page 257, entry [237]Open original source
الفصل الثاني في مناقب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وثناء الأئمة عليه: روى الخطيب البغدادي (¬١) بسنده، عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "إن في أمتي رجلًا"، وفي حديث القصري (¬٢): "يكون في أمتي رجل، اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي" (¬٣). قال الخطيب بعد روايته: قلتُ: وهو حديث موضوع، وتفرَّد بروايته البورقي (¬٤). قلتُ: قد ذكر أنه موضوع غير الخطيب أيضًا، وإنما ذكرناه نحن هنا لاحتمال صحته في نفس الأمر عند الله تعالى، ولأن معناه متحقق في الإمام رضى الله تعالى عنه، فإنه بلا شبهة ولا ريب سراج، يُستضاء بنور علمه،ويهتدى بسناء فكره الثاقب، وحُسن فهمه، ولأنه لا يترتب عليه شئ من أحكام الدين، ولا يثبت به قاعدة من قواعد الإسلام. وروى الخطيب (¬١) أيضًا، عن الحسن بن سليمان، في تفسير الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يظهر العلم"، قال: هو علم أبي حنيفة، وتفسيره للآثار (¬٢). وروى أيضًا عن خلف بن أيوب، أنه قال: صار العلم من عند الله تعالى إلى محمد ﷺ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمَنْ شاءَ فليرض، ومن شاءَ فليسخطْ. وعن إسحاق بن بهلول (¬٣)، سمعتُ ابن عُيينة، يقول: ما مقلتْ عيني مثل أبي حنيفة. وعن إبراهيم بن عبد الله الخلال، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: في الشرّ يا أبا عبد الرحمن، أو في الخير؟ فقال: اسكتْ يا هذا؛ فإنه يقال: غايةٌ في الشرّ، آية (¬٤) في الخير، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾. وعن المبارك أيضًا (¬٥)، قال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا يومًا في مسجد الجامع،فوقعتْ حيّة، فسقطتْ في حِجر أبي حنيفة، وهرب النأس غيره، ما رأيتُه زاد على أن نفض الحيةَ، وجلس مكانه. وعنه أيضًا (¬١)، أنه قال: لولا أن الله أعانَني (¬٢) بأبي حنيفة وسُفيان، لكنتُ كسائر الناس. وعن أبي يحيى الحمَّاني أنه كان يقول: ما رأيتُ رجلًا قط خيرًا من أبي حنيفة. وكان أبو بكر الواعظ، يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه. وعن سهل بن مزاحم (¬٣)، أنه كان يقول: بذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردْها، وضرب عليها بالسياط فلم يقبلْها. وقيل للقاسم بن معن (¬٤) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة. وحدَّث الشافعي محمد بن إدريس (¬٥)، قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيتَ أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيتُ رجلًا لو كلَّمَك في هذه السارية أن يجعلَها ذهبًا، لقام بحجّته. وعن روح بن عبادة (¬٦)، أنه قال: كنت عند ابن جُريج سنة خمسين، وأتاه موت أبي حنيفة، فاسترجع، وتوجَّع، وقال: أيّ علم ذهب.قال: ومات فيها ابن جريج. وروي عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: قدمتُ "الشام" على الأوزاعي، فرأيتُه بـ "بيروت"، فقال لي: يا خراساني، من هذا المبتدع الذي خرج بـ "الكوفة"، يُكنى أبا حنيفة؟! فرجعتُ إلى بيتي، فأقبلتُ على كتب أبي حنيفة، فأخرجتُ منها مسائل من جياد المسائل، وبقيتُ في ذلك ثلاثة أيام، فجئتُه يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: لي أيّ شئ هذا الكتاب؟ فتناولتُه، فنظرَ في مسئلة منها وقعت عليها: قال النعمان بن ثابت (¬١)، فما زال قائمًا بعدما أذن، حتى قرأ صدرًا من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمّه، ثم قام، وصلَّى، ثم أخرج الكتابَ حتى أتى عليها، فقال: يا خراساني! من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بـ "العراق". فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهبْ فاستكثرْ منه. قلتُ: هذا أبو حنيفة الذي نهيتَ عنه. وعن مسعر بن كدام (¬٢)، أنه قال: ما أحسد أحدًا بـ "الكوفة" إلا رجلين، أبا حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده. وعن إبراهيم بن الزرقان، أنه قال: كنت يومًا عند مسعر، فمرَّ بنا أبو حنيفة، فسلَّم ووقف عليه، ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبي حنيفة!! فاستوى مسعر منتصبًا، ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحدًا قط إلا فلج (¬٣) عليه.وعن أبي غسَّان (¬١)، أنه قال: سمعتُ إسرائيل، يقول: كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه. وكان مسعر يقول: من (¬٢) جعل أبا حنيفة بينه، وبين الله رجوتُ أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه. وعن علي بن المديني (¬٣) أنه قال: سمعتُ عبدَ الرزاق، يقول: كنتُ عند معمر، فأتاه ابن المبارك، فسمعنا معمرًا يقول: ما أعرف رجلًا يُحسن يتكلم في الفقه، أو يسعه أن يقيس، ويشرح لمخلوق النجاة في الفقه، أحسن معرفة من أبي حنيفة (¬٤)، ولا أشفق على نفسه (¬٥)، أن يدخل في دين الله شيئًا من الشك من أبي حنيفة. وعن عبد الله بن أبي جعفر الرازي (¬٦)، قال: سمعتُ أبي يقول: ما رأيتُ أحدًا أفقهَ من أبي حنيفة، وما رأيتُ (¬٧) أورعَ من أبي حنيفة. وحدّث سعيد بن منصور (¬٨)، قال: سمعتُ الفضَيل بن عياض، يقول: كان أبو حنيفة رجلًا فقيهًا، معروفًا بالفقه، مشهورًا بالورع، واسع المال، معروفًا بالإفضال على كل من يضيف، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار، حسنالليل (¬١)، كثير الصمت، قليل الكلام، حتى ترد مسئلة في حلال أو حرام، وكان (¬٢) يُحسن (¬٣) يدلُّ على الحق، هاربًا من مال السلطان (¬٤)، وكان إذا وردتْ مسئلة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاسَ فأحسنَ (¬٥) القياسَ. وقال أبو يوسف (¬٦): ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بتفسير الحديث، ومواضع النكَت التي فيه من الفقه من أبي حنيفة. وقال: ما خالفتُ أبا حنيفة في شيء قط، فتدبرتُه، إلا رأيتُ مَذهبَه الذي ذهب إليه أنجَى في الآخرة، كنتُ ربما ملتُ إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح مني. وقال: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبويَّ، ولقد سمعتُ أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحمَّاد مع أبويَّ. وقال الأعمش يومًا لأبي يوسف (¬٧): كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله: عتق الأمة طلاقها؟ قال: تركه لحديثك الذي حدثتَه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن بريرةَ حين أعتقتْ خُيرتْ. قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن. وأعجبه (¬٨) ما أخذ به أبو حنيفة.وعن أبي بكر بن عيَّاش (¬١)، قال: ماتَ عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزيه، فإذا المجلس غاص بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذا أقبل أبو حنيفة في جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرَّك من مجلسه، ثم قام، فاعتنقَه، وأجلسَه في موضعه، وقعد بين يديه. قال أبو بكر: فاغتظت عليه. وقال ابن إدريس: ألا ترى وَيحك! فجلسنا حتى تفرق الناس، فقلتُ لعبد الله بن إدريس: لا تقمْ حتى نعلم ما عنده في هذا. فقلتُ: يا أبا عبد الله، رأيتُك اليوم فعلتَ شيئًا أنكرتُه، وأنكره أصحابُنا عليك. قال: ما هو؟ قلتُ: جاء أبو حنيفة، فقمتَ إليه، وأجلستَه في مجلسك، وصنعتَ به صنيعًا بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر. فقال: وما أنكرت من ذلك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقمْ لعلمه قمتُ لسنّه، وإن لم أقمْ لسنّه قمتُ لفقهه، وإن لم أقمْ لفقهه قمتُ لورعه. فأفحمَني فلم يكنْ عندي جواب. وعن محمد بن الفضل الزاهد البلخي (¬٢)، قال: عدتُ أبا مطيع الحكم بن عبد الله، يقول: ما رأيتُ صاحبَ حديث أفقهَ من سفيان الثوري، وكان أبو حنيفة أفقهَ منه. وعن الحسن بن علي، أنه قال: سمعتُ يزيد بن هارون، وقد سأله إنسان، فقال: يا أبا خالد! من أفقهُ مَنْ رأيتَ؟ قال: أبو حنيفة.قال الحسن: ولقد قلتُ لأبي عاصم - يعني النبيل - أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟ قال: أبو حنيفة أفقه من سفيان. وسُئِلَ يزيدُ بن هارون مرة أخرى، من أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟ قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه. وقال أبو عاصم النبيل (¬١)، وقد سئل أيضًا عنهما: غلام من غلمان أبي حنيفة أفقهُ من سفيان. وقال سجَّادة: دخلتُ على يزيد بن هارون، أنا وأبو مسلم المستملي، وهو نازل بـ "بغداد" على المنصور بن المهدي، فصعدنا إلى غرفة هو فيها، فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد في أبي حنيفة، والنظر في كتبه؟ قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا؛ فإني ما رأيتُ أحدًا من الفقهاء يكره النظر في قوله، ولقد احتال الثوري في "كتاب الرهن" حتى نسخه. وروي عن عبد الله بن المبارك (¬٢)، أنه قال: رأيتُ أعبدَ الناس؟ ورأيتُ أورعَ الناس، ورأيتُ أعلمَ الناس، ورأيتُ أفقهَ الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي روَّاد، وأما أورع الناس فالفُضَيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسُفْيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة، ما رأيتُ في الفقه مثلَه. وعنه أيضًا (¬٣)، أنه قال: إن كان الأثر قد عُرف، واحتيج إلى الرأي، فرأي مالك، وسفيان، وأبي حنيفة، وأبو حنيفة أحسنُهم، وأدقُّهم فطنة، وأغوصُهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة. وقال أبو عاصم النبيل، وقد سئل: أيهما أفقه؛ سفيان أو أبو حنيفة؟فقال: إنما يقاس الشيء إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تام الفقه، وسفيان رجل متفقه. وقال ابن المبارك (¬١): رأيتُ مسعرًا في حلقة أبي حنيفة، جالسًا بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيتُ أحدًا قط في الفقه أحسن من أبي حنيفة. وعن إبراهيم بن هاشم (¬٢)، عن أبي داود، أنه قال: إذا أردتَ الآثار أو قال: الحديث. وأحسبه قال: والورع، فسُفيان، وإذا أردتَ تلك الدقائق، فأبو حنيفة. وقال محمد بن بشر: كنتُ أختلفُ إلى أبي حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لي: من أين جئتَ؟ فأقول: من عند سفيان. فيقول: لقد جئتَ من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله. فآتى سفيان، فيقول لي: من أين جئتَ؟ فأقول من عند أبي حنيفة. فيقول: لقد جئتَ من عند أفقه أهل الأرض. وقال أبو نعيم (¬٣): كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. وعن أبي عبد الله الكاتب، قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي يقول: يجبُ على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلواتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السنن والفقه. وقال شدَّاد بن حكيم: ما رأيتُ أعلم من أبي حنيفة. وقال مكّي بن إبراهيم (¬٤): كان أبو حنيفة أعلمَ أهل زمانه.وقال النضر بن شميل: كان الناس نيامًا عن الفقه، حتى أيقظَهم أبو حنيفة؛ فيما فَتَّقَه وبيَّنه ولخَّصَه. وحدّث أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال سمعتُ يحيى بن مَعين، يقول: سمعتُ يحيى بن سعيد القطَّان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسنَ من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن مَعين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الكوفيين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه. وقال الإمام الشافعي (¬١): الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. وقال أيضًا: ما رأيتُ أفقه من أبي حنيفة، يعني ما علمت (¬٢). وقال (¬٣): كان أبو حنيفة ممن وفّق له الفقه، ومن أرادَ أن يتبحَّر في الشعر فهو عيال على زُهَير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحَّر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحَّر في النحو فهو عيال على الكسائى، ومن أراد أن يتبحَّر في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وعن حرملة (¬٤)، أنه قال: سمعتُ الشافعي، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة. وعن الحسن بن عثمان، أنه كان يقول: وجدتُ العلم بـ "العراق" و"الحجاز" ثلاثة، علم أبي حنيفة، وتفسير الكلبى، ومغازي محمد بن إسحاق.وعن أحمد بن عطية، قال: سمعتُ يحيى بنَ مَعين، يقول: القراءة عندي قراءة حَمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركتُ الناسَ. " [وعن أبي علي الجبائي المعتزلي المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبي حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة"] (¬١). وقال جعفر بن ربيع (¬٢): أقمتُ على أبي حنيفة خمسَ سنين، فما رأيتُ أطولَ صمتًا منه. فإذا سُئل عن شيء من الفقه تفتح، وسال كالوادي، وسمعتُ له دويًا، وجهارة بالكلام. وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومى (¬٣): ما رأيتُ أحدًا أورعَ، ولا أفقهَ من أبي حنيفة. وعن علي بن عاصم (¬٤)، قال: دخلتُ على أبي حنيفة وعنده حجَّام يأخذُ من شعره، فقال للحجَّام: تتبع موضع البياض. فقال الحجَّام: لا، فإنه يكثر. قال: فتتبع مواضع السواد، لعلّه يكثر. وبلغتْ هذه الحكاية شريكًا، فضحكَ، وقال: لو ترك قياسَه لتركه مع الحجَّام. وروى الخطيب في "تاريخه" (¬٥)، عن محمد بن فضيل الزاهد، قال: سمعتُ أبا مُطيع، يقول: ماتَ رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب.قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصية، وأقام البينة، أن فلانًا مات وأوصى إليه. فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، أحلف أن شهودك شهدوا بحق. قال: ليس عليَّ يمينٌ. قال: ضلت مقاييسُك (¬١) يا أبا حنيفة. قال أبو حنيفة: بل ["ضلّت مقاييسُك أنت"] (¬٢)، ما تقول في أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانًا شجَّه، هل [على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ فانقطع ابن شبرمة] (¬٣) ". وروى الخطيب أيضًا (¬٤)، عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة "الكوفة"، ونزل في دار أبي بُردة، فخرج يومًا، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحدٌ عن الحلال والحرام إلا أجبتُه. فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطَّاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنتْ امرأتُه أن زوجَها ماتَ، فتزوجتْ، ثم رجعَ زوجُها الأول، ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، وإن قال برأي نفسه ليخطئنَّ. فقال قتادة: وَيلك، أوَقَعَتْ هذه المسئلةُ؟ قال: لا. قال: فلم تسألُني عما لم يقعْ؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعدُ للبَلاء قبلَ نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخولَ فيه والخروج منه.قال قتادة: والله لا أحدّثكم بشيء من الحلال والحرام، سلوني عن التفسير. فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطَّاب: ما تقول في قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شميعا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا. قال: فيجوز أن يكون في زمان نبيٍّ من هو أعلم من النبي؟ قال: فقال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء. قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطَّاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: ولم؟ قال: لقول إبراهيم ﵊ (¬١): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. فقال أبو حنيفة: فهلا قلتَ كما قال إبراهيم، ﵊ (¬٢): ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾. قال: فقام قتادة مُغضبًا، ودخل الدار، وحلف أن لا يحدّثهم. وروى الخطيب أيضًا (¬٣)، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضًا شديد المرض، فَعاده أبو حنيفة مرارًا، فصار إليه آخر مرة، فرآه ثقيلًا،فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتن علمٌ كثير. ثم رزق العافية، وخرج من العلة، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسُه، وانصرفتْ وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسًا في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبى حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسًا، وأنه بلغه كلامك فيه. فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صِرْ إلى مجلس يعقوب، فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصَّار ثوبا ليقصره بدرهم (¬١)، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب. فقال له القصَّار: ما لكَ عندي شئ، أنكره، ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورًا، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأتَ، وإن قال: لا أجرَ له، فقل: أخطأتَ. فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأتَ. فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرةَ له. فقال: أخطأتَ. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، ققال له، ما جاء بك إلا مسئلة القصَّار. قال: أجلْ. فقال: سبحانَ الله، من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلسًا يتكلّم في دين الله، وهذا قدره، لا يُحسن أن يجيب (¬٢) في (¬٣) مسئلة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة! علّمني.فقال: إن قصره بعدما غصبَه فلا أجرةَ له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أن يستغني عن التعلّم فليبك على نفسه. وحدّث الحسن بن زياد اللؤلؤي (¬١)، قال: كانتْ هنا امرأة يقال لها: أم عمران مجنونة، وكانتْ جالسة في الكناسة، فمرَّ بها رجل، فكلَّمها بشيء، فقالتْ له: يا ابن الزانيتين، وابن أبي ليلى حاضر، فسمع ذلك، فقال للرجل: أدخلها علي المسجد. وأقام عليها حدَّين، حدًّا لأبيه، وحدًّا لأمّه. فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها في ستة مواضع؛ أقام الحدَّ في المسجد، ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمة، والنساء يُضربن قعودًا، وضرب لأبيه حدًا، ولأمّه حدًا، ولو أن رجلًا قذف جماعة كان عليه حدٌّ واحد، وجمع بين الحدّين، ولا يجمع بين حدّين، حتى يخف (¬٢) أحدهما، والمجنونة ليس عليها حدّ، وحدّ لأبويه، وهما غائبان، لم يحضرا، فيدعيان. فبلغ ذلك ابنَ أبي ليلى، فدخلَ على الأمير، فشكا إليه أبا حنيفة، فحَجَرَ عليه، وقال: لا يُفتي. فلم يُفت أياما، حتى قدم رسول من ولي العهد، فأمرَ أن يعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يُفتي فيها، فأبى أبو حنيفة، وقال: أنا محجورٌ عليَّ. فذهب الرسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له، فقعدَ، فأفتى.