Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الشيخ الفاضل الفقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 1159, entry [846]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: الشيخ الفاضل الفقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا
page 1159, entry [846]Open original source
٥٣٩ - الشيخ الفاضل الفقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا * *. هو العلامة الفقيه المكين، والإمام العالم الرصين، والأديب المطّلع الأريب. ولد في مدينة "حلب" موطن أسرته حواليْ سنة ١٢٨٥ للهجرة (¬١).قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى: كان والده الشيخ محمد الزَّرقا فقيها وإماما من أئمة الفقه الحنفي في عصره، وإليه انتهت الكلمة في المذهب بين معاصريه، فكانوا إذا اختلفتْ آرائُهم في الفتوى أو في مسألة من مسائل الفقه العويصة رجعوا إليه، فسألوه، فإذا أبدى رأيهأقرّوا به جميعا، وسلّموا له، وله ترجمة حافلة واسعة في كتاب "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" لشيخنا وأستاذنا العلامة المحدّث المؤرّخ محمد راغب الطبّاخ، رحمه الله تعالى. وكان والده الشيخ محمد الزَّرقا فقيهَ النفس والبدن، ممتَّعا بمزايا علمية نادرة، وسجايا خلقية رفيعة، فاق بها أقرانه، فكان شيوخ العلم يقصدون مجلسه، ويحضرون حلقاته ودروسه، ليقتبسوا من علمه وحَصَافته، وذكائه الفريد وفطانته، فكان مجلسه دائما عامرا بالعلماء والمستفيدين من علماء المذهب، بل من غيرهم أيضا، لما يجدون في دروسه من حلّ المشكلات، وتذليل المعضِلات، ونثر الفوائد، التي قلّ أن توجد في الكتب. فنشأ الشيخ أحمد نجلُه في ظلّه، في هذا الجوّ العلمى الذي يقدح العزائم، ويحرّك الهمم، ويلهب مجامر القلوب بالتحصيل والعلم، فتلقّى أول الأمر القرآن الكريم تلاوة وتجويدا وحفظا، عن أضبط الحفّاظ المقرئين في مدينة "حلب" العبد الصالح: الشيخ محمد الحجّار، رحمه الله تعالى. ولما فرغ من حفظ القرآن وتجويده، توجّه إلى تلقّى العلم عن المشايخ المقرئين في المدارس الوقفية الكثيرة المنتشرة في مدينة "حلب"، وفي المساجد التي كانتْ تعقد فيها حَلَقَات العلوم الشرعية والعربية، تدريسا وتعليما للطلبة والمستفيدين. وكان الشيخ أحمد يتتبّع هذه الدروس العامرة في المساجد والمدارس، بنَهَم علمي شديد، ونفس زكية عطشَي، ويتلقّى علوم الشريعة والعربية، ويقرأ كتبها على أساتذتها المشهورين، وكان في القوم بقية من الأفذاذ العلماء النبغاء في كلّ علم، فأخذ عنهم، ودَرَس عليهم: التفسير والحديث والفقه والأصول والنحو وعلوم العربية والأدب والتاريخ والمنطق …وكان ذا فطنة وذكاء مشهود، فقاق أقرانه بسرعة عجيبة، واستوى له الفهم والعلم، وتمكّن في سنّ مبكرة أن يحضر حلقات والده، التي كانت فوق مستواه العمري، وكان لا يحضرُها إلا الطبقة العليا الكبار من ذوي العلم، فانتقل إلى الحضور مع هذه الطبقة العليا، وتلقّى عن والده الشيخ محمد الزرقا. ولم تمض مدّة يسيرة على هذا الدارس الناشئ النابه بين تلك الطبقة المتقدّمة، حتى ظهر استعدادُه الذهنّي البارق، وتفوقه العلمي الباهر، في الفهم والفقه، على كثير من تلامذة والده، الذين أمضوا في ملازمته السنين الطوال قبله، فكان على صغر سنّه فيهم يعدّ من أوائلهم وأكابرهم في حسن التحصيل، والتلقّي من الشيخ الكبير الوالد فقيه العصر، وبارك الله له في عمر والده، رحمه الله تعالى. فاستمرّ حضورُه لدروسه ومجالسه قُرَابَة ثُلُث قرن أكثر من ثلاثين سنة، حتى ارتوى من علومه، وتضلّعَ من معارفه وفهومه، وأخذَ عنه الفقه الحنفيّ وأصول الفقه والحديث والتفسير وغيرها، مما كان يجري سلسبيلُه على لسان والده الشيخ محمد في مجالسه وحلقات دروسه، التى كان الشيخ يقوم بها كلّ يوم في المدرسة الشعبانية، وفي جامع آل الأمير (جامع الخير)، وفي المسجد الجامع الكبير بمدينة "حلب"، ثم في بيته لما كَبِرَت سنّ الشيخ، واقتصرَ على التدريس في بيته يحضر إليه الطلبة والعلماء. وكان علم الفقه أكثرَ ما تلقّاه عنه، وكانت الدراسة على الشيوخ في مدارسهم أو مساجدهم أو بيوتهم بحسب الحال، ولم تكن هناك مدارس أو معاهد نظامية، تُتلقّى فيها العلوم الشرعية على وجه نظامي، يخضع له الجميع، بل كان يدرُس الطالب ما يختارُ، ويجلس إلى من يشاء من العلماء بعد استئذانه أو ما يُشْعِر بإذنه.وكان الشيخ أحمد يصحبُ والدَه العالم الكبير في غدوّه ورواحه، ويلازمُه في ذهابه وإيابه إلى مجالسه ودروسه فيها ملازمة الظلّ للشاخص، فنَهِلَ منه، وعلَّ، وأوعب، واستوعب، مع اكتمال المدارك، وتفتُّح الذهن العلمي الوقّاد، فملأ وِفَاضه من بحر الشيخ الطامي، وغدا من الفقهاء العلماء المرموقين في حياة والده، رحمه الله تعالى. وكان يستقي العلمَ من والده مشافهة ودراسة ومصاحبة، فقرأ عليه جملة كبيرة من كتب الفقه الحنفي، وكان مما قرأه عليه قراءةَ تمحيص وتحقيق كتاب "رد المحتار على الدر المختار" لإمام عصره الفقيه السيّد ابن عابدين، وهو المعروف بـ "حاشية الشيخ ابن عابدين" أو بـ "حاشية الشامي". وهذا الكتاب هو أجمع كتاب في الفقه الحنفي من كتب الفتوى والترجيح، في خمس مجلّدات ضخام كبار جدّا، ويعتبر لدى علماء المذهب منخل المذهب فيما عليه الفتوى. ولا يكاد يعوّل على فتوى في الفقه الحنفي دون الرجوع إلى هذا الكتاب. فقرأه على والده كَمَلا من أوله إلى آخره، ودرسه دراسة تحقيق وتدقيق، ومناقشة وترجيح، أكثر من مرّتين، خلال عشرين عاما، مع قراءته عليه في التفسير والحديث، والأصول أيضا، وكان هذا الكتاب -وما يزال- أهمّ كتب الفتوى، التي انحصر جهدُ الفقهاء المتأخّرين على قراءتها، دون كتب الاستدلال والتعليل، لتقاصر الهمم، وفتور العزائم والإعراض عن الفقه الأوّل. ومما قرأه على والده أيضا في الفقه الحنفي: الكتاب الاستدلالي النافع العظيم: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للإمام الفقيه الضليع البارع فخرالدين على بن عثمان الزيلعي، الذي أورد كلّ مسألة من مسائل الفقه الحنفي، مشفوعة بالدليل والتعليل والمناقشة للرأي المخالف فيها، فكان كتاب تفقيه بحقّ وواقع، فقرأه على والده أيضا بكماله من أوله إلى آخره، وهو في ستّ مجلّدات كبار. ومما قرأه على والده أيضا: الكتاب الذي تَطَابَق اسمُه ومسمّاه، فكان حقّا كما قال مؤلّفه، وسماه: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" لإمام عصره وفقيه دهره العلامة الكاساني ثم الحلبي. وهو الكتاب الذي تميّز عن سائر كتب فقه المذهب الحنفي، بحسن التنظيم والترتيب، مع الاستدلال والتعليل، وسلاسة العبارة، وأدب النقاش، واستيفاء الدليل من المنقول والمعقول، وهو في سبع مجلّدات كبار، قرأ عليه جُلّ هذا الكتاب قراءة تمحيص وتفقّه وارتواء. وهذان الكتابان: "تبيين الحقائق" للزيلعي و"بدائع الصنائع" للكاساني يفقِّهان قارئَهما إلزاما إذا توجّه إليهما، فكيف إذا كانت لديه المواهب العالية، والنفس المطمئنة بالفقه وقواعده وأصوله وشوارده، فحدّث عن انتفاعه بهما وبمن يُقْرِآن عليه، ولا حرج. ومما قرأه على والده أيضا: كتاب "الأشباه والنظائر" للعلامة الإمام زين الدين بن نُجَيم الحنفي فقيه القرن العاشر، وصاحب كتاب: "البحر الرائق شرح كنز الدقائق". وكتابه: "الأشباه والنظائر" هذا من أجلّ الكتب المؤلّفة في بابه لدى السادة الحنفية، في تأصيل القواعد وتخريج الفروع عليها، وإبانة ما يدخل فيها، وما يخرج عنها، وهو من أحسن كتب التفقيه للمتمكّنين في العلم والتحصيل، إذ يولّد في ذهن المتفقّه التأصيل والتعليل، فقراءته مُثْمِرة للمتفقّه المتأهّل أفضل الثمرات.وإنما شرحتُ بعضَ ما قرأه على والده دون غيره من الشيوخ الكثيرين، الذين أخذَ عنهم، واستفادَ منهم، وفيهم النَّبَغَة الكَمَلة، لأنه كان معروفا أنه لا يقرء على الشيخ محمد الزرقا إلا أفذاذ العلماء النبهاء، فالقراءة عليه كانت بمثابة الشهادة العلمية العليا بالعلم، لمن يقرأ عليه، ويرتاد حلقته، ويقتبس من فيض معارفه وعلومه.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Identity attributes

  • Nisba

    المكي

    فقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا * *. هو العلامة الفقيه المكين، والإمام العالم الرصين، والأديب المطّلع الأريب. ولد في مدينة "حلب" موطن أسرته حواليْ سنة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    المكي

    فقيه الجليل والمحدّث الكبير أحمد ابن الشيخ محمد بن عثمان الزَّرْقا * *. هو العلامة الفقيه المكين، والإمام العالم الرصين، والأديب المطّلع الأريب. ولد في مدينة "حلب" موطن أسرته حواليْ سنة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
188836
Book record
shamela-819
Source record
80585
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate