page 3336, entry [2795]Open original source
٢٣٤٣ - الشيخ الفاضل صَرْغَتْمَش، الأمير، سيفُ الدين النَّاصِرِيّ* *ذكره التميمي في "طبقاته"، وقال: هو رأسُ "نَوْبة"، كان جميل الصّورة، وصفات الحُسْن فيه مَحْصورة، مُحياه كالبدر السافر في الظلام، أو الشصر إذا هي بَرزَتْ من خَلْف الغَمام. كتب وقرأ، أضاف أهل العلم وقَرَى، وعمَّر المدرسة المعروفة به بـ"القاهرة"، وجعل نجوم مَحاسنها في الإبْداع زاهرة. وكان يتأدّى القرآن العظيم على المشايخ، ويحبُّ أن يكون في التجويد ذا قدم راسخ، إلا أن أخلاقه كان فيها شَراسة، ونفسه فيها على احتمال الآذى نفاسه، فأقْدم على عزْل القُضاة، واتَّبع السلطان في ذلك رضاه؛ لأنه كان قد انْفرد بالتدبير، وثَقُلتْ وَطْأتُه على الدولة، حتى خَفَّ عندها ثَبير، وسالمتْه الأيام، وتيقَّظ سعدُه والناس عنه نيام، فكان مع جماله وبَطْشه، يغْلو عند مَنْ يعْتَبِرُه بأرْشه: كالبدر حُسْنا وقد يُعاوِدُه … عُبوسُ ليثِ العَرِين في عَنَدِهْ (¬١) كأنما مُبْرَمُ القضاء به … مِن رُسْلِه والحِمامُ من رَصَدِهْ ولم يزل عالِيَ. الكَعْب، مالِيَ القلوب بالرُّعْب، حتى أُخِذ أخذة رابية. ولم تكن أنيابُ النُّوَب عنه نائبة، فأمسَكه الناصر حسن في العشرين من شهر رمضان سنة تسمع وخمسين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العَهْد به. رحمه الله تعالى. وكان قد عمَّر تلك المدرسة المشهورة به، وبالغ في عمارتها وزخرفتها. وكان يتعصَّب لمذهبه، ويُؤثِر الفضلاء ويُقرِّبهم، ويسألُ مسائل في اللغة والفقه، ويُعْظمُ العَجَمَ، ويُؤثِرُهم. وكان قد انفرد بالحديث في أمر الأوقاف، واهتمَّ بها، وعُمِّرَت في أيامه.قال الصَّلاح الصَّفدِيّ: ووجدتُ بخطّه في حائط "المدرسة السُّلطانية" بـ"حلب" مكتوبا: أبدًا تَسْترِدُّ ما تَهَبُ الدُّنْـ … ـــيَا فيا ليتَ جودَها كان بُخْلا وكتبه صَرْغَتْمَشُ الناصرِيّ. فلما قرأت ذلك عجبتُ من هذا الاتِّفاق، فكأنه كأشَف نفسَه بما وقع له، واستردّتْ ما وهَبَتْه الدنيا، وأخذ السلطان من أمواله وحَواصِله شيئا يعْجَزُ الوصفُ عنه. قال الصّفَدِيُّ: وقد كتبتُ قصيدة أمدحه بها، ولكن ما جهّزْتها إليه، وهي: يا هَمُّ لا تدخلْ إلى خاطرِي … فإن لي صَرْغَتمَشَ الناصِرِي قد زيَّن الله الليالي به … لأنَه كالقمر الزّاهر وكمَّل الله المعالي به … فأصبحتْ في رَوْنقٍ باهرِ والملكُ قد أضحَى به في حِمًى … لأنَه كالأسد الخادر غَلَّ يدَ الظُّلم وعُدْوانَه … وكفَّ كَفَّ الخائن الجائر مسَدَّد الآراء في فِعْلِه … لأنه ذو باطنٍ طاهر ما أبْصَرَ الناسُ ولم يسمعوا … بمثله في الزمن الغابر سيوفُه إن سلَّها في الوَغَى … كبارقٍ تحت الدُّجَى طائرِ يُغْمِدُها في مُهُجات العِدا … فتكْتَسى ثوبَ الدّم المائر يمينه للجود مُعْتادة … قد أخْجلَتْ صَوبَ الحياء الماطر كواكبُ السَّعْد له قد غدتْ … تخْدمُه في الفَلَكِ الدائر أنشا له مدرسةً حُسْنُها … بين الورَى كالمثَلِ السائرِ فسيحةُ الأرْجاء قد زُخرِفَتْ … بكل لَوْن راق للناظر رُخامُها مُحْتلِف لونه … كمثل رَوْض يانِعٍ زاهرِ وذهْنُه مُتَّقِدٌ بالذكا … لأنه ذو خاطر حاضر وعِلْمه زاد على غيره … كلُجٍ بحْرٍ طافحٍ زاخريسْبِقُ بَرْقَ الجوِّ إدْراكُه … لا كامْرِئ في جهلِه عاثرِ يقول مَنْ يسمع ألفاظَه … كم تركَ الأوَّل للآخر فوَصْفُه أعْجَزَ كلَّ الورَى … من ناظم القول ومن الناثر إن الثّنا في وصفه قد غدا … غنيمةَ الوارِدِ والصادر تلْهُو به الرُّكْبان في سَيْرِهم … لأنه أُعْجوبةُ السامر يلْقَى الذي يَسْعى إلى بابه … بنائلٍ من جُودِه الغامر فالله يَرْعاه ولم ينْسَهُ … عند خُطوب الزمن الغادر كذا نقلتُ هذه الترجمة من "أعيان العصر" للصلاح الصَّفَدِيّ، وحذفت منها ما لا تَمسُّ الحاجة إليه. وهذا القدر من الصلاح الصَّفَدِيّ، في مدح صاحب الترجة، يدلُّ على أنه كان ذا فضل وافر، وإحسان مُتكاثِر، وأنَّه حَرِّيّ بأن يُعَدُّ في جُملة فضلاء الحنفية، الذين بفضلهم يُقْتدى، وبعِلمهم يُهْتَدى، والفضل ما شَهدَت به الأعداء؛ فإن غالبَ شافعية ذلك العصر كانوا لا يُحِبُّونه، وفي المدح لا يُنْصفونه؛ لما ذكرناه من مَيْله إلى أفاضل العجَم، وكالعلامة الإتْقَانِيّ وأضْرابه، وتعَصبَّه لأهل مذهبه. ولا تلْتَفِتْ أيها الواقف على كلام الصَّفَدِيّ هذا، إلى ما فيه من البَلايا المخبّأة في الزَّوايا، فقد أوضحنا لك السبب، والله ﷾ يُسامح الجميع، ويغفرُ لهم، بمَنِّه ولُطْفه. * * *