Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الشيخ الفاضل حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، الزاهد الأصمّ

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 2068, entry [1705]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: الشيخ الفاضل حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، الزاهد الأصمّ
page 2068, entry [1705]Open original source
١٣٤٥ - الشيخ الفاضل حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، الزاهد الأصمّ*.أحد أتباع الإمام الأعظم، وأحد أعلام الأئمة، وصلحاء هذه الأمة، كان مشهورًا بالزهد والتقلّل، معروفًا بالورع والتقشّف، وله كلام مدوّن في الزهد والحكم، وأسند الحديق عن شقيق بن إبراهيم البلخي، وغيره. وصحب عصام بن يوسف البلخي الإمام، وكان بينهما مباحث ومناظرات، وأهدى إليه عصام مرّة شيئًا فقبله، فقيل له: لم قبلته؟ فقال: وجدت في أخذه ذلّي وعزّه، وفي ردّي عزّى وذلّه، فاخترت عزّه على عزّي، وذلّي على ذلّه. وقدم حاتم مدينة "بغداد" في أيام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، واجتمع معه. حكى عنه أبو عبد الله الخواصّ (¬١)، وكان من علية أصحابه، قال: لما دخل حاتم "بغداد"، اجتمع إليه أهلها، فقالوا له: لا أبا عبد الرحمن، أنت رجل عجمي، ليس يكلّمك أحدُ إلا قطعته، لأيّ معنى!! فقال حاتم: معي ثلاث خِصال بها أظفر على خصمي. فقالوا: أيّ شئٍ هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا ما أخطا، وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه.فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فقال: سبحان الله، ما أعقله من رجل. وحدّث أبو جعفر الهروي (¬١)، قال: كنت مع حاتم وقد أراد الحجّ، فلمّا وصل إلى "بغداد"، قال لي: يا أبا جعفر، أحبّ أن ألقى أحمد ابن حنبل. فسألنا عن منزله، ومضينا إليه، فطرقت عليه الباب، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله، أخوك حاتم. قال: فسلّم عليه، ورحّب به، وقال بعد بشاشةٍ به: أخبرْني يا حاتم، فيم التخلّص من الناس؟ قال: يا أحمد، في ثلاث خصال. قال: وما هي؟ قال: أن تعطيهم مالك، ولا تأخذ من مالهم شيئا، وتقضي حقوقهم، ولا تستقضي أحدًا منهم حقّا لك، وتحتمل مكروههم، ولا تكره أحدًا منهم على شئ. قال: فأطرق أحمد ينكت بأصبعه (¬٢) على الأرض، ثم رفع رأسه. وقال: يا حاتم: إنها لشديدة. فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم. وروى الخطيب (¬٣) بسنده إلى الحسن بن علي العابد، أنه قال: سمعت حاتمًا لأصمّ، وقد سأله سائل: على أيّ شئٍ بنيت أمرك؟ فقال: على أربع خصال، على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي، وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو، وعلى أني لا أغيب عن الله تعالى طرفة عين.قال (¬١): وسمعت حاتمًا يقول له: إن صاحب خبر يجلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز. وقال له رجل (¬٢): بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد. فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد، وإنما زادي فيها أربعة أشياء. قال: وما هي؟ قال: أرى الدنيا كلّها ملكًا لله، وأرى الخلق كلّهم عباد الله وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلّها بيد الله، وأرى قضاء الله نافذًا في كلّ أرض. فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم، أنت تجوز به مفاوز الآخرة، فكيف مفاوز الدنيا!! وقال، ﵁ (¬٣): خرجت في سفر ومعي زاد، فنفد زادي في وسط البرية، فكان قلبي في البرية والحضر واحدًا. وذكر عن حاتم أنه قال (¬٤): لقينا الترك مرة، وكان بيننا جولة (¬٥)، فرماني تركي بوهق (¬٦) فأقلبني عن فرسي، ونزل عن دابّته، وقعد على صدري، وأخذ بلحيتي هذه الوافرة، وأخرج من خفّيه سكينًا ليذبحني بها، فوحق سيّدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه، إنما كان قلبي عند سيّدي، أنظر ماذا ينزل به القضاء منه، فقلت: سيّدي قضيت على أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين، إنما أنا لك وملكك، فبينا أنا أخاطب سيّدي وهو قاعد على صدري، آخذ بلحيتي ليذبحني، إذ رماه بعضالمسلمين بسمهم فما أخطأ حلقه، فسقط عني، فقمت أنا إليه، فأخذت السكّين من يده فذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيّد، حتى تروا من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمّهات. وروى (¬١) أن رجلًا جاء إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيّ شئٍ رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص. وكان أبو بكر الورّاق، يقول (¬٢): حاتم الأصمّ لقمان هذه الأمة. والسبب في تسميته بالأصمّ (¬٣) أن امرأة جاءت إليه تسأله عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها في تلك الحالة صوت، فخجلتْ، فقال حاتم: ارفعي صوتك. وأراها (¬٤) من نفسه أنه أصمّ، فسرت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت (¬٥). فغلب عليه اسم الأصمّ. ومحاسن حاتم وفضائله تجل عن الإحصاء، وتتجاوز حدّ الضبط، وفيما ذكرناه أدلّ دليل على علو شأنه، وحسن اعتقاده، وخلوص إيمانه. وكانت وفاته بواشجرد (¬٦)، عند رباط يقال له: سروند، على جبل فوق واشجرد، سنة سبع وثلاثين ومائتين. وله ولد يقال له: حسن، وقيل: يقال له خشكدا، والله تعالى أعلم. وقد ذكر لحاتم الأصمّ هذا صاحب "مناقب الأبرار، ومحاسن الأخيار" ترجمة واسعة، ضمنها شيئًا كثيرًا من زهدياته وحكمياته، لا بأسبإيرادها، أو إيراد خلاصتها، فإن غالبه ينبغي أن يكتب بماء الذهب على صفحات الخدود. قال حاتم (¬١): من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت، موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر؛ فالموت الأبيض الجوع، والأسود الاحتمال لأذى الناس، والأحمر مخالفة النفس، والأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض. وقال: العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر ضيف (¬٢)، وتجهيز الميت إذا ماتَ، وتزويج البكر إذا بلغت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب. وقال: من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلّب في رضا الله تعالى؛ أولها الثقة بالله تعالى، ثم التوكّل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلّها تتم بالمعرفة، فالواثق (¬٣) برزقه لا يفرح بالغنى، ولا يهتم بالفقر، ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر. وقال (¬٤): أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والحبّ. وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص، والحسد. فما (¬٥) يأخذه المنافق من الدنيا يأخذه بالحرص، ويمنعه بالشكّ، وينفقه بالرياء، والمؤمن يأخذ الخوف، ويمسك بالشدّة، وينفق في الطاعة، خالصًا [لله تعالى] (¬٦).وقال (¬١): اطلب نفسك فِي أربعة أشياء: العمل الصالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منة، والإمساك بغير بخل. وقال (¬٢): ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل، وما تلبس، وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر. وقال له رجل: ما تشتهي؟ فقال: اشتهي عافية يوم (¬٣) إلى الليل. فقيل له: أليست الأيام كلّها عافية؟ فقال: إن عافية يومي أن لا أعصي الله تعالى فيه. وقال (¬٤): أربعةٌ يندمون على أربع (¬٥): المقصر إذا فاته العمل، والمنقطع عن أصدقائه إذا نابته نائبة، والممكن منه عدوه بسوء رأيه، والجريء على الذنوب. وقال (¬٦): الزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة، والجنة عاشقة، وتعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فتذكر نظر الله تعالى إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله تعالى إياك، وإذا سكت فاذكر علم الله تعالى فيك. وقال له رجل (¬٧): عظني. فقال: إن كنت تريد أن تعصي مولاك فاعصه في موضع لا يراك. يعني أن الله تعالى يعلم السر والجهر، ولا يخفى عليه شئٌ، ومن علم أن أفعاله وأقواله لا تخفى على الله تعالى، وأن الله مطلع عليه، وناظر إليه، يقبح منه العصيان، واتباع الشيطان، ويكون ذا جرأة على الله تعالى، وقليل الحياء منه، نعوذ بالله من ذلك.