Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

جواب الحافظ ابن التركماني عن جروح الإمام

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 444, entry [269]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

Open narrator profile: جواب الحافظ ابن التركماني عن جروح الإمام
page 444, entry [269]Open original source
جواب الحافظ ابن التركماني عن جروح الإمام وقال قاضي القضاة الإمام العلامة الحافظ الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني في "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" (¬٢) عند الكلام على أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "لا تقتل النساء إذا ارتددن"، ما نصه: "وأبو حنيفة وإن تكلم فيه بعضُهم فقد وثَّقه كثيرون، وأخرج له ابن حبَّان في "صحيحه"، واستشهد به الحكمُ في "المستدرك"، ومثله في دينهوعلمهِ لا يَقدح فيه كلامُ أولئك، وقد ذكر جماعة من السلف أنه كان محسودا، حكى أبو عمر - ابن عبد البر - في "الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء" عن حاتم بن داود، قال: قلتُ للفضل بن موسى السِّيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ فقال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه من العلم وما لا يعقلونه، ولم يترك لهم شيئا، فحسدوه". انتهى. رد ابن الوزير اليماني على من حاول التشكيك في علم أبي حنيفة بالحديث والعربية وقال الإمام الحافظ العلامة النظَّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ رحمه الله تعالى، في "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" (¬١) ﷺ، ردًّا على السيّد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، حيث حاول التشكيك في علم أبي حنيفة بالحديث والعربية، قال ما نصه: "لا يخلوا إما أن يُنكر - هذا المعترض - صدور الفتوى عنه رضى الله عنه، وينكر نقل السلف والخلف مذاهبه في الفقه، أو يقرّ بذلك، إن أنكره أنكر الضرورة، ولم تكن لمناظرته صورة، وإن لم ينكره فهو يدلّ على اجتهاده، ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك: المسلك الأول: أنه ثبت بالتواتر فضله، وعدالته، وتقواه، وأمانته، فلو أفتى بغير علم، وتأهّل لذلك، وليس له بأهل، لكان جرحا في عدالته، وقدحافي ديانته وأمانته، ووصما في عقله ومروءته، لأن تعاطي الإنسان ما لا يحسنه ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه من عادت السفهاء، ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخساسة والدَّناءة، ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوَصْمة القبيحة، والمذَمَّة الشنيعة. المسلك الثاني: أن رواية العلماء لمذاهبه، وتدوينها في كتب الهداية، وخزائن الإسلام يدل على أنهم قد عرفوا اجتهاده، لأنه لا يحلُّ لهم رواية مذهبٍ إلا بعد المعرفة لعلمه، لأن إيهام ذلك من غير معرفة محرم، لما يترتب عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها كانخرام إجماع أهل عصره بخلافه، والمختلف فيها كانخرام إجماع من بعده بخلافه، وجواز تقليده بعد موته. المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقد على اجتهاده، فإن خالف في ذلك مخالف، فقد انعقد الإجماع بعد موته، وإنما قلنا بذلك لأن أقواله متداولة بين العلماء الأعلام، سائرة في مملكة الإسلام في الشرق والغرب، و"اليمن" و"الشام" من عصر التابعين من سنة خمسين ومائة إلى يوم الناس هذا، وهو أوَّل المائة التاسعة بعد الهجرة، لا يُنْكَرُ على من يرويها، ولا من يعتمد عليها، والمسلمون بين عامل عليها، وساكتٍ عن الإنكار على من يعمل عليها، وهذه الطريقة هي التي تثبت بمثلها دعوى الإجماع في أكثر المواضع. المسلك الرابع: أنه قد نَصَّ كثير من الأئمة والعلماء على أن أحد الطرق الدالة على اجتهاد العالم هي انتصابه للفتيا، ورجوع العامة إليه، من غير نكير من العلماء والفضلاء، وموضع نصوص العلماء على ذلك في علم الأصول، وهناك يُذكر الدليل على أن ذلك كاف في معرفة اجتهاد العالموجواز تقليده، وممن ذكر ذلك من أئمة الزيدية وشيوخ المعتزلة المنصور بالله في كتابه "الصفوة"، وأبو الحسين البصري في كتابه "المعتمد". وهذا في سكوت سائر العلماء عن النكير على المفتي، فكيف بسكوت رُكن الإسلام من عصابة التابعين ونبلاء سادات المسلمين، ومن هم من خير القرون بنص سيّد المرسلين، فقدكان الإمام أبو حنيفة معاصرا لذلك الطِّراز الأول، كما سياتي. وقد تَطابق الفريقان من أهل السنّة والاعتزال على التعظيم لأبي حنيفة والإجلال. أما أهل السنَّة فذلك أظهر من الشمس، وأوضح، من أن يدخل فيه لَبسٌ. وليس يصح في الأذهان شئ … إذا احتاج النهار إلى دليل. وأما المعتزلة فقد تشرف أكثرهم بالانتساب إليه، والتعويل في التقليد عليه، كأبي علي، وولده أبي هاشم من متقدّميهم، وأبي الحسين البصري، والزمخشري من متأخِّريهم، وهم وإن قدَّرنا دعواهم الاجتهادَ والخروج من التقليد، فذلك إنما كان بعد طلب العلم وطول المدة، وهم قبل ذلك وفي خلاله مُعترفون باتباع أقواله، وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه، والمتابعة في المعارف لرسمه. وفِي كلام علّامتهم الزمخشري: وتَدَ الله الأرض بالأعلام المنيفة، كما وَطَد الحنفية بعلوم أبي حنيفة، الأئمة الجِلَّة الحنفية، أزمَّة الملة الحنيفية، الجود والحلمُ حاتمي وأحنفي، والدين والعلم حنيفى وحنفى. وقد عقد الحكم أبو سعيد فصلا في فضل أبي حنيفة وعلمه، ذكره في كتابه "سفينة العلوم".وقد أطبق أهل التاريخ على تعظيمه، وأفرد بعضهم سيرته رضى الله عنه في كتاب سماه "شقائق النعمان في مناقب النعمان". ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلا، ومن حِلْية العلم عاطلا ما تَطابقت جبال العلم من الحنفية على الاشتغال مذاهبه، كالقاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، والطحاوي، وأبي الحسن الكرخى، وأمثالهم وأضعافهم. فعلماء الطائفة الحنيفة في "الهند" و"الشام"، و"مصر"، و"اليمن"، و"الجزيرة"، و"الحرمين"، و"العراقَين" منذ مائة وخمسين من الهجرة إلى هذا التاريخ يزيد على ستمائة سنة، فهم أُلوف لا ينحصرون وعوالم لا يُحصَون، من أهل العلم والفتوى والوَرَع والتقوى. فكيف يجترئ هذا المعترض، ويُجوِّز عليهم أنهم تطابقوا على الاستناد إلى عامي جاهل، لا يعرف أن الباء تجرُّ ما بعدها، ولا يدرى ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله ﷺ؟ ما هذا إلا كلام عامي أو أعمى يخبط من الجهل في ظَلْماء. وهبك تقول هذا الصبح ليل … أيعمى العالمون عن الضياء وأما ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم باللغة العربية، فلا شك أن هذا كلام مُتحامل مُتنكب عن سبيل المحامل، فقد كان الإمام أبو حنيفة من أهل اللسان القديمة واللغة الفصيحة. وليس بنحويّ يلوك لسانه … ولكن سليقي يقول فيُعربُ وذلك لأنه أدرك زمانَ العرب، واستقامةَ اللسان، فعاصرَ جريرا والفرزدق، ورأى أنس بنَ مالك، خادمَ رسول الله ﷺ مرتين، وقد توفي أنس سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد، وإنما رآه بعد التمييز، فدلَّ على أن أبا حنيفةكان المعمرين، وتأخّرت وفاتُه، إلى سنة خمسين ومائة. وقد جاوز التسعين في العمر (¬١). وهذا يقتضى أنه بلغ الحُلمَ، وأدرك بعد موت رسول الله ﷺ بقدر الثمانين سنة، لأنه ﵇ توفي بعد مُضيِّ عشرٍ من الهجرة، فهذا يدل على تقدم أبي حنيفة، وإدراكه زمان العرب، وهو أقدم الأئمة وأكبرهم سنا، فهذا مالك على تقدمه توفي بعده بنحو ثلاثين سنة. ولا شك أن تغير اللسان في ذلك الزمان كان يسيرا، وأنه لم يشتغل في ذلك الزمان بعلم اللغة وفن الأدب أحد من مشاهير العلماء المتبوعين المعتمد عليهم في التقليد لعدم مسيس الحاجة إلى ذلك في ذلك العصر، كما أشار إلى ذلك أبو السعادات ابن الأثير في ديباجة كتابه "النهاية"، وكما لا يخفى ذلك على من له أنس بعلم التاريخ. فلو أجبنا قراءةَ علم العربية في ذلك الزمان على المجتهد لم نقتصر على أبي حنيفة، ولزم أن لا يصح استشهاد علماء العربية بأشعار جرير والفرزدق، وهذا ما لم يقل به أحد، وإنما احتلَّ اللسانُ الاختلالَ الكبيرَ في حق بعض الناس بعد ذلك العصر، وقد سلم من تغير اللسان من لم يُخالط العجم في الأمصار، من خُلص العرب، وأدرك الزمخشري كثيرا منهم ممن لزم البادية - وكان الزمخشري في القرن السادس توفي سنة ٥٣٨ هـ -، وأكثر ما أسرع التغير إلى العامة، ومن لا تمييز له.وقد قال الأمير العالم الحسين بن محمد في كتاب "شفاء الأوام": إن الإمام يحيى بن الحسين رضى الله عنه كان عربي اللسان، حجازيَّ اللغة، من غير قراءة، وروى علامة الشيعة علي بن عبد الله بن أبي الخير أنه - أي الإمام يحيى - قرأ في العربية أربعين يوما، وهذا قد توفي على رأس ثلاثمائة سنة من الهجرة. وأما سنة ثمانين من الهجرة فليس أحد من أهل التمييز يعتقد أن أهل العلم في ذلك الزمان كانوا لا يتمكنون من معرفة معاني كلام الله ورسوله إلا بعد القراءة في علم العربية، ولو كان ذلك منهم لنقل ذلك، وعرف شيوخ التابعين فيه. وليت شعري من كانوا في ذلك شيوخ علقمة بن قيس، وأبي مسلم الخولاني، ومَسْروق بن الأجدع، وجبير بن نفير، كعب الأحبار؟ ومن كانوا شيوخَ من بعدهم من التابعين، كالحسن، وأبي الشَّعْثاء، وزين العابدين، وإبراهيم التيمي، والنَّخعى، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، والشعبى، وأضرابهم؟ فلم خُصَّ أبو حنيفة بوجوب تعلم العربية، وفي أيّ المصنّفات البسيطة يقرأ في ذلك الزمان؟! وأما قوله: (بأبا قبيس) فالجواب عليه من وجوه: الأول: أن هذا يحتاج إلى طريق صحيحة، والمعترض - السيّد جمال الدين علي - قد شدّد في نسبة الصحاح إلى أهلها مع اشتهار سماعها والمحافظة على ضبطها، فكيف بهذه الرواية؟ الثاني: أنه إن ثبت بطريق صحيحة فإنه لم يشتهرْ ولم يصح مثل شهرة صدور الفتيا ودعوى الاجتهاد عن الإمام أبي حنيفة، وقد تواتر علمه وفضله، وأُجْمِع عليه، وليس يُقدح في المعلوم بالمظنون، بل بما لا يستحق أن يُسمى مظنونا.الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صح عنه بطرق معلومة، لم يَقْدح به، لأنه ليس بلحن، بل هو لغة صحيحة، حكاه الفرَّاء عن بعض العرب، وأنشد: إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها الرابع: سلمنا أن هذا لحن، لا وجه له، فإنه لا يدلّ على عدم المعرفة. فإن كثيرا من العلماء العربية يتكلم بلسان العامة، ويتعمد النطق باللحن، بل قد يتكلم العربي بالعجمية، ولا يقدح ذلك في عربيته. وعلى الجملة: فكيف ما دارت المسئلة، فإن ذلك لا يدل على قصور الإمام أبى حنيفة، بل يدل على غفلة المعترض به وتغفيله، وجُرأته على وصم هذا الإمام الجليل وتجهيله. وأما قدحه عليه بالرواية عن المضعفين، وقوله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته بالحديث، فهو وَهم فاحش، ولا يتكلم به منصف، والجواب على ذلك يتبين بذكر محامل: المِحْمِلُ الأول: أنه قد عُلم من مذهب أبى حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهولَ، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمنا (¬١)، ولا شك أنهم إنما يقبلونه، حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة، لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع عليه. ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوى في ذلك الزمان العدالة. ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: "خيركم القرن الذي أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب".وقد كان علي رضى الله عنه يتَّهم بعض الرواة، فيستحلفه، ثم يقبله، وهذا إنما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها، ولهذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المِذْي. وقد روى الحافظ ابن كثير في جزء، جمعه في أحاديث السِّباق عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه، وأنه روى في "المسند" أحاديث كثيرة من هذا القبيل، وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث، ولا بمقادير الضعف، وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع، وما فيه خلاف. وقال الحافظ أبو عبد الله بن مَنْدَة: إن أبا داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أن رواية الحديث الضعيف لا تَسْتلزمُ الجهلَ بالحديث، فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مُدافعة. وهذا الحديث الضعيف الذي ذكروه ليس حديث الكذَّابين، ولا الفسَّاق المصرِّحين، فذلك عندهم لا يستحقّ اسم الضعيف، إنما يقال فيه: إنه باطل وموضوع، أو ساقط أو متروك، أو نحو ذلك. وإنما الضعيف حديث الراوي الصدوق الذي ليس بحافظ، أو المعلوم بالاختلاف في رفعه أو إسناده، واضطرب اضطرابا يسيرا، أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التعليل للحديث به أو الجرح للراوي به، ولا يظهر قوة في دليل ردِّه ولا دليل قبوله. وأكثر التضعيف إنما يكون من جهة الحفظ، وعند الأصوليين أنه لا يُقدَح به، حتى يكون الخطأ راجحا على الصواب، أو مساويا له. وفي المساوي خلاف عندهم، والمسئلة مقرَّرة في كتب علوم الحديث، وكتب الأصول.فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضعفاء مذهبا واختيارا، لا جَهْلا واغترارا. المحْمَلُ الثاني: أن يكون ضعف أولئك الرواة الذين روي عنهم مختلفا فيه، ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم، وعدم الاعتداد بذلك التضعيف، إما لكونه غير مفسّر السبب، أو لأجل مذهب، أو غير ذلك، وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفَّاظ، بل لم يَسْلَم من ذلك صاحبا "الصحيح". وكذلك أئمة هذا العلم: هذا الإمام الشافعي ﵁ أكثر من الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمى، ووثَّقه، وقد خالفه الأكثرون في ذلك، وقال ابن عبد البر في "تمهيده": أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى إلا الشافعي. قلت: أما الإجماع على تجريحه فغير مسلَّم، فقد وافق الشافعيَّ على توثيقه أربعة من كبار الحفَّاظ، وهم ابن جُريج، وحَمْدان بن محمد الأصبهاني، وابن عَدي، ابن عُقْدَة. وقال الذهبي في "التذكرة": لم يكن ابن أبي يحيى في وزن من يضع الحديث. انتهى. ولكن تضعيفه قول الجماهير، وهو المصحّح عند أئمة الحديث من الشافعي كالنووي، والذهبى، وابن كثير، وابن النَّحْوي - وهو ابن الملَقِّن شيخ الحافظ ابن حجر -، وغيرهم. وكذلك روى الشافعي عن ابن خالد الزِّنْجِي المكّى، وهو مختلَفٌ في توثيقه. وكذلك الإمام أحمد يروي عن جاعة مختلَفٍ فيهم. وكذلك القاسم بن إبراهيم، ويحيى بن الحسين رضى الله عنه قد رويا عن ابن أبي أُويس، وهو مختلَفٌ فيه.وقد ذكر أهل العلم بالرجال ذلك الاختلاف، وبينوا في علوم الأحاديث ما يقبل من الجرح والتعديل، ومراتبهما، كيفية العمل عند تعارضهما. المحْمَلُ الثالث: أن يكون إنما رَوَى عن أولئك الضعفاء على سبيل المتابعة والاستشهاد، وقد اعتمد على غير حديثهم من عموم آية أو حديث أو قياس أو استدلال، مثل ما صنع مالك في الرواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، قال ابن عبد البر في "تمهيده": كان مُجمعا على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلا حديثا واحدا معروفا من غير طريقه، وهو حديث وضع اليمين على الشِّمال في الصلاة، وقد رواه مالك في "الموطأ" من طريق صحيحة من رواية أبي حازم التابعي الجليل عن سهل بن سعد الصحابي، ﵁. وكذلك القاسم بن إبراهيم وحفيده يحيى بن الحسين من أئمة الزيدية، قد أكثر من رواية أحاديث الأحكام والاحتجاج عليها من حديث ابن أبي ضَمرة، وأهل الرواية متفقون على تجريحه والقَدْح في روايته. وكذلك قد روى شعبة على جلالته وتشدّده عن أبان بن أبي عيَّاش مع قول شعبة فيه: لأن أشرب من بول حمار حتى أروَى أحبُّ إليَّ من أن أقول: حدثنا أبان بن أبي عيَّاش. رواه شعيب بن جرير عنه، وروى ابن إدريس وغيره عن شعبة أنه قال: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. فإن قلتَ: فكيف روى عنه مع اعتقاده تحريمَه، قلتُ: إنما أراد تحريم ذلك على من لا يعرف الحق من الباطل من غيره، وتحريم رواية العارف عن المتروكين في حضرة من لا يعرف، فإن الثوري نهى عن الرواية عن بعضالمتروكين، فقيل له: ألستَ تروي عنه؟ فقال: إني أروي ما أعرف، وهذا من لطيف علم الحديث. وعن مسلم أنه ربما أخرج الإسناد الضعيف لعلوِّه، واقتصر عليه، وترك الإسناد الصحيح لنزوله ومعرفة أهل الشأن له، روى ذلك النووي عن مسلم تنصيصا، وفيه دلالة على أن رواية العالم لحديث الرجل الضعيف لا تدل على جهله بضعفه. وكذلك البخاري قد ضعَّف هو بعض من روى عنه في "الصحيح"، ذكر ذلك الذهبي في "الميزان"، وهذا يدل على أنه لم يتعمدْ على ذلك الراوي الذي ضعَّفه لو لا شواهد بحديثه ومتابعات، وهذا من لطائف علم الحديث. ولذا قال الإمام النووي: إن من صحَّح حديثا على شرط مسلم لكون رواته من رواة "صحيح مسلم" فقد وَهِمَ في ذلك. المحْمَلُ الرابع: أن تكون رواية الإمام أبي حنيفة من قبيل تدوين ما بلغه من الحديث صحيحه وضعيفه، كما هو عادة كثير من مصنّفي الحفَّاظ أهل السنن والمسانيد، وغرضهم بذلك حفظ الحديث للأمة، لينظر في توابعه وشواهده، فإن صحَّ منه شيء عُمل به، وإن بطل شئ حُذِّر من العمل به، وإن احتمل شيء الخلاف كان للناظر من العلماء أن يعمل فيه باجتهاده. وفي الرواية المشهورة عن البخاري أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث، منها مائتا ألف غير صحاح. وقال إسحاق بن راهُويه: أحفظُ مكان مائة ألف حديث، كأني أنظر إليها، وأحفظُ سبعين ألف حديث صحيحة عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مُزوَّرة، فقيل له في ذلك، فقال: لأجل إذا مرَّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فلَيْتُه فَلْيا.المحمل الخامس: أن يكون كثير من الأحاديث المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ضعيفة من قِبَل من روى عنه، لا من جهته، ولا من جهة شيوخه، ومَنْ فوقهم، كما في كثير من الأحاديث المنسوبة إلى جعفر الصادق وكثير من الثقات، فقد روى الذهبي في "الميزان" عن الحافظ ابن حبَّان أن أبان بن جعفر (¬١) وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث، ما حدَّث بها أبو حنيفة قط. رواه الذهبي في ترجمة أبان بن جعفر. إذا عرفتَ هذا فاعلم أن الإمام أبا حنيفة ﵁ طلب العلم بعد أن أسنَّ، (¬٢) وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا كَبُر وأسنّ تناقَضَ حفظه، فلهذا لم يكن في الحفظ في أرفع المراتب، وكذلك غيره من الأئمة، فقد كان الإمام أحمد بن حنبل أوسع الأئمة الأربعة معرفة بالحديث وحفظا له، ولم يكن عيبا فيهم، ولا قَدْحا في اجتهادهم. وقد كان حديث ابن المسَيّب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي أصحّ وأقوى من حديث عطاء، والحسن البصري، وأبي قِلابة، وأبي العالية، وكان ابن المسيّب أصحّ الجماعة حديثا من غير قدح في علم من هو دونه. ولهذا السبب تكلَّم بعضُ الحفَّاظ في حديث الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁، فظنَّ بعض الجهَّال أن ذلك يقتضي القدحَ في اجتهاده وإمامته، وليس كذلك، فغاية ما في الباب أن غيره أحفظ منه، وذلك لا يستلزم أن غيره أفضل منه، ولا أعلم منه على الإطلاق، فقد كان أبو هريرة رضى الله عنه أحفظ الصحابة ﵃، ولم يكن أعلمَهم ولا أفقهَهمولا أفضلَهم، وقد كان معاذ أفقهَهم، وزيد أفرضَهم، وعلي أقضاهم، وأبي أقرأَهم، والخلفاء أفضلَهم، وبعد فالمناقب مواهب يهب الله منها ما يشاء لمن شاء. وقد أشارَ الذهبي إلى الاعتذار عن ذكر الإمام أبي حنيفة وأمثاله، وإلى أنه لا قَدْح عليه بما ذكر فيه من الاختلاف، فقال في خطبة "الميزان": "وكذا لا أذكر من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدا لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، فإن ذكرت أحدا منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضرّه ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذ إنما يضرّ الإنسان الكذب والإصرار على كثرة الخطأ، والتجرِّي على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجنايةٌ، فالمرء المسلم يُطبَع على كل شئ إلا الخيانة والكذب. انتهى كلامه (¬١).فانظر كيف تأدَّب أبو عبد الله الذهبي، وذكر جلالة الأئمة المتبوعين في الإسلام، ونصَّ على أن ذكرَهم في كتب الجرح والتعديل لا يضرّ عند الله ولا عند الناس، وهكذا فليكن ذكرُ العالم لمن هو أعلم منه بأدب وتواضع وتعظيم وتوقير، جعلنا الله ممن عرف قَدْرَ الأئمة وعصمنا عن مخالفة إجماع الأئمة. وبهذه الجملة تَمَّ كشف عُوار هاتين الشُّبهتين الضعيفتين، في علم إمام من أكبر أئمة أهل الإسلام، الذي أجمع على إمامته العلماء الأعلام. وقد أحببتُ التقرُّب إلى الله تعالى والتشرُّفَ بخدمة مناقبه العزيزة، والذبِّ عن معارفه الغزيرة، بذكر هذه الأحرف الحقيرة اليسيرة، ولم أقصد التعريفَ بمجهول من فضائله، ولا الرفعَ لمخفوض من مناقبه، فهو من ذلك أرفع مكانا وأجلّ شأنا. والشمس في صادع أنوارها … غَنِيَّةٌ عن وصف الواصف". انتهى كلام ابن الوزير بطوله. وفيه وفي ما تقدَّم من نصوص الأئمة المتقدمين، والحفَّاظ الجهابذة المتأخرين من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم، في تقريظ الإمام أبي حنيفة، والثناء على سعة علمه بالكتاب والسُّنة، والرد على جارحيه والإنكار عليهم بالحُجج الواضحة والأدلة النَّيِّرة: إبطال لطعن الشَّانئين المتحاملين على الإمام رضى الله تعالى عنه، في هذا الزمن المتأخر! وفي كل ذلك أيضا ما يزيل الغِشاوَة عن عُيونهم الرَّمداء، ونفوسهم المريضة، إذا هُدُوا ووفقوا، وفي كل ما تقدم أيضا ما تقرّ به أعين طلبة العلموأهله، الذين رزقهم الله تعالى التأدب مع أئمة الدين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. انتهى كلام أستاذي وسيدي المحدث الناقد العلامة عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى من كتابه القيّم "مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث". آخر الجزء الأول ويليه الجزء الثاني، وأوله: باب من اسمه آدم والحمد لله حق حمده﷽

