطعهم أرضا أو اليومية يشترطها بالدرس والإفادة، لكيلا يجعلوها ذريعة لأخذ المال فقط، ومتىيبعث الأموال إلى الحرمين الشريفين - زادهما الله شرفا - يشترطها بأن تعطى لأهل الحاجة غير الأغنياء، ولذلك كان الناس ينسبونه إلى البخل، وحاشاه عن ذلك. ومن مآثره: أنه كان مجبولا على العدل والإحسان، وفصل القضاء على وفق الشريعة المطهّرة، ولذلك أمر العلماء أن يدوّنوا المسائل والأقضية من كلّ باب من أبواب الفقه، فدوّنوها، وصنّفوا "الفتاوى العالمغيرية" في ستة مجلّدات كبار، ثم إنه أمر القضاة أن يقضوا بها، وكان أسلافه يجلسون يوم الأربعاء من كلّ أسبوع بدار العدل، ويقضون بما يفتيهم العلماء، فإنه اقتدى بهم في ذلك، ولكنّه لشدّة ميله إلى هذا الأمر كان يبالغ فيه، وكان يظهر كلّ بوم بدار العدل بعد الإشراق، فيعرض عليه ناظر العدلية الأقضية، فيحكم بما ألقى الله سبحانه في روعه، ثم كان يطلب الناظر المذكور بالديوان الخاصّ أيضًا، فيعرض عليه المتظلّمين، فيستنطق المتخاصمين بحضرته، ويتأمّل في الأقضية، ويحكم بما أراه الله سبحانه، وربما يدعوهم بين الظهر والعصر أيضًا، ولا يكل من ذلك أبدا. وهو أول من وضع الوكالة الشرعية في دور القضاء، فولّى رجالا من أهل الدين والأمانة في دور القضاء بكلّ بلدة وعمالة، ليكونوا وكلاءَ عنه فيما يستغاث عليه في الحقوق الشرعية والديون الواجبة عليه، وأجاز للناس أن يستغيثوا عليه عند القاضي، وهو أول من نصب المحتسبين في بلاده، وامتاز في الملوك التيمورية في ذلك. وقد جمع سيرته كثير من الأخباريين في كتبهم، منهم بختاور خان العالمغيري، فإنه أورد شيئا واسعا من أخباره في كتابه المشهور "مرآة العالم"، ومحمد كاظم بن محمد أمين الشيرازي في "عالمغير نامه"، وهو مقتصر على عشر سنين من ولايته، وألّف مستعد خان كتابه "مآثر عالمغيري" في مآثرهالجميلة، وعاقل خان الرازي، وخافي خان في "منتخب اللباب"، والطباطبائي في "سير المتأخّرين"، وغيره في "مناقب عالمغيري"، وأطال الكلام في مناقبه، ونسخة منه موجودة في "المكتبة الحامدية" بـ "رامبور"، والشيخ محمد بقاء السهارنبوري صنّف كتابا حافلا في سيرته، وسمّاه "تاريخ عالمغيري"، صرّح به المؤلّف في كتابه "مرآة جهان نما". قال المحبي في "خلاصة الأثر": ولما أراد الله تعالى بـ "الهند" خيرا وإحسانا، وقدر ظهور العدل فيهم كرما وامتنانا، أظهر في خافقها شموس السلطنة بلا ريب، وأنار في سماء سلطنتها أنوار بدور الملك السلطان أورنك زيب، وطوى بساط إخوته، ونتف جللهم، ومزق، وحرق بنار المظلومين لباسهم، وخرق، وقتل أخاه دارا شكوه، واقتلعه هو وأصحابه، وكان دارا شكوه ذا ذوق وفطنة بهيئة وصفات مستحسنة، إلا أنه في آخر عمره صارت سيرته مذمومة، وأحدث مظالم كثيرة، وقتل أخاه الثاني مراد بخش، وفرّ محمد شجاع أخوه الثالث، ولم يعرف أين ذهب. وأورنك زيب ممن يوصف بالملك العادل الزاهد، وبلغ من الزهد مبلغا، أناف فيه على ابن أدهم، فإنه مع سعة سلطانه يأكل في شهر رمضان رغيفا من خبز الشعير من كسب يمينه، ويصلّي بالناس التراويح، وله نعم بارة وخيرات دارة جدا، وأمر من حين ولي السلطنة برفع المكوس والمظالم عن المسلمين، ونصب الجزية بعد أن لم تكن على الكفّار، وتمّ له ذلك، مع أنه لم يتمّ لأحد من أسلافه، أخذ الجزية منهم لكثرتهم وتغلبهم على إقليم "الهند"، وأقام فيها دولة العلم، وبالغ في تعظيم أهله، وعظمت شوكته، وفتح الفتوحات العظيمة، وهو مع كثرة أعدائه وقوتهم غير مبال بهم، مشتغل بالعبادات، وليس له في عصره من الملوك نظير في حسن السيرة، والخوف من الله تعالى، والقيام بنصرة الدين. انتهى. وقال المرادي في "سلك الدرر":السلطان المشهور سلطان "الهند" في عصرنا، وأمير