page 3191, entry [2638]Open original source
٢٢٠٤ - الشيخ الفاضل العلامة شبلي بن حبيب الله البندولي، المعروف بمولانا شبلي النعماني، فريد هذا الزمان، المتفق على جلالته في العلم والشأن* *. ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد سنة أربع وسبعين ومائتي وألف بقرية "بندول" من أعمال "أعظمكره"، وقرأ أياما في العربية على مولانافاروق بن علي العبّاسي الجرياكوتي، ثم أقبل إلى المنطق والحكمة، وأخذ عنه، وبرز فيه، ولازمه مدّة طويلة، ثم سافر إلى "رامبور"، وأخذ الفقه والأصول عن الشيخ إرشاد حسين العمرى الرامبوري، ثم ذهب إلى "لاهور"، وأخذ الفنون الأدبية عن الشيخ فيض الحسن السهارنبوري، شارح "الحماسة"، ثم دخل "سهارنبور"، وقرأ الحديث على الشيخ أحمد على بن لطف الله الماتريدي السهانبوري، حتى فاق أقرانه في الإنشاء والشعر والأدب والتاريخ وكثير من العلوم والفنون، وكان متصلّبا في المذهب في ذلك الزمان، صرف برهة من الدهر في المباحثة بأهل الحديث، وصنّف "إسكات المعتدي"، رسالة في قراءة الفاتحة خلف الإمام. ثم ولي التدريس بمدرسة العلوم في "عليكرة"، فصحب الأساتذة الغربيين، وأدار معهم كؤوس المذاكرة، وصحب السيّد أحمد بن المتقي الدهلوي وحزبه، حصل له نفور كلّي عن المباحثة، ومال إلى التاريخ والسير، فصنّف كتابا في سيرة المامون العبّاسي، و"سيرة النعمان" في سيرة الإمام أبي حنيفة، وكتابه "الجزية وحقوق الذمّيين"، وكتابا في تاريخ العلوم الإسلامية وتعليماتهم، وكلّها تلقيّت بالقبول، وحصلت له شهرة عظيمة في بلاد "الهند"، وسافر إلى "بلاد الروم"، و"الشام"، و"مصر"، ولقي رجال العلم والدولة، وأعطاه السلطان عبد الحميد العثماني النيشان من الطبقة الرابعة، ولما رجع إلى "الهند" لقّبتْه الدولة الإنكليزية "شمس العلماء"، فأقام بعد ذلك زمانا يسيرا بمدرسة العلوم، ثم اعتزل، وراح إلى "حيدر آباد"، فرحَّب به السيّد علي البلكرامي، وأكرم مثواه، وولّاه نظارة العلوم والفنون، فأقام بها خمس سنين، ثم ترك الخدمة، وقنع بمائة ريبة شهرية بدون شرط الإقامة بـ"حيدر آباد"، فقدم "لكنو". وأقبل إلى ندوة العلماء، وكان عضوا من أعضائها البارزين، فولّوه على دار العلوم التي أسّسها أعضاء الندوة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف، فاشتغلبالنظارة مدّة ثمانية أعوام، وقد فدعت رجله اليسرى من ضرب البندقية انطلقت من يده خطأ في بيته بـ"أعظمكره" سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف، فقطعها الجرّاح الإنكليزي من الساق، ثم صنعت له رجل من أدم وخشب، فكان يدخل فيه رجله المقطوعة، ويربطها بالرباطات المحكمة، ثم يمشي كالأصحّاء. كان قويّ الحفظ، سريع الملاحظة، يكاد يكشف حجب الضمائر، ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر، قويّ الحجّة، ذا نفوذ عجيب على جلسائه، فلا يباحثه أحد في موضوع إلا شعر بانقياد إلى برهانه، وربما لا يكون البرهان مقنعا، وكان واسع الاطّلاع في تاريخ الإسلام والتمدّن الإسلامى، كثير المحفوظ بالأدب والشعر، كثير المطالعة لم يفته كتاب كتب في آداب الأمم وفلسفة أخلاقهم إلا طالعه. ولم يكن له نظير في سرعة الجواب، والمجئ بالنادرة الغريبة على جهة البديهة، وسرد الأبيات الفارسية والأردوية على محالها، وله عناية كاملة بالعلم، ورغبة ونشاط وإقبال على المذاكرة والتصنيف وإلقاء الخطب. وكان مع ذلك معجبا برأيه، لا ينقاد لأحد، ولو كان برهانه مقنعا، وفيه شيء من التلوّن، ومن عادته أنه كلما يحدّث في مسألة، يكثر في التعبير، وإذا أنشد شعرا أتبعه بالشرح والترجمة، كان مخاطبه أعجمي، وهو عربي، أو مخاطبه جاهل لا يعرف اللغة العربية والفارسية، وهو عارف باللغات المتنوّعة والمعاني الدقيقة يريد إفهامه، وكذلك كانت عادته أنه ربما يأخذ رأيا في أمر من الأمور من رجل، ثم يعرض على الناس، وينسبه إلى نفسه، وربما يعرضه على ذلك الرجل بعارضة البلاغة، ويمهّد له المقدّمات، كأنه خصيمه في ذلك الأمر. وكان معتزليا في الأصول، شديد النكير على الأشاعرة، وله كتب ورسائل في ذلك، ككتابه في فنّ الكلام، وكتابه في تاريخ الكلام، ومقالاتهفي "رسائل شبلى"، و"مقالات شبلي"، ومن مصنفاته غير ما ذكرناها كتاب في سيرة الغزالي، وكتاب في سيرة العارف الرومي، وفي نقد شعره والحكم عليه، وله كتاب بسيط في سيرة سيدنا عمر الفاروق -رضى الله عنه-، وهو كتاب قوي ممتاز مؤثر، وله كتاب في الموازنة بين الشاعرين الهنديين، المعروفين من فرسان المراثي "أنيس" و"دبير"، وله "إزالة اللوم في ذكر أعيان القوم"، وله "شعر العجم" في خمسة مجندات، (وهو من أفضل مؤلّفاته، أقرّ له علماء هذا الشأن بالفضل والجودة)، وله كتاب في الانتقاد على "مقالات جرجي زيدان" بالعربي في التمدّن الإسلامي، وله مقالة في "مكتبة الإسكندرية"، وله ديوان الشعر الفارسي، ومن مصنّفاته المجلد الأول من "السيرة النبوية"، وكان دار العلوم على رأسهم، وفي مقدّمتهم السيّد سليمان الندوي، فأسّسوا له مؤسّسة عظيمة بـ "أعظمكره"، وسمّوها "دار المصنّفين". مات بالإسهال الدموي ضحوة يوم الأربعاء لليلة بقيت من ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف، وببلدة "أعظمكره". * * *