وقال (¬١) من ادعى ثلاثًا بغير ثلاث فهو كذّاب: من ادّعى حبّ الله تعالى من غير ورع، عن محارمه فهو كذّاب. ومن ادعى حبّ الجنة من غير إنفاق ماله [في طاعة الله تعالى] (¬٢) فهو كذّاب، ومن ادعى حُبّ النبي ﷺ من غير محبة الفقراء (¬٣) فهو كذاب. وروى أن عصام بن يوسف مر بحاتم الأصم، وهو يتكلم في مجلسه، فقال له: يا حاتم، تُحسن تصلي؟ قال: نعم. قال: كيف تُصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأقف بالخشية، وأدخل بالنية، وأكير بالعظمة وأقرأ بالترتيل، وأركع وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتمام، وأسلم بالوقار والسنة، وأسلمها إلى الله تعالى بالإخلاص، وأرجع إلى نفسي بالخوف أن لا يقبلها مني، وأحفظ بالجهد إلى الموت. فقال له: تكلم، فأنت تحسن تصلي. وروي أن شقيقا البلخي قال لحاتم الأصمّ: ما الذي تعلمت مني منذ صحبتني؟ قال: ستة أشياء: الأول، رأيت الناس كلّهم في شك من أمر الرزق، فتوكّلت على الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (¬٤) فعلمت أني من جملة الدواب فلم أشغل نفسي بشيءٍ قد تكفّل لي به ربّي. قاله: أحسنت. والثاني، رأيت أن لكلّ إنسان صديقًا يفئ إليه بسره، ويشكو إليه أمره، فاتخذت لي صديقًا يكون لي بعد الموت، وهو فعل الخير، فصادقته ليكون عونًا لي عند الحساب، ويجوز معي على الصراط، ويثبتني بين يدي الله تعالى. قال: أحسنت.والثالث، رأيت لكلّ أحدٍ من الناس عدوا، فقلت: أنظر من عدوّي، فرأيت من اغتابني أو أخذ (¬١) من مالي أو ظلمني فليس عدوّي، ولكن عدوّي الذي إذا كنت في طاعة الله تعالى أمرني بمعصيته، فرأيت أن ذلك إبليس اللعين وجنوده، فاتخذتهم أعْداء، ووضعت الحرب بيني وبينهم، ووترت قوسي، وفوقت سهمي، ولا أدع أحدًا منهم يقربني. قال: أحسنت. والرابع، رأيت كل واحدٍ من الناس له طالب، فرأيت أن ذلك الطالب ملك الموت، ففرغت نفسي له، حتى إذا جاء بادرت معه بلا علاقة. قال: أحسنت. والخامس، نظرت في الخلق، فأحببت واحدًا وأبغضت واحدًا، فالذي أحببته لم يعطني شيئًا، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئًا، فقلت: من أين أتيت؟ فنظرت، فإذا هو الحسد، فنفيته عني، وأحببت الناس كلهم، فكل شئٍ لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم. قال: أحسنت. والسادس، رأيت كلّ واحد من الناس له بيت يسكنه ويأوى إليه، فرأيت مسكني القبر، فكلّ شيءٍ قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي، حتى أعمر قبري، فإن القبر إذا كان خرابًا، لا يمكن المقام فيه. فقال له شقيق: يكفيك، ولست بمحتاج إلى غيره. وقال: الزاهد يُذيب كيسه قبل نفسه، والمتزهّد يذيب نفسه قبل كيسه، ولكلّ شئٍ زينةٌ، وزينة العبادة الخوف، وعلامة الخوف قصر الأمل. وقال، رحمه الله تعالى، ما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، وهو: لا تغتر بموضع صالح، فلا مكان أصلح من الجنة، لقي فيها آدم عليه الصلاةوالسلام ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة، فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم؛ فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم، فانظر ماذا لقي، ولا تغتر برؤية الصالحين، فلا شخص أكبر ولا أصلح من المصطفى ﷺ، لم تنتفع بلقائه أقاربه وصاروا أعداءه. وعن أبي عبد الله الخواص، قال: دخلت مع أبي عبد الرحمن حاتم الأصم إلى "الري"، ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلًا يريدون (¬١) الحج، وعليهم الصوف والرزمانقات (¬٢)، وليس فيهم من معه طعام ولا جِراب، فنزلنا على رجل من التجار متنسك يحب الصالحين، فأضافنا تلك الليلة، فلما كان من الغد، قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، ألك حاجة، فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا وهو مريض؟ فقال حاتم: إن كان لكم فقيهٌ عليل، فعيادة الفقيه فيها فضل كثير، والنظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضًا أجئ معك. وكان المريض محمد بن مقاتل (¬٣)، قاضي "الري"، فقال: مر بنا يا أبا عبد الرحمن. فجاءوا إلى باب داره، فإذا البوّاب كأنه أمير مسلط، فبقى حاتم متفكّرًا يقول: باب دار عالم على هذه الحال!! ثم أذن لهم فدخلوا، وإذا بدارٍ قوراء (¬٤)، وآلهٍ حسنة، وبزة وفرش وستور، فبقي حاتم متفكرًا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذي فيه محمد بن مقاتل، وإذا بفراش حسن وطئٍ ممهد، وهو راقد عليه، وعند رأسه خدمه، والناس وقوف. فقعد الرازي وسأل عن حاله، وبقى حاتم قائمًا، وأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده: اجلس.فقال حاتم: لا أجلس. فقال له محمد بن مقاتل: فلك حاجة؟ فقال: نعم. فقال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: سلني. قال حاتم: قم فاستو جالسًا حتى أسألك عنها. فأمر غلمانه فأسندوه. فقال له حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ فقال: حدّثني به الثقات. قال: عن من؟ وقال: عن الثقات من الأئمة. قال: عن من أخذوه؟ فقال: عن التابعين. قال: والتابعون عن من أخذوه؟ فقال: عن أصحاب رسول الله ﷺ. قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عن من أخذوه؟ قال: عن رسول الله ﷺ. قال: ورسول الله ﷺ عن من أخذه؟ قال: عن جبريل ﵊، عن الله ﷿. فقال له حاتم: ففيما أداه جبريل عن الله تعالى إلى النبي ﷺ، وأداه النبي ﷺ إلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم، وأداه أصحابه إلى تابعيهم، وأداه التابعون إلى الأئمة، وأداه الأئمة إلى الثقات، وأداه الثقات إليك، هل سمعت أن من كانت داره في الدنيا أحسن، وفراشه أجمل، وزيّنته أكثر، كانت له المنزلة عند الله تعالى أعظم؟ فقال: لا. قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت من زهد في الدنيا، ورغب في الآخرة، وأحبّ المساكين، وقدم لآخرته، كان عند الله تعالى له المنزلة أكثر، وإليه أقرب.قال حاتم: فأنت بمن اقتديت، بالنبي ﷺ أو بأصحابه، أو بالتابعين من بعدهم، والصالحين على أثرهم، أو بفرعون ونمرود، أول من بنى بالجصّ والآجرّ؟ يا علماء السوء مثلكم إذا رآه الجاهل المتكالب على الدنيا، الراغب فيها يقول: إذا كان هذا العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شرًا منه. قال: ثم خرج من عنده، وازداد محمد بن مقاتل مرضًا على مرضه من كلامه. وبلغ أهل "الري" [ما جري بين حاتم وبين ابن مقاتل] (¬١)، فقالوا لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، إن محمد بن عبيد الطنافسي بقزوين، أكبر سنًا من هذا، وهو غريق في الدنيا. قال (¬٢): فصار حاتم إليه متعمدًا، ودخل عليه، وعنده الخلق مجتمعون يحدثهم، فقال له حاتم: رحمك الله، أنا رجل عجمي، جئتك لتعلمني مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: نعم وكرامة، يا غلام، إناءً فيه ماء. فجاءه بالإناء، وقعد محمد بن عبيد يتوضأ ثلاثًا، ثم قال له: هكذا فاصنع. قال حاتم: مكانك، رحمك الله، حتى أتوضّأ بين يديك، ليكون آكد لما أريد. فقام الطنافسي، وقعد حاتم مكانه فتوضّأ، وغسل وجهه ثلاثًا، حتى إذا بلغ الذراع غسله أربعًا. فقال له الطنافسي: يا هذا، أسرفت.فقال له حاتم: فيماذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعًا. فقال له حاتم: سبحان الله تعالى، أنا أسرفت في كفّ من الماء، وأنت في جميع هذا الذي أراه كله لم تسرف!! فعلم الطنافسي أنه قصد منه ذلك، ولم يرد أن يتعلم منه شيئًا، فدخل إلى البيت، ولم يخرج إلى الناس أربعين يومًا. كتب تجار "الري" إلى "بغداد" بما جرى بين حاتم وبين محمد بن مقاتل، ومحمد بن عبيد الطنافسيّ، ثم رحل حاتم إلى "العراق"، ودخل "بغداد"، واجتمع بعلمائها كما تقدم في أوائل الترجمة. ثم خرج إلى "الحجاز"، فلمّا صار (¬١) إلى "المدينة الشريفة"، أحبّ أن ينظر علماءها، فقال لهم: يا قوم، أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة الرسول ﷺ. قال: فأين قصر رسول الله ﷺ لأصلي فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطي (¬٢). قال: قصور أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ قالوا: ما لهم إلا بيوت لاطية. فقال حاتم: يا قوم، هذه مدينة فرعون. قال: فلببوه (¬٣) وذهبوا به إلى الوالي، فقالوا: هذا العجمي (¬٤) يقول: هذه مدينة فرعون. فقال له الوالي: لم قلت ذلك؟ فقال له حاتم: لا تعجل علي أيها الأمير، أنا رجل غريب، دخلت هذه المدينة، فسألت: أيّ مدينة هذه؟فقالوا: مدينة الرسول ﷺ. فقلت: وأين قصر الرسول ﷺ لأصلى فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطي. قلت: فقصور (¬١) أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ قالوا: ما لهم إلا بيوت لاطية. وسمعت الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (¬٢)، فأنتم بمن تأسيتم؛ برسول الله ﷺ، أو بأصحابه، أو بفرعون أول من بنى بالجصّ والآجرّ؟ فخلوا عنه، وعرفوا أنه حاتم الأصمّ، وعلموا (¬٣) قصده. وكان كلما دخل "المدينة" يكون له مجلس عند قبر الني ﷺ، يحدّث ويدعو، فاجتمع إليه مرة علماء "المدينة"، وقالوا: تعالوا نخجله في مجلسه، كما فعل بنا عند الوالي. فحضروا عنده وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال له واحد: يا أبا عبد الرحمن مسألة. قال: سل. قال: ما تقول في رجل يقول: اللهم ارزقني. قال حاتم: متى طلب هذا العبد الرزق من ربه ﷿، في الوقت، أو قبل الوقت، أو بعد الوقت؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ليس نفهم عنك هذا. فقال حاتم: أنا أضرب لكم مثلًا حتى تفهموه، مثل العبد الذي طلب الرزق من ربه تعالى قبل الوقت كمثل رجل كان له على رجل دين، فطالبه به، وقعد يلازمه، فاجتمع جيرانه وقالوا له: هذا رجل معدم، لا شئ له، فأَجّلْهُ في هذا الحق حتى يحتال ويعطيك. فقال لهم: كم تريدون أؤجله؟قالوا: شهرًا. فتركه وانصرف، فلما كان بعد عشرة أيام جاء واقتضاه، فقام جيرانه فقالوا: سبحان الله، أجلته بين أيدينا شهرًا، ثم جئت تقتضيه بعد عشرة أيام. فتركه وانصرف، فلما كان محل الشهر جاء فاقتضاه، فقال الجيران: إنما حل لك اليوم، دعه إلى بعد المحل ثلاثًا. فهذا مثل العبد الذي يطلب الرزق من ربه ﷿. ثم قال: عندكم أثاث، ودراهم في أكياسكم، وطعامكم في بيوتكم، وأنتم تقولون: اللهم ارزقنا. فقد رزقكم. كلوا وأطعموا إخوانكم المؤمنين، حتى إذا فني أقيموا بعده ثلاثًا، ثم سلوا ربكم ﷿، عسى أن يموت أحدكم غدًا وعنده ما يخلف على الأعداء، وهو يسأل الله أن يزيده في رزقه، ما هذه الغفلة؟ فقالوا: نستغفر الله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا بالمسألة إلا إعناتك. ثم انصرفوا عنه. هذا ما نقلناه بعد أن اخترناه من كتاب "مناقب الأبرار" لابن خميس، رحمه الله تعالى، وفيه كفاية لمن أراد الوقوف على أخبار حاتم، وأوصافه، وطريقته التي كان عليها، ولو أردنا أن نجمع من ذلك جميع ما رأيناه منقولًا عنه في كتب القوم لطالت الترجمة، وخرجنا عن المقصود، وخشينا من السامة على من يطالع الكتاب، ممن لم يذق حلاوة المحبة، ولا دخل إليها من باب. ونسأل الله الكريم، ونتوسل إليه بنبيه العظيم، وبجميع أنبيائه وسائر أوليائه، وبصاحب هذه الترجمة حاتم بن عنوان (¬١)، صلى الله عليهم وسلم، وشرف وكرم، أن ترزقنا محبتهم، وتسلكنا طريقتهم، وتجمعنا بهم في مستقر رحمتك، من غير عذاب يسبق، يا أرحم الراحمين، يا مجيب السائلين، أمين. * * *

