page 42, entry [37]Open original source
العامل الرّابع: أن الصّحابة- رضوان اللَّه عليهم- كانوا مغرمين بالتّفقه والتعلّم مولعين بالبحث والتنقيب، مشغوفين بكلام اللَّه وكلام رسوله روى البخاريّ ومسلم أن ابن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: «اقرأ عليّ القرآن» [ (٤) ] قلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:«إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. وكذلك كان الصّحابة همّتهم أن يقرءوا القرآن ويستمعوه روى الشّيخان عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ «إنّي لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنّهار» [ (١) ] . أليس هذا الولوع بالكتاب والسّنة من دواعي تثبتهم فيهما كما هو من دواعي حفظهم لهما، لأن اشتهار الشّيء وذيوعه ولين الألسنة به يجعله من الوضوح والظّهور بحيث لا يشوبه لبس ولا يخالطه زيف، ولا يقبل فيه دخيل.