page 2333, entry [1903]Open original source
تصحيح قاضي خان معتمد ومقدم: الذي يزيد منزلة قاضي خان العلمية وثقته ومكانته الفقهية، ويؤيّد ما سبق أننا نرى أن كبار الفقهاء المتأخّرين من أصحاب المتون والشروح والفتاوى، من ابن السَّاعاتي، وكمال الدين ابن الهمام، وأكمل الدين البابرتي، والعلامة بدر الدين العيني، وابن نُجيم، وفخر الدين الزيلعي، والإمام محمد بن محمود الأستروشني، وقاسم بن قطلوبغا، وخير الدين الرملي، ومحمد بن عبد اللَّه التمرتاشي، وعلاء الدين الحصكفي، والعلامة ابن عابدين، وصاحب "الفتاوى التتارخانية" وأصحاب "الفتاوى الهندية" وغيرهم، كلّهم يعتمدون على أقواله، وتصحيحه وترجيحه للروايات. يقول مظفّر الدين ابن الساعاتي (٦٥١ هـ - ٦٩٤ هـ) في "شرح مجمع البحرين" عند اختياره تصحيح قاضي خان في مسألة غسل اللحية في الوضوء: "والأصحّ من الرواية ما نصّ عليه قاضي خان ﵀ في "شرح الجامع الصغير" أن الفرض هو مسح ما يلاقي البشرة من الوجه. . ". وقال العلامة قاسم ابن قطلوبغا (ت ٨٧٩ هـ) في مقدمة كتابه القيّم "الترجيح والتصحيح على القدوري": "وهذا ما تيسّر لي على "مختصرالقدوري" مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في "فتاواه"، فإنه من أحقّ أن يعتمد على تصحيحه، واللَّه ولي الإعانة، وهو حسبي ونعم الوكيل". وقال في موضع آخر: "ما يصحّحه قاضي خان مقدّم على تصحيح غيره، لأنه فقيه النفس". ونقله العلامة ابن عابدين، وأيّده، وأضاف عليه في مؤلّفاته الشهيرة، قال في "شرح عقود رسم المفتي": وإن كان كلّ منهما بلفظ الأصحّ أو الصحيح، فلا شبهة في أنه يتخيّر بينهما، إذا كان الإمامان المصحّحان في رتبة واحدة، أما لو كان أحدهما أعلم، فإنه يختار تصحيحه، كما لو كان أحدهما في "الخانية"، والآخر في "البزازية" مثلا، فإن تصحيح قاضي خان أقوي، فقد قال العلامة قاسم: إن قاضي خان من أحقّ من يعتمد على تصحيحه. وذكر في مسائل الخلع من حاشيته على "الدر المختار"، وقول الشارح أول الباب خلافا لـ "الخانية"، تبع فيه قول "البحر"، وإن شرح قاضي خان بخلافه، ولم يظهر لي وجه ترجيح التصحيح الأول على الثاني، مع أنهم قالوا: إن قاضي خان من أجلّ من يعتمد على تصحيحه. ونقل ابن عابدين عن خير الدين الرملي: وفي "حاشيته" للرملي بعد كلام نقله عن "الخانية": وقد ذكر المسألة في "جواهر الفتاوى"، وذكر فيه اختلافا كثيرا، واختلاف تصحيح، ولكن عليك بما في "الخانية"، فإن قاضي خان من أهل التصحيح والترجيح. انتهى. وفي مسائل قبض الهبة عن الصغير نرى أن ابن عابدين رجّح قول قاضي خان على قول صاحب "الهداية"، وصاحب "البدائع"، فقال: فقد علمت أن "الهداية" و"الجواهر" على تصحيح عدم جواز قبض من يعوله مع عدم غيبة الأب، وبه جزم صاحب "البدائع"، وقاضي خانوغيره من أصحاب الفتاوى صحّحوا خلافه، ولكن على ذكر مما قالوا: لا يعدل عن تصحيح قاضي خان، فإنه فقيه النفس، ولا سيّما وفيه هنا نفع للصغير، فتأمل عند الفتوى. فما نوّه به ابن عابدين ولقبه بأنه فقيه النفس، يعتبر شهادة فقيه، خير بكمّ هائل من تراث الفقهاء، والذي يعتبر خاتم المحقّقين في الفقه الحنفي. أما تعريف فقيه النفس: فهو الذي صار الفقه سجية ملازمة له، وملكة قائمة به، يستطيع بواسطتها استنباط الأحكام وإدراكها. والمقصود بذلك أن يكون شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، أي أن يكون له استعداد فطري يؤهله للاجتهاد. وعد إمام الحرمين الجويني وجلال الدين المحلّي من شروط المجتهد أن يكون فقيه النفس، واعتبر الجويني هذا رأس مال المجتهد، وقال: إنه أمر جبلي، ولا يتأتى كسبه وتحصيله بحفظ الكتب.