page 46, entry [15]Open original source
الفصل الثالث عناية العلماء بتهذيب الكمال المختصرون والمستدركون قد بينا فيما سبق أن"التهذيب"أصبح من أعظم الكتب المؤلفة في فنه وأنه فاق جميع المتقدمين المؤلفين في هذا الباب بما تضمنه من سعة في المادة، وتنظيم دقيق في أساليب العرض فضلا عن التدقيق والتمحيص، لذلك تناوله جملة من الحفاظ والعلماء المعنيين بهذا الفن استدراكا أو تعقيبا أو تلخيصا، أو أساسا لكتب أخرى. وعلى العكس من ذلك لم نجد بعد ظهور"التهذيب"من عني بكتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني مما يشير إلى أفول نجمه، وانعدام أهميته، وإليك من عني بهذا الكتاب منقذ عصر المؤلف على وجه الاختصار: رافع السلامي"٧١٨ ٦٦٨": جمال الدين أبو محمد رافع بن أَبي محمد هجرس بن شافع السلامي. ولد في أواخر سنة ٦٦٨ أو أوائل سنة ٦٦٩، وعني بالحديث والقراءات، وقرأ ونسخ وسمع (تهذيب الكمال) على مؤلفه وأحضر ولده محمد بن رافع صاحب كتاب (الوفيات) فسمعه معه، وكان محدثا زاهدا مقرئا صالحا أعاد ببعض المدارس، وولي عقود الانكحة، وتوفي في ذي الحجة سنة ٧١٨ (١) .له كتاب"الكنى المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال": اختصر فيه القسم الاخير من (تهذيب الكمال) الخاص بالكنى، وقفنا على نسخة منه بخطه، قال في أولها: الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى. هذا كتاب مختصر من كتاب الكنى من تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يشتمل على ذكر المشهورين بالكنى ممن أخرج حديثه الأئمة الستة في كتبهم الستة وغيرها من مصنفاتهم المذكور أسماء رجالها في الكتاب المذكور..ذكرنا ذلك على ترتيب حروف المعجم مبتدئين بالاول فالاول من الحروف، وسمينا من عرفنا اسمه منهم، وأشرنا إلى بعض ما وقع في ذلك من الخلاف، ولم نذكر ممن رووا عنه وروى عنهم في الغالب سوى راو واحد، وربما ذكرنا الحديث الذي رواه صاحب الترجمة، ومن كان من الصحابة لم ندكر عمن روى في الغالب، لان عامة رواية الصحابي إنما هي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وما ليس عليه علامة، فمنهم من فيه خلاف، ومنهم من فيه إشكال ومنهم من له ذكر في بعض هذه الكتب من غير رواية، فمن أراد الوقوف على ذلك على طريق الاستقصاء، فلينظر في الاصل المختصر هذا منه. وجاء في آخره: فرغ في ليلة التاسع من ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة بدرب الملوخية من القاهرة المعزية، علقه لنفسه رافع بن أَبي محمد بن محمد (١) ". قال بشار: وهذا يدل على أنه اختصره من المسودة، وإلا فإن المزي لم يكمل تبييض الكتاب إلا في أواخر سنة (٧١٢) .الذهبي (٧٤٨ ٦٧٣) عني الإمام شمس الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن أحمد الذهبي (١) بكتاب"التهذيب"فاستوعب معظم تراجمه في كتابه الحافل"تاريخ الاسلام (٢) "، واختصر من التهذيب أربعة كتب هي: ١- تذهيب التهذيب وقد حافظ فيه على ترتيب الاصل، وأضاف إلى مختصره ما رآه حريا بالاضافة، وعلق على كثير من تراجم الاصل من حيث الرواية وضبط الأَسماء والوفيات وبعض أقوال العلماء في المترجمين (٣) ، وكان الانتهاء من الاختصار في سنة ٧١٩ واستغرق ثمانية أشهر، وكما صرح به في آخر النسخة. وقام صفي الدين أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ بْن أَبي الخير بن عبد العليمالخزرجي الأَنْصارِيّ سنة ٩٢٣ بتلخيصه بكتابه المعروف"خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال (١) "، وفائدته أنه قيد بعض الأَسماء بالحروف. (٢) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (٢) : قال الذهبي في مقدمته: هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربعة، مقتضب من تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب، دون باقي تلك التواليف التي في "التهذيب"، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه. "وجاء في آخر نسخة التيمورية (رقم ١٩٣٥ تاريخ) وهي بخط الذهبي: إنه فرغ من اختصاره بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٢٠. ذكره الصفدي والبكي والزركشي والعيني وسبط ابن حجر والسخاوي. وقد مر بنا أن الإمام الذهبي اختصر التهذيب في كتابه"التهذيب"، وذكر الصفدي (٣) والسبكي (٤) وابن تغري بردي (٥) وابن العماد (٦) أن الذهبي اختصر كتاب الكاشف من"التذهيب"وهو وهم منهم، حيث صرح الذهبي في مقدمته أنه اختصره من الاصل، أعني من"تهذيب الكمال"، فضلا عن أن كتاب"الكاشف"اقتصر علىرجل الكتب الستة في حين كان"التذهيب"كأصله، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف. احتل كتاب"الكاشف"مكانة مميزة بين كتب الذهبي، على الرغم من أنه جاء في عشر الكتاب الاصلي (١) ، بحيث قال فيه التاج السبكي: إنه مجلد نفيس (٢) . ثم وجدنا العلماء يعنون به، بل أشار الحافظ ابن حجر في مقدمة"تهذيب التهذيب"إلى أن الناس صاروا يعتمدون"الكاشف"في هذا الفن، ونتيجة لاهمية كتاب"الكاشف"فقد ذيل عليه واحد من كبار العلماء هو أبو زُرْعَة أحمد بن عَبد الرحيم العراقي المتوفى سنة (٨٢٦) وذكر تقي الدين بن فهد هذا الذيل (٣) ورأيت أنا نسخة منه (٤) . كما أن لابراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي المتوفى سنة (٨٤١) حواشي عليه (٥) . واعتمد على"الكاشف"كثيرا شرف الدين الحسين بْن مُحَمَّد بْن عَبد الله الطيبي المتوفى سنة (٧٤٣) حينما ألف كتابه في: أسماء الرجال" (٦) .٣- المجرد من تهذيب الكمال ذكره السبكي (١) وسبط ابن حجر (٢) وحاجي خليفة (٣) والبغدادي (٤) ، واقتصر فيه على رجال الكتب الستة أيضا دون التواليف الاخرى، لكنه رتبه على الطبقات فجعله في عشر طبقات، ثم رتب رجال كل طبقة على حروف المعجم (٥) . ٤- المقتضب من تهذيب الكمال قال شمس الدين السخاوي: وللذهبي أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها ممن لم يذكرهم في الكاشف" (٦) . فالذي يفهم من نص السخاوي أن الذهبي اختصر كتابا آخر من تهذيب الكمال خاصا بأسماء رجال مؤلفات أصحاب الكتب الستة الاخرى، لذلك فهو لا علاقة له بكتابي"الكاشف"و"المجرد"اللذين مر ذكرهما. وقد ذكره البغدادي بالعنوان الذي ذكرناه (٧) .الاندرشي (بعد ٧٥٠ ٦٩٠) أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد بن أحمد الغساني العسكري الاندرشي الصوفي. قدم المشرق فحج واستوطن دمشق، وسمع من القاسم ابن عساكر، ودرس العربية على أثير الدين أبي حيان النحوي، فبرع في النحو، وكان زاهدا منجمعا عن الناس (٢٥) . ذكره الذهبي في المعجم المختص، وَقَال: إنه نسخ"تهذيب الكمال"كله واختصرة (٢٦) . وذكر مختصره هذا السيوطي (٢٧) وحاجي خليفة (٢٨) . وذكر حاجي خليفة أيضا أن للسيوطي (ت ٩١١) زوائد عليه. علاء الدين مغلطاي (٧٦٢ ٦٨٩) علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن قليج بن عَبد الله البكجري الحنفي. ولد بالقاهرة، وسمع بها جملة من مشايخ عصره، منهم: التاج أحمد بن دقيق العيد، والواني، والختني، والدبوسي، وغيرهم، وتخرج بابن سيد الناس اليعُمَري. ورحل إلى دمشق، فسمع بها على شيوخ العصر، وبرع في الحديث والانساب. وولي التدريس بعدة مدارس بمصر منها المدرسة الظاهرية (٢٩) ، وليها بعد شيخه ابن سيد الناس، فتحامل الناس عليه بسبب ذلك، وتكلموا فيه من أجل ادعائه سماع بعض من لا يحتمل سماعه منهم، وهي مسألة أكثروا الكلام فيها، والظاهر أن وراءها دوافع أخرى.