page 513, entry [257]Open original source
غزوة رسول الله، ﷺ، أحُدًا (¬١) ثمّ غزوة رسول الله، ﷺ، أُحُدًا يوم السبت لسبعِ ليالٍ خلونَ من شوّال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من مُهاجَره. قالوا: لمّا رجع مَن حضر بدرًا من المشركين إلى مكّة وجَدوا العِيرَ التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موْقُوفَةً فى دار النّدْوة، فمشَت أشراف قريش إلى أبى سفيان فقالوا: نحن طيّبُو أنفُسٍ إن تُجَهّزوا برِبح هذه العير جيشًا إلى محمّد، فقال أبو سفيان: وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معى: فباعوها فصارت ذهبًا فكانت ألفَ بعير والمال خمسين ألف دينار، فسلّم إلى أهل العير رءوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يَرْبَحُون فى تجارتهم للدينار دينارًا، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٣٦] وبعثوا رُسُلَهُم يسيرون فى العرب يدعونهم إلى نصرهم، فأوعبوا وتألّب من كان معهم من العرب وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظُّعن، يعنى النساء، معهم ليذكّرنَهم قَتلَى بدر فيُحفِظنَهُم فيكونَ أحدّ لهم فى القِتال. وكتب العبّاس بن عبد المطّلب بخبرهم كلّه إلى رسول الله، ﷺ، فأخبر رسول الله، ﷺ، سعدَ بن الرّبيع بكتاب العبّاس، وأَرْجَفَ (¬٢) المنافقون واليهودبالمدينة، وخرجت قريش من مكّة ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمّى قبل ذلك الرّاهب، فى خمسين رجلًا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظُّعن خمسَ عشرةَ امرأة، وشاع خبرهم ومَسِيرهم فى النّاس حتى نزلوا ذا الحُليفة، فبعثَ رسول الله، ﷺ، عينَينِ له أنَسًا ومُؤنِسًا ابنى فَضَالة الظّفَريّين، ليلة الخميس لخمس ليالٍ مضينَ من شوّال، فأتيا رسولَ الله، ﷺ، بخبرهم وأنّهم قد خلّوا إبلهم وخيلهم فى الزرع الذى بالعُريض حتى تركوه ليس به خضراءُ (¬١). ثمّ بعث الحُبابَ بن المنذر بن الجَموح إليهم أيضًا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير وسعد بن عُبادة، فى عِدّةٍ ليلة الجمعة، عليهم السّلاحُ فى المسجد بباب رسول الله، ﷺ، وحُرست المدينة حتى أصبحوا. ورأى رسول الله، ﷺ، تلك الليلة كأنّه فى درع حصينة، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظُبَته، وكأنّ بقرًا تُذَبّح، وكأنّه مُرْدِفٌ كبشًا، فأخبر بها أصحابَه وأوّلَها، فقال: أمّا الدّرْع الحصينة فالمدينة، وأمّا انفصامُ سيفى فمُصيبةٌ فى نفسى، وأمّا البقر المذبّح فقتْلٌ فى أصحابى، وأمّا مردفٌ كبشًا فكبشُ الكتيبة يقتله الله إن شاء الله (¬٢). فكان رأى رسول الله، ﷺ، أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحبّ أن يوافَق على مثل رأيه فاستشار أصحابَه فى الخروج فأشار عليه عبد الله بن أُبىّ بن سَلول أن لا يخرج، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله، ﷺ: امكثوا فى المدينة واجعلوا النساء والذّرارىّ فى الآطام (¬٣). فقال فتيانٌ أحداثٌ لم يشهدوا بدرًا فطلبوا من رسول الله، ﷺ، الخروج إلى عدوّهم ورغبوا فى الشهادة: اخرجْ بنا إلى عدوّنا! فَغَلَبَ على الأمر الذين يريدون الخروج، فصلّى رسول الله، ﷺ، الجمعة بالنّاس ثمّ وعظهم وأمرهمبالجدّ والجِهاد وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيّؤ لعدوّهم ففرح النّاس بالشّخوص ثمّ صلّى بالنّاس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالى (¬١)، ثمّ دخل رسول الله ﷺ، بيتَه ومعه أبو بكر وعمر فعمّماه وأَلْبَساه (¬٢) وصفّ (¬٣) النّاس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن مُعاذ وأسيد بن حُضير استكرهتم رسولَ الله، ﷺ، على الخروج والأمرُ ينزل عليه من السماء فرُدّوا الأمرَ إليه (¬٤). فخرج رسول الله، ﷺ، قد لبس لأمته (¬٥) وأظهر الدرع وحزم وسطَها بمِنطَقَةٍ من أَدَم من حمائل السيف، واعتمّ وتقلّد السيف وألقى الترس فى ظهره، فندموا جميعًا على ما صنعوا وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنعْ ما بدا لك، فقال رسول الله، ﷺ: لا ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتُكم به فافعلوه وامضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم (¬٦). ثمّ دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حُضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحبُاب بن المنذر، ويُقال إلى سعد بن عُبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويُقال إلى مُصعب بن عُمَير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثمّ ركب رسول الله، ﷺ، فرسه وتنكّب (¬٧) القوسَ وأخذ قناةً بيده والمسلمون عليهم السّلاحُ قد أظهروا الدّروع فيهم مائة دارع، وخرج السّعدانِ أمامَه يعدُوَانِ: سعد بن مُعاذ وسعد بن عُبادة، وكلّ واحد منهما دارعٌ والنّاس عن يمينه وشماله. فمضى حتّى إذا كانبالشّيخين، وهما أُطُمان -كان يهودى ويهودية يقومان عليه يتحدثان، فلذلك سميا بالشيخين، وهما فى طرف المدينة- (¬١) التفت فنظر إلى كتيبة خشناء (¬٢) لها زَجَلٌ (¬٣) فقال: ما هذه؟ قالوا: حُلفاء ابن أُبىّ من يهود: فقال رسول الله، ﷺ: لا تستنصروا بأهل الشّرك على أهل الشرك. وعَرض من عرض بالشيخين فردّ مَن ردّ وأجاز مَن أجاز (¬٤). وغابت الشمس وأذّن بلال المغرب فصلّى النبىّ، ﷺ، بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلًا فى بنى النجّار، واستعمل على الحَرَس تلك الليلة محمّدَ بن مَسلمة فى خمسين رجلًا يُطيفون بالعسكر. وكان المشركون قد رأوا رسول الله، ﷺ. حيث رَاحَ ونَزَل. فاجتمعوا واستعملوا على حَرَسهم عِكْرمة بن أبى جهل فى خيل من المشركين، وأدلج رسول الله، ﷺ، فى السَّحَر ودليله أبو حَثْمة (¬٥)الحارثى فانتهى إلى أُحُد إلى موضع القنطرة اليوم فحانَت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالًا وأذّن وأقام فصلّى بأصحابه الصبح صفوفًا (¬١). وانخزل ابن أُبىّ من ذلك المكان فى كتيبة كأنّه هَيْقٌ (¬٢) يقادمهم وهو يقول: عصانى وأطاع الوِلدَانَ ومَن لا رأىَ له، وانخزلَ معه ثلاثمائة، فبقى رسول الله، ﷺ، فى سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبى بُرْدَةَ بن نِيار، وأقبل يصفّ أصحابه ويسوّى الصّفوف على رجليه، وجعل ميمنةً وميسرةً وعليه درعان ومِغْفَر وبَيْضة، وجعل أُحُدًا خلف ظهره واستقبل المدينة، وجعل عَينَينِ (¬٣) جبلًا بقَناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرّماة، واستعمل عليهم عبد الله بن جُبَير وأوعز إليهم فقال: قوموا على مصافّكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشرَكونا، وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا (¬٤). وأقبل المشركون قد صفّوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل، ولهم مُجنِّبتان (¬٥) مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صَفوان بن أميّة، ويقال عمرو بن العاص، وعلى الرّماة عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رامٍ، ودفعوا اللّواء إلى طلحة بن أبى طلحة، واسم أبى طلحة عبد الله بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصىّ. وسأل رسول الله، ﷺ: من يحمل لواء المشركين؟ قيل: عبد الدار، قال: نحن أحقّ بالوفاء منهم، أين مُصعَب بن عُمير؟ قال: هَأنَذا، قال: خُذ اللّواء، فأخذه مصعب بن عُمير فتقدّم به بين يدى رسول الله، ﷺ (¬٦).