المؤمنين وإمامهم، وركن المسلمين ونظامهم، المجاهد في سبيل الله، العالم العلامة، الصوفي، العارف بالله، الملك القائم بنصرة الدين، الذي أباد الكفّار في أرضه، وقبرهم، وهدم كنائسهم، وأضعف شركهم، وأيّد الإسلام، وأعلى في "الهند" مناره، وجعل كلمة الله هي العليا، وقام بنصرة الدين، وأخذ الجزية من كفّار "الهند"، ولم يأخذها منهم ملك قبله لقوتهم كثرتهم، وفتح الفتوحات العظيمة، ولم يزل يغزوهم، وكلّما قصد بلدا ملكها، إلى أن نقله الله إلى دار كرامته، وهو في الجهاد، وصرف أوقاته للقيام بمصالح الدين، وخدمة ربّ العالمين، من الصيام والقيام والرياضة، التي لا يتيسّر بعضها لأحاد الناس فضلا عنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكان موزّعا لأوقاته، فوقت للعبادة، ووقت للتدريس، ووقت لمصالح العسكر، ووقت للشكاة، ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كلّ يوم وليلة من مملكته، لا يخلط شيئا بشيء. والحاصل أنه كان حسنة من حسنات الزمان، ليس له نظير في نظام سلطنته ولا مدان، وقد ألّفت في سلطنته وحسن سيرته الكتب الطويلة بالفارسية، وغيرها، فمن أرادها فليطلع عليها. مولده سنة ثمان وعشرين وألف، وجاء تاريخه بالفارسية "آفتاب عالمتاب"، وربي في حجر والده، واشتغل بحفظ القرآن من صغره، حتى حفظه، وجوّده، واشتغل بالخط، حتى كتب الخطّ المنسوب، يضرب بحسنه المثل، وكتب مصحفا بخطّه، وأرسل للحرم النبوى، وهو معروف، ثم شرع في تحصيل العلوم، حتى حصل منها الكثير الطيب، وصار مرجعا للعلماء، وحضرته محطّ رجال الفضلاء. ثم اشتغل بعلوم الطريق، وأخذ عن كثير من أهله العارفين بالله، حتى حصلت له نفحة من بعض أولياء الله تعالى، وبشّره بأشياء حصلت له،واشتهر ذكره في حياة والده، وعظم قدره، وولّاه الأعمال العظيمة، فباشرها أحسن مباشرة، ثم حصل لوالده فالج، عطله عن الحركة، وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دارا شكوه، فبسط يده على البلاد، وصار هو المرجع والسلطان معنى، فلم ترض نفس المترجم، وأخوه مراد بخش بذلك، فاتفقا على أن يقبضا عليه، ويتولى المملكة منهما مراد بخش، فقبضا عليه، ثم احتال أورنك زيب على مراد بخش أيضًا، وقبض عليه، ووضع أخويه في الحبس، ثم قتلهما لأمور صدرتْ منهما، زعم أنهما استوجبا بها ذلك، وحبس والده، واشتغل بالمملكة من سنة ثمان وستين، وألّف، وأراد الله بأهل "الهند" خيرا، فإنه رفع المظالم والمكوس، وطلع من الأفق الهندي فجره، وظهر من البرج التيموري بدره، وفلك مجده دائر، ونجم سعده سائر، وأسر غالب ملوك "الهند" المشهورين، وصارت بلادهم تحت طاعته، وجبيت إليه الأموال وأطاعته البلاد والعباد، ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد، ولم يرجع إلى مقرّ ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه، وكلما فتح بلادا شرع في فتح أخرى، وعساكره لا يحصون كثرة وعظمة، وقوته لا يمكن التعبير عنها بعبارة، تؤدّيها حقّها، والملك لله وحده، وأقام في "الهند" دولة العلم، وبالغ في تعظيم أهله، حتى قصده الناس من كلّ البلاد. والحاصل أنه ليس له نظير في عصره في ملوك الإسلام في حسن السيرة، والخوف من الله تعالى، والجدّ في العبادة، وأمر علماء بلاده الحنفية أن يجمعوا باسمه فتاوى، تجمع جلّ مذهبهم، مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية، فجمعت في مجلّدات، وسمّاها بـ "القتاوى العالمغيرية"، واشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمّ النفع بها، وصارت مرجعا للمفتين، ولم يزل على ذلك، حتى توفي بـ "دكن" في شهر ذي القعدة الحرام سنة ثماني عشرة ومائة وألف، وأقام في الملك خمسين سنة. انتهى. * * *