page 375, entry [261]Open original source
كثرة أتباع أبي حنيفة واشتهار مذهبه في الآفاق ثم قد امتاز الإمام أبو حنيفة من بين هؤلاء الأئمة بكثرة أتباع واشتهار مذهبه في الآفاق، فقد تبعه شطر أهل البسيطة، بل ثلثاها، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينا. قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (¬١): اشتهر مذهب الأوزاعي مدةً، وتلاشَى أصحابه، وتفانَوْا، وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا، ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلًا عن أن يكون مجتهدا. وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاثمائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربعمائة … ، ولا بأس بمذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومُتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العُلماء لا يعتدّون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه". وقال في "تذكرة الحفاظ" (¬٢): "كان أهل الشام" ثم أهل "الأندلس" على مذهب الأوزاعي مدة من الدهر، ثم فَنِيَ العارفون به، وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف". وقال الإمام الرَّبَّاني سيدي عبد الوهَّاب الشَّعراني في كتاب الميزان (¬٣): "ومذهبه - أي أبي حنيفة - أول المذاهب تدوينا، وآخرها انقراضا، كما قاله بعض أهل الكشف، قد اختاره الله تعالى إماما لدينه وعباده، ولم يزل أتباعه في زيادة في كل عصر إلى يوم القيامة، لو بس أحدهم وضرب على أن يخرجعن طريقه ما أجاب، فرضي الله عنه وعن أتباعه وعن كل من لزم الأدب معه ومع سائر الأئمة". وقال أيضًا رحمه الله تعالى في "الميزان (¬١): "إن الله تعالى لما مَنَّ عليَّ بالاطلاع على عينِ الشريعة، رأيت المذاهب كلَّها متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة بحري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي اندرستْ، قد استحالتْ حِجارة، ورأيت أطوَل الأئمة جَدْولا الإمامَ أبا حنيفة، ويليه الإمام مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد بن حنبل، وأقصرهم جدولا مذهبَ الإمام داود، وقد انقرض في القرن الخامس، فأولتُ ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب الإمام أبي حنيفة أولَ المذاهب المدوَّنة تدوينا، فكذلك يكون آخرها انقراضا، وبذلك قال أهل الكشف".