ويبدو لنا أن علاء الدين مغلطاي صرف جل عنايته لدراسة المؤلفات السابقة ونقدها، وأولع بالرد والاستدراك عليها، ساعده على ذلك كثرة اطلاعه ودأبه وتوافر الكتب والمصادر الكثيرة لديه (١) ، فقد ذيل على"إكمال الاكمال"للحافظ ابن نقطة البغدادي (ت ٦٢٩) ، و"تكملة إكمال الاكمال"لابي حامد ابن الصابوني (ت ٦٨٠) ، و"الذيل"على كتاب ابن نقطة الذي ألفه منصور بن سليم الاسكندراني (ت ٦٧٣) ، كما ذيل على كتاب الضعفاء لابن الجوزي (ت ٥٩٧) ، ووضع شيئا على"الروض الانف"للسهيلي (ت ٥٨١) (٢) ، وَقَال الشهاب ابن رجب: وعدة تصانيفه نحو المئة أو أزيد، وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين" (٣) . ومن هذا المنطلق عني علاء الدين مغلطاي بالكتابين العظيمين اللذين ألفهما المزي، وهما: تحفة الاشراف، وتهذيب الكمال، فكتب كتابا في "أوهام الاطراف" (٤) ثم كتب كتابه العظيم"إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (٥) . ذكر مغلطاي في مقدمة كتابه أن استدراكه هذا لا ينقص من قيمة كتاب المزي وأهميته، وَقَال: ومعتقدي أن لو كان الشيخ حيا لرحب بهذا الاكمال". وذكر عظمة كتاب المزي ومنزلته، ثم أخذ عليه جملة أمور من أبرزها: ١- ذكره أشياء لا حاجه إليها مثل الأسانيد التي يذكرها من باب العلو أو الموافقات أو نحو ذلك.٢- ذكره للترجمة النبوية وأخذه معظم ما ذكره فيها من كتاب أَبِي عُمَر بْن عَبد الْبَرِّ. ٣- إيراد بعض أخبار المترجمين مما لا ينفع في بيان أحوالهم في التوثيق أو التجريح. ٤- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه، مع أن الاحاطة بذلك متعذرة لا سبيل إليها. ٥- مسامحة المزي لصاحب "الكمال" في بعض المواضع التي لم يرد عليه فيها. ونتيجة دراستنا لكتاب مغلطاي يمكننا تلخيص منهجه بما يأتي: ١- ترك نقد المقدمة، وابتدأ بالأَسماء مباشرة. ٢- أورد اسم المترجم كما ذكره المزي، ثم أورد تعليقاته على الترجمة، وتتكون هذه التعليقات من نقول كثيره عن المصادر السابقة فيها الغث والسمين مما يتفق مع ما ذكره المزي فيؤيده، أو يختلف عنه، وقلما ترك ترجمة من غير تعليق. ٣- أعاد تدقيق جميع النصوص التي أوردها المزي في كتابه، وتكلم على أدنى اختلاف فيما نقله، وهو أمر ليس باليسير، فكأنه بذلك أعاد تحقيق مادة الكتاب. ٤- عني بإيراد المزيد من التوثيق والتجريح، ورجع إلى مصادر كثيرة جدا، وعني بذلك عناية فائقة أبانت عن علمه ومعرفته بالكتب، لكن النتيجة لم تكن لتخرج في الاغلب عما ذكر المزي من حال المترجم له سوى زيادة التوثيق أو التجريح. ٥- عني بضبط كثير من الأَسماء والانساب، وأورد ما يوافقالمؤلف وما يخالفه في هذا الباب، معتمدا في ذلك عددا كبيرا من المصادر. ٦- استدرك على المؤلف بعض ما فاته من المترجمين، وأكثر ما استدرك عليه في "التمييز"وهي الأَسماء التي تتفق مع أسماء المترجم لهم في هذا الكتاب ومن أهل عصرهم. ابتدأ مغلطاي بتأليف مسودة كتابه في منتصف سنة (٧٤٤) وأطال النفس فيه، فجاء في حجم كتاب المزي تقريبا في أربعة عشر مجلدا (١) . وقد توهم الكثيرون، فظنوا أن المزي