page 1088, entry [1816]Open original source
١٦٣٤ - (س) داود بن نصير، أبو سليمان، الطائيّ، الكوفيّ (¬٢) ذكر الخطيب في "تاريخه" عن أبي نعيم قال: كنت ببغداد عند داود وبها المهدي عشرين ليلة، فسمع يومًا ضوضاء فقال ما هذا؟ قالوا: أمير المؤمنين. قال: وهو هنا؟ ! وعن وكيع قال: قيل لداود: حدَّثنا. فقال: أريد أن أقعد مثل المكتب مع قوم يتحفظون سقط كلامي؟ وقال الوليد بن عقبة: لم يكن في حلقة أبي حنيفة أرفع صوتًا من داود. وقال ابن المبارك قيل له -وحائطه قد تصدَّع-: لو أمرت برمه؟ فقال: داود كانوا يكرهون فضول النظر. وفي "تاريخ ابن أبي خيثمة": كان داود من أبصر الناس بالنحو، وكلم الحجاج بن أرطأة يومًا، فقال له الْحَجَّاج: الكلام كلام عربي، والوجهُ وجه نبطي. فقال داود: إنَّ قومي ليعرفون نَسبي، وما أدعي لغير أبي. وأتاه الحسين بن قحطبة الأمير يسأله عن مسألة مِرَارًا فلم يجبه، وقيل له: يا أبا سليمان؛ لو مشيت. فقال: لو كنت ماشيًا لمشيت إلى الصلاة. وقال الخطيب: وعن الوليد قال: رأيتُ رجلا قال لداود: ألا تسرح لحيتك؟ قال: إنني عنها مشغول.واحتجم يومًا فدفع إلى الْحَجَّام دينارًا، فقيل له: هذا إسراف. فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له. وقالت له أخته: لو تنحيت من الشمس إلى الظل؟ فقال: هذه خُطًا لا أدري كيف تُكتب. وقال له إنسان عنده -وقد أكربه الحر-: لو خرجنا من الدار نستروح؟ فقال: إني لأستحي من اللَّه أن أخطو خطوة لذة. ودخل عليه أبو الربيع الأعرج بعد المغرب فقرَّب إليه كسيرات يابسة قال: فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار، فقلت: رحمك اللَّه، لو اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء؟ فقال: إذا كنت لا أشرب إِلا باردًا، ولا آكل إلا طيبًا، ولا ألبس إِلا لينًا، فما أبقيت لآخرتي. وقالت جارية له: مكث عشرين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء. وورث داود من ابن عمٍّ له نحوًا من مائة ألف درهم، وعروضًا وغيرها، فقال: قد جعلت ما أصابني من ميراثي صدقة على أهل الحاجة. فقال له حماد بن أبي حنيفة: لو أبقيت بعضها لخلة تكون؟ قال: إني أحتسب بِهَا صِلة الرحم. وقالت له دايته: أما تَشْتَهِي الخبز؟ فقال: يا داية؛ بَيْنَ مَضْغِ الْخُبْزِ وَشُرْبِ الْفَتِيتِ قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً. وقال محارب بن دثار: لو كان داود في الأمم الماضية؛ لقصَّ اللَّه تعالى علينا من خبره. وذكره ابن حبان في جملة الثقات وخرج حديثه، وكذلك الحاكم النيسابوري. ولما ذكره ابن خلفون في "الثقات"، قال: قد سمع وتَفقَّه، وعرف النحو، وأيام الناس، وجلس بعد في بيته عشرين سنة. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: كنت إذا رأيت داود كان لا يشبه القُرَّاء، عليه قلنسوة سوداء طويلة مِمَّا يلبس التجار، قال: وكان أفصح الناس وأعلمهم بالعربية، وقد قال أبان بن تغلب: هذا أَعْلَم مَنْ بقي بالنحو. وقال الدورقي: حمل داود على سريرين أو ثلاثة، تكسر من الزحام، وصُلي عليه كذا وكذا مرة. وذكر ابن قانع أن وفاته سنة اثنتين وستين ومائة. وذكر ابن ظفر في "أنباء نجباء الأبناء": أنه لما حفظ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وله آن ذاك خمس سنين، رأته أمه يوم جمعة وهو مُقبل على الحائط مُفَكِّرًا يُشير بيديه، فخافت على عقله، فسألته أن يخرج ويلعب مع الصغار فلم يجبها، فولولت فقال: ما لَكِ يا أماه؟ قالت: يا ولدى، أين ذهنك؟ قال: مع عباد اللَّه في الجنة ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣].ومرَّ في السورة وهو شاخص، بلغ قوله تعالى: ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، فقال: يا أماه؛ ما كان سعيهم؟ قالت: لا أدري. فدخل أبوه فقال: يا بنى، قالوا: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه. قال: فلم يزل داود يكررها. وقيل: إِنَّه شَكَا جارٌ جارًا له، فجعل الشاكي يغلظ لخصمه ما لا ينبغي. فقال له داود: إن لسانك لرطب، فيبس لسان الرجل لساعته، حتى بقي كالعظم. فقال داود: اللهم أنت تعلم أني لم أرد هذا. فانطلق لسان الرجل، وتاب عن الملاحاة.