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • KadhdhabKadhdhab

    الله تعالى من غير ورع، عن محارمه فهو كذّاب. ومن ادعى حبّ الجنة من غير إنفاق ماله [في طاعة الله تعالى] (¬٢) فهو كذّاب، ومن ادعى حُبّ النبي ﷺ من غير محبة الفقراء (¬٣) فهو كذاب. وروى أن عصام بن يوسف مر بحاتم الأصم، وهو يتكلم في مجلسه، فقال له: يا حاتم، تُحسن تصلي؟ قال: نعم. قال: كيف تُصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأقف بالخشية، وأدخل بالنية، وأكي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    جهيز الميت إذا ماتَ، وتزويج البكر إذا بلغت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب. وقال: من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلّب في رضا الله تعالى؛ أولها الثقة بالله تعالى، ثم التوكّل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلّها تتم بالمعرفة، فالواثق (¬٣) برزقه لا يفرح بالغنى، ولا يهتم بالفقر، ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر. وقال (¬٤

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    حتى تروا من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمّهات. وروى (¬١) أن رجلًا جاء إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيّ شئٍ رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص. وكان أبو بكر الورّاق، يقول (¬٢): حاتم الأصمّ لقمان هذه الأمة. والسبب في تسميته بالأصمّ (¬٣) أن امرأة جاءت إليه تسأله عن مسألة، فاتفق أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Death Year Ah

    6

    وفيما ذكرناه أدلّ دليل على علو شأنه، وحسن اعتقاده، وخلوص إيمانه. وكانت وفاته بواشجرد (¬٦)، عند رباط يقال له: سروند، على جبل فوق واشجرد، سنة سبع وثلاثين ومائتين.

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو عبد الرحمن

    الشيخ الفاضل حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، الزاهد الأصمّ

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Kunya

    أبو محمد

    الشيخ الفاضل حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، الزاهد الأصمّ

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Nisba

    البلخي

    معروفًا بالورع والتقشّف، وله كلام مدوّن في الزهد والحكم، وأسند الحديق عن شقيق بن إبراهيم البلخي، وغيره. وصحب عصام بن يوسف البلخي الإمام، وكان بينهما مباحث ومناظرات، وأهدى إليه عصام مرّة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    البلخي

    معروفًا بالورع والتقشّف، وله كلام مدوّن في الزهد والحكم، وأسند الحديق عن شقيق بن إبراهيم البلخي، وغيره. وصحب عصام بن يوسف البلخي الإمام، وكان بينهما مباحث ومناظرات، وأهدى إليه عصام مرّة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
189673
Book record
shamela-819
Source record
81422
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate