Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الشيخ العارف العالم العامل والفاضل الكامل المولى شمس الملة والدين أحمد بن إسماعيل الكوراني

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 723, entry [533]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: الشيخ العارف العالم العامل والفاضل الكامل المولى شمس الملة والدين أحمد بن إسماعيل الكوراني
page 723, entry [533]Open original source
٢٥٨ - الشيخ العارف العالم العامل والفاضل الكامل المولى شمس الملة والدين أحمد بن إسماعيل الكوراني* *. كان رحمه الله تعالى عارفا بعلم الأصول، فقيها، حنفيا، قرأ بـ "بلاده".ثم ارتحل إلى "القاهرة"، وتفقّه بها، وقرأ هناك القراءات العشر بطريق الإتقان والإحكام، وقرأ الحديث والتفسير، وأجازه علماء عصره في العلوم المذكورة كلّها. وأجازه ابن حجر أيضا في الحديث، وشهد له بأنه قرأ الحديث، لا سيّما "صحيح البخاري" رواية ودراية، ودرّس هو بـ "القاهرة" درسا عاما خاصا بالفحول، وشهدوا له بالفضيلة التامة. ثم إن المولى يكان المذكور سابقا لما دخل "القاهرة" في سفره إلى "الحجاز" لقيه المولى الكوراني، ولما شهد فضله أخذه معه إلى "بلاد الروم"، ولما لقي المولى يكان السلطان مراد خان، قال له السلطان: هل أتيت إلينا بهدية، قال: نعم، معي رجل مفسّر ومحدّث. قال: أين هو؟ قال: هو بالباب. فأرسل إليه السلطان، فدخل هو عليه، وسلّم، ثم تحدّث معه ساعة، فرأى فضله، فأعطاه مدرسة "جدّه" السلطان مراد الغازي بمدينة "بروسا"، ثم أعطاه مدرسة جدّه السلطان بايزيد خان الغازى بـ "المدينة" المزبورة، وكان ولد السلطان مراد خان السلطان محمد أميرا في ذلك الزمان ببلدة "مغنيا"، وقد أرسل إليه والده عدّة من المعلّمين، ولم يتمثل أمرهم، ولم يقرأ شيئًا، حتى أنه لم يختم القرآن، فطلب السلطان المذكور رجلا، له مهابة وحدّة، فذكروا له المولى الكوراني، فجعله معلّما لولده، وأعطاه بيده قضيبا، يضربه بذلك إذا خالف أمره، فذهب إليه، فدخل عليه، والقضيب بيده، فقال: أرسلني والدك للتعليم وللضرب إذا خالفتَ أمري، فضحك السلطان محمد خان من هذا الكلام،فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديدا، حتى خاف منه السلطان محمد خان، وختم القرآن في مدّة يسيرة، ففرح بذلك السلطان مرادخان، وأرسل إلى المولى الكوراني أموالا عظيمة، ثم إن السلطان محمد خان لما جلس على سرير السلطنة بعد وفاة أبيه المرحوم عرض للمولى المذكور الوزارة، فلم يقبل، وقال: إن مَنْ في بابك من الخدّام والعبيد إنما يخدمونك، لأن ينالوا الوزارة آخر الأمر، وإذا كان الوزير من غيرهم تنحرف قلوبهم عنك، فيختلّ أمر سلطنتك، فاستحسنه السلطان محمد خان، وعرض له قضاء "العسكر"، فقبله، ولما باشر أمر القضاء أعطى التدريس والقضاء لأهلهما من غير عرض على السلطان، فأنكره السلطان، ولكن استحيى منه أن يظهره، فشاور مع الوزراء، فأشاروا إلى أن يقول له السلطان: سمعت إن أوقاف جدّي بمدينة "بروسا" قد اختلّتْ، فلا بدّ من تداركها، فلمّا قال له السلطان: هذا الكلام، قال المولى المذكور: إن أمرتنى بذلك أصلحها، فقال السلطان: هذا يقتضي زمانا مديدا، فقلّده قضاء "بروسا" مع تولية الأوقاف، فقبل المولى المزبور، وذهب إلى مدينة "بروسا"، وبعد مدّة أرسل السلطان إليه واحدا من خدّامه بيده موسوم السلطان، وضمنه أمرا يخالف الشرع، فمزّق الكتاب، وضرب الخادم، فأشمأزّ السلطان لذلك، فعزله، ووقع بينهما منافرة، فارتحل المولى المذكور إلى "مصر"، وسلطانها يومئذ الملك قايتباي، فأكرمه غاية الإكرام، ونال عنده القبول التام، وعاش عنده زمانا بعزّة عظيمة، وحشمة وافرة، وجلالة تامة، ثم إن السلطان محمد خان ندم على ما فعله، فأرسل إلى السلطان قايتباي كتاب السلطان محمد خان للمولى المذكور، ثم قال: لا تذهبْ إليه، فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو، قال المولى: نعم، هو كذلكإلا أن بيني وبينه محبة عظيمة، كما بين الوالد والولد وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر، وهو يعرف ذلك مني، ويعرف أني أميل إليه بالطبع، فإذا لم أذهبْ إليه يفهم أن المنع من جانبك، فيقع بينكما عداوة. فاستحسن السلطان قايتباي هذا الكلام، وأعطاه مالا جزيلا، وهيأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمة إلى السلطان محمد خان، فلمّا جاء إلى "قسطنطينية" أعطاه السلطان محمد خان قضاء "بروسه" ثانيا، ووقع ذلك في سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ودام على ذلك مدّة، ثم قلّده منصب الفتوى، وعين له كلّ يوم مائتي درهم، وفي كلّ شهر عشرين ألف درهم، وفي كلّ سنة خمسين ألف درهم سوى ما يبعث إليه من الهدايا والتحف والعبيد والجواري، وعاش في كنف حمايته مع نعمة جزيلة وعيش رَغَد. وصنّف هناك تفسير القرآن العظيم، وحمّاه "غاية الأماني" في تفسير السبع المثاني، أورد فيه مؤاخذات كثيرة على العلامتين الزمخشري والبيضاوي، وصنّف أيضا "شرح البخاري"، وسمّاه بـ"الكوثر الجاري على رياض البخاري"، وردّ فيه كثيرا من المواضع لشرح الكرماني وابن حجر، وصنّف حواشى مقبولة لطيفة على "شرح الجعبري" لـ"لقصيدة الشاطبية"، واقرأ الحديث والتفسير وعلوم القرآن، حتى تخرّج من عنده كثير من الطلاب، وتمهّروا في العلوم المذكورة، وكانت أوقاته مصروفة إلى الدرس والفتوى والتصنيف والعبادة. حكى بعض من تلامذته أنه بات عنده ليلة، فلمّا صلى العشاء ابتدأ بقراءة القرآن من أوله، قال: وأنا نمتُ ثم استيقظتُ، فإذا هو يقرأ ثم نمتُ فاستيقظتُ، فإذا هو يقرأ سورة الملك، فأتمّ القرآن عند طلوع الفجر، قال سألتُ بعض خدّامه عن ذلك، فقال هذه عادة مستمرّة له.