page 345, entry [257]Open original source
إمامة أبي حنيفة في الحديث: وقد شهد الأئمة في القديم والحديث بإمامة أبي حنيفة في الحديث، قال الإمام المحدّث حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النَّمَيرِي القرطبى الأندلسى رحمه الله تعالى في كتابه المعروف "جامع بيانِ العلم وفضله وما ينبغى في روايته وحَمْلته" (¬٤): "حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا ابن رَحْميون، قال: سمعتُ محمد بن بكر بن داسهْ يقول: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني، يقول: رحم اللهمالكا، كان إماما، رحم الله الشافعي، كان إماما، رحم الله أبا حنيفة، كان إماما". وقال في كتابه: "الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة ﵃، وذكرِ عيونٍ من أخبارهم وأخبار أصحابهم للتعريف بجلالة أقدارهم" (¬١): "حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى ﵀، قال: أنا أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزّاق التمَّار المعروف بابن داسَهْ، قال: سمعتُ أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني ﵀، يقول: رَحِمَ اللهُ مالكا كان إماما، رحم الله الشافعي، كان إماما، رحم الله أبا حنيفة، كانا إماما". فهذه شهادة الإمام الثبتِ سيّدِ الحفّاظ شيخ السنّة أبي داود الأزدي السجستاني صاحب "السنن" رحمه الله تعالى، في حق الأئمة الثلاثة بإمامتهم، وتجدُ شرحَ هذه الإمامة مستوفى فيما كتبه الإمامُ الحافظ العلامة شيخُ "خراسان" أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله تعالى في مدخل كتابه "دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة" (¬٢) ونصه: "فصل: ومما يحق معرفته في الباب أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله ﷺ بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (¬٣) ووضع رسوله ﷺ من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (¬٤)، وترك نبيه في أمته حتى يبين لأمتهما بعث به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته، وقد تركهم على الواضحة، فلا تنزل بالمسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله وسنة رسول الله بيانهًا نصًا أو دلالة. وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته، وحفظها على أمته، ورد البدعة عنها. كما أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الصوفي، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا مُعَان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ: "يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". ورواه الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عن النبي ﷺ. وقد وُجِدَ تصديقُ هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا، وقام بمعرفة رواة السنَّة في كل عصر من الأعصار جماعة، وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح، وبيَّنوها، ودوَّنوها في الكتب، حتى من أراد الوقوفَ على معرفتها وجد السبيلَ إليها، وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل، فمن سواهم من علماء الحديث. أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو سعيد الخلّال، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا محمود بن غيلان المروزي، قال: حدثني الحمَّاني، عن أبي حنيفة قال: ما رأيتُ أحدًا أكذبَ من جابر الجعفي، ولا أفضلَ من عطاء.قال: وحدثنا عبد الحميد الحمَّاني، قال: سمعتُ أبا سعد الصغَاني، قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة ما تقول في الأخذ عن الثورى؟ فقال: أكتبْ عنه، فإنه ثقة ما خلا أحاديث أبي إسحاق عن الحارث، وحديث جابر الجعفي. وأخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطَّان بـ "بغداد"، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعتُ حرملة، يقول: قال الشافعي: الرواية عن حرام بن عثمان حرام. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الغضائرى بـ "بغداد"، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا عفَّان، قال: حدثني يحيى بن سعيد القطَّان، قال: سألتُ شعبة، وسفيان الثوري، ومالكَ بنَ أنس، وسفيانَ بن عيينة عن الرجل يتّهم في الحديث، ولا يحفظ؟ فقالوا: بين أمرَه للناس. وأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، قال: حدّثني أبو سعد الهروى، عن أبي بكر بن خلّاد، قال: قيل ليحيى بن سعيد القطَّان: أما تخشى أن يكون الذين تركتَ حديثَهم خصماءك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائى عند الله أحبّ إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول: لم حدثتَ عني حديثًا، تُرى أنه كذب؟ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعتُ الشافعيَّ ﵀ يقول: لولا شعبة ما عُرف الحديث بـ "العراق"، وكان يجيء إلى الرجل، فيقول: لا تحدثْ وإلا استعديت عليك السلطان.فعلى هذه الجملة كان ذبّهم عن حريم السنّة، وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية. " ا هـ. وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي ﵀ في "كتاب العلل" من "جامعه" (¬١): وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلّموا في الرجال، منهم: الحسن البصري، وطاوس، تكلّما في معبد الجهنى، وتكلّم سعيد بن جُبير في طلق بن حبيب، وتكلّم إبراهيم النخَعى وعامر الشعبى في الحارث الأعور. وهكذا روى عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثورى، ومالك بن أنس، والأوزاعى، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعبد القطَّان، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الرحمن بن مهدى، وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلّموا في الرجال، وضعَّفوا. وإنما حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يظنُّ بهم أنهم أرادوا الطعنَ على الناس أو الغيبةَ، إنما أرادوا عندنا أن يبيّنوا ضعفَ هؤلاء لكي يعرفوا، لأن بعضهم من الذين ضُعّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متّهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحابَ غفلة وكثرة خطإ. فأراد هؤلاء الأئمة أن يبيّنوا أحوالَهم شفقةً على الدين وتثبيتا، لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال … - وسرد أقوالا من أئمة هذا الفن في جرح كثير من الرواة، إلى أن قال -:حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو يحيى الحمَّاني، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: "ما رأيتُ أحدا أكذبَ من جابر الجعفى، ولا أفضلَ من عطاء بن أبي رباح". اهـ. وقال شيخ البيهقى الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النَّيْسَابوري الحكم المعروف بابن البيِّع في كتابه "المستدرك على الصحيحين" (¬١) عند سرد طرق حديث "لا نكاحَ إلا بوليّ ما نصه: "وقد وصلَ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق جماعة من أئمة المسلمين غير من دكرناهم، منهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ورقبة بن مَصْقلة العبدي، ومُطَرِّف بن طريف الحارثي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم، وقد ذكرناهم في الباب". اهـ. وقال الحكم أيضًا في كتابه "معرفة علوم الحديث" (¬٢) ما نصه: "ذكر النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم، ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة والتبرّك بهم، وبذكرهم من الشرق إلى الغرب - فذكر خلقا من أعيان كثير من البلدان -. فمنهم من أهل "المدينة": محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن المنكدر القرشي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرائي، ومالك بن أنس الأصبحي، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم. ومن أهل "مكة": مجاهد بن جَبْر، وعمرو بن دينار، وعبد الملك بن جُريج، وفضيل بن عياض، وغيرهم.ومن أهل "مصر": عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شُريح التّجيبى، وغيرهم. ومن أهل"الشام": عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم. ومن أهل "اليمن": طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما. ومن أهل "اليمامة": يحيى بن أبي كثير، وغيره. ومن أهل "الكوفة": عامر بن شَراحيل الشعي، وسعيد بن جُبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السَّبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَم الضَّبِّي، والأعمش الأسدي، ومِسْعِر بن كِدام الهلالي، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نصير الطائى، وزفر بن الهذيل، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم. ومن أهل "الجزيرة": ميمون بن مِهْران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن مَعْدان العابد، وغيرهم. ومن أهل "البصرة": أيوب بن أبي تميمة السَّخْتياني، وشعبة بن الحجّاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم. ومن أهل "واسط": العوّام بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالاني، وغيرهم. ومن أهل "خراسان": إبراهيم بن طَهْمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل "بلخ"، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. رحمة الله عليهم أجمعين". انتهى. وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العبَّاس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلى في كتابه "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعةوالقدرية" (¬١): "قال أبو العباس بن عُقْدَة: حدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، حدّثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشَّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ … قلتُ - القائل ابن تيمية -: وهذا يدلّ على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسليمن، وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم على عليّ، فإنه من أهل "الكوفة" دار الشيعة، وقد لقى من الشميعة، وسمع من فضائل على ما شاء الله، وهو يحبّه، ويتولاه، ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن النعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله. ولم يجبْه ابن النعمان بجواب صحيح، بل قال: عن غير من رويتَ عنه حديث: يا ساريةُ الجبلَ. فيقال له: هبْ إن ذلك كذب، فأيّ شيء في كذبه مما يدلّ على صدق هذا؟ فإن كان كذلك، فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهما كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه، ومخالفته للشرع والعقل، وأنه لم يروه أحد من العُلماء المعروفين بالحديث من التابعين وتابعيهم، وهم الذين يروون عن الصحابة، بل لم يروه إلا كذّاب أو مجهول، لا يعلم عدله وضبطه، فكيف يقبل هذا من مثل هؤلاء، وسائر العُلماء المسلمين يودّون أن يكون مثل هذا صحيحا لما فيه من معجزات النبي ﷺ، وفضيلة عليٍّ، على الذين يحبّونه ويتولّونه، ولكنّهم لا يستجيزون التصديق بالكَذِبِ، فردوه ديانةً. والله أعلم".وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (¬١): " … أئمة أهل الحديث، والتفسير، والتصوّف، والفقه، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم". وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى في كتابه "البداية والنهاية" (¬٢): والطحاوى ﵀ وإن كان قد اشتبهَ عليه أمرُه - أي أمر حديث ردّ الشمس لعليّ - فقد رُوِي عن أبي حنيفة ﵀ إنكارُه والتهكّمُ بمن رواه، قال أبو العبَّاس بن عقدة: ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عبّاد، سمعتُ بشّار بن دراع، قال: لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان، فقال: عمن رويتَ حديثَ رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويتَ عنه: يا ساريةُ الجبلَ. فهذا أبو حنيفة ﵀، وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفي، لا يتهم على حبّ علي بن أبي طالب وتفضيله بما فضَّله الله به ورسوله، وهو مع هذا ينكر على راويه. وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب، بل مجرّد معارضة بما لا يجدي، أي أنا رويتُ في فضل علي هذا الحديثَ، وهو إن كان مستغربا، فهو في الغرابة نظير ما رويتيه أنت في فضل عمر بن الخطَّاب في قوله: "يا ساريةُ الجبلَ". وهذا ليس بصحيح من محمد بن النعمان، فإن هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا، وأين مكاشفة إمام، قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها، الذي هو أكبر علامات الساعة؟ ".وقال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (¬١): "محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي أبو جعفر الملقَّب "شيطان الطّاق" نسب إلى سوق في طاق المحامل بـ "الكوفة"، كان يجلس للصرف بها … ، ويقال: إن أول من لقبه "شيطان الطاق" أبو حنيفة مع مناظرةٍ جرتْ بحضرته بينه وبين بعض الحرورية … ، ووقعتْ له مناظرة مع أبي حنيفة في شئ يتعلق بفضائل عليٍّ، سُمِّي فيها محمد بن النعمان نسبة إلى جدّه، فقال أبو حنيفة كالمنكر عليه عن من رويت حديث رد الشمس لعلى؛ فقال: عمن رويتَ أنت عنه: (يا ساريةُ الجبلَ)؟. اهـ. وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجّة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيّم الجوزية الحنبلي في كتابه "إعلام الموقّعين عن رب العالمين" (¬٢): وقد احتجَّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها، واحتجَّ بها، وإنما طَعَنَ فيها من لم يَتَحَمَّل أعباءَ الفقه والفتوى، كأبى حاتم البُسْتِي، وابن حزْم، وغيرهما". اهـ. وقال أيضًا في موضع آخر منه (¬٣) ما نصه: "أما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كالشافعى، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق … ". اهـ. فهؤلاء الأئمة الجِلّةُ الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقى، وابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيّم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين، الذين يرجع إلىأقوالهم في الجرح والتعدلِل والتصحيح والتعليل كسائرِ الحفَّاظ النقَّاد من أئمة المحدّثين. وقد اعترف جهابذةُ المحدثين والحُفّاظ من المتقدّمين والمتأخّرين ببراعته في الحديث، وضبطه، وإتقانه، وحفظه، وورعه في روايته. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد": (¬١) أخبرنا الجوهرى، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني، حدّثنا عبد الواحد بن محمد الخصيبي، حدثني أبو مسلم الكجى إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن سعيد أبو عبد الله الكاتب، قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخريبي، يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم، قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه". اهـ. قلتُ: والخريبي هذا من كبار الحفّاظ، ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (¬٢)، وحلّاه "بالحافظ الإمام القدوة"، ونقل عن وكيع أنه قال: "النظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة". وذكر "أن الخرب قيل له: رجع أبو حنيفة عن مسائل كثيرة، قال: إنما يرجع الفقيه إذا اتَّسع علمه". اهـ. فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم، وحفظ السنن. وروى الخطيب أيضًا، قال: أخبرنا الخلَّال، أخبرني الحريري، أن النخَعي حدثهم: أخبرنا سليمان بن الربيع الخزَّاز، حدّثنا محمد بن حفص، عن الحسن بن سليمان أنه قال في تفسير الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة وتفسيره الآثار". اهـ.قلتُ: والحسن بن سليمان هذا معدود في الحفّاظ، ترجم له الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (¬١)، و "سير أعلام النبلاء" (¬٢)، وقال في "السير": قُبَّيْطَة الحافظ المتقن الإمام أبو علي الحسن بن سليمان البصري نزيل "مصر"، وصفه ابن يونس بالحفظ. اهـ. فهذا الحافظ الإمام يطري أبا حنيفة، ويثني على علمه وتفسيره الأحاديث والآثار. وقال الخطيب أيضًا في "تاريخ بغداد" (¬٣): أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن نصر بن محمد بن إشكاب البخاري، قال سمعتُ: محمد بن خلف بن رجاء، يقول: سمعتُ محمد بن سلمة، يقول: قال خلف بن أيوب: "صار العلم من الله تعالى إلى محمد ﷺ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط". اهـ. قلتُ: وقول خلف بن أيوب هذا يشبه ما قال ابن حزْم في حق محمد بن نصر المروزي، قال الذهبي في ترجمة ابن نصر المروزي من كتابه "سير أعلام النبلاء" ما نصه: قال أبو محمد بن حزْم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه. قال: وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمَّ منها في محمد بن نصر المروزى، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما أبعد عن الصدق.قلتُ - القائل الذهبي -: هذه السعة والإحاطة ما ادَّعاها ابن حزْم لابن نصر إلا بعد إمعان النظر في جماعة تصانيف لابن نصر، ويمكن ادّعاء ذلك لمثل أحمد بن حنبل ونظرائه، والله أعلم". انتهى. قلت: وإذا ان ادّعاء ذلك صحيحا لمحمد بن نصر عند ابن حزم، ولأحمد ونظرائه عند الذهبي، فيكون ادّعاء ذلك صحيحا بالأولى للإمام الأعظم أبي حنيفة، فإنه أسبق المجتهدين المتبوعين، وأعلمهم وأفقههم وأقدمهم، رضي الله تعالى عنه وعن أصحابه، على ما شهد به شيخ أحمد وابن مَعين خلف بن أيوب هذا، ولم تكن شهادته بذلك لأبي حنيفة رحمه الله تعالى إلا بعد إمعان النظر في فقهه وإتقانه لمذهبه، وهذه شهادة صدق من إمام بارع تقي، كيف لا؟ والعلم برا وبحرا شرقا وغربا، بعدا وقربا تدوينه رضى الله تعالى عنه، كما قاله ابن النديم في كتابه "الفهرست" (¬١). وقال الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد كبار الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، ملا على القاري شارح "المشكاة" في كتابه "مسند الأنام في شرح مسند الإمام" (¬٢) ما نصه: "إن حسن الظن بأبي حنيفة أنه أحاط بالأحاديث الشريفة من الصحيحة والضعيفة". اهـ (¬٣).وخلف المذكور هذا قال فيه صدر الأئمة الموفَّق بن أحمدِ المكّي في "مناقب الإمام الأعظم" (¬١) ما لفظه: "خلف بن أيوب كان من "بلخ"، ما روى عن أبي حنيفة، ويروي عن أبي يوسف، وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم، قدم على عبد الله بن المبارك، فعانقه، وأكرمه، فلما قام من عنده قال: ما أشبه سيماه بسيما أهل الجنة، وكان يسمع من حمَّاد بن سلمة، فلما قام من عنده قال حمَّاد: ما أحسن سمت هذا الرجل وهديه، ما قدم علينا من "خراسان" خير منه، توفي سنة خمس ومائتين، فلما رفعت جنازته أقبل نوح بن أسد والي "بلخ" إلى جنازته، فوضعها على عاتقه، حتى بلغ المصلَّى، وصلى عليه نوح بن أسد، فلما سلَّم سمع صوتا في الهواء يا نوح بن أسد صليتَ على خير أهل الأرض، صليتَ على خلف بن أيوب، فزتَ". اهـ. وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (¬٢): "خلف بن أيوب الإمام المحدّث الفقيه، مفتى المشرق، أبو سعيد العامري البلخى الحنفي الزاهد، عالم أهل "بلخ". تفقّه على القاضي أبي يوسف، وسمع من ابن أبي ليلى، وعوف الأعرابي، ومعمر بن راشد، وطائفة، وصحب إبراهيم بن أدهم مدة، حدّث عنه يحيى بن مَعين، وأحمد بن حنبل، وأبو كُريب، وعلي بن سلمة اللبقي، وأهل بلده." اهـ. وسيأتيك في الفصول الآتية من ثناء أئمة المحدّثين القدامى والحفّاظ المتأخرين على الإمام أبي حنيفة في جودة حفظه وسعة علمه ما يصدّق قولَ خلف هذا، ويزيد، وبالله التوفيق.