page 275, entry [239]Open original source
الفصل الثالث في عبادته، وورعه، وثناء الناس عليه بذلك عن يحيى بن مَعين (¬١)، أنه قال: سمعتُ يحيى القطَّان، يقول: جالسنا والله أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنتُ والله إذا نظرتُ إليه عرفتُ في وجهه أنه يتقي الله ﷿. وعن الحسن بن محمد الليثي (¬٢) أنه كان يقول: قدِمتُ "الكوفة"، فسألتُ عن أعبد أهلها، فدفعتُ إلى أبي حنيفة، ثم قدمتُها وأنا شيخ، فسألتُ عن أفقه أهلها، فدفعتُ إلى أبي حنيفة. وعن سُوَيد بن سعيد، قال: سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة، يقول: ما قدم رجل "مكة" في وقتنا أكثر صلاة من أبي حنيفة. وقال أبو مطيع: كنتُ بـ "مكة"، فما دخلتُ الطواف في ساعة من ساعات الليل إلا رأيتُ أبا حنيفة وسفيان في الطواف. وقال يحيى بن أيوب الزاهد: كان أبو حنيفة لا ينامُ الليلَ. وقال أبو عاصم النبيل (¬٣): كان أبو حنيفة يُسمّى الوتد؛ لكثرة صلاته. وعن أسد بن عمرو (¬٤)، قال: صلى أبو حنيفة - فيما حُفظ عليه - صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامة الليل يقرأ القرآن جميعه في ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل، حتى يرحمه جيرانُه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعةَ آلاف مرة.وعن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة (¬١)، عن أبيه قال لما ماتَ أبي سألنا الحسن بن عُمارة أن يتولى غسله، ففعلَ، فلمَّا غسلَه، قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّدْ يمينُك بالليل أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القرَّاء. وعن أبي يوسف (¬٢)، قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل. فقال أبو حنيفة: والله، لا يتحدّث عني بما لا أفعل. فكان يُحيي الليلَ صلاةً، ودعاءً، وتضرعًا. وعن ابن أبي معاذ (¬٣)، عن مسعر بن كدام، قال: أتيتُ أبا حنيفة في مسجده، فرأيتُه يُصلي الغداةَ، ثم يجلس للناس في العلم، إلى أن يُصلي الظهرَ، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلى العصرَ جلسَ إلى المغرب، فإذا صلى المغربَ جلسَ إلى أن يصلي العشاءَ، فقلتُ في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل، متى يتفرغ للعبادة؟، لأتعاهدنَّه الليلةَ. قال: فتعاهدتُه، فلمَّا هدأ الناس، خرج من المسجد، فانتصبَ للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزلَه، ولبس ثيابَه، وخرج إلى المسجد، صلى الغداةَ، فجلس الناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء. فقلتُ في نفسي: إن الرجل قد تنشط الليلةَ الماضيةَ للعبادة، لأتعاهدنَّه الليلةَ، فتعاهدتُه، فلما هدأ الناس خرج، فانتصبَ للصلاة، ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلما أصبحَ خرجَ إلى الصلاة، وفعل كفعله في يوميه، حتى إذا صلى العشاءَ، قلتُ في نفسي: إن الرجلَ لينشط الليلةَ والليلةَ، لأتعاهدنَّه،ففعل كفعله في ليلته، فلما أصبح جلس كذلك، فقلتُ في نفسي: لألزمنَّه إلى أن أموت أو يموت. قال: فلازمتُه في مسجده. قال ابن أبي معاذ: فبلغني أن مسعرًا ماتَ في مسجد أبي حنيفة في سجوده، رحمه الله تعالى. وكان خارجة بن مصعب، يقول: ختم القرآن في الكعبة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفَّان، وتميم الداري، وسعيد بن جُبَير، وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنهم. وكان أبو حنيفة ربما ختم القرآنَ في شهر رمضان ستين ختمة (¬١). وحدّث أحمد بن يونس، قال: سمعتُ زائدةَ، يقول: صليتُ مع أبي حنيفة في مسجده عشاءَ الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أني في المسجد، وأردتُ أن أسألَه عن مسئلة، من حيث لا يراني أحد، قال: فقام، فقرأ، وقد افتتح الصلاة، حتى إذا بلغ إلى هذه الآية (¬٢): ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، فأقمتُ في المسجد أنتظر فراغَه، فلم يزلْ يرددُها حتى أذن الموذن لصلاة الفجر. وروى عن يزيد بن الكميت (¬٣)، وكان من خيار الناس، أنه كان يقول: كان أبو حنيفة شديدَ الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا عليُّ بن الحسين المؤذّن ليلةً في العشاء الآخرة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس، نظرتُ إلى أبي حنيفة وهو جالس يُفكر، ويتنفّس، فقلتُ: أقوم، لا يشتغل قلبه.فلما خرجتُ تركتُ القنديل، ولم يكن إلا زيت قليل، فجئتُ وقد طلع الفجر، وهو قائم، قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: "يا من يجزي بمثقال ذرة خيرًا خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذرة شرًا شرًا، أجر النعمان عبدَك من النار، وما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك". قال: فأذنت، فإذا القنديل يزهو وهو قائم، فلما دخلتُ، قال لي: تريد أن تأخذ القنديل؟ قال: قلتُ: قد أذنت لصلاة الغداة. قال: اكتمْ على ما رأيتَ. وركع ركعتي الفجر، وجلسَ حتى أقمتُ الصلاة، وصلَّى معنا الغداةَ على وضوء أول الليل. انتهى. وقام (¬١) رضى الله تعالى عنه ليلة بهذه الآية (¬٢): ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يردّدها، ويبكي، ويتضرّع. وكان رحمه الله تعالى - كما قال ابن المبارك - أورع أهل "الكوفة". وروي (¬٣) أنه كان شريكًا لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا، فإذا بعته، فبين. فباع حفص المتاع، ونسي أن يبين، ولم يعلمْ ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كله. وروي أيضًا (¬٤)، عن أبي عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، قال: ما رأيتُ أحسنَ أمانة من أبي حنيفة، ماتَ يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفًا، ما ضاع منها ولا درهم واحد.ونقل أن أبا جعفر المنصور أجازه بثلاثين ألف درهم في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إني بـ "بغداد" غريب، وعندي للناس ودائع، وليس لها عندي موضع، فاجعلْها في بيت المال. فأجابه المنصور إلى ذلك، فدفع إليه الثلاثين ألفًا، ووضعها في بيت المال، فلما مات أبو حنيفة أخرجتْ ودائعُ الناس من بيته. فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة. وكان (¬١) رحمه الله تعالى، قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدَّق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدَّق بدينار، فكان إذا حلف صادقًا في عرض كلامه تصدَّق بدينار. وكان إذا أنفقَ على عياله نفقة تصدَّق بمثلها، وإذا اكتسَى ثوبًا جديدًا أكسَى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء. وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذَ منه، فوضعَه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل، ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان في الدار من عياله إنسان يحتاج إليه، دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكينًا. وقال وكيع (¬٢): كان والله، أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلًا كبيرًا عظيمًا، وكان يوثر رضاء ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل، رحمه الله تعالى، ورضى عنه رضى الأبرار، فلقد كان منهم. وقال ابن المبارك (¬٣): ما رأيتُ أحدًا أورعَ من أبي حنيفة، وقد (¬٤) جرب بالسياط والأموال.