page 342, entry [256]Open original source
عنايته بطلب الحديث وقد شهد له أئمةُ النقد وكبارُ المحدّثين بعنايته بطلب الحديث وارتحاله في ذلك ومعاناته في تحصيله. قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي حنيفة من كتابه "سير أعلام النبلاء" (¬١): "وعُني بطلب الأثار، وارتحل في ذلك". ا هـ. وقال أيضًا: (¬٢) "إن الإمام أبا حنيفة طلب الحديثَ وأكثرَ منه في سنة مائة وبعدها". ا هـ. وقال أيضًا في جزئه الذي صنّفه في "مناقب أبي حنيفة" في ذكر شيوخه: (¬٣) "وسمع الحديث من عطاء بن أبي رَبَاح بـ "مكة"، وقال: ما رأيتُ أفضل من عطاء". قلتُ: وكان عطاء أيضًا يُفضِّلُه على تلامذته، فكان أبو حنيفة إذا حضر مجلسَ السماع أوسَعَ له، وأدناه، كما سيأتي. وقال في "دول الإسلام" (¬٤): "وأكبرُ شيوخه عطاء بن أبي رَباح، وشيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان". ا هـ. قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (¬٥): أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطَّلْحي، حدثنا عثمان بن عبيد اللهالطلحي، حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، حدثنا سعيد بن سالم البصري، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: لقيتُ عطاءً بـ "مكة" فسألتُه عن شيء، فقال: من أين أنتَ؟ قلتُ: من أهل "الكوفة"، قال: أنت من أهل القرية الذين فرَّقُوا دِيْنَهم وكانوا شِيَعًا؟ قلت نعم! قال: فمِنْ أيِّ الأصناف أنت؟ قلتُ: ممن لا يَسُبُّ السلفَ، ويؤمنُ بالقدر، ولا يُكَفِّرُ أحدًا بذنب، قال: فقال لي عطاء: عرفتَ فالزم". ا هـ. وقال الإمامُ المحدّثُ الفقيه شيخ الخطيب البغدادي، القاضي، أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمرى في كتابه "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" (¬١): "أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا مُكرَّم، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن نوح، قال: ثنا حفص بن يحيى، قال: ثنا محمد بن أبان، عن الحارث بن عبد الرحمن، قال: كنا نكون عند عطاء، بعضُنا خلفَ بعض، فإذا جاء أبو حنيفة أوسَعَ له، وأدناه". ا هـ. قلتُ: وصنيعُهُ هذا معه يدلّ على أن الإمام أبا حنيفة كان من أنجب تلامذته في الحديث، وقد ذكر الإمامُ عبد الوهَّاب الشعراني في كتابه "الميزان الكبرى" (¬٢): سَنَدَ: أبو حنيفة، عن عطاء، عن ابن عباس، كما ذكر سَنَدَ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، حيْنَما تعرض لبيان أسانيد الأئمة المجتهدين في الكتاب والسنَّة. وكذلك شيخه في الفقه حماد بن أبي سليمان أيضًا يُجْلِسُه في صدر الحلقة حذاءَهُ، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (¬٣): "أخبرناالخلّالُ، أخبرنا الحريري أن النخعيَّ حدّثهم، قال: حدثني جعفر بن محمد بن حازم، حدّثنا الوليد بن حماد، عن الحسن بن زياد، عن زفر بن الهذيل، قال: سمعتُ أبا حنيفة يقول: كنتُ أنظر في الكلام حتى بلغتُ فيه مبلَغُا، يُشارُ إليّ فيه بالأصابع، وكنّا نجلِسُ بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتْني امرأة، فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يُطلِّقَها للسنّة، كم يُطلِّقُها؟ فلم أدر ما أقول؟ فأمرتُها تسأل حمادا، ثم ترجعُ، فتُخبِرُني، فسألتْ حمادا، فقال: يطلقُها وهي طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلتْ فقد حلّت للأزواج. فرجعتْ فأخبرتْني، فقلتُ: لا حاجة لي في الكلام، وأخذتُ نعليّ، فجلستُ إلى حماد، فكنتُ أسمع مسائله، فأحفظ قولَه، ثم يُعيِدُها من الغد، فاحفظها، ويُخْطئُ أصحابُه، فقال: لا يجلِسْ في صدر الحلقة بحذائي غيرُ أبي حنيفة". ا هـ. قلتُ: هذا يدل على جودة حفظ الإمام وإتقانه. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" (¬١): "أخبرني محمد بن عبد الملك القرشى، أنبأنا أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن الحسين الرازي، حدثنا علي بن أحمد القاري، أخبرنا محمد بن الفضل هو البلخى العابد، أنبأنا أبو مطيع، قال: قال أبو حنيفة: دخلتُ على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عمن أخذتَ العلمَ؟ قال: قلتُ: عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطَّاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، قال: فقال أبو جعفر: بَخ بَخ، استوثقتَ ما شئتَ، يا أبا حنيفة، الطيّبين الطاهرين المباكين، صلوات الله عليهم". ا هـ.هكذا وقع في المطبوع من "تاريخ بغداد"، والصوابُ ("عن إبراهيم عن أصحاب عمر بن الخطَّاب" … إلخ) صرَّح به العلامة الكوثري في "التأنيب" (¬١). قلتُ: وقد فاق الإمام في طلب الحديث على مشايخ عصره، فقد روى الحافظ الذهبي في "مناقب أبي حنيفة" (¬٢) عن الإمام مِسْعَر بن كِدَام، قال: "طلبتُ مع أبي حنيفة الحديثَ، فغلبَنا، وأخذنا في الزهد، فبرع علينا، وطلبنا الفقه، فجاء منه ما ترون". ا هـ. قلتُ: ومسعر بن كدام هذا ذكره الذهبي في "تذكرة الحُفّاظ"، وحلّاه في كتابه "سير أعلام النبلاء" بالإمام الثبتِ شيخِ "العراق" الحافظ. وقال صدر الأئمة المكي: وكان مسعر بن كدام أحدَ مفاخر "الكوفة" في حفظه وزهدهِ، وكان من شيوخ أبي حنيفة، روى عنه في "مسنده" (¬٣).