page 286, entry [242]Open original source
الفصل الرابع في ما كان عليه أبو حنيفة من وفور العقل، والفِطنة، والذكاء المفرط، والتلطف في الجواب، وبره لوالديه: روى الخطيبُ (¬١) بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر وعمر، ويحبّ عليًا وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلّم في القدر، وكان يمسح على الخفّين، وكان من أعلم الناس في زمانه وأتقاهم. وعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع، فلا يقولنَّ أحدٌ بقوله، ولا يصلينَّ أحدٌ خلفه. وروي (¬٢) أن ابن المبارك قدم على أبى حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبَّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له: جهم. قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق. فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (¬٣). وكان معلّى بن منصور الرازي، يقول: ما تكلّم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمد، ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم بشر المريسي، وابن أبي داود. وعن ابن المبارك (¬٤): قلتُ لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعتُه يغتاب عدوا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.وكان عليُّ بن عاصم، يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أقل الأرض لرجح بهم. وقال خارجة بن مصعب: لقيتُ ألفًا من العلماء، فوجدتُ العاقل فيهم أربعة، فذكر أبا حنيفة في الثلاثة أو الأربعة. وقال أيضًا: من لا يرى المسح على الخفَّين، أو يقع في أبي حنيفة، فهو ناقص العقل. وكان يزيد بن هارون (¬١) يقول: رأيتُ (¬٢) الناس فما رأيتُ أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وروى الخطيب في "تاريخه"، أنه كان بـ "الكوفة" رجل يقول: عُثمان بن عفَّان كان يهوديًا. فأتاه أبو حنيفة، قال: أتيتُك خاطبًا لابنتك. قال: لمن؟ قال: لرجل شريف، غني من المال، حافظ لكتاب الله، سخي، يقوم في الليل في ركعة، كثير البكاء من خوف الله. قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلا أن فيه خصلة. قال: وما هي؟ قال: يهودي. قال: سُبحان الله، تأمرني أن أزوّج ابنتي من يهودي. قال: لا تفعل؟ قال: لا. قال: فالنبي ﷺ زوَّج ابنتَه من يهودي!. قال: أستغفر الله، فإني تائب إلى الله.وروى الخطيب أيضًا (¬١)، بسنده، عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، قال: كان لنا جار طحَّان رافضي، وكان له بغلان؛ أحدهما أبو بكر، والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبرَ أبو حنيفة، فقال: انظروا البغلَ الذي رمحه، هو الذي سماه عمر، فنظروا، فكان كذلك. وقال ابن المبارك: رأيتُ أبا حنيفة في طريق "مكة"، وقد شوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل، فلم يجدوا شيئًا يصبّون فيه الخلَّ، فتحيَّروا، فرأيتُ أبا حنيفة قد حفر في الرمل حفرة، وبسط عليها السفرة، وسكب الخلَّ على ذلك الموضع، فأكلوا الشواءَ بالخلّ، فقالوا له: تحسن كل شيء!!. قال: عليكم بالشكر، هذا شيء ألهمته فضلًا من الله عليكم. وعن أبي يوسف (¬٢)، قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يُعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يُخالف جدَّك، كان عبد الله بن عبَّاس يقول: إذا حلف اليمين استثنى ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء، إلا متصلًا باليمين. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جُندك بيعة. قال: كيف؟ قال: يحلفون لكم، ثم يرجعون إلى منازلهم، فيستثنون، فتبطل أيمانُهم. قال: فضحك المنصور، وقال: يا ربيع، لا تعرض لأبي حنيفة.فلما خرج أبو حنيفة، قال: أردتُ أن تشيط بدمي؟ قال لا، ولكنك أردتَ أن تشيط بدمي، فخلصتك، وخلصت نفسي. وكان أبو العبَّاس الطوسي (¬١) سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبي جعفر المنصور يومًا، وكثر الناس عنده، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة. فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا، فيأمره بضرب عنق الرجل، لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب؟ فقال: يا أبا العبَّاس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق. قال: أنفذ الحق حيث كان، ولا تسئل عنه. ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني، فربطته. وكان أبو حنيفة، ﵀، كثير البر بوالدته، والقيام بواجب حقّها، وإدخال السرور عليها، وعدم المخالفة لها. حدّث حجر بن عبد الجبّار الحضرمي (¬٢)، رحمه الله تعالى، قال: كان في مسجدنا قاص، يُقال له: زرعة، ينسب مسجدنا إليه، وهو مسجد الحضرميين، فأرادتْ أمُّ أبي حنيفة أن تستفتي في شيء، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبلْ، وقالتْ: ما أقبل إلا ما يقوله زرعة القاص. فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة، فقال: هذه أمّي، تستفتيك في كذا وكذا. فقال: أنت أعلم مني وأفقه، فأفتها أنت. فقال أبو حنيفة: قد أفتيتُها بكذا وكذا. فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة.فرضيتْ، وانصرفت. وفي رواية أن زرعة قال لها: أفتيك ومعك فقيه "الكوفة"! فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا، فأفتاها، فرضيتْ. وفي برّه بوالديه وتعظيمه لشيخه حمَّاد يقول بعضهم (¬١): نُعمَانُ كان أبرَّ الناسِ كُلِّهمُ … بوَالدَيْه وبالأُسْتاذ حَمَّادِ مَا مَدَّ رِجْليْهِ يومًا نحْو منزلِه … ودُونَه سِكَكٌ سَبْعٌ كأطْوَادِ روي أن أبا حنيفة قال: ما مددتُ رجليَّ نحو دار أستاذي حمّاد؛ إجلالًا له، وكان بين داره وداره سبع سِكك. وعن ابن المبارك، أنه قال: رأيتُ الحسن بن عمَّار آخذًا بركاب أبي حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركتُ أحدًا تكلم في الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جوابًا منك، وإنك لسيّد من تكلّم في وقتك غير مدافع، ولا يتكلّمون فيك إلا حسدًا. وكان ابن داود يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد، وجاهل، وأحسنهم عندى حالًا الجاهل. وحدّث سفيان بن وكيع، قال: سمعتُ أبى يقول: دخلتُ على أبى حنيفة، فرأيتُه مُطرقًا مُفكرًا، فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: أقبلتُ من عند شريك. فرفع رأسه، وأنشأ يقول (¬٢): إن يَحسُدُودني فإنِّي غيرُ لائِمِهمْ … قَبْلي مِن الناس أهْلُ الفضْلِ قد حُسِدوا فدَامَ لي ولهم مَا بِي وما بِهِمُ … ومَات أكثرُنا غَيظًا بما يَجِدُ قال: وأظنه كان بلغه عنه شيء.وذكر لمحمد بن الحسن ما يجري الناس من الحسد لأبي حنيفة، فقال: مُحَسَّدُون وشَرُّ الناسِ مَنْزِلَةً … مَن عاش في الناسِ يَوْمًا غيرَ مَحسودِ (¬١)