وكان رحمه الله تعالى رجلا مهيبا، طوالا، كبير اللحية، وكان يصبغ لحيته، وكان قوالا بالحق، وكان يخاطب الوزير والسلطان باسمه، وكان إذا لقي السلطان يسلّم عليه، ولا ينحني له، ويصافحه، ولا يقبل يده، ولا يذهب إليه يوم عيد إلا إذا دعاه، وسمعتُ عن ثقة أنه ذهب إليه يوم عرفة، وكان يوم مطر في أيام سلطنة السلطان بايزيد خان، فجاء إليه واحد من الخدّام، وقال السلطان: يسلّم عليكم، ويلتمس منكم أن تشرّفوه غدا، فقال المولى: لا أذهب، واليوم يوم وحل، أخاف أن يتوحّل خفّى، فذهب الخادم، فلم يليث إلا أن جاء، وقال: سلّم عليكم السلطان، وأذن لكم أن تنزلوا عن الدابة في موضع نزول السلطان، حتى لا يتوحّل خفّكم، فذهب إليه. وكان ﵀ ينصح للسلطان محمد خان، ويقول له دائما: إن مطعمك حرام، وملبسك حرام، فعليك بالاحتياط، فاتفق في بعض الأيام أنه أكل مع السلطان محمد خان، فقال السلطان: أيّها المولى! أنت أكلت أيضا من الحرام، فقال: ما يليك من الطعام حرام، وما يلينى منه حلال، فحول السلطان الطعام فأكل المولى، فقال السلطان: أكلت من جانب الحرام، فقال المولى: نفد ما عندك من الحرام، وما عندي من الحلال، فلهذا حولت الطعام. وقيل له يوما: إن الشيخ ابن الوفاء يزور المولى خسرو، ولا يزورك، فقال: أصاب في ذلك، لأن المولى خسرو عالم عامل تجب زيارته، وإني وإن كنتُ عالما لكنى خالطتُ مع السلاطين، فلا تجوز زيارتي. وكان رحمه الله تعالى لا يحسد أحدا من أقرانه إذا فضل عليه في المنصب، وإذا قيل له في ذلك كان يقول: المرء لا يرى عيوب نفسه، ولو لميكن له فضل على لما أعطاه الله تعالى ذلك المنصب. وقال المولى المزبور يوما للسلطان محمد خان بطريق الشكاية عنه: إن الأمير تيمور خان أرسل بريدا لمصلحة، وقال له: لأن احتجت إلى فرس خذ فرس كلّ مَنْ لقيتَه، وإن كان ابني شاهرخ، فتوجّه البريد إلى ما أمر به، فلقي المولى سعد الدين التفتازاني، وهو نازل في موضع "قاعد" في خيمته، وأفراسه مربوطة قدّامه، فأخذ البريد منها فرسا، فأخبر المولى بذلك، فضرب البريد ضربا شديدا، فرجع هو إلى الأمير تيمور، وأخبره ما فعله المولى المذكور، فغضب الأمير تيمورخان غضبا شديدا، ثم قال: ولو كان هو ابني شاهرخ لقتلتُه، ولكني كيف أقتل رجلا ما دخلتُ في بلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفي، ثم قال المولى المزبور: إن تصانيفي تقرأ الآن بـ "مكّة الشريفة"، ولم يبلغ إليها سيفك، فقال السلطان محمد خان: نعم أيّها المولى! الناس يكتبون تصانيفه، وأنت كتبت تصنيفك، وأرسلته إلى "مكّة الشريفة" فضحك المولى الكوراني، واستحسن هذا الكلام غاية الاستحسان. ومناقبه كثيرة لا يتحمّل ذكرها هذا المختصر. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، مات في "قسطنطينية" ودفن بها، وقصة وفاته أنه أمر يوما في أوائل فصل الربيع أن تضرب له خيمة في خارج "قسطنطينية"، فسكن هناك فصل الربيع، فلمّا تمّ هذا الفصل أمر أن يشترى له حديقة، فسكن هناك إلى أول فصل الخريف، وفي هذه المدّة كان الوزراء يذهبون إلى زيارته في كلّ أسبوع مرّة، ثم إنه صلّى الفجر في يوم من الأيام، وأمر أن ينصب له سرير في الموضع الفلاني من بيته بـ"قسطنطينية".فلمّا صلّى الإشراق جاء إلى بيته، واضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وقال أخبروا مَنْ في البلد من الذين قرأوا عليّ القرآن، فأخبروهم، فحضر الكلّ. فقال المولى: لي عليكم حقّ، واليوم يوم قضائه، فاقرءوا على القرآن العظيم إلى وقت العصر، فأخبر الوزراء بذلك، فجاؤوا إليه لعيادته، فبكى الوزير داود باشا لما بينهما من المحبة الزائدة، فقال المولى: لماذا تبكى يا داود! قال فهمت فيكم ضعفا، فقال: أبك على نفسك يا داود! فإني عشت في الدنيا بسلامة، واختم إن شاء الله تعالى بسلامة، ثم قال للوزراء: سلّموا منا على بايزيد، يريد السلطان بايزيد خان، أوصيه أن يحضر صلاتي بنفسه، وأن يقضى ديوني من بيت المال قبل دفني، ثم قال: أوصيكم إذا وضعتموني عند القبر أن تأخذوا برجلي، وتسحبوني إلى شفير القبر، ثم تضعوني فيه، ثم إن المولى صلّى صلاة الظهر مومئا، ثم أخذ يسأل عن أذان العصر، فلمّا قرب وقته أخذ يستمع صوت المؤذّن، فلمّا قال المؤذّن: الله أكبر، قال المولى: لا إله إلا الله، فخرج روحه في تلك الساعة، - روّح الله تعالى روحه ونوّر ضريحه - ثم إن السلطان بايزيد خان حضر صلاته، وقضى ديونه بلا شهود، فكانتْ ثمانين ألفا ومائة ألف درهم، ثم إنهم لما وضعوه عند قبره لم يتجاسر أحد على أن يأخذ برجله، فوضعوه على حصير، وجذبوا الحصير إلى شفير القبر، ثم أنزلوه فيه، وسلّموه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، وامتلأت المدينة ذلك اليوم من الضجيج والبكاء من الصغار والكبار، حتى النساء والصبيان، وكانت جنازته مشهورة، وانثلمت بموته ثلمة من الإسلام.من مؤلفاته: "شرح صحيح البخاري"، و"كشف الأسرار" عن قراءة الأئمة الأخيار، و"شرح جمع الجوامع" في أصول الفقه، و"غاية الأماني" في تفسير الكلام الربّاني، و"قصيدة" في علم العروض. ومن نظمه قصيدة، يمدح فيها النبي ﷺ، منها: لقد جَادَ شِعْري في ثَناكَ فَصَاحةً … كيف وقد جادَتْ به ألْسُنُ الصَّخرِ لَئِنْ كان كعبٌ قد أصابَ بمدْحَهٍ … يَمَانِيَّةٍ تزْهُو على التِّبْرِ في القَدْرِ فلِي أمَلٌ يَا أجْوَدَ النَّاس بالْعَطَا … ويَا عِصْمَةَ العَاصينَ في رَبعة الحَشْرِ شَفاعَتُك العُظمَى تَعُمُّ جَرَائمِي … إذا جئتُ صِفْرَ الكفِّ مُحتَملَ الوِزْرِ وأول منظومة "الشافعية" قوله: بحَمْدِ إلهِ الخَلْق ذِي الطَّوْلِ والبِرِّ … بَدَأتُ بنظمٍ طَيُّه عَبَقُ النَّشْرِ وثنَّيْتُ حَمْدِي بالصَّلاة لأحْمَدٍ … أبِي القاسم المحمُودِ في كُرْبَةِ الحَشْرِ صَلاة تعُمُّ الآلَ والشِّيَعَ الَّتِي … حَمَوْا وَجْهَهُ يَوْمَ الكَرِيهَةِ بالنَّصْرِ ذكره الحافظ جلال الدين السيوطى، في كتابه "نظم العقيان"، في أعيان الأعيان".

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • ThiqaThiqa

    وكان قوالا بالحق، وكان يخاطب الوزير والسلطان باسمه، وكان إذا لقي السلطان يسلّم عليه، ولا ينحني له، ويصافحه، ولا يقبل يده، ولا يذهب إليه يوم عيد إلا إذا دعاه، وسمعتُ عن ثقة أنه ذهب إليه يوم عرفة، وكان يوم مطر في أيام سلطنة السلطان بايزيد خان، فجاء إليه واحد من الخدّام، وقال السلطان: يسلّم عليكم، ويلتمس منكم أن تشرّفوه غدا، فقال المولى: لا أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
188526
Book record
shamela-819
Source record
80275
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate