page 1797, entry [1423]Open original source
١٠٨٤ - الشيخ بالي الخلوتي المعروف بسكران *. كان أبوه معلّما للسلطان أحمد ابن السلطان بايزيد خان، فلمّا غالته المنية، وفاته حصول الأمنية من السلطنة العظمى والمملكة الكبرى، وسلم زمام الزمان، وعنان الأوان إلى يد السلطان سليم استقضاه في بعض البلاد، وعينه للحكم بين العباد. وولد ﵀ ببلدة "تيره" من لواء الدين، ونشأ في طلب العلم وتحصيل الفضائل وصاحب الأكابر والأفاضل، وجدّ واجتهد، وكان منه ما كان، حتى صار ملازما من المولى خير الدين معلّم السلطان، ثم درّس بمدرسة خواجه سنان المعروف بكينكجي في مدينة "قسطنطينية" بخمسة وعشرين، فعامل الطلبة بالدرس والإفادة، مع اشتغاله بالزهد والعبادة، ثم ترك التدريس، وسلك مسلك الصوفية السادة، وكان سبب فراغه على ما حكى أنه رأى في منامه وهو في أوائل طلبه بمدينة "بروسه" أنه يمشي في بعض الطرق، فسمع أصواتا عالية، فقصدها، فإذا بقوم من الصوفية قعدوا يذكرون الله تعالى، ويرفعون أصواتهم بالذكر الجميل، ويزينونها بمفاخر التمجيد والتهليل، فتقرّب منهم، فإذا برجل مراقب في ناحية منهم، فلمّاوقع نظره عليه رفع رأسه، وأشار بيده، ودعا إليه، فلمّا حصل عنده قال له" لم لم تدخل في هذه الحلقة، ولا تلتحق بتلك الطائفة؟ فأجاب بأن في قلبي ما يمنعني عن ذلك، ويعوقني عنه، وهو إتمام مراسم الطريق، وإحراز مآثر العلوم الظاهرة، والاجتماع بالمولى الفلاني، والاشتغال عليه، فإذا حصل إلي ذلك لا يبقى في خاطري ما يشوش عليّ، فألتحق بكم، وأدخل في مذهبكم، ولما انتبه ومضى عليه الستون، وتنقّلت به الأحوال والشؤون، وهو مكبّ على الطلب والاشتغال واكتساب الفضل والكمال، إلى أن أتى "قسطنطينية" فبين هو يسير في بعض طرقاتها بزمرة من خلانه، وطائفة من إخوانه، فإذا بأصوات عالية تخرج من زاوية، فقصد المرحوم هذا المكان بمن عنده من الأصحاب والخلان، فإذا بقوم يذكرون الله المجيد، ويرفعون أصواتهم بالتمجيد والتوحيد، وصفت الملائكة بهم، وأنزلت السكينة في قلوبهم، فقرب منهم فإذا براجل مراقب يراصد ربّه، ويراقب، فلمّا حضر عنده قال ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، واعلم أن المولى الفلاني قد مات، وذهب عرض الاشتغال عليه، وفات، فتأمّله المرحوم، فإذا هو الذي رأى في المنام، وجرى بينهما من الكلام، فلم يؤخر في الإنابة والابتهال، وتاب على يده في الحال .. ثم سأل عن الرجل فإذا هو الشيخ رمضان، والزاوية زاوية علي باشا، وكان الشيخ رمضان المزبور معدودا من الرجال، ومعروفا بالفضل والكمال، صاحب الكرامات الجلية، والمراتب العلية منها ما حكاه المرحوم. وقال إني كنت في بعض الأحيان عند الشيخ إذ دخل عليه شخص، وسلّم عليه، وقال: إن المولى محي الدين المشتهر بجوي زاده يسلّم عليكم، ويسألكم عن فصوص الشيخ ابن العربي، هو على الحق أو الباطل، وكانالمولى المزبور معروفا بتبطيله، ومشهورا بالتعصّب عليه، فلمّا سمعه الشيخ غضب، وقال ما يطلب من أرسلك من الشيخ، وهل يريد الاطلاع على درر مكامن هذا الكتاب، وغرر ما في تضاعيفه مع أكله في كلّ يوم سبع مرّات، وشبعه من الحرام، والشيخ قدّس سرّه ما كتبه إلا بعد ما ارتاض خمس عشرة سنة، فعاد الرسول بأسوأ وجه وأقبح صورة. قال المرحوم: فقلت له: لو تلطّفتم به، وداريتم فى الجواب لكان أسلم لكم ولأحبابكم، بعدكم، فإن له قدرة على الجفا والأذى، فقال: لا بأس بهم، غاية الأمر أنهم يعقدون مجلسا، ويدعونني إليه، فنجعل هكذا. قال المرحوم لما تكلّم الشيخ هذه الكلمة جذب جيبه على وجهه، فغاب عن موضعه، الذي هو فيه، فأخذتْني الحيرة والاضطراب، وأحاطتْ بي الدهشة إلى أن جاء، وحضر بعد ساعة، وقال: هكذا نفعل إذا اضطررنا، فقلت له يا سيدي! هل هو من علم السيمياء؟ قال: لا، ولكن يحصل للنفوس الناطقة بسبب المجاهدات الشاقّة والرياضات الصادقة، اتصال بالمجرّدات، فتقتدر على إعدام بدنها وإيداعها في آن، وكذا يحصل لها القدرة على ما يشبههما من الأفاعيل العجيبة والأمور الغريبة، ولنعد إلى ما كنا فيه، وهو أنه لما تاب على يد الشيخ وتلقن الذكر عنه، ودخل حجرة من حجرات الزاوية المزبورة لم يرض الشيخ بفراغه عما فيه بالكلية، فجمع بين الطريقين، حتى بلغ رتبة التدريس، وكان يخرج من الحجرة، ويذهب إلى المدرسة، ويدرّس فيها، ويعود إلى الحجرة، فيشتغل بالذكر إلى أن غلب عليه الحال، وانكشف المآل، وحبّب له الانقطاع والاعتزال، فترك التدريس والإفادة، وتمحّض للزهد والعبادة، إلى أن حصل، وكمل، وبلغ مراتب الكمل، وفوّض إليه المشيخة في زاوية داخل "قسطنطينية" فاشتغل بالإرشادوالإفادة وتربية أرباب الإرادة، إلى أن توفي ﵀ في شهر ذي القعدة سنة ثمانين وتسعمائة، وصلّى عليه في جامع السلطان محمد خان، واجتمع في جنازته خلق كثير لا يحصون عددا، ودفن في داخل "قسطنطينية" تجاه زاويته المزبورة، وبني على قبره. كان ﵀ عالما فاضلا، عابدا، صالحا، معرضا عن أبناء الدنيا، غير مكترث بالأغنياء، لم يدخل قطّ باب أمير، ولم يطأ مجلس وزير، لم يعبأ بأرباب الحكم والمناصب، ولم يتردّد إلى بابهم، ولم يتقيّد بما عندهم وما بهم، كلّما أرادوا صحبته، وأحبّوا رؤيته قابلهم بالاجتناب، ودفعهم بأحسن جواب. وكان ﵀ مشهورا بردّ صدقاتهم، ودفع عطياتهم، ومع ذلك ترك من النقد ما يقرب ثمانية آلاف دينار، وقوم سائر أملاكه بعشرة آلاف دينار، فتحير الناس في إقامة السبب، وقضوا منه العجب. وكان ﵀ في غاية الحبّ والميل إلي خيائر الخيل، وكان يكثر من اقتناء الصافنات، ويرسل بعضها إلى الأمراء الغزاة، وقد ذهب عمره بالتجرّد والانفراد، ولم يتقيّد بقيد الأهل والأولاد. وكان ﵀ صاحب جذبة عظيمة، وغاية قبول، وله في تعبير المنامات ما يبهَر العقول، ومن عادته ﵀ أنه يحضر في بعض الجنائز، فيلقن الميت، ويخاطبه على ما هو المعروف، فيسمع من الميت صوته الذي يسمع منه في حياته، مجيبا عما يسأله، وقد سمعه غير واحد من العلماء الأعيان في متفرّقات الأحيان، ومن ذلك طعنه على علماء أوانه ومشايخ زمانه، خصوصا الشيخ مصلح الدين المشتهر بنور الدين زاده، فإنه حصل بينهما وحشة عظيمة، فإنه كان يطعن فيه على الفعل المزبور، ويقول: إنهبدعة ابتدعها، ولم يسبقْ إليها أحد من المشايخ العظام والأفاضل الكرام، وهو يجيب بأن ساحة الكرامات متّسعة، ورتبة الأولياء متفاوتة، ولا يضرّنا عدم السبق فيه. وكان يطعن المرحوم فيه بسبب تردّده إلى باب الأغنياء، ودخوله مجالس الوزراء والأمراء، ويحتج من منع في القليل والكثير، ببئس الفقير على باب الأمير، وهو مجيب عن سؤاله، ويخبر عما في باله، بأن ذلك يتضمّن إصلاح بعض الأمور التي تتكفّل مصالح الجمهور وإعانة الأخ المسلم، وإغاثة المظلوم، وإنجائه من يد الظالم. وكان الناس في أمرهما فرقتين، وفي تحقيقهما فئتين، فمنهم مَنْ يرجّح ذاك على هذا، ويعدّ مسلكه أحسنَ المسالك. * * *