page 396, entry [265]Open original source
أبو حنيفة على شَرطِ أصحِّ الأسانيد ويدل على جلالة شأن أبي حنيفة في علم الحديث، وضبطه، وإتقانه، وصحة روايته، وعُلُوِّ مكانته، أنه لما قال البخاري: أصحُّ الأسانيد كلّهامالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وبنى على ذلك الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أن أجلَّ الأسانيد: الشافعيُّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، اعترض عليه الشيخ الإمام العلامة الحافظ علاء الدين مُغْلطاي: "بأن أبا حنيفة يَرْوي عن مالك أحاديث فيما ذكره الدَّارقُطْنِي". انتهى. وأجاب عنه البُلْقِيْني في "محاسن الاصطلاح" بقوله: "فأمَّا أبو حنيفة فهو وإن رَوَى عن مالك كما ذكره الدَّارقُطْنِي، لكن لم تشتهرْ روايتُه عنه، كاشتهار رواية الشافعي". انتهى. وقال العراقي: رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدَّارقُطْنِي في "غرائبه"، وفي "المَدبَّج"، ليستْ من روايته عن نافع، عن ابن عمر، والمسئلة مفروضة في ذلك، نعم ذكر الخطيب حديثًا كذلك في الرِّواية عن مالك. وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: "أما اعتراضه بأبي حنيفة فلا يَحْسُنُ، لأن أبا حنيفة لم تثبت روايتُه عن مالك، وإنما أوردها الدَّارقُطْنِي، ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه، بإسنادين فيهما مقال، وأيضًا فإن رواية أبي حنيفة عن مالك، إنما هي فيما ذكره في المذاكرة، ولم يَقْصِد الرِّواية عنه، كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه "الموطّأ" بنفسه". انتهى. نقله السيوطي في "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" (¬١). فانظر - يا رعاك الله - هؤلاء الحُفّاظ الأئمة الأعلام، لما ذكر الحافظ المغلْطاي الإمام أبا حنيفة في سلسلة أصحّ الأسانيد عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: لا يَرْمُون أبا حنيفة بسوء الحفظ والضعف في الرِّواية، ولا يُنكرون جلالته في الحديث، ولا إتقانَه في الرِّواية، وإنما يُنْكرون على مُغْلُطايإدخاله في هذه السلسلة، لعدم اشتهار روايتُه عن مالك، كاشتهار رواية الشافعي عنه، أو لأنها وقعتْ في المذاكرة، ولم يقصدْ أبو حنيفة الرِّواية عنه، أو لأن روايتُه عنه ليستْ من روايتُه عن نافع، أو لأنه لم تصح روايتُه عن مالك. فظهر من هذا اتفاقُ هؤلاء الحُفَّاظ الجهابذة أئمة النقد: الإمام الحافظ مُغُلْطاي، والإمام الحافظ البُلْقِيني، والحافظ العراقي، وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، والحافظ السيوطي، على أن الإمام أبا حنيفة في جلالة قدره، وإتقانه في الحديث قرين مالك، والشافعي، رحم الله الجميع. ولو قال الإمام مُغُلْطاي: إن من أصحّ الأسانيد أبا حنيفة، عن نافع عن ابن عمر لكان له وجه، ولا ريبَ أن من أصحّ الأسانيد أبا حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس، وهذا الإسناد ذكره الإمام عبد الوهَّاب الشَّعراني في "ميزانه الكُبرى" (¬١)، كما ذكر إسناد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عَبِيْدة السَّلْماني من كتابه "سير أعلام النبلاء" (¬٢): "قال أبو عمرو بن الصلاح: رُوِيَنا عن عمرو بن علي الفَلَّاس، أنه قال: أصح الأسانيد ابن سيرين، عن عَبِيْدة، عن علي. قلتُ - القائل الذهبي -: لا تفوُّق لهذا الإسناد مع قوته، على إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ولا على الزهري، عن سالم عن أبيه، ثم إن هذين الإسنادين رُوِيَ بهما أحاديث جَمَّةٌ في الصحاح، وليس كذلك الأول، فما في "الصحيحين" لعَبيدَة عن عليٍّ سوى حديث واحد". انتهى.