لم يكمل كتابه، فأكمله مغلطاي. دفعهم إلى هذه المقالة ما يوهمه اسم الكتاب وما ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون"وعدم دراستهم للكتابين والله أعلم (٢) . إن أغلب المادة التاريخية التي أوردها مغلطاي هي مادة إضافية أعتقد جازما أن المؤلف المزي كان عارفا بأكثرها، ولكنه لم يوردها من أجل أن لا يطول كتابه. والحق أن المزي قد أشار في مقدمة كتابه علىمن يريد زيادة الاطلاع ضرورة مراجعة"طبقات ابن سعد"و"تاريخ ابن أَبي خيثمة"و "الثقات" لابن حبان، و"تاريخ مصر"لابن يونس، و"تاريخ نيسابور"للحاكم، و"تاريخ أصبهان"لابي نعيم باعتبارها أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن (١) . وقد نقل مغلطاي من هذه الكتب وأمثالها كثيرا مما استدرك به على المزي، لذلك قال زين الدين ابن رجب: وغالب ذلك لا يرد على المزي" (٢) . ومع ذلك فإن إضافته من هذه الكتب ومن عشرات غيرها نقلت إلينا ثروة تاريخية كادت تضيع لولا ما نقل هو وأمثاله، بسبب ضياع كثير من أصولها. وحين انتهى مغلطاي من استدراكه هذا اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي ظن أن الحافظ المزي غلط فيها، قال ابن حجر: واختصره مقتصرا على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين" (٣) وَقَال ابن فهد المكي، وهو يعدد بعض كتب مغلطاي: وكتاب ذيل به على تهذيب الكمال للمزي وفيه فوائد، غير أن فيه تعصبا كثيرا في أربعة عشر مجلدا ثم اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط فيها، وأكثر ما غلطه فيه لا يرد عليه، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها" (٤) ، وسمى السيوطي هذا المختصر"أوهام التهذيب" (٥) . ثم ذكر ابن حجر وابن فهد أنه اختصر المختصر في مجلد لطيف (٦) . ويبدو لنا أن الكتاب قد اشتهر منذ فترة مبكرة، وأثار جدلا عند المعنيين بهذا الفن، فقد حمل التاج السبكي بعضا مما ظنه الحافظمغلطاي وهما من المزي من القاهرة إلى دمشق، وأعطاه لوالده ليتثبت منه، قال: وهذه مواقف استدركها بعض محدثي العصر بديار مصر، وهو الشيخ علاء الدين مغلطاي شيخ الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، وانتقاها مما استدركه على كتاب تهذيب الكمال لشيخنا المزي، وحضرت معي إلى دمشق لما جئت من القاهرة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة لاسأل عنها الشيخ الإمام الوالد، فأجاب عنها ﵀، وقد كتبتها من خطه، قال ﵀: أسئلة وردت من الديار المِصْرِية مع ولدي عبد الوهاب في الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة أربع وخمسين وسبع مئة.." (١) ثم أورد التاج السبكي الاجوبة (٢) وكان قال قبل ذلك في ترجمة والده وهو يعدد مصنفاته: أجوبة سؤالات أرسلت إليه من مصر، حديثية، أوردها بعض المشايخ على كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي" (٣) . ومهما يكن من أمر، فإن ما كتبه مغلطاي من نقد وفر مادة تاريخية لجميع الذين جاؤوا بعده ممن عني باختصار"التهذيب"أو الاستدراك عليه ولاسيما سراج الدين ابن الملقن"ت ٨٠٤"في إكماله، والحافظ ابن حجر في مختصراته ولاسيما"تهذيب التهذيب"فإنه لم يستطع إلا أن يقول في مقدمته: وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الاصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته. وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف، لكان معنى مقصودا" (٤) .