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    تمائة سنة، فهم أُلوف لا ينحصرون وعوالم لا يُحصَون، من أهل العلم والفتوى والوَرَع والتقوى. فكيف يجترئ هذا المعترض، ويُجوِّز عليهم أنهم تطابقوا على الاستناد إلى عامي جاهل، لا يعرف أن الباء تجرُّ ما بعدها، ولا يدرى ما يخرج من رأسه من حديث رسول الله ﷺ؟ ما هذا إلا كلام عامي أو أعمى يخبط من الجهل في ظَلْماء. وهبك تقول هذا الصبح ليل … أيعمى العالمون عن

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث، ولا بمقادير الضعف، وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع، وما فيه خلاف. وقال الحافظ أبو عبد الله بن مَنْدَة: إن أبا داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أن رواية الحديث الضعيف لا تَسْتلزمُ الجهلَ بالحديث، فأحمد وأبو داود من أئمة علم ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    ر محامل: المِحْمِلُ الأول: أنه قد عُلم من مذهب أبى حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهولَ، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمنا (¬١)، ولا شك أنهم إنما يقبلونه، حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة، لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع عليه. ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوى في ذلك الزمان العدالة. ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهو

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    مذهب أبى حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهولَ، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمنا (¬١)، ولا شك أنهم إنما يقبلونه، حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة، لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع عليه. ولا شك أن الغالب على حملة العلم النبوى في ذلك الزمان العدالة. ويشهد لذلك الحديث الثابت المشهور: "خيركم القرن الذي أنا فيه، ثم الذين يلو