فكان أوّلَ من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق، طلع فى خمسين من قومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبًا بك ولا أهلًا، يا فاسق! قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ، ومعه عَبيدُ قريش، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولّى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار والدّفوف والغرابيل (¬١) ويحرّضن ويذكّرنهم قَتلَى بدر ويقلن: نَحنُ بنَاتُ طارِقْ … نَمشى عَلى النّمَارِقْ إنْ تُقبِلُوا نُعانِقْ … أوْ تُدْبِروا نُفارِقْ فِرَاقَ غَيرِ وامِقْ (¬٢) قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرّماة يَرْشُقون خيل المشركين بالنبل فَتُوَلِّى هوارب (¬٣)، فصاح طلحة بن أبى طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، فالتقيا بين الصفّين فبدره علىّ فضربه على رأسه حتّى فلق هامتَه فوقع، وهو كبش الكتيبة، فسُرّ رسول الله، ﷺ، بذلك وأظهر التكبير، وكبّر المسلمون وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتّى نَغَضَت (¬٤) صفوفُهم، ثم حمل لواءَهم عثمان بن أبى طلحة أبو شيبة وهو أمَامَ النسوة يرتجز ويقول: إنّ عَلَى أهلِ اللّواءِ حقّا … أنْ تُخضَبَ الصّعدَةُ أوْ تَنْدَقَّا (¬٥) وحمل عليه حمزة بن عبد المطّلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكَتِفَه حتى انتهى إلى مُؤتَزَرِهِ وبدا سَحرُه (¬٦)، ثمّ رجع وهو يقول: أنا ابن ساقى الحَجِيج، ثمّ حمله أبو سعد بن أبى طلحة فرماه سعد بن أبى وقّاص فأصاب حَنجَرَتَه فأدلع (¬٧) لسانَه إدْلاعَ الكلب فقتله، ثمّ حمله مُسافِع بن طلحة بن أبىطلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الأقْلَح فقتله، ثمّ حمله الحارث بن طلحة بن أبى طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم حمله كلاب بن طلحة بن أبى طلحة فقتله الزُّبير بن العوّام، ثمّ حمله الجُلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عُبيد الله، ثم حمله أرطاة بن شُرَحبِيل فقتله على بن أبى طالب، ثمّ حَمله شريح ابن قارظ فلسنا ندرى مَن قتله، ثمّ حمله صُؤاب غلامهم وقال قائل: قتله سعد ابن أبى وقّاص، وقال قائل: قَتَله علىّ بن أبى طالب، وقال قائل: قَتَله قُزْمان، وهو أثبتُ القول (¬١). فلمّا قُتل أصحاب اللواء انكشَفَ المشركون منهزمين لا يلوون على شئ، ونساؤهم يدعون بالويل، وتَبِعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلّم الرّماة الّذين على عَينَين واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جُبير فى نَفَر يسير دون العَشَرة مكانهم، وقال: لا أجاوز أمرَ رسول الله، ﷺ، ووعظَ أصحابَه وذكّرهم أمرَ رسول الله، ﷺ، فقالوا: لم يُرِدْ رسول الله، ﷺ، هذا، قد انهزم المُشركون فما مُقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم وخلّوا الجبل، ونظرَ خالد بن الوليد إلى خَلاء الجبل وقلّة أهله فكرّ بالخيل وتبعه عِكْرِمة بن أبى جهل فحملوا على مَن بقى مِن الرّماة فقتلوهم، وقُتل أميرهم عبد الله بن جُبير، ﵀. وانتقضت صفوف المسلمين واستدارَت رَحاهم وحالتِ الرّيح فصارت دَبُورًا، وكانت قبل ذلك صبًا (¬٢). ونادى إبليس لعنه الله: إنّ مُحمّدًا قد قُتِل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضًا ما يشعرون به من العَجَلَة والدّهَش، وقُتل مُصعَب بن عُمير فأخذ اللواءَ مَلَكٌ فى صورة مُصعَب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تُقاتل، ونادى المُشركون بِشعارهم: يا للعُزّى! يا لَهُبَل! وأوجعوا فى المسلمين قَتلًا ذريعًا، وولّى مَن ولّى منهم يومئذ وثَبتَ رسول الله، ﷺ، ما يزوليرمى عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمى بالحجر، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلًا: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصّدّيق، رضى الله عنه، وسبعة من الأنصار، حتى تحاجزوا ونالوا من رسول الله، ﷺ، فى وجهه ما نالوا، أُصيبَت رَبَاعِيته وكُلِم فى وجنتيه وجبهته وعلاه ابن قَمِيئة بالسيف فضرَبه على شقّه الأيمن، واتّقاه طلحة بن عُبيد الله بيده فشلّت إصبعه، وادّعى ابن قَمِيئة أنّه قد قتله، وكان ذلك ممّا رعّب المسلمين وكسرهم (¬١). * * *