نعم، كانت لمغلطاي أوهام لاسيما وهو من المكثرين، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رَسُول اللَّهِ ﷺ فكان ماذا؟ شمس الدين الحسيني (٦٧٥ ٧١٥) شمس الدين أبو المحاسن مُحَمَّد بْن علي بْن الْحَسَن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي. سمع من جماعة من الاعيان منهم المزي والذهبي. وكان ثقة ثبتا إماما مؤرخا حافظا، له مؤلفات كثيرة، وعني بكتاب"تحفة الاشراف"للمزي فاختصره (١) . التذكرة في رجال العشرة: اختصر فيه"تهذيب الكمال"لشيخه المزي، وحذف منه من ليس في الكتب الستة، وأضاف إليهم رجال أربعة كتب هي: الموطأ للامام مالك، والمسند للامام أحمد (٢) ، ومسند الشافعي، ومسند أبي حنيفة للحارثي. وذكر في مقدمته سبب إضافته لهذه الكتب الأربعة، وبين أن ذلك متأت من كون أصحابها هم الأئمة المقتدى بهم، وأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسًانيدهم في مسانيدهم المذكورة. ونسخ هذا الكتاب متوفرة في خزائن الكتب، وذكر العلامة المرحوم خير الدين الزركلي أنه رأى الملجد الثاني منه بخطه (٣) ، ووقفت أنا عليه (٤) .عماد الدين ابن كثير (٧٧٤ ٧٠١) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عُمَر بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقي العلامة الحافظ المحدث صهر الشيخ أبي الحجاج المزي وترجمته مشهورة، وتصانيفه معروفة مذكورة. له: "التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل. جمع فيه بين "تهذيب الكمال"للمزي، و"ميزان الاعتدال"لشيخه الذهبي، مع زيادات وتحرير عليهما في الجرح والتعديل. وقفت على نسخة منه بدار الكتب المِصْرِية، وانتقيت منها بعض الفوائد (١) . ابن بردس البعلبكي (٧٨٦ ٧٢٠) عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن بردس البعلبكي الحنبلي. ولد ببعلبك، ودرس على والده، وأبي الفتح اليونيني، وسمع جمعا من مسندي عصره، وحدث عنهم، واشتهر باختصاره لجملة من الكتب ونظمها (٢) . له: بغية الاريب في اختصار التهذيب: أكمل مسودته في المحرم سنة (٧٧٩) وهو اختصار ليس فيهإضافات تذكر، ولم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا لكنه حذف بعض أنساب المشهورين، وذكر الجرح والتعديل مختصرا، كما حذف الأسانيد (١) . ابن الملقن (٨٠٤ ٧٢٣) سراج الدين أبو علي عُمَر بن علي بن أحمد الأَنْصارِيّ الشافعي المعروف بابن الملقن، الإمام الكبير صاحب التصانيف المشهورة. أجازه المزي، وتخرج بالحافظ علاء الدين مغلطاي، وكان أكثر أهل عصره تصنيفا (٢) . له: إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال: اختصر فيه"التهذيب"مع التذييل عليه من رجال ستة كتب هي: مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمستدرك للحاكم، والسنن للدارقطني، والسنن للبيهقي (٣) . سبط ابن العجمي (٨٤١ ٧٥٣) برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الاصل، الحلبي المولد والدار والوفاة، الشافعي المعروف بسبط ابن العجمي حافظ حلب في زمانه (٤) . له:نهاية السول في رواة الستة الاصول: قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وقد زينه بالفوائد العلمية الحديثية النادرة، والضبوط المحررة الدقيقة للاسماء والكنى والالقاب والانساب والبلدان ونحوها..وقد رأيت في رحلتي إلى الهند وباكستان سنة (١٣٨٢) نسخة المؤلف التي كتبها بخط يده الناعم الدقيق الجميل في (٩٩٩) ورقة بالقطع الكبير، وفي مجلد واحد في مكتبة رضا في مدينة رامبور. ورقمها فيها (١٠١٩) "وذكر في آخرها أنه انتهى منه في سنة (٨٢٩) بحلب (١) . قلت: لم أوفق في الوقوف عليه، ولعله اعتمد فيه على"الكاشف"للذهبي فاتخذه أصلا، ثم أضاف إليه من عنده كما مر بنا عند كلامنا على"الكاشف. ابن قاضي شهبة (٨٥١ ٧٧٩) تقي الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد المعروف بابن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي صاحب التاريخ المشهور (٢) . ذكر حاجي خليفة أنه اختصر"تهذيب الكمال" (٣) . ولا أعرف عنه شيئا. ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ ٧٧٣) حافظ عصره شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني صاحب التصانيف المشهورة الذائعة الصيت. له:أولا تهذيب التهذيب (١) : اختصر فيه"تهذيب الكمال"إلى نحو الثلث، وأبدى في مقدمته عدة ملاحظات على كتاب المزي من أبرزها: ١- طول الكتاب، بحيث قصرت الهمم عن تحصيله فتوجه الناس بسبب ذلك إلى"الكاشف". الذي امتازت تراجمه بالاختصار الشديد بحيث لا تفي بالغرض. ٢- خلو بعض تراجم"التهذيب"من بيان أحوالهم. ٣- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه، وأنه بالرغم من تمكنه من ذلك في أغلب التراجم"لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره بسبب انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة جليلة ولا طائلة" (٢) . ٤- أنه أفرد"عمل اليوم والليلة"للنسائي عن"السنن"وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار، وكذلك أفرد "خصائص علي"وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار. ولم يفرد"التفسير"وهو من رواية حمزة وحده، ولا كتاب"الملائكة"و"الاستعاذة"و"الطب"وغير ذلك، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النَّسَائي فما تبين لي وجه إفراده"الخصائص"و"عمل اليوم والليلة" (٣) .أما منهجه في كتابه فيمكن إجماله على الوجه الآتي: ١- لم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا، بل زاد فيهم من هو على شرطه، كما ذكر بعض التراجم التي تفيد للتمييز مما لم يذكره المزي، وحافظ على العلامات (الرقوم) التي وضعها المزي في الاصل مقتصرا على ما وضعه على أسماء المترجمين دون شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه أما الفصول التي ذكرها المزي في المقدمة وهي التي في شروط الأئمة الستة وفي الحث على الرواية عن الثقات وفي الترجمة النبوية، فقد حذفها في مختصره، لوجود مادتها في الكتب المعينة بذلك. ٢- أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل "الكمال"، والتي كان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناء على أن بعض الستة أخرج لهم، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة. وذكر ابن حجر أن ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم، ونبه على ما في تراجمهم من عوز، أو عند وقوفه عند روايتهم في الكتب المذكورة. ٣- أما في صياغة الترجمة فقد سار على النهج الآتي: أ- حذف من الترجمة جميع الاحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية من الموافقات والابدال وغير ذلك من أنواع العلو. ب- اقتصر من شيوخ المترجم ومن الرواة عنه على الاشهر والاحفظ والمعروف، وحذف الباقين، إذا كان المترجم من المكثرين وإن كانت الترجمة متوسطة اقتصر على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم علامة في الاغلب، وإن كانت طويلة اقتصر على من عليه علامة البخاري ومسلم، مع ذكر جماعة غيرهم. أما إذا كانت الترجمة قصيرة فإنه لم يحذف منها شيئا في الاغلب.ج- لم يلتزم بنهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، لان ذلك يؤدي حسب قوله إلى"تقديم الصغير على الكبير"، بل ذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ الرجل، وأسندهم، وأحفظهم، إن تيسر له معرفة ذلك، إلا أن يكون للرجل ابن أو قريب فإنه كان يقدمه في الذكر، وحرص أن يختم الرواة عن صاحب الترجمة بمن وصف بأنه آخر من روى عنه، وربما صرح بذلك. د- حذف من الترجمة أغلب الاخبار التي لا تدل على توثيق، ولا على تجريح، واقتصر على ما يفيد ذلك. هـ- حذف كثيرا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم. و ميز إضافاته على الترجمة أو تصحيحاته بلفظة: (قلت) وجعلها في آخر الترجمة، وأكثر إضافاته ما يفيد التوثيق أو التجريح. وقد انتفع ابن حجر بالمؤلفات التي سبقته مما وضع على"التهذيب"استداركا أو اختصارا، ولا سيما"تذهيب التهذيب"للامام الذهبي و"إكمال تهذيب الكمال"للعلامة علاء الدين مغلطاي. والحق أن معظم ما أضافه ابن حجر من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوفيات، أو استدارك في التراجم، سواء أكانت من التراجم التي هي من شرط المزي، وهي قليلة، أم للتمييز، قد أخذها من كتاب مغلطاي بالدرجة الاولى، وعليه كان اعتماده، لكنه انتقى منه ما وجده مهما حريا بالذكر فذكره، وأهمل الباقي فأسقطه، وإن إضافاته الشخصية كانت قليلة جدا. ثانيا تقريب التهذيب: ثم اختصر الحافظ ابن حجر كتابه هذا بكتاب صغير في مجلدين سماه"تقريب التهذيب"اقتصر فيه على اسم المترجم مختصرا ودرجةتوثيقه وطبقته والعلامات التي ذكرها له المزي، وقيد بعض الأَسماء والانساب والكنى بالحروف (١) . ومما تجدر الاشارة إليه أن ابن حجر أفاد من"تهذيب الكمال"في جميع المؤلفات التي وضعها مما يتعلق بهذا الفن. تقي الدين ابن فهد (٨٧١ ٧٨٧) تقي الدين أبو الفضل مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بن فهد الهاشمي المكي الشافعي. ولد بمصر، وتوفي بمكة، واشتهر بتصانيفه الكثيرة الماتعة (٢) . قال في كتابه"لحظ الالحاظ"عند الكلام على"تهذيب التهذيب"لابن حجر: وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزي مع زيادات كثيرة عليه تقرب من ثلث المختصر، دمجتها مع زيادات الذهبي في "تذهيبه"وما زدته في التهذيب في كتابه"نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب (٣) ". وَقَال الشمس السخاوي: وجمع بين المزي وشيخنا بنصهما معزيادات، التقي بن فهد وسماه: نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب"، وذكر أنه كتاب حافل لو ضم إليه ما عند مغلطاي من الزوائد في مشايخ الراوي والآخذين عنه، لكنه اعتذر بعدم وصول كتاب مغلطاي إلى مكة إذ ذاك (٤) . وقد أصبح"تهذيب الكمال"إلى كل ذلك مصدرا لجميع المؤلفين في هذا الفن الجليل طوال العصور اللاحقة، فإنه قلما وجدناكتابا ألف في موضوعه لم يتخذه مصدرا رئيسا، ثم صار بعد ذلك معيارا وحدا فاصلا لكثير من المؤلفات، فحينما ذيل الحافظ زين الدين أبو الفضل عَبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٦) على"ميزان"الذهبي ذكر ابن حجر أن معظم هذا الذيل مأخوذ من"تهذيب الكمال"للمزي (١) . وحينما وضع ابن حجر نفسه"لسان الميزان"ذكر أنه اعتمد فيه"ميزان"الذهبي بعد أن حذف منه"من أخرج له الأئمة الستة في كتبهم أو بعضهم، فلما ظهر لي ذلك استخرت الله، وكتبت منه ما ليس في تهذيب الكمال (٢) ". وجمع أحدهم"الثقات من تهذيب الكمال (٣) "وهلم جرا..