page 293, entry [244]Open original source
بعض التشنيعات في حق الإمام: ومن جملة التشنيعات في حق الإمام، رضي الله تعالى عنه، قول بعض الحُسَّاد: إنه كان قليل الرواية، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار، كغيره من مُجتهدي عصره، ومن تأخَّر بقليل عنهم. والجواب عن ذلك هو المنع؛ بدليل أن أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، كان أكثر الناس تفريعًا للأحكام، ووضعًا للمسائل، وكثرة الفروع تدلّ على كثرة الأصول، وصحتها على صحتها، وقد سلموا أن أبا حنيفة أقوى في القياس من غيره، وأعرف به من سواه، وإنما يُقاس على الكتاب والأثر، كثرة قياسه في المسائل تدلُّ على كثرة اطلاعه على الأثار، كثرة إحاطته بها. وإنما قلَّت الرواية عنه لما ذكرناه سابقًا، من كونه كان يشترط في جواز الرواية حفظ الراوي لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يُحدث به، ولأنه صاحب مذهب، نصب نفسه لتدوين الفقه، وإثبات الأحكام، وتفقيه الناس وإفتائهم، وهذا لا يدل على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبي ﷺ كان قليلًا؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدوَّنه، وأثبته عنده، وجعله أصلًا ليقيس عليه نظائره؛ فمرة يفتي بحكمه، ولا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، وينقطع عنده، وكذا فعل أكثر فقهاء الصحابة، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، ويخرجها، من فقهاء الصحابة، ﵃. ويدلك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله ﷺ من مبعثه إلى وفاته، وكانوا لا يكادون يُفارقونه في سفر ولا حضر، وكذلك عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر؛ وأبو هريرة أكثر رواية منهم، وإنما صحب النبي ﷺ أكثر مما سمع هؤلاء،أو شاهد أكثر مما شاهد هؤلاء!!، وقد روى الناس عنه أكثر مما رَوَوْا عنهم!! وإنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الراشدين، ﵃، كانوا فقهاء الصحابة، وكانوا أصحابَ مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود، وكانوا يفتون بكل علم صدر عن قول رسول الله ﷺ أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، ولا يروونه، وربما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممن خالفه من نظرائه. وهذا هو المعنى في قلة رواية ذي المقالة والمذهب عن النبي ﷺ للناس، وقلة روايتهم عنه. وأما هو فقد سمع من الأخبار، وجمع ما لم يحط به غيره؛ فإن الأخبار منها ناسخ ومنسوخ، ومثبت وناف، وحاظر ومبيح، ونحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، وأخذ بالناسخ منها، وهو المتأخّر، فإن لم يعلم بالمتأخّر، أخذ بأرجحهما عنده، وترك الآخر، فإذا أخذ المتأخّر أو ما رجح عنده، فربما رواه، وربما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأسقط ما نافاه، ولم يلتفتْ إليه، وأصحاب الحديث يروون الجميع؛ فلهذا قلَّت رواية الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من الفقهاء. وقد يرد أيضًا الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصحّ الطرق، فيرويه منها، وريما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلّت الروايةُ عن الفقهاء أولي المقالات. قال أبو بكر عتيق بن داود اليماني: فإن قال قائل: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "بلّغوا عني ولو آية"، وقال ﵊: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوَعَاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". قيل له: إذا أفتى بما قال النبي ﷺ، أو بما فعل، فقد بلغ أشدّ التبليغ؛ لأن صاحب المقالة والمذهب،يلزمه أن لا يروي جميع الأخبار المتنافية، لأن ذلك يؤدي إلى تحير من يستفتي، ولا يحصل له التخلّص مما نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصحيح عنده، أو رَوَاه، حصلتْ للمُستفتي الفائدة، وفي هذا كفاية لكل ذي بصر. فهذا يدل على أن قلّة الرواية عنه لا تدلّ على قلّة ما نقله من الأخبار والآثار، عن النبي ﷺ. انتهى. هذا، ولئن سُلّم ما زعمه المشنّع من قلة الرواية، فجوابه أنا نقول: قال أبو عمر بن عبد البر (¬١): الذي عليه جماعة [فقهاء] المسملمين وعُلمائهم ذم الإكثار - يعني من الحديث - دون تفقّه ولا تدبّر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة (¬٢) الكذب على رسول الله، ﷺ (¬٣) ثم روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم وكثرة الحديث، ومن قال عني فلا يقولنَّ إلا حقًا". وروى بسنده أيضًا، عن وهب بن بقية (¬٤)، قال: سمعتُ خالد بن عبد الله، يقول: سمعتُ ابن شبرمة، يقول: أقلل الرواية تفقه. وقال أيضًا (¬٥): أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عَصرنا [اليوم]، دون تفقة فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم. ثم ذكر (¬٦) بعد كلام طويل، قول الأعمش لأبي يوسف: أنتم الأطبَّاء، ونحن الصيادلة.ومن ها هنا قال الترمذي: إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل، كالصيدلاني. وعن ابن المبارك، أنه قال: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأى ما يفسر لك الحديث. ولله درّ بعضهم حيث يقول: إن الرُواةَ على جَهْلٍ بما حَملُوا … مثلُ الجِمَال عليها يُحْمَل الوَدَعُ لا الوَدْعُ يَنفْعهُ حَمْلُ الجمالِ له … ولا الجمالُ بِحَمْل الوَدْع تنتفعُ وقال ابن أبي ليلى: لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويَدَع.