page 4591, entry [5789]Open original source
ذكر ما هجر فيه رسول الله، ﷺ نساءه وتخييره إيّاهنَّ أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنا جارية بن أَبِى عِمْران قال: سمعت أبا سلمة الحَضْرَميّ يقول: جلست مع أبي سعيد الخُدْرى وجابر بن عبد الله وهما يتحدّثان وقد ذهب بصر جابر فجاء رجل فسلّم ثمّ جلس فقال: يا أبا عبد الله أرسلنى إليك عُرْوَةُ بن الزبير أسألك فيمَ هجر رسول الله، ﷺ، نساءه. فقال جابر: تركنا رسول الله يومًا وليلة لم يخرج إلى الصّلاة فأخذنا ما تقدَّم وما تأخَّر، فاجتمعنا ببابه نتكلّم ليسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف فلم يأذن لنا ولم يخرج إلينا. فقال: فقلنا: قد علم رسول الله مكانكم ولو أراد أن يأذن لكم لَأَذِن، فتفرّقوا لا تؤذوه. فتفرّق الناس غير عمر بن الخطّاب يتنحنح ويتكلّم ويستأذن حتى أذن له رسول الله. قال عمر: فدخلت عليه وهو واضع يده على خدّه أعرف به الكآبة فقلت: أى نبيّ الله بأبى أنت وأمّى ما الذى رابك وما لقى الناس بعدك من فقدهم لرؤيتك! فقال: يا عمر يسألننى أولاء ما ليس عندى، يعنى نساءه، فذاك الذى بلغ منى ما ترى. فقلت: يا نبيّ الله قد صككتُ جميلة بنت ثابت صكّة ألصقت خدّها منها بالأرض لأنّها سألتنى ما لا أقدر عليه، وأنت يا رسول الله على موعد من ربّك وهو جاعل بعد العسر يسرًا. قال: فلم أزل أكلّمه حتى رأيت رسول الله قد تحلّل عنه بعض ذلك. قال: فخرجت فلقيت أبا بكر الصّدّيق فحدّثته الحديث فدخل أبو بكر على عائشة فقال: قد علمت أنّ رسول الله لا يدّخر عنكنّ شيئًا فلا تسألنه ما لا يجد، انظرى حاجتك فاطلبيها إليّ. وانطلقعمر إلى حفصة فذكر لها مثل ذلك، ثمّ اتّبعا أمّهات المؤمنين فجعلا يذكران لهنّ مثل ذلك حتى دخلا على أمّ سَلَمَة فذكرا لها مثل ذلك فقالت لهما أمّ سلمة: ما لكما ولما ها هنا رسول الله، ﷺ، أعلى بأمرنا عينًا ولو أراد أن ينهانا لنهانا، فمن نسأل إذا لم نسأل رسول الله؟ هل يدخل بينكما وبين أهليكما أحد؟ فما نكلّفكما هذا. فخرجا من عندها، فقال أزواج النبيّ، ﷺ، لأمّ سلمة: جزاك الله خيرًا حين فعلت ما فعلت، ما قدرنا أن نردّ عليهما شيئًا. ثمّ قال جابر لأبى سعيد: ألم يكن الحديث هكذا؟ قال: بلى وقد بقيت منه بقيّة. قال جابر: فأنا آتى على ذلك إن شاء الله، ثمّ قال: فأنزله الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: ٢٨] يعنى متعة الطلاق، ويعنى بتسريحهنّ تطليقهن طلاقًا جميلًا، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٩] تَخْتَرْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلا تَنْكِحْنَ بَعْدَهُ أحَدًا. فانطلق رسول الله فبدأ بعائشة ققال: إنّ الله قد أمرنى أن أخيّركنّ بين أن تخترن الله ورسوله والدّار الآخرة وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأت بك فأنا أخيّرك. قالت: أى نبيّ الله وهل بدأت بأحدٍ منهنّ قبلى؟ قال: لا. قالت: فإنى أختار الله ورسوله والدار الآخرة فاكتم عليّ ولا تخبر بذاك نساءك، قال رسول الله: بل أُخبرهنّ. فأخبرهنّ رسول الله، ﷺ، جميعًا فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. وكان خياره بين الدنيا والآخرة أن يخترن الآخرة أو الدنيا. قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخترن أن لا يتزوّجن بعده. ثمّ قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يعنى الزنا ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يعنى في الآخرة ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعنى تطع الله ورسوله ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ مضاعَفًا لها في الآخرة، وكذلك العذاب ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ يقول فجور، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِالْأُولَى﴾ [سورة الأحزاب ٢٩ - ٣٣] يقول لا تخرجن من بيوتكنّ ولا تبرّجن، يعنى إلقاء القناع فعلَ أهل الجاهلية الأولى. فقال أبو سعيد: هذا الحديث على وجهه. أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى إبراهيم بن سعد عن صالح بن كَيْسَان عن الزُّهْرِيّ عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب عن محمّد بن سعد بن أبى وقّاص قال: استأذن عمر بن الخطّاب على رسول الله، ﷺ، وعنده نساء من قريش يكلّمنه ويستكسينه عالية أصواتهنّ. فلمّا استأذن عمر تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله. فقال رسول الله: ضحكت من هؤلاء اللاتى كنّ عندى، فلمّا سمعن صوتك بادرن الحجاب. فقال عمر: يا عدوات أنفسهنّ أتهبننى ولا تهبن رسول الله؟ قلن: أنت أغلظ وأفظّ من رسول الله. فقال رسول الله: والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان قطّ سالكًا فجًّا إلّا سلك فجًّا غير فجّك. أخبرنا محمد بن عمر قال: وحدّثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبى وقّاص عن أبيه عن جدّه قال: كنّ عنده نساء النبيّ، ﷺ، يستكسينه فدخل عمر على ذلك فذكر كذلك. * * *