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    وأمانته، فلو أفتى بغير علم، وتأهّل لذلك، وليس له بأهل، لكان جرحا في عدالته، وقدحافي ديانته وأمانته، ووصما في عقله ومروءته، لأن تعاطي الإنسان ما لا يحسنه ودعواه لمعرفة ما لا يعرفه من عادت السفهاء، ومن لا حياء له ولا مروءة من أهل الخساسة والدَّناءة، ووجوه مناقبه مصونة عن ابتذالها وتسويدها بهذه الوَصْمة القبيحة، والمذَمَّة الشنيعة. المسلك الثاني: أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    وله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته بالحديث، فهو وَهم فاحش، ولا يتكلم به منصف، والجواب على ذلك يتبين بذكر محامل: المِحْمِلُ الأول: أنه قد عُلم من مذهب أبى حنيفة ﵀ أنه يقبل المجهولَ، وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدمنا (¬١)، ولا شك أنهم إنما يقبلونه، حيث لا يعارضه حديث الثقة المعلوم العدالة، لأن الترجيح بزيادة الثقة والحفظ عند التعارض أمر مجمع ع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    ذلك إنما كان بعد طلب العلم وطول المدة، وهم قبل ذلك وفي خلاله مُعترفون باتباع أقواله، وبعد ذلك لم يستنكفوا من الانتساب إلى اسمه، والمتابعة في المعارف لرسمه. وفِي كلام علّامتهم الزمخشري: وتَدَ الله الأرض بالأعلام المنيفة، كما وَطَد الحنفية بعلوم أبي حنيفة، الأئمة الجِلَّة الحنفية، أزمَّة الملة الحنيفية، الجود والحلمُ حاتمي وأحنفي، والدين والعلم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Death Year Ah

    538

    درك الزمخشري كثيرا منهم ممن لزم البادية - وكان الزمخشري في القرن السادس توفي سنة ٥٣٨ هـ -، وأكثر ما أسرع التغير إلى العامة، ومن لا تمييز له.وقد قال الأمير ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    840

    افظ العلامة النظَّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ رحمه الله تعالى، في "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" (¬١) ﷺ،

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    840

    الحافظ العلامة النظَّار أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ رحمه الله تعالى، في "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" (¬١) ﷺ،

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
188268
Book record
shamela-819
Source record
80017
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate