page 1165, entry [847]Open original source
نهوضه بالتعليم والتدريس: ولما بلغ والد الشيخ أحمد: (الشيخ محمد) سنّ الشيوخة، وجاوزَ الخامسة والسبعين من العمر، اعتزلَ التدريسَ لكبر سنّه، ولضعف الشيخوخة الذي ما عاد يتمكّن معه من الاستمرار على ما كان عليه من الجولان العلميّ الرفيع، الذي تميّزتْ به دروسه ومجالسه. فتوجّهت الأنظار إلى نجله الشيخ أحمد، ليقوم مقام والده، ويملأ الفراغ الكبير الذي كان بسبب تخلّي والده عن التدريس، فأُسْنِدت إليه وظائفُ والده في المدرسة الشعبانية، وفي جامع آل الأميري (جامع الخير)، وفي الجامع الأموى الكبير، والتفَّ عليه فريقٌ من تلاميذ والده القدماء المتفقّهين، الذين شاهدوا فيه التقدّم والنبوغ والضلاعة في الفقه، ولازموا دروسه مع آخرين من الطلّاب الجُدُد، فنهض بالأمانة على الوجه الأكمل، وتلقّى رأية العلم باليمين، وقاد الأفواج التي كانت تؤمّ والده، فحلّ محلّ والده في نشر العلم والفقه على أحسن وجه. وكان إلى جانب فقاهة النفس التي أكرمه الله بها، والحصيلة العلمية الفقهية الثرة التي اكتنزها من والده: كثيرَ المطالعة في أمّهات كتب الفقه مطبوعها ومخطوطها، وما كانت مطالعته لها تلهيا أو تسليةبها، وإنما كان يقرءها كالمطالَب بنقدها وهضمها وتقديم الاختبار منها، كما عَهِدَ ذلك من والده. وكان له وَلَع شديد بتحقيق الأحكام، والوصول فيها إلى الغاية تمحيصا واستدلالا وتعليلا، مع التوجّه الدائم إلى معرفة الفروق الفقهية بين المسائل المتشابهة في الظاهر وأحكامُها مختلفة. وكان له دقّة نظر بالغة في توجيه تلك الفروق، شهد له بها أكابر المحصّلين من الشيوخ والطلبة، وكان له غرام فريد في تخريج الفروع والمسائل، وتنزيل الحوادث على الأصول والقواعد الفقهية. وكان يبسط هذا كلّه في دروسه وحلقاته العلمية بين يدي الطلبة، ليفقّههم وتستنير ملكاتهم العلمية به، فتغدو لهم ملكة فقهية متأصّلة في نفوسهم، تُسْعِفُهم في كلّ باب من أبواب الفقه، وكان يحبّ منهم المناقشة الهادفة، لأنه كما قال الخليفة المأمون العبّاسى: العلم على المناقشة أثبت منه على المتابعة. وكان جمّ التواضع للطلبة، يعلّمهم الفقه تدريسا، وآداب العلم والعلماء مجالسة ومحاورة وتحديثا. وكان لديه خبرة فائقة في كتابة الصكوك العقدية، دقيقا في توثيقها وتمتينها، واستيفاء شرائطها، حتى لا يرى فيها خلل، يُنْفَذ منه إلى إبطالها، بصيرا بنقد الأقضية، التى تصدُر عن المحاكم، فكان مرجعا للقضاة وذوي القضايا الشرعية، وقد اقتبس هذا من والده، الذي كان فريدا في هذا الباب. وبعد الحرب العالمية الأولى، والاحتلال الفرنسى للبلاد السورية بنحو سنتين، أنشأت مديرية الأوقاف الإسلامية بـ "حلب"، أول مدرسة شرعية نظامية، في بناء مدرسة وفقية كبرى، هي المدرسة الخسروية، التى أخرجتأجيالا تلوَ أجيال من طلبة العلم، الذين غدوا بعد ذلك من كبار علماء البلاد السورية، فعيّن الشيخ أستاذا لتدريس الفقه الحنفى في صفوفها العالية. ودرّس في هذه المدرسة الكبرى النظامية جملة من كنب الفقه المعتبرة، وكان من جملة ما قام بتدريسه فيها "القواعد الفقهية الكلية"، التي صُدِّرَتْ بها "مجلّة الأحكام العدلية"، وهى ٩٩ قاعدة. وكان الشيخ ابن بَجْدَة هذه المادة. ولما رأى إقبال الطلبة على هذه المادة، وتزايد تعلّقهم بها، رأى من المناسب أن يشرح تلك القواعد شرحا، يزيدها وضوحا وتمكينا وتطبيقا في نفوس الطلاب، وقد درّسها خلال سنوات طويلة نحو عشرين سنة، فشرحها شرحا يعدّ أفضل الشروح، التي كتبت عليها حتى الآن، وسيأتي الحديث عنه في الكلام على آثاره العلمية قريبا.