page 1403, entry [1087]Open original source
٧٧٣ - الشيخ الفاضل الداعية الكبير الزاهد الشيخ الحكيم أختر بن محمد حسين، رحمه الله تعالى * *. ولد في سنة ١٣٤٦ هـ في "برتابكر" بالقسم الشمالي من "الهند"، وكانت أسرته ذات مكانة وقدر عظيم في بلدهم.وكان والده موظّفا حكوميا، وكان له من الأولاد ابنه هذا بالإضافة إلى بنتين، وكان يحبّه حبًا شديدًا. بعد انتهاء الشيخ من مراحل الدراسة الأولية استأذن أباه في الذهاب إلى جامعة دار العلوم، لتحصيل العلم الديني، إلا أن أباه أمره بدراسة الطبّ المعتمد على الأعشاب، ثم لينشغل بالعلوم الدينية بعد ذلك. وقد حاول الشيخ الاعتذار، لأنه لم يكن يطيب لقلبه الاشتغال بالعلوم الدنيوية، لكن لم يكن له أمام إصرار الوالد غير مجاهدة نفسه على تقضية تلك السنوات. وبعد مدّة أصرّ عليه والده كي يذهب إلى مدينة "إله آباد" ليتعلّم الطبّ في جامعة شهيرة بتدريس الطبّ، ففعل، وأقام هناك عند عمّته مستمرّا على حاله السابقة من الاشتغال بذكر الله تعالى. ومع أنه لم يكن يرغب حينها في الطبّ، إلا أنه يدعو الآن لأبيه بالخير حيث أنه يشعر بفائدة عظيمة لاشتغاله بالطبّ، حيث أنه يوجّه تلاميذه إلى أن يكونوا في حدود الاعتدال، فلا يجهدوا نفوسهم في الأعمال الدعوية أو النوافل، إلا بقدر ما تتحمّله صحة الواحد منهم، بحيث لا تتأثر نفسه بالإرهاق الذهني أو الجسدي، أو يؤدّي بها إلى الانطوائية والأمراض النفسية. اختار الشيخ محمد أختر أن يتزوّج امرأة من قرية "كوتله" القريبة من "أعظم كر"، لأنها كانت مشهورة في قريتها بصلاحها وتديّنها، بالرغم من أنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وقد كانت كثيرة التلاوة. وكانت نعم المعين له موافقة له في كلّ حال، ولم تضايقه أبدًا، ولما رأت شدّة محبته لشيخه عبد الغني أذنت له بطيب نفس في الذهاب إليه متى شاء، وحين هاجر شيخه عبد الغني سنة ١٣٧٩ هـ إلى "كراتشي" في"باكستان" هاجر الشيخ معه أراد أن يصطحب زوجته معه، وابنهما الصغير محمد مظهر، ولكنه لم يتمكّن، حتى مرّت سنة كاملة، فبقيت تلك الفترة كلّها صابرة. وقد رزق منها أولادًا بقي منهم ابنه العالم الجليل الشيخ محمد مظهر، الذي قرأ "صحيح البخاري" على الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي، عن الشيخ محمد أنور شاه الكشميري. ومن اللطائف: أن الشيخ محمد أختر لما توفيت زوجته قام حزينًا، واعتنق ابنه الشيخ محمد مظهر، وقبّل جبهته، ثم أمره أن يحضر جواز سفرها، فلمّا جاء به قطع منه صورتها وشقّها، وقال كانت جائزة للضرورة، والآن لا يجوز إبقاؤها. وذلك لأن الشيخ يرى حرمة التصوير الفوتوغرافي إذا تعلّق بذوات الأرواح إلا للضرورة، وهو رأي كثيرين من أهل العلم، وهو الأحوط، كما لا يخفى. برع الشيخ في مهنته، حتى بلغ مستوى عاليا فيها، وحاز مكانة رفيعة، وعمل في ثلاث مستشفيات، لكن نفسه المتلهفة على العلم الشرعي لم تدع له رغبة في الاستمرار في عمله، بل اشتدّت رغبته في طلب الشيخ المصلح، الذي يتلقّى عنه العلم، وتزكية النفس في آن واحد. يصرح الشيخ بأن العنوان الذي يتبنّاه، ويلتزم الانتساب إليه هو أهل السنة والجماعة، وهو ينتسب إلى المذهب الحنفي. وباعتبار الاستفادة والتلمّذ ينتسب إلى شيوخه الثلاثة، وباعتبار العمل المهني يوصف بأنه طبيب. وأما باعتبار منهجه في خدمة الدين واشتغاله اليومي فالشيخ يفضّل الانتساب إلى تعلم الدين وتعليمه بما يشمله هذا الاسم الكريم من أمورمتعددة، له في كلٍ منها مشاركة جيّدة فهو مستحضر لآيات القرآن الكريم، ماهر في التفسير، وقد كان يغني طالبه في هذا الباب بحيث يتقنه في ستة أشهر، يكاد يستحضر كثيرا من تفسير العلامة الآلوسي، وهو واعظ، وشاعر، مؤثر، بارع للغاية في الوعظ والشعر المتعلّق به، قلّ نظيره في ذلك، وله معرفة حسنة بالحديث الشريف، واطلاع جيّد على رجاله، حتى ليخيّل لسامعه أنه يحفظ أحاديث "مشكاة المصابيح" برواتها، ومن أخرجها عنهم، ويسرد مقاطع من حفظه من "شرحه" للملا علي القاري، وقد غلب عليه علم الحديث الشريف، حتى لم يحب أن يعرف إلا به. أسّس الشيخ في كراتشي جامعة إسلامية يتعلّم فيها طلاب العلم، الذين يبلغ عددُهم نحو أربعة آلاف متدرّجين من تعلم قراءة القرآن، وهى أولى مراحل الدراسة حسب النظام المعهود في تلك البلاد، حتى يصلوا إلى إكمال كتب الحديث رواية عن مشايخهم، كما أسّس مسجدا، ومعهما مجلس لوعظه، ويشرف على أعماله المذكورة ابنه. وفق الله الشيخ لتأليف عدد من الكتب، كما جمعت مجموعة كبيرة من إرشاداته ومواعظه، وغالبها باللغة الأردية، ومن بينها رسالة عن أقسام الصبر بالعربية. كان الشيخ قد بدأ الوعظ كما سبق في سنة ١٣٨٩ هـ، وكان يعظ الناس، ويعلّمهم ذاكرا الأدلة، مركزا على العمل، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر برفق. وأما بعد مرضه الأخير فقد صار يحضر في مجالس الوعظ والتعليم، فيقرأ تلاميذه بعض كتبه السابقة، أو يقرّرون بحضرته ما يوفّقهم الله إليه من الوعظ والتعليم، وهو منصت يوجِّه، ويكمّل، ويرشد بكلمات يسيرة، تضيف على الحاضرين أثرا كبيرا، وغالبا ما يقرؤون شيئًا من أشعاره المؤثرة.يروي الشيخ محمد أختر "صحيح البخاري" قراءة وإجازة عن شيخه عبد الغني البهولبوري، عن الشيخ ماجد علي الجونفوري، عن الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، عن الشيخ عبد الغني الدهلوي، عن أبيه وعن الشيخ محمد إسحاق، عن الشيخ عبد العزيز، عن أبيه الإمام ولي الله الدهلوي بأسانيده. ومنها روايتُه "صحيح البخاري" سماعا لجميعه عن الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي المدني، عن أبيه الملا إبراهيم، عن القشاشي، عن الشناوي، عن الشمس الرملي، عن زكريا الأنصاري، ويروي الملا إبراهيم عاليا عن النجم الغزي، عن أبيه البدر، عن الشيخ زكريا الأنصاري، عن الحافظ ابن حجر العسقلاني، سماعا عليه لكثير منه، وإجازة لسائره. قال: أخبرنا به جماعة منهم أبو إسحاق إبراهيم البعلي، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجّار، قال: أخبرنا الحسين بن المبارك الزَّبيدي، قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي الهروي، قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه الحموي السرخسي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ﵀ وإياهم جميعا. كما يروي "صحيح مسلم" قراءة وإجازة عن الشيخ محمد مسلم الجونفوري، عن الشيخ ماجد علي الجونفوري، وهو عن الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، عن الشيخ عبد الغني الدهلوي، عن أبيه وعن الشيخ محمد إسحاق، عن الشيخ عبد العزيز، عن أبيه الإمام ولي الله الدهلوي، قال: أخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن إبراهيم الكوراني، عن أبيه محدّث الحجاز إبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوري، عن سلطان بن أحمد المزّاحيالأزهري، قال: أخبرنا الشيخ أحمد بن خليل السبكي، عن نجم الدين محمد بن أحمد الغيطي، عن شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري بقراءته لجميعه على الحافظ أبي النّعيم رضوان بن محمد العقبي بسماعه لجميعه بقراءة الحافظ بن حجر في أربعة مجالس سوى مجلس الختم على الإمام شرف الدين أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف ابن الكُويك الرّبَعي المصري، بسماعه له على أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي ثم الصالحي، بسماعه لجميعه على أبي العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة النابلسي، سماعًا لجميعه على أبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحرّاني، عن الشيخ الإمام الفقيه محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد الصاعدي الفُراوي قراءة عليه، وهو يسمع عن الشيخ الزكي عبد الغافر بن محمد بن الفارسي، قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عَمرويه بن منصور الجُلودي ﵁ سنة خمس وستين وثلاثمائة. قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الزاهد، قال: سمعتُ مسلم بن الحجّاج ﵀ يقول، إلا في ثلاثة أفوات معلومة فبالإِجازة أو الوجادة، والله أعلم. وقد أجاز الشيخ طائفة من أهل العلم برواية الصحيحين عنه. من تصانيفه: "الصراط المستقيم"، والمعية الإلهية"، و"المعرفة الإلهية"، و"دستور تزكية النفس"، و"تكميل الأجر بتحصيل الصبر"، و"المحبة الإلهية"، و"معارف المثنوي"، وغيرها، كلها بالأردية. توفي بين صلاة العصر والمغرب يوم الأحد ٢٢ رجب سنة ١٤٣٤ هـ، رحمه الله تعالى. * * *