Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 190790

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 3415, entry [2855]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 3415, entry [2855]Open original source
مكانته في الخطابة: أشهِدُ الله ﷿ أني ما رأيت في حياتي رجلًا في طول شبه القارة الهندية وعرضه يجلس على منصّة الخطابة والوعظ، فيمتلك مشاعر المستمعين وقلوبهم مثله، بغزارة علمه، ووفرة اطلاعه، وكثرة محفوظاته، وتعمّقه في الكتاب والسنّة، وتشبّعه بأسرار الشريعة، وبروعة عرضه للدلائل على حقّية الإسلام وأحكامه وشرائعه، وبعذوبة منطقه، وجمال مظهره، وحسن هندامه، وبديع بيانه، وسلاسة لسانه، كأنه عندليب يغنِّي، أو ملك يتكلّم، يجري في خطابه في هدوء وعلى نسق واحد، كالأنهار الجارية في السهول، يستمع إليه الحاضرون ثلاث ساعات متتاليات أو أكثر دون أن يساورهم ملل، جلّ محاضراته في أيّ من المواضيع الإسلامية تطول أكثر من ساعتين على الأقلّ، يتحدّث ارتجالا دون أن يخونه التعبير أو تنقصه المعلومات، وكأن الألفاظ والمعاني كانت رهن إشارته. وقد رأينا المستمعين رغم كون محاضراته طويلة النفس يشكون في النهاية دائما عدم التشبّع، ويتطلّبون المزيد، كأنهم حرموا صحبة ممتعة، أو ظلّا ظليلا، أو أغنية مطربة تغذي الروح، أو حلوى غير عادية في اللذَّة والحلاوة، كانوا يتناولونها، فنزعت من أفواههم. وكان القائمون على المؤسّسات والمدارس والجامعات الإسلامية في كلّ مكان ينتهزون وجوده، ويعقدون المناسبة دون تحضير مسبق، فيتوافد الناس لاستماع كلمته، وينجذبون إلى مكان الحفل فور علمهم بانعقاده، انجذاب القطع الحديدية للمغناطيس. وكانت تكون خطاباته مملوءة بالاستشهاد بنصوص الكتاب والسنّة وأقوال السلف بألفاظهم، ومجملة بقصص طريفة، ونكت لطيفة، وإشارات دقيقة، تنشط الأذهان، وتبعث الدروس، وتشحذ الإيمان، وتصقل القلوب، وتحرّك الهمم، وتلفت الأنظار إلى مغزى آيات الله، المبعثرة في الكون.خطابات، لم يُتعِبْ فيها قطّ صاحبها نفسه، برفع الصوت، وبذل الحماس الزائد، وإعمال التفاتات كريهة إلى جانبي اليمين والشمال، والتعمّد لاستخراج ضحكات الحضور، ولم يعتمد على تحريك يديه، والإشارة بالأصابع، ولم يُزَمْجِرْ، ولم يُزْبِد، ولم يحرص على التصفيق من الحضور، وإنما ظلّ يجري في رفق وتأن، كحلم لذيذ، يسري في الخاطر، وينعشه. أجل، لم يتعب نفسه بذلك كلّه، كما أنه أراح الجمهور من أيّ تعب، فلم يصبه به عبر مشواره الخطابي ورحلته الدعوية، فكانوا يستمعون له ساعات طويلة متسمرّين مشدودين كأنَّ على رؤوسهم الطير. وكان ﵀ مكثرا من ضرب الأمثلة، وتقريب الموضوع إلى الحضور، بالمحاكاة والتشبيهات، وبالأساليب البيانية والصياغات اللغوية المتنوّعة، التي كان بارعا فيها، في أوائل ثمانينات القرن الحالي الميلادي كنت أستمع له بعد ظهر أحد أيام شهر محرّم الحرام، في