وقال في ترجمة علقمة بن قيس النَّخعي الكوفي (¬١): "قال بعض الحفَّاظ وأحْسَنَ: أصحُّ الأسانيد منصور، عن إبراهيم عن علقمة، عن ابن مسعود، فعلى هذا، أصح ذلك: شعبة وسفيان، عن منصور، وعنهما يحيى القطَّان وعبد الرحمن بن مَهدي، وعنهما علي بن المديني، و عنه أبو عبد الله البخاري، ﵏". انتهى. وقال في ترجمة وكيع بن الجرَّاح (¬٢): "قلتُ: أصح إسنادٍ بـ "العراق " وغيرها، أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، وفي "المسند" بهذا عِدَّةُ مُتُون. قال عبد الله بن هاشم: خرج علينا وكيع يوما، فقال: أيُّ الإسنادين أحبّ إليكم: الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، (عن علقمة) عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش، فإنه أعلى، فقال: بل الثاني، فإنه فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه، والآخر شيخ، عن شيخ. وحديث يتداولهُ الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ". انتهى. وقال في ترجمة عبد لله بن هاشم (¬٣): "الحكم: حدثنا يحيى بن محمد العَنْبَري، حدثنا أحمد بن سَلَمة، حدثنا عبد الله بن هاشم، قال لنا وكيع: أيُّ الإسنادين أحب إليكم، الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقلنا: الأول، فقال: الأعمششيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه. وحديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ. قلتُ: بل والأعمش وشيخه لهما فقه ومعرفة وجلالة". انتهى. قلتُ: فعلى هذا: أصح أسانيد "العراق" وأجلّها ما رواه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أو الأسود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، فإن هؤلاء كلهم فقهاء نبلاء، ولهم معرفة وجلالة، بل أبو يوسف ومحمد أفقه وأجل من وكيع، وأبو حنيفة أفقه وأجل من سفيانَ والأعمش، وكذلك شيخه حماد أفقه من منصور. وقال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر": "وقد يقع في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب، ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار … والخبر المحتَفَّ بالقرائن أنواع. منها: ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" مما لم يبلغ حدَّ التواتر … ومنها: المشهور إذا كانت له طرق مباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل … ومنها: المسلسل بالأئمة الحفَّاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلا، ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال، من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم. ولا يتشكَّك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس، أن مالكا مثلا لو شافهه بخبرٍ لعلِمَ أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه أيضا من هو في تلك الدرجة ازداد قوة، وبعد عما يُخشى عليه من السهو". انتهى ملخَّصا.قلتُ: فعلى هذا: ما رواه الإمام الليث بن سعد - ويشاركه فيه غيرُه -، عن الإمام أبي يوسف - ويشاركه فيه غيره - عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، أو ما رواه الإمام الشافعي كذلك، عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة: يَجري فيه هذا الحكم، فإنه أيضا مُحْتَفٌّ بالقرائن، ومسلسل بالأئمة الحفَّاظ المتقنين. بل قد يرجّح المسلسل بالأئمة على ما في "الصحيحين" أيضا، قال ابن حجر في "شرح النخبة": "قد يَعرضُ للمَفوقِ ما يَجعلهُ فائقا، كما لو كان الحديث عند مسلم مثلا، وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر، لكن حَفَّتْ قرينة صار بها يفيد العلم، فإنه يُقدمُ على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردا مطلقا، وكما لو كان الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمةٍ وُصِفَت بكونها أصحَّ الأسانيد، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، فإنه يُقدَّم على ما انفردَ به، أحدهما مثلا، لا سيّما إذا كان في إسناده مَنْ فيه مقال". انتهى. فعلى هذا ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، يُقدَّم على الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وُصِفتْ بكونها أصحَّ الأسانيد، وكذلك ما رواه أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر، أو عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس، أو عن شيخه حمَّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود.