page 2320, entry [1897]Open original source
عصر الإمام قاضي خان: عاش الإمام قاضي خان ﵀ في القرن السادس الهجري، حيث ولد بـ "أوزجند"، "فرغانة" قبل عام ٥١٨ هـ، وتوفي بـ "بخارى" عام ٥٩٢ هـ، أي في أواخر عصر الدولة العباسية الثانية، التي سقطت عام ٦٥٦ هـ بسقوط "بغداد" على يد التتار. عصر الإمام قاضي خان وقد كان هذا العصر عصر ضعف وانهيار للدولة العباسية، كثرت فيه الفتن والاضطرابات، ونجمت بجانب الدولة العباسية عدّة دول. قال ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العبّاس حاكمة على جميع البلاد، فإنه خرج عن بني العبّاس بلاد المغرب، وبلاد "الشام" في بعض الأحيان، والحرمين في أزمان طويلة. كذلك أخذت من أيديهم بلاد "خراسان" و"ما وراء النهر"،وتداولتها الملوك دولا بعد دول، حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا "بغداد" وبعض بلاد العراق؛ وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات، وجمع الأموال في أكثر الأوقات. وعاصر الإمام قاضي خان من خلفاء بنى العباس: الفضل المسترشد باللَّه بن المستظهر (٥١٢ هـ - ٥٢٩ هـ)، والمنصور الراشد باللَّه بن المسترشد (٥٢٩ هـ - ٥٣٠ هـ)، والمقتفي بأمر اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه (٥٣٥ هـ - ٥٥٥ هـ)، والمستنجد باللَّه أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٥٥٥ هـ - ٥٦٦ هـ)، والمستضيء بأمر اللَّه أبو محمد الحسن بن يوسف (٥٦٦ هـ - ٥٧٥ هـ)، والناصر لدين اللَّه العباس أحمد بن المستضيء (٥٧٥ هـ - ٦٢٢ هـ). وقد كانت القوة المسيطرة على الخلافة في أواخر الدولة العبّاسية دولة السلاجقة، وهم شعب من شعوب الترك، يعرفون باسم العز، هاجروا إلى "ما وراء النهر" عام ٣٧٥ هـ، وكان السلطان السلجوقي ملكشاه قد أعطى أنوشتكين، أحمد سقاه بلاطه بلد "خوارزم"، فبدأ أنوشتكين ملكه لـ "خوارزم" عام ٤٧٠ هـ، ثم تعاقب على هذا الملك أحفاده من بعده بإقرار من ملوك السلاجقة، وخضوع من ملوك "خوارزم" في أغلب الأحيان، إلى أن بدأت الخلافات تنشب بينهما، حيث طمع ملوك "خوارزم" في الاستقلال عن السلاجقة، والاستئثار بالسلطة على البلاد، التي تحت أيديهم، وأعلنوا ذلك، فقامت المعارك بينهما. وقد كان في كلّ مدينة حاكم محلّي أو نائب من المسلمين، يتولى إدراة الشؤون الداخلية والنواحي الدينية، ويقونم بدفع ضريبة للقر اخطائيين. وكان الحكم المحلّي الذي له المشورة في جميع الأمور في "بخارى" هو: تاج الدين أحمد بن عبد أحمد بن عمر بن مازة، وذلك بعد مقتل الصدر الشهيد، ثم كان الحاكم محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد ابن الصدرالشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري الملقّب بصدر جهان، وكان الحاكم بـ "سمرقند" السلطان عثمان بن إبراهيم بن حسين. ولا شكّ أن ضعف الخلافة العبّاسية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الحروب كان له الأثر الكبير على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في ذلك العصر، إلا أنه رغم الاضطراب السياسي وأحداث داخلية وخارجية كانت هناك حركات علمية ونهضة أدبية في "بخارى" و"سمرقند" وما جاورها من البلاد الإسلامية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، يتمثّل ذلك في التأليف والتدريس والقضاء والإفتاء وبناء المدارس الإسلامية والمكتبات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك ما أسّسه الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي الطوسي ٤٨٥ هـ من مدارس نظامية في المدن الإسلامية الكبرى. أنجب هذا العصر علماء وفقهاء أفذاذا كانوا أئمة في العلوم النقلية والعقلية، ووجد فيه أعلام من الفقهاء، الذين كان لهم دور كبير في توضيح المذهب وتطويره وتهذيبه، لذلك أصبحت أقوالهم محلّ الاعتماد والتعويل في المذهب. وفي هذه الفترة الزمنية التي عاشها الإمام قاضي خان بمدينة "بخارى"، وجدت بها وما جاورها طائفة من جهابذة العلماء: بعضهم من الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل، التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأكثرهم من الطبقة الرابعة طبقة أصحاب التخريج، والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، وفيما يلي أذكر أشهر فقهاء الحنفية، الذين عاصرهم قاضي خان في تلك المنطقة: ١ - ركن الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد المعروف بالصفّار، المتوفى سنة ٥٣٤ هـ شيخ قاضي خان.٢ - صدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة، المتوفى سنة ٥٣٦ هـ، صاحب "شرح أدب القاضي" للخصّاف، أحد جهابذة المذهب. ٣ - شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جدّ قاضي خان. ٤ - الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة ٥٤٢ هـ، صاحب "خلاصة الفتاوى". ٥ - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، صاحب "تحفة الفقهاء". ٦ - الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز الظهير البلخي، المتوفى سنة ٥٥٣ هـ. ٧ - قاضي القضاة علي بن أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن قاضي القضاة أبي عبد اللَّه، الدامغاني، المتوفى سنة ٥٨٣ هـ. ٨ - زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتابي، المتوفى سنة ٥٨٦ هـ. ٩ - ملك العلماء أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، المتوفى سنة ٥٨٧ هـ، "صاحب البدائع". ١٠ - على بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، المتوفى سنة ٥٩٣ هـ، صاحب "الهداية". ١١ - برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة، ٥٥١ هـ - ٦١٦ هـ. صاحب "المحيط البرهاني". وغيرهم، الذين كانوا نجوما ساطعة في سماء العلم، وكل واحد منهم يتبوّأ مركزا علميا مرموقا، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم في ازدهار العلموتطوّر المذهب، وتميز الإمام قاضي خان بينهم في تمكنّه في الاجتهاد والقضاء والإفتاء، ورسوخه في الفقه الحنفي.