حفلة مزدحمة بالحضور في (محيط شوكت علي) بمدينة "لكنو"، وكان الموضوع هو التأكيد على فضائل الصحابة في تلك البيئة، التي يتناولهم فيها سكّان المدينة الشيعة بالسباب بل بالشتائم. وتطرّق في حديثه إلى موضوعات فرعية عديدة، من بينها: الطريق قد تتعدّد، ولكن المنزل يجب أن يكون واحدا، وضرب لذلك مثلا من كتب السلف القديمة، وكان المثل في قصّة طريفة ذات دروس كبيرة، موجَزها: أن نحويا كان غاية في السواد، يغبطه في ذلك ظلام الليل، وكانت زوجته غاية في البَياض والجمال، كأنها قطعة من القمر أو طلعة من البدر، إذا اجتمعا ظهرا للناظر كأنهما الشمس والظلّ، أو الليل والنهار، أو المتناقضان كالماء والنار، وذات يوم كانا جالسين يتحدّثان في شتى المواضيع، إذا قال الزوج للزوجة: نحن كلانا سندخل الجنّة إن شاء الله. قالت الزوجة: قبل الله دعوتك، ولكني لا أؤمن بكونك نبيا، يطلع الله على بعض مغيباته لدىالحاجة، فكيف علمت أننا من أهل الجنة؟ قال: للعلم بذلك لا حاجَة إلى أن يكون المرأ نبيا أو شيخا صالحا، ألا تعلمين أنك على جمال ربما لا تتمتّع به اليوم على ظهر البسيطة امرأة، ومع ذلك أنت مجتهدة في بذل الطاعة لي، والعبادة لله، واستيعاب الأوقات في الذكر والتلاوة، فأنا على منزلة في الشكر ربما لا يعتليها رجل اليوم في الدنيا، حيث استحضر كلّ وقت نعمة الله الغالية المتمثّلة في الزوجة الفريدة في الجمال مثلك، التي أعطيتها دونما حول مني ولا قوّة. وبالعكس من ذلك أنا أقبح رجل على وجه الأرض، ربما لا يوجد نظيري في العالم في القبح، ورغم ذلك أنت تصبرين عليّ، وترضين بقسمة الربّ، فأنت على درجة من الصبر، ربما لم يفز بها اليوم أحد في الدنيا. إذا فزوجك المتواضع غاية في الشكر، وأنت غاية في الصبر، فسندخل الجنة إن شاء الله، أما أنا فعن طريق الشكر، وأما أنت، فعن طريق الصبر. وبعد ما حكى الشيخ القصّة، قال: فالمنزل ههنا واحد، وهو الجنة، وإن أحد القاصدين اختار طريق الشكر إليها، وثانيهما رضي طريق الصبر. وقد ذكر أحد المترجمين له، قصّة أخرى طريفة تؤكّد مدى براعته في ضرب الأمثلة. في مدينة "ملتان" بـ "باكستان" كان الشيخ يتحدّث إلى حفلة كبيرة جدا، عن موضوع الآداب التي يجب أن يتقيّد بها القائم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغة من اللغات، وتطرّق في ذلك إلى أمور كثيرة، منها: أن المترجم البارع إنما يكون من له علم واسع بالأمثال والحكم والنكت المستخدمة في اللغة، التي يحاول أن يقوم بنقلها إلى لغة أخرى. وضرب لذلك مثلا لضابط إنجليزي كان يشغل منصبا في عهد الاستعمار الإنجليزي في "الهند"، وكان مقيما بها منذ سنوات طويلة، فتعلم الأردية لطول عهده بها، وبالخدمة فيها واحتكاكه بالناطقين بها، فقال ذاتيوم مهتزا للجندي المخصّص لخدمته: إني قد أتقنت اللغة الأردية. فابتسم الجندي، لأنه كان من الناطقين بها، وقال له متأدّبا: إن اللغة الأردية لا يتقنها أحد إلا بعد طول ممارسة. فقال الضابط: ما تقول صحيح، ولكني قد أتقنتُها فعلا. قال الجندي: إذا هل تسمح لي بأن أختبرك في ذلك؟ قال الضابط طربا: بكلّ حرّية. قال الجندي: ما معنى القرع المرّ الصاعد على شجرة النيم، وبما أن النصّ الأردي للمثل يحمل بين القرع المرّ، وبين الصاعد على شجرة النيم، كلمة أور العاطفة المرادفة للواو في العربية، فتورّط الرجل أولا في هذه القضيّة، وقال للجنديّ: قد فهمت ما هو المراد من النصّ بين طرفي أور، ولكني لم أدر لماذا تخللت كلمة أور ههنا بدون معنى وبدون حاجة؟ أفهل هي للربط أو للعطف، وكلاهما باطلان ههنا؟ وابتسم الجندي ساخرا منه، وقال له: دع هذه القضيّة، ودلّني على معنى هذه الجملة صارفا نظرك عن أور، فتوقّف قليلا، ثم قال إن "كريلا" "القرع المر" خضار، وأما "نيم" فمعناها النصف، وأما جرها الصاعد، فمعناها أن القائم بطبخ الخضار، قد وضعه في القدر على الموقد. ثم قال ضاحكا: إنك لتعلم أن كريلا خضار مرّ للغاية، فلو طبخه جاهل لما نضج جيّدا، وإنما بقي ناضجا وغير ناضج، فلم تزل مرارته، وإذن فالمعنى واضح! واستخرج الموقف ضحكا طويلا من الجنديّ، ثم قال للضابط سيّدي! أما قلت: إنك لم تتقن الأردية بعد. وهنا شرح له معنى النصّ. فقال الضابط: حسنا إن ذهني لم يتطرّق إلى شجرة النيم، وإلا فإني كذلك كنت قد توصّلت إلى المعنى المراد الذي شرحته أنت. قال الشيخ ﵀: إن الضابط عرف كريلا وعرف نيم، بمعنى النصف، ولم يعرف الكلمة في معنى الشجرة ههنا، فأفسد المثل وسلبه مزاياه، ولما شرح له الجندي المعنى الصحيح شعر بالندم، وقال: سلني عن أشياء أخرى، فسأجيبك صحيحا. فقال الجندي: إذا سألتك عن أشياء أخرى،فستعود مقلبا نظرك يمينا وشمالا، واستخدم بالمناسبة الحكمة الأردية، التي معناها الحرفي ستعود ناظرا في إبطيك، فكشف الضابط عن أحد إبطيه، ونظر فيه، ثم كشف عن الثاني، ونظر فيه، وقال: لعلّك تريد أني سأفعل هكذا. ولم يستطع الجندي أن يتمالك نفسه تجاه الضحك، الذي سيطر عليه. وجميع خطابات الشيخ زاخرة بأمثال هذه الأمثال والقصص، التي كانت تزداد طرافة على طرافة لحديثه الشيق المعسول المعجون بلذّة الشوكولاتة، الأمر الذي كان يجعل الحضور لا يكادون يتمالكون أنفسهم من الضحك العفوي، الذي كان يغلب عليهم لدى استماعهم لها، كما كان المتذوّقون للغة والثقافة يهتزون فرحا. من مزايا خطاباته: وكان من مزايا خطاباته أنه كان يشبع الحديث في كلّ موضوع يتحدّث عنه، ويوفيه حقّه من الشرح، ومن الدلائل ومن النقاش، ومن تفنيد كلّ شبهة، ومن التطرّق إلى جميع أبعاده، ومن توفير كلّ معلومة ممكنة، يحتاج إليها المستمع فيما يتعلق به، بالإضافة إلى إمداده بتجاربه الواسعة واطلاعاته الدقيقة على الحياة والناس وعلى المجتمعات البشرية. وكان يقدر على أن يتحدّث في كلّ موضوع دقيق وجليل، وعن مقدرة بيانية عجيبة، وبمعلومات وعناصر مطلوبة، مهما كانت المناسبة، وأيا كان الوقت، وكيفما كان الموقف. مهما طلب إليه الحديث بدأ يتكلّم كأنه مسجّل ضغط على مفتاحه. وربما تكلّم في موضوع تافه، فجعله شيئًا ذا بال بسحر حديثه، وعذوبة منطقه، وخفّة روحه، وحسن نكته، ولباقة عرضه، وقوّة عارضته، وغرائب معلوماته، واتّساق أطروحاته، وتدفّق رؤاه.قد سمعت حديثه ذات مرّة حول فضيلة القناعة بالقليل وعيش الحياة كعابر سبيل، فتأكّد لديّ أن الحياة المثاليّة للمسلم الصحيح إنما هي ما عاشه سيّدنا أبو ذر وأمثاله من الصحابة والتابعين والزاهدين من هذه الأمّة، وأن ما لا يتفق، وهذه الحياة الإيمانية المغبوطة، فإنما هو هوس وجنون وهوى وفنون، يتأنّق فيها الراغبون في هذه الحياة الدنيا. حديث أبكى العيون، وغسل القلوب، وصقل الإيمان، وحطّم الأوهام، وأزال الأردان، وكسر الأهواء، وشفى المتهالكين على المادّة والمعدة من داء الجشع والأنانيّة، والدّوران حول الذات. ثم استمعت إليه: بعد سنوات طويلة، وهو يتحدّث عن فضيلة الثروة واقتناء المال والعناية باستثماره، فإنفاقه في وجوه الخير، التي لا تحصى، وأشار في ذلك إلى نواحي الخير، التي قد لا تتبادر إليها الأذهان، وقد لا تنال عناية من فاعلي الخير السبّاقين إلى البذل والحريصين على الخدمة الإنسانية والأعمال الإسلامية فما وسع الحضور، إلا أن كادوا يطيرون فرحا، وعادت المنصّة والمخيم المنعقد فيه الاحتفال، وما حوله من الجدران وما وراءها من الأشجار، ألسنة تلهج بالثناء، وترفع الصوت بالتصفيق والتهليل، والإشادة والدعاء. وهنا ثارت الدواعي في قلبي، وأتأكّد أن الحضور كانوا شركائي في ذلك أن الفضيلة الأولى التي يجب أن يحظى بها الإنسان في حياته إنما هي فضيلة الثروة والغنى والحصول على المال الوفير، حيث إن هناك حسنات لا يمكن أن يحقّقها المرأ في دنياه، إلا عن طريق المال والثروة، وبذلك فيتمهّد له الطريق إلى التقرّب إلى ربه، ثم إلى دخول جنته بفضله ومنّته، إن شاء الله.فحسم الأمر، وحكم في القضيّة فيما يتعلّق بمن يشكّون في شأن العناية بمجرّد الثروة والثريّ، وينظرون إلى مطلق المال كأنه لعنة، وإلى مطلق العناية بأسباب الراحة المباحة والنعيم الحلال بنظرة الشكّ والارتياب. وأكّد أن مطلق المال والثروة ليس بحرام، وإنما الحرام هو الإخطاء بمواضع استحقاقه، ووجوه الإنفاق، التي أرشد إليها الإسلام، وفصّلتها الشريعة، وضعت لها مبادئ، وقعّدت لها قواعد. وأن مطلق الفقر والزهد في الدنيا واللعنة على الأسباب، التي بسطها الله لحكمته في الكون ليس محمودا في الشريعة ومقبولا في الإسلام، وإنما المحمود هو الفقر الذي يبعث على المواساة، ويرقّق القلب، ويكسب لذّة اليقين، وجمالا في الدين، ويزيد المؤمن تقرّبا إلى الله، واحتسابا للأجر ورغبة في الذخر، وإلا فإن الفقر قد يؤدّي بغير المتوكّل على الله، وغير الصابر على البلاء، وغير العارف بآداب استمطار رحمات الربّ الغفور الرحيم، إلى الكفر، فإلى النار، أعاذنا الله وإيّاكم من كلّ موقف حرج في الدنيا، وبعدها في الآخرة. اشترى طلّاب نادي اللغة العربية بالجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند في أيام تحصيلنا في منتصف التسعينات من القرن الرابع عشر الهجري الفائت، جهازا لمكبّر الصوت، وأشار مؤسّس النادي والمشرف عليه أستاذنا وأستاذ الجيل الإسلامي الجديد في شبه القارة الهندية، فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي رحمه الله تعالى، المتوفى ١٤١٥ هـ، أن نلتمس من الشيخ محمد طيّب ﵀ أن يدشّنه بحديثه المبارك، فقبل دعوتنا مشكورا، وحضر الحفل الذي عقدناه على شرفه محمودا، وتحدّث فيه حول مكبّر الصوت: ذاك الجهاز التافِه العادي، ومنافعه وفضائله الكثيرة، وإمكانات توظيفه لخدمة الدين والدعوة، بشكل جامع مانع بدا لنا من أجله، كأنه يتحدّث عن فضائل أحد من الأئمة الأعلام: الحسن البصري، وعبد الله بن المبارك، والغزالي، وابن تيمية، ومن إليهم.وكان من خصائص خطاباته: أن المستمعين كلّهم كانوا يعودون يشاطرونه الآراء، التي كان يعرضها عليهم، كأنها هي آراؤهم، بل أحاديث قلوبهم، ونجاوى نفوسهم، فيتجاوبون معها تجاوب عبد مطيع مع سيّده، وينفذونها في حياتهم تنفيذ المحبّ لأوامر حبيبه، قلمّا رأى الهنود خطيبا إسلاميا مثله يجعل مستمعيه، يقتنعون بحديثه، ويتشبّعون بأفكاره، ويتلذّذون بأساليب عرضه، لهذا الحدّ العجيب. وقد كان علمه الثرّ، ومحفوظاته الغزيرة، وذكاؤه الملتقط، وتأنّقه في الملابس، وجمال هيئته، وحسن هندامه، وجبّته المعروفة بشرواني، وعكازه الخفيف، وقلنسوته القائمة على رأسه بصورة منفردة، وجلسته الوقورة على كرسي الخطابة، وحلمه الزائد، وتواضعه الجمّ، وزهده التامّ في فضول القول، واقتصار كلامه على ما ينفع عباد الله، وتقيّده بالجدّيّة البالغة في الجلوس والقيام والمشي والكلام والحركات والسكنات، ووجهه الصبيح الوضّاء، وجسمه المعتدل بين السمن والنحل، وقامته المعتدلة، والصلاح الذي كان يعلو نوره وجهه، ويشمل كيانه، وحسبه المتوارث، الذي يضفي عليه براءة الملائكة، ويجعل الناس يجدون أنفسهم مضطرّين لحبّه. . كلّ ذلك بالمجموع كان ينحت منه شخصية علمية دينية قيادية خطابية فذّة كان عنوانها الشيخ محمد طيّب رئيس جامعة دار العلوم ديوبند، الذي كان يحمل تأثير السحر ومفعول كبسولة الإنعاش والسرور. . . شخصية وجدت فيه، وانتهت به، ولا يوجد مثيلها اليوم، كما كان لا يوجد حين كانت حيّة تؤدّي دورها في الحياة. وفي الأغلب جرت العادة: أن ذوي الكمال لا يعترفون لأمثالهم بالفضل، ولكن نوابغ الخطباء وعباقرة اللسن المعاصرين قد اعترفوا بفضل الشيخ محمد طيّب ﵀ في مجال الخطابة، وعلى رأسهم الخطيب الإسلامي البليغ الشيخ عطاء الله شاهالبخاري، ﵀ المتوفى ١٣٨١ هـ، وأديب الأردية وخطيبها المصقع، وكاتبها الفريد الشيخ أبو الكلام آزاد وزير التعليم الهندي الأول بعد الاستقلال، المتوفى ١٣٧٧ هـ. فقد روى بعض من ترجم للشيخ محمد طيّب ﵀ أنه كان يتحدّث ذات مرّة في حفل كبير في مدينة "جالندهر"، بولاية "بنجاب" الهندية، وكان الصمت يلفّ الشجر والحجر، وكان الحضور كأنَّ على رؤوسهم الطير، فلو سقطت إبرة سمع لها صوت، وكان الشيخ محمد طيّب يتكلّم، وينشر لآلئ المعلومات، ويتلقّفها الحضور في لهفة ورغبة. وكان بينهم الخطيب الإسلامي المعروف الشيخ عطاء الله شاه البخاري، الذي لم يتمالك نفسه في بعض مواقف خطاب الشيخ عند ما تفتقت قريحته، فبلغ أوجه، وبرعت لفتاته، وتفردّت إشاراته، وبدعت أقواله، فنهض الشيخ البخاري من مكانه، وصعد إلى المنصّة، وأبدى إلى الحضور، غاية تقديره وإعجابه، وعواطف إشادته به، وأنشد قصيدة ارتجلها في مدحه، وقرّظ فيها سعة علمه، ومدى فضله، وغاية تبحّره، في علوم الشريعة، وتفرّده في عرض محاسن الإسلام. أما العلامة أبو الكلام آزاد، فقد تحدّث الشيخ محمد طيّب ﵀ بنفسه عن رأيه فيه في إحدى كتاباته، فقال: دعا الشيخ أبو الكلام آزاد عام ١٣٦٨ هـ لعقد مؤتمر في مدينة "لكنو" بهدف دراسة القضايا التعليمية، واتفق أن طلب إليّ كذلك إلقاء الحديث فيه، وقد تناوله الشيخ آزاد بالاستحسان البالغ، الذي لا تزال كلماته تدوي في أذني لحد اليوم. وإذا كان نبوغه في الخطابة: يرجع إلى أسباب عديدة تفاعلت، كسنّة طبيعية إلهية، وحكمة ربّانية في تكوينه خطيبا إسلاميا، وداعية، فريدا في شبه القارّة الهندية، فإنه يرجع أولا إلى نزعته الذاتية إليها منذ صباه، وصقلتها تربية أساتذته ومشايخه. ولندعالشيخ ﵀ يتحدّث عن ذلك بدوره: كنت راغبا في الكتابة والخطابة منذ صباي، وكان مشايخي معنيّين بإذكاء رغبتي، وتشجيعي على المضيّ قدما في طريق التقدّم على هذا الخطّ، ففي أيام تحصيلي كلّفني سيّدي الأستاذ العلامة أنور شاه الكشميري، الذي استصحبني في زيارة له دعوية في منطقة "بنجاب"، بإلقاء كلمات في حفلات كبيرة في مدن كبيرة. والحادث الذي أذكره مضى عليه ٦٠ - ٦٥ عاما، ولكني أتذكّره بأبعاده، وهو أنني قد شاركت حفلة في "ملتان" في حالة أن ثيابي كلّها كانت قد ابتلّت، وكنت قد اشتملت لستر العورات ببطانية كبيرة، وكنت حافيا، حاسرا عن الرأس، وفي هذه الهيئة حضرت تلك الحفلة المزدحمة، وقدّمني أستاذي العلامة الكشميري ﵀ إلى الحضور قائلا: إن هذا الفقير الذي يخطب أمامكم، سيكون خطيبا كبيرا في المستقبل، ولا تظنّن أنه يَرْتَدي البطانية كالفقراء، فلا يملك رصيدا من العلم والفضل، بل تأكّدوا أن في هذه الثياب الرثّة لعلا (عقيقا أحمر). وكان ذلك تشجيعا لي من سيّدي الأستاذ، وإلا فأين طالب متواضع مثلي من اللعل والياقوت! وكان أمثاله من المشايخ هم الذين تولّوا تربيتي.
Parsing and provenance details
Local passage ID
190790
Book record
shamela-